شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة.. تيكتوكر مغربية حسناء ترد على تعليقات الجمهور بشأن علاقتها العاطفية وارتباطها بصديقها اليوتيوبر السوداني    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    هل من أمل في الكرة السودانية؟    إيطاليا تقترب من المونديال    ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    حتى لا نخسر ما كسبناه    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بمناسبة يومها العالمى .. حقوق المرأة في أصول الإسلام .. بقلم: د. محمد محمد الأمين عبد الرازق
نشر في سودانيل يوم 07 - 03 - 2013

لقد أسس الإسلام مبدأ الحق الدستوري في المساواة التامة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات، كأساس لدعوته في مكة على مدى ثلاثة عشر عاما، والسند لذلك، إنما يلتمس في آصل أصول القرآن في إقرار مبدأ المسئولية الفردية أمام الله.. قال تعالى: (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) وقال:(ونرثه ما يقول ويأتينا فردا) وقال (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى) وقال أيضا: (كل نفس بما كسبت رهينة).. ولما كان الإنسان رجلا أو إمرأة، مسلما أو غير مسلم، مسئول ومحاسب بصورة فردية بهذه الدقة، وهذا الشمول، فلا بد أن يكون الإنسان حرا في التصرف ليتعلم في التجربة بين الخطأ والصواب، وإلا، فلا معنى للحساب!! ولذلك فقد أعطى القرآن في أصوله الحرية كاملة للإنسان، لكي يتصرف، بلا حدود، بشرط ألّا يتعدى على حريات الآخرين، فإذا تعدى تصادر حريته وفق قانون دستوري، والقانون الدستوري هو الذي يوفق في سياق واحد بين حاجة الفرد إلى الحرية وحاجة الجماعة إلى العدالة.. ولقد دعم الإسلام الفرد، لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، بالمنهاج التربوي ليقوى عقله فتزيد باستمرار مقدرته على إحسان التصرف..
والآيات التي أسست مبدأ الحرية نزلت في مكة: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)، (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)..
وعلى هذا الأساس الدستوري، فإن أي حقوق منقوصة إنما تجد تبريرها في ملابسات تطور المجتمع والأفراد من القصور نحو المسئولية.. وهكذا نزل التشريع بحقوق المرأة في المدينة، إلى مستويات أقل مما ادخره الإسلام في آصل أصوله كما أشرنا، إذ أن المرأة نفسها لم تكن مؤهلة للمساواة ولا المجتمع كان مستعدا لينهض بالحكم الدستوري..
إذن السؤال هو: هل كانت في واقع مجتمع القرن السابع ظروف موضوعية تقنعنا بأن تلك الحقوق المنقوصة نفسها كانت ضرورة لا يمكن تجاوزها في الشريعة!!؟؟
في الحقيقة، إن قضية المساواة في الحقوق قد قطعت البشرية شوطا بعيدا نحوها، إذ أن مفهوم الحق الدستوري قد ترسخ بفضل الصراع الاجتماعي الطويل من أجل العدالة، وانتقل من خانة الأعراف ليستقر في مواثيق دولية في كل حين.. ولذلك وبالقياس إلى ما أنجزته تلك المواثيق، ينظر إلى موضوع حقوق المرأة في الإسلام ويبحث على صفحات الصحف، وفي الندوات وورش العمل الفكري.. لكن الناس بصورة عامة، والمسلمين منهم بصورة خاصة، لا يعرفون للمرأة حقوقا في الإسلام غير الحقوق المعروفة في الشريعة السلفية التي طبقت في القرن السابع.. وقد عبرت احدي الباحثات عن شعورها بنقصان حقوقها في الشريعة التي بين أيدينا، فقالت : (بيننا وبين حقوق المرأة جزر كثيفة من النصوص ) وهي تشير الي نصوص القرآن المدني التي شرعت في إطار الوصاية بعد أن نسخت نصوص الأصول المكية، التي قلنا أنها أسست الحق الدستوري، ويجدر أن نذكر هنا أن ذلك التأسيس كان قبل المواثيق الدولية بأربعة عشر قرنا!!
ولتسليط الضوء علي فكرة الأستاذ محمود محمد طه حول تطوير التشريع من الفروع الي الأصول، فيما يختص بحقوق المرأة، نقتطف هذا الجزء من كتابه (تطوير شريعة الأحوال الشخصية ):
المرأة
تحدثنا عن الرق، وكيف أنه ثمرة الحروب، والمغارات، وكيف أن الرجال يسترقون، والنساء يسبين، فيضممن إلى الرقيق، أو يضممن إلى الحريم، فظهر، من ههنا، حظ المرأة المسبية.. فما هو حظ المرأة الحرة؟؟ أهي رقيق أيضا؟؟ أم هل هي ملكة؟؟ إن وضع المرأة في الأسر وضع غريب حقا.. إنها ليست رقيقا، بالمعنى المفهوم عن الرق، ولكنها ليست حرة.. فالرقيق يكاد يعامل من وجهة نظر واحدة، هي الشعور بأنه مال مملوك، ضمن المال.. ولكن المرأة تعامل من وجهة نظر تنبعث من خليط من المشاعر.. فهي مملوكة، وإن اختلف نوع ملكيتها عن ملكية الرقيق.. وهي محبوبة، وحبها يبعث على استحواذ الرجل عليها.. وهي ماعون الولد، والحرص على إنقاء النسب يسوق إلى تشديد الرقابة عليها.. وهي ضعيفة، في مجتمع الفضيلة فيه للقوة.. وهي متهمة، ومظنة خطيئة، فلا ترى لها عفة مرعية إلا عفة يسهر عليها الرجل..
يقول شاعرهم في ذلك:
أسكين، ما ماء الفرات وطيبه مني على ظمأ وبعد شراب
بألذ منك، وان نأيت، وقلما ترعى النساء أمانة الغياب
من هذه المواقف المختلطة، ومن مشاعر غيرها، تدخل في بابها، جاءت معاملة المرأة، وضرب عليها الحجاب، وعوملت معاملة القاصر، المتهم.. ونزع أمرها من يدها، وجعل إلى أبيها، أو أخيها، أو وليها من أقاربها الأدنين، أو قد يجعل لمطلق رجل من العشيرة، أو للحاكم، أو لزوجها.. ولا يكاد يختلف حظ المرأة في بلد، دون بلد، إلا اختلافا طفيفا.. وعندنا في الجزيرة العربية، عندما أشرقت عليها شمس الإسلام، كانت الأنثى تعامل شر معاملة.. وكان التخلص منها يعتبر مكرمة من المكارم، وكانت، من أجل ذلك، تدفن حية.. ولقد جاء الإسلام بتقريعهم على هذا الصنيع الشنيع.. قال تعالى: ((وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به.. أيمسكه على هون؟؟ أم يدسه في التراب؟؟ ألا ساء ما يحكمون!!)).. وقال تعالى، في موضع آخر: ((وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت؟؟)) وهي إنما كانت توأد حية لأمر من أمرين، أو لكليهما معا: إما خوف المضايقة في الرزق الضيق، أو خوف العار.. فقد كان المجتمع الجاهلي، في الجزيرة العربية، يعيش في ضنك شديد، وفي جوع عضوض.. وكان مجتمعا لا يرعى تنظيمه قانون، فهو يمثل قانون الغابة، في أبشع صوره، حتى أنهم قالوا: ((من غلب سلب)).. وكانت الأنثى، في مجتمعهم هذا، تكلفهم المشقة، والجهد الجهيد، في إعالتها، وفي حمايتها من غارات المغيرين، من أشقياء القبائل الأخرى.. ومع كل أولئك فقد كانت معاملتها كرقيق مملوك أظهر صيغ معاملاتها.. فكان الجاهليون يتزوجون العشر، والعشرين زوجة.. يستغلون النساء، يستولدونهن، ويستخدمونهن في بعض أعمالهم.. وهم عن طريق الزواج، يمارسون الرق.. ولا تزال صور بشعة، من هذا الاسترقاق عن طريق الزواج، تمارس في المجتمعات المتخلفة المعاصرة.. ونحن، في بعض أجزاء بلادنا، نعرفها.. وعندي أن التسلط على المرأة، حين يكون معتدلا، ومستهدفا حماية عرضها، وصون عفتها بضرب الحجاب المعتدل عليها، يكون أمره مقبولا بمقتضى حكم الوقت.. ولكن هناك كثيرا من التسلط عليها، ممن لا يهتمون بصونها، ولا بعفتها.. فيرجع الأمر إلى الملكية، و الاسترقاق.. ومهما يكن من الأمر، فإن الاعتدال في معاملة النساء أمر نادر.. فالحجاب الذي يضربه المسلمون اليوم على نسائهم، في بعض البلاد الإسلامية، فيه شطط يمليه سوء الظن، والغيرة المتهمة، وحب تسلط القوي على الضعيف.. فقد جاءت الشريعة الإسلامية السلفية بضرب من الحجاب، فيه الاعتدال المطلوب، والقصد الحميد، ولكن الناس يتجاوزونه، بدوافع مما أسلفنا ذكره..
ثم إن الإسلام ورث هذه الأوضاع البشعة التي كانت تجري في مجتمع الجاهلية.. فحسم المشتط منها حسما.. ولكنه لم يكن ليتخلص من سائرها، فينهض بالمرأة إلى المستوى الذي يريده لها في أصوله، وما ينبغي له أن يتخلص، وما يستطيع.. ذلك بأن حكمة التشريع تقتضي التدريج.. فإن الناس لا يعيشون في الفراغ.. والمجتمعات لا تقفز عبر الفضاء، وإنما هي تتطور تطورا وئيدا، وعلى مكث.. فوجب على التشريع إذن أن يأخذ في اعتباره طاقة المجتمع على التطور، وحاجته الراهنة فيجدد قديمه، ويرسم خط تطوره، ويحفزه على السير في المراقي.. وهذا ما فعله التشريع الإسلامي.. فإنه قد احتفظ بتعدد الزوجات، ولكنه حصره في أربع، مراعيا، في ذلك، أمرين حكيمين. هما إعزاز المرأة، وحكم الوقت.. فأما حكم الوقت فإنه قد كانت المرأة تعيش في المستوى الذي أسلفنا ذكره، وما كانت إذن لتستطيع أن تمارس حقها في المساواة، بين عشية وضحاها.. وإنما كانت لا بد لها من فترة انتقال، تتهيأ خلالها لتنزل منزلة عزتها، وكرامتها، كاملة، غير منقوصة.. ومن حكم الوقت أيضا أن كان عدد النساء أكبر من عدد الرجال، وذلك لما تأكل الحروب منهم، فرأى الشارع الحكيم: أنه أن يكن للمرأة ربع رجل، يعفها، ويصونها، ويغذوها، خير من أن تكون متعنسة، بغير رجل.. وكذلك سمح بالتعدد إلى أربع.. فقال: ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء، مثنى، وثلاث، ورباع.. فإن خفتم ألا تعدلوا، فواحدة)) وقال، في موضع آخر: ((وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا، أو إعراضا، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا.. والصلح خير.. وأحضرت الأنفس الشح.. وإن تحسنوا، وتتقوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرا .. ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم.. فلا تميلوا، كل الميل، فتذروها كالمعلقة.. وإن تصلحوا، وتتقوا، فإن الله كان غفورا رحيما..)) فهو ليصل إلى شريعته هذه المتمشية مع حكم الوقت، تنزل عن أصله، وتجاوز عن العدل التام، وسمح ببعض الميل، فقال: ((فلا تميلوا، كل الميل)) مع إنه، لولا حكم الوقت، لم يكن ليسمح إلا بالعدل التام.. وهو، في أصول الدين، لا يتجاوز عن بعض الميل.. وفي أمر المال فإنه أشرك الأنثى في الميراث، ولكنه جعلها على النصف من الرجل، فقال،: ((للذكر مثل حظ الأنثيين)) وأدخلها في عدالة الشهادة، ولكنه جعلها على النصف من الرجل أيضا، فقال: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم.. فإن لم يكونا رجلين، فرجل، وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)).. إن هذه الشريعة السلفية عادلة، وحكيمة، إذا اعتبر حكم الوقت.. ولكن، يجب أن يكون واضحا، فإنها ليست الكلمة الأخيرة للدين.. وإنما هي تنظيم للمرحلة، يتهيأ بها، وخلال وقتها، المجتمع، برجاله ونسائه، لدخول عهد شريعة الإنسان، ويتخلص من عقابيل شريعة الغابة، خلاصا يكاد يكون تاماً.. ويومئذ تعامل المرأة، في المجتمع، كإنسان.. لا كأنثى.. ذلك هو يوم عزها المدخر لها في أصول الدين..))..
ويواصل الكتاب:
الوصاية:
بينا أن الشريعة الإسلامية، حيث قامت على آيات الفروع، فقد قامت على عهد الوصاية.. وهو عهد لا بد أن يكون مرحلياً فإنه، إلا يكن كذلك، تكن آيات الأصول، وهي قمة ديننا منسوخة، وإلى الأبد بآيات الفروع، وهي دونها بما لا يقاس.. ومعنى هذا أن يقدم المفضول على الفاضل، وهذا ما لا يكون لأنه يتنافى مع الحكمة.. فلم يبق إلا أن نسخ الفاضل بالمفضول هو نسخ مؤقت.. والحكمة وراءه إنما هي نقل المجتمع المتخلف، في المراقي، ليستعد ليستأهل آيات الأصول.. وحيث كانت الأمة قاصرة، وكان النبي وصياً حتى على الرجال، فإن الرجال، بدورهم، وعلى قصورهم قد جعلوا أوصياء على النساء.. وذلك لمكان قصورهن الكبير، الذي ورثنه من العهد الجاهلي.. والآية التي تقوم عليها وصاية النبي على الرجال، هي آية الشورى وقد أوردناها من قبل ونصها: ((فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا، غليظ القلب، لانفضوا من حولك.. فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر.. فإذا عزمت فتوكل على الله.. إن الله يحب المتوكلين)).. قوله: ((فإذا عزمت فتوكل على الله)) هو الذي يحمل سر الوصاية.. فكأن الشورى مأمور بها، ولكن رأي المستشارين غير ملزم.. فلكأنه قال: شاورهم في الأمر، لتطيب خواطرهم، ولتصحح، عندهم، احترام بشريتهم، ولتجعل لهم مشاركة في أمورهم، ولتعدهم ليخرجوا من دور القصر إلى دور الراشدين.. فإذا كان رأيهم موافقاً لرأيك، أو لم يكن لك رأي عتيد فيما شاورتهم فيه، وعزمت على تنفيذ ما أشاروا به.. فتوكل على الله، ونفذ.. أما إذا كان ما أشاروا به لا يتفق مع ما ترى، وعزمت على تنفيذ ما تراه صواباً، فاطرح رأيهم.. فإنه غير ملزم لك، وتوكل على الله في تنفيذ ما ترى.. هذا شأن الأوصياء الراشدين، مع القصر الذين جعلوا تحت وصايتهم.. هذا الفهم لطبيعة الشورى لا يحتاج منا إلى طويل تفصيل، فإنه، في التجارب المعاشة عندنا الآن، صاحب الأمر غير ملزم باستشارة المستشار، هذا في المكان الأول، ثم هو، إن استشاره، فإنه، على التحقيق، غير ملزم بالأخذ بمشورته، وإنما هو يستشير ليستأنس برأي المستشار.. هذا إذا كان المستشار صاحب اختصاص، فما ظنك به إذا كان قاصرا؟؟ أليس من الغريب أن توهم هذه الآية أحدا بأنها آية ديمقراطية؟؟ والآية التي تقوم عليها وصاية الرجال على النساء، هي آية: (( الرجال قوامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات، حافظات للغيب، بما حفظ الله، واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن.. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا.. إن الله كان عليا كبيرا)).. قوله: ((الرجال قوامون على النساء)).. يعني أوصياء عليهن، لهم عليهن حق الطاعة.. السبب؟؟ ((بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم..)).. والفضيلة، ههنا، هي، في المكان الأول، فضيلة جسدية.. هي قوة الساعد، وقوة الاحتمال، والمقدرة على الانتصار في مآزق الحروب، أو مضانك كسب العيش.. فإن الفضائل تختلف اختلافا كبيرا من مجتمع لآخر، فما هو فضيلة في مجتمع بعينه، قد لا يكون فضيلة في مجتمع آخر.. فإنك أنت اليوم في مدينة أم درمان، حيث حكومة القانون قائمة، وحيث رجال الأمن ساهرون، فليس من الفضيلة أن تسير في الشوارع وأنت تحمل سلاحا، سيفا كان، أو حربة، أو بندقية، ابتغاء أن تعتدي على من قد يعتدي عليك.. ولكن الفضيلة في أن تطمئن إلى القانون وأن تحترم القانون فلا تأخذه في يدك، وإنما تحرك دولابه ليقتص هو لك ممن اعتدى عليك.. ثم أن صنيعك هذا الذي اعتبر فضيلة في مدينة أم درمان لا يعتبر فضيلة في بادية الكبابيش، أو في جبال البحر الأحمر، أو في أحراش الجنوب، وإنما تكون الفضيلة في هذه المواطن أن تسير وأنت تحمل من السلاح ما تردع به من عسى تحدثه نفسه بالتعرض لك بالمكروه، أو، على أيسر تقدير، ما ترهبه به.. هذا هو اختلاف الفضيلة بين مجتمع المدينة مثلا ومجتمع الغابة.. وعلى نحو من هذا الأساس تقاس الفضيلة في قوله: ((بما فضل الله بعضهم على بعض)).. وبسبيل من هذا تجيء المقدرة على كسب الأرزاق، وإحراز الأموال.. ومن ثم: ((وبما أنفقوا من أموالهم (( فكأن المرأة، لمكان ضعفها الجسدي، وضعفها الوظيفي، في معترك الفضيلة فيه، في أغلب الأحيان، لقوة الساعد، ولفرصة الخلو من الموانع التي تعوق الكدح، والسعي، قد أصبحت محتاجة إلى من يغذوها، ومن يحميها.. ومن ثم، فقد اضطرت، فدفعت قسطا كبيرا من حريتها ثمناً تحرز به حمايتها، وغذاءها.. لعمري!! ليس الأمر بهذه الغلظة، ولا هو بهذا الجفاف!! ولكن، لا ضير! فإن ما ذكر يعطي صورة، عن قاعدة التعامل، في بداياتها، على وجه العموم..
يتضح من هذا الاستقراء اليسير، أن قانون الإنسان كلما أديل من قانون الغابة، تصبح المرأة مستغنية عن حماية الرجل.. فلا تكون مضطرة، من أجل الحماية، أن تنزل عن قسط كبير جدا من حريتها كثمن لها.. ذلك بأن الحماية - حماية الرجل، وحماية المرأة - ستحال على القانون، كما رأينا في المثل الذي ضربناه.. ويومئذ تنتقل الفضيلة، من قوة العضل، إلى قوة العقل، وقوة الخلق، ولن يكون حظ المرأة، في هذا الميدان، حظا منقوصا، وإنما هي فيه مؤهلة لتبز كثيراً من الرجال.. وما يقال عن الحماية يقال عن النفقة التي هي سبب القوامة الثاني: ((وبما أنفقوا من أموالهم)).. فإنه، في المجتمع الذي تكون فيه الفضيلة لقوة العقل، وقوة الخلق، تتيسر المكاسب للضعاف، كما تتيسر للأقوياء، أو تكاد.. وفي القرآن آية عتيدة، هي أس الرجاء لمستقبل المرأة: ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة.. والله عزيز حكيم))..
ولقد أسلفنا القول بأن المعروف هو ما تواضع عليه الناس، نتيجة لتمرسهم بمشاكل الحياة، ونتيجة، تبعا لذلك، لتطورهم في مراقيها، بشرط واحد، هو ألا يكون هذا المعروف الذي تواضعوا عليه معوقا لغرض من أغراض الدين.. وجماع أغراض الدين كرامة الإنسان.. فنحن المسلمين، اليوم، بعد أن أنفقنا أربعة عشر قرنا من ممارسة الحياة، ومن التطور معها، أصبح عندنا من ((المعروف )) أن نعلم الفتاة في أساليب العلوم الغربية، وإلى أعلى المراحل، حتى لقد أصبح عندنا الطبيبة، والقاضية، والمحامية، والمعلمة في أعلى المستويات، والمهندسة، والزراعية، والبيطرية، والإدارية.. ولقد أنجزت فتياتنا، في كل أولئك، إنجازات تشرح الصدر، وتقر العين.. ولا يمكن لعاقل، أو لغير عاقل، أن يزعم أن صنيعنا هذا بالفتاة من المنكر، وليس من المعروف، وبالطبع فإن نهوض الفتاة بهذا المستوى من الواجب يعطيها الفرصة في التمتع بحق مساو له.. هذا هو معنى قوله تعالى: ((لهن مثل الذي عليهن بالمعروف)).. حقوقهن لقاء واجباتهن((حذوك النعل بالنعل)).. هذا هو الحق والعدل وأما قوله: ((وللرجال عليهن درجة)) فهو لا يعني في هذا المستوى، درجة التفضيل في المساواة أمام القانون، وإن وقع التفضيل بالدرجة في منطقة الأخلاق.. ومهما يكن من الأمر، فليس مطلق رجل أفضل من مطلق امرأة.. هذا ما لا ينبغي، ولا يكون، والواقع المعاش يرفضه..
والآن فإنا، بفضل الله، ثم بفضل هذا ((المعروف ))الذي تواضعنا عليه، والذي أملته علينا طبيعة الحياة المعاصرة، حيث أخذنا بتعليم الفتاة في أعلى المراحل، قد أصبحنا نعيش تناقضا واضحا مع شريعتنا السلفية.. لدينا اليوم، في الخرطوم، قاضية شرعية، تخرجت من كلية الحقوق، بجامعة الخرطوم.. وهذا يعني أنها تمارس، أو من حقها أن تمارس حقها في تطبيق الشريعة الإسلامية على المتحاكمين إليها، على قدم المساواة مع زميلها الذي تخرج معها.. ولكن هذه الشريعة تقول أن شهادة هذه القاضية إنما هي على النصف من شهادة زميلها هذا.. أكثر من هذا!! فإن شهادتها إنما هي على النصف من شهادة رجل الشارع!! فهل هذا قول سليم؟؟ لعمري!! إن الخلل ليس في الدين، ولكنه إنما هو في العقول التي لا يحركها مثل هذا التناقض لتدرك أن في الأمر سرا.. هذا السر هو ببساطة شديدة، أن شريعتنا السلفية مرحلية.. وأنها لا تستقيم مع قامة الحياة المعاصرة.. وأنها، لتستطيع استيعاب هذه الحياة، وتوجيه طاقتها الكبيرة، لا بد لها من أن تتفتق، وتتطور، وترتفع من فروع القرآن إلى أصوله.. هذا ما تعطيه بدائه العقول، بله حكمة الدين.. فإنه، إلا يكن هذا الأمر الذي نزعمه صحيحا، يكن الدين قد استنفد أغراضه، وأصبح عاجزا عن التصدي لتحديات الحياة المعاصرة.. وهذا ما لا يقول به رجل أوتي أبسط الإلمام بأصول الدين..
انتهى..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.