السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    حاكم النيل الازرق يصدر قرارا بتعديل ساعات حظر التجوال واستعمال المواتر    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تدابير الانتقال السياسي .. كينيا نموذجاً (1) .. بقلم: عارف الصاوي –نيروبي
نشر في سودانيل يوم 13 - 03 - 2013


[email protected]
مقدمة
هذه سلسلة قراءة تحليلية تتحدث عن صعوبات التي واجهت التسويات السياسية التي عقدت في القارة الافريقية .في الجزء الاول كان يتعلق باخر تطورات الفترة الانتقالية التي عاشتها كينيا 2008 الي 2013 وانتهت بفوز اهورو كينياتا كرئيس رابع لكينيا ،متعرضين الي التحديات التي تواجهه واهمها موضوع المحكمة الجنائية .في الجزء الثاني من المقال سنتناول نظرة مقاربة مع الاوضاع في السودان وزيمبابوي وكينيا ،كيف عاشت مرحلة الانتقال من ازمة حكم الي معالجتها .سننظر الي التحديات والعثرات التي واجهت تلك البلدان .لنتناول في الجزء الاخير امكانية عقد تسوية سياسية في السودان تمهد لفترة انتقالية جديدة ؟
كينيا في يوم عبورها :
أعلنت مفوضية الانتخابات الكينية السبت الماضي المرشح اوهورو كينياتا 67 عاما رئيسا رابعا لجمهورية كينيا متقدما علي المرشح رائيلا اودينغا رئيس الوزراء السابق باكثر من 650الف صوت بنسبة 50.07% من جملة الاصوات البالغة 14 مليون ناخب .رائيلا اودينغا المرشح الخاسر في الانتخابات والذي حصل علي 47 % من الاصوات أعلن امس نيته الطعن في نتيجة الانتخابات امام المحكمة العليا والتي اكدت امس جاهزيتها لاستقبال شكوي حزب رائيلا والرد عليها خلال اقل من اسبوعين .
أعلان نتيجة الانتخابات امس لم يكن حدثا عاديا .بل كان مشحوناً بالتوقعات والخوف والحذر والسيناريوهات مختلطة بذكريات اخر انتخابات شهدتها البلاد في العام 2007 واحداث العنف الدامية التي اعقبت اعلان نتيجتها .لذلك كنت دائما ما اسال الكينيين السؤال المفتاحي لي في النقاش حول توقعاتهم لما يمكن ان يحدث في هذه الانتخابات ؟محاولا فهم شعورهم مع ذاكرة العنف وتهيأتهم للتعايش الاجتماعي بينهم .معظم الردود كانت تؤكد لي ان الكينيين فهموا الدرس واستوعبوا قسوة العنف ودماره لحياتهم وبالتالي قناعتهم بانه ما كسب احد من العنف قط .كان مهما للعالم ان يلحظ مدي الاستقرار السياسي والاقتصادي لكينيا وهي تدبر امرها في عملية انتقال سياسي ناجح بعد احداث العنف
وقصة التدبير السياسي هذا ليس امرا ابتدعه الكينيون وانما هو نموذج التراضي السياسي المعروف والمصالحة ثم التعاقد علي وثيقة تحكم النشاط البشري في البلد المعين .وبمثل ما اصطدمت كل المفاهيم السياسية في السودان وزمبابوي وساحل العاج ودول اخري حدث وان اشتبكت هذه المفاهيم في نموذج الانتقال السياسي لكينيا عقب احداث العنف .
فالبلد التي تقتتل فيها لمجوعات الاجتماعية علي اساس الخلفية الاثنية او العشايرية او الدينية او حتي الايدلوجية يلزمها مرحلة للتعافي من هذا الداء الخطير ،لانه وبطبيعة الحال يؤدي في النهاية الي نتائج كارثية كلها مرتبطة بالتخلف والفقر وتباطئ سرعة النمو .وبما ان الحال مفهوم علي اساس ان مفاهيم مثل العدالة والانتقال الديمقراطي والسلام تشتبك هنا في مصلحة الناس بتعلية قيمتهم في المنظومة السياسية وبالضرورة زيادة وعيهم بالتعاون وتعاقدهم علي هذا الاساس ،فأن ما حدث في كينيا بصراحة يشير ملحمة البناء التي تمت خلال الفترة من 2008 الي 2013 .
في انتخابات العام 2007 خرجت الاحتقانات الاثنية التي كانت كامنة خلف النظام الديكتاتوري لدانيال اراب موي الذي حكم كينيا من 1978 الي 2002 .نتيجة هذه الفترة ان العيوب لم تكن تظهر فنظام موي المركزي يتستر علي ما كان يحدث في واقع الحال وبالتالي عجز المجتمع في ان يعبر عن شروط تعايشه وسلامه واغلقت منافذ الحوار بين المكونات المختلفة .في اول تجربة لانتخابات خارج سلطة حزب كانو "حزب الرئيس موي "خرجت التناقضات الكامنة في المجتمع وانفجرت كينيا من شرقها الي غربها في موجة عنف خلفت 1200 قتيل وقرابة الاثنين مليون مشرد .ذلك كان الاثر الواضح الذي امتدت اليه اصابع المراقبة الدولية لتحصيه وتعده عدا نقدا .بجانب كل ذلك كان هناك الاثر الذي اهتم به الكينيون انفسهم وهو الحالة السئية التي انحدر اليها الناس وهم يتساءلون عن القبيلة سؤال المؤامرة الكبري وتخرج الاراء مصنفة علي اساس الهوية الاثنية .كان هذا قبل ان يروا تراجع الاقتصاد مع العنف ،وكيف ان الاعمال تضررت وسعر الصرف تقافز الي المجهول ،وراس المال هرب بحثاً عن الامن والسلام .
بروفيسر صومالي في جامعة نيروبي يحكي لي قصة طويلة يقول مطلعها ان الانهيار شئ يحدث في لمح البصر .ثم يكمل صورته مع عائلته هاربا من الصومال مع مئات الالاف من النازحين والمهاجرين بعد ان استباح امراء الحرب البلاد .يقول :"وانا في طريقي الي الحدود الكينية رايت الاف المغادرين من البلاد حينها فقط تأكد لي ان ما يحدث الان لا يمكن اعادته بسهولة ..شئ حدث في لمح البصر يكلفنا الان سنين لاعادة الامور الي حالها "والبروفيسر الكيني ميسون كانيتا يضيف للقصة ما حدث لبلاده حينما تقاتل الناس علي اساس الهوية الاثنية في كل شارع من شوارع كينيا وقولته تتلخص في التالي "ان الانهيار يحدث حينما تستهين بمقدماته ،ولو اننا تقاعسنا بعد ان راينا 1200 شخص يموتون خلال اسابيع لفقدنا بلادنا الي الابد ".
شرعت كينيا مباشرة وهي تتعافي من عثراتها التاريخية التي مرت بها بعد انتخابات 2007 في اتفاق سياسي بوساطة من الامين العام السابق كوفي عنان وقراسا ميشيل زوجة نيلسون مانديلا ،بتكليف من الاتحاد الافريقي للتوسط بين الرئيس مواي كيباكي وزعيم الحركة الديمقراطية البرتقالية رائيلا اودينغا .افضي الاتفاق علي تشيكل حكومة ائتلاف وطني مؤقته تلتزم باجندة محددة تتعلق بالاصلاح السياسي والقضائ ومحاسبة المتورطين في احداث العنف واجازة دستور دائم للبلاد واجراء انتخابات خلال اربع سنوات تنتهي في 2012 "تم تاجيلها عام لتُعقد في 2013 .
اأُتفق علي ان يرأس الفترة الانتقالية مواي كيباكي الرئيس الذي اعلنت مفوضية الانتخابات فوزه بالجولة في عملية حولها شكوك كثيرة ،وقبل رائيلا اودينغا بان يتولي رئاسة الوزارة "اتفق الطرفان علي اعلانات دستورية مؤقتة تحدد صلاحيات الرئيس وصلاحيات رئاسة الوزراء وخلال 4 سنوات تهتم حكومة الائتلاف الوطني ،اولاً:بعملية مصالحة اجتماعية كبري لمعالجة الاثار المترتبة علي العنف وبعد ذلك يُتاح المجال السياسي للجميع بما في ذلك النشاط السياسي وحرية التعبير وعمل منظمات المجتمع المدني .في الفترة من 2008 الي 2013 مارس الجاري حدثت في كينيا النقلة النوعية الرئيسية وهي التصويت علي دستور دائم في استفتاء اجري العام 2010 ،وقبل الدستور اطلع الكينيون علي رؤية استراتيجية وضعتها النخبة الكينيه متمثلة في تحالف المجتمع المدني والثينك تانك والاعلام والاكادميين عرفت برؤية كينيا 2030 التزمت بها الحكومة علي ان تكون الرؤية الاستراتيجية للبلاد .
امس الاول انتهت تلك الفترة الانتقالية التي استمرت خمس سنوات بانتخاب تحالف اهورو كينياتا ووليم روتو لقيادة كينيا خمس سنوات جديدة .اهورو كينياتا هو ابن الزعيم السياسي واول رئيس لكينيا جومو كينياتا ،ويعتبر حكم كينياتا هو استمرار لتفضيل الاستعمار الانجليزي لقبيلة الكيكيو ،وكما حدثت في كثير من الاقطار الافريقية تنازعت حركات الاستقلال الافريقي في مفاهيم اساسية تتعلق بكيفية ادارة البلاد بعد الاستعمار ،وفيما كان جومو كينياتا يؤسس مع الانجليز علي منهج ادارة البلاد بالحكم المركزي مستفيدين من نمو قبيلة الكيكيو وترقيهم الاجتماعي \التعليمي \الاقتصادي او الطبقي ،بدأ نجم الاستاذ المدرسي دانيال اراب موي يلمع من منطقة الأخدود العظيم كسياسي بافكار الحكم الفيدرالي ممثلا ومدعوما من قبيلة الكالنجي ،ومتحدثا باسم حزب اخر يدعي الاتحاد الافريقي الديمقراطي الكيني "كادو "، وفلسفته الرئيسية هي الدعوة الي الحكم الفيدرالي .كان جومو كينياتا يتحدث من منبر "كانو "الاتحاد الوطني الافريقي عن الحكم المركزي .قبيل استقلال البلاد في 1960 دعا جومو كينياتا كل الاحزاب لتاسيس البلاد والعمل معاً ،اندمج حزب "كادو" مع حزب "كانو " واصبح دانيال اراب موي وزيرا للتعليم ثم نائبا للرئيس في 1963 .عند وفاة جومو كينياتا في 1978 تولي رئاسة البلاد موي حتي العام 2002 .خلال 24 عاما حكم دانيال موي البلاد بقبضة حديدية فارضا سلطته علي كل البلاد ،وعُرفت هذه الفترة بفترة نيايو وهي التعبير الذي ابتدره موي كايدلوجيا فترة حكمه يعني بالسواحلية "خطوات الاقدام " وكان ذلك المصطلح يعني ان ينظم الخطوات وقع الحافر بالحافر علي طريق جومو كينياتا ،مغلقاً الباب علي حلفاء الامس المطالبين بالحكم الفيدرالي وفي ذات الوقت عزز تحالفه مع قبيلة الكيكو بمراعاة مصالحها واستيعاب تميزها الاقتصادي والتعليمي .استمرت فترة موي حتي وصول مواي كيباكي من قبيلة الكيكيو الي الحكم عبر انتخابات اجريت العام 2002 بعد محاولتين فاشلتين 1992 و1997 كان دائما يفوز بها دانيال اراب موي .
الخلفية التاريخية هذه لا تتجاهل باي شكل من الاشكال التحالفات الاجتماعية والقبلية التي ساعدت بعض الرؤساء في الوصول الي الحكم باي طريقة كانت .فهذه التركيبة لم تكن غائبة ولن تغيب قريبا من الصراع السياسي لا في كينيا ولا في اي بلد افريقي اخر تشكل فيه الارض اساس الصراع السياسي .
طريق اهورو كينياتا الي قصر الرئاسة :
تقلد اهور كينياتا حقيبة وزارة المالية في تشكيلة حكومة الائتلاف الوطني بعد المصالحة السياسية ،في ذلك الوقت كانت لجنة ثامبو امبيكي تحقق في جرائم العنف التي اعقبت انتخابات 2007 ،لتتوصل اللجنة بعد ذلك بان هناك جرائم ضد الانسانية ارتكبت وتورط فيها سياسيون ذو مناصب رفيعة ،وتحول الملف بناء علي هذه الملاحظة الي المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لتحديد هوية المسؤولين عن العنف وتقديمهم الي محكمة الجنائيات الدولية .سمي المدعي العام 4 مسؤولين من العنف من ضمنهم كان اهورو كينياتا وزير المالية ونائب رئيس الوزراء، اضافة الي وليم روتو وزير الزراعة واخرين .
بكل بساطة كانت قائمة المدعي العام ذات ملامح سياسية غاية في الوضوح .فقد سمت اثنان من كل فريق ،اهورو كينياتا وعلي محمد مدير الشرطة من جانب الرئيس كيباكي ووليم روتو واعلامي في اذاعة محلية من جانب رئيس الوزراء رائيلا اودينغا .ذهب اربعتهم للمثول امام المحكمة الجنائية ولم يستطع المدعي العام تقديم ادلة كافية للمحكمة لتنظر في القضية ،وطلبت من المدعي العام ان يعزز قضيته بادلة كافية تسمح بانشاء قضية .بالنظر الي الجدل الواسع الذي تفجر علي اساس قضية العدالة وتاهيل المحكمة الكينية لتنظر في اي قضية بكفاءة وعدالة .فالدستور الذي اجيز في العام 2010 اعطي القضاء استقلالية وميزانية تاهيل معتبرة ،وبشهادات قانونيين دوليين وافارقة فان القضاء الكيني استطاع ان يثبت خلال الفترة الانتقالية مهنية عالية .فضلا عن ذلك فان فصل السلطات بالكامل كان محل اعجاب الكثيرين بجانب التقيد بالدستور كرجعية اساسية ،وفي حالة تحقيق هذا المستوي المتقدم في الانتقال السياسي يلتزم العالم باستيعاب الدولة من ميزات العولمة و التجارة .غني عن القول الاستثمار الاجنبي الذي تدفق علي كينيا جراء تعاونها مع المحكمة الجنائية كان واضحاً،وغني عن القول ايضا الميز الاستثمارية التي دفعت راس المال الاوربي والامريكي والصيني والياباني يتنافسون علي كينيا .بنظر كثيرين هنا في كينيا منهم محللين وناشطين ان شروط تحسين النظام السياسي تعني عمليا تاهيل القضاء للنظر في اي قضية مهما كان مستواها .وبالتالي فانه يضبح منطقيا اي مطالبة باعادة محاكمة السياسيين الكينيين امام القضاء الكيني .يتفق الناس ويختلفون في معني سحب قضيتهم من مخالب محكمة الرجل الابيض او حتي امكانية ذلك .لكن حدث ما لم يكن متوقع ربما بحسابات السياسيين الغربيين
ما حدث:
اهورو كينياتا ووليم روتو عادا من لاهاي بينهما امور كثيرة مشتركة .ساعدتهما المحكمة في ان يفهما مصيرهما المشترك ربما ،وربما ان دافعهما هو ان كينيا لا يمكن ان تدار بالمؤامرات التي يتهمون بها احيانا رائيلا اودينغا ،فوليم روتو الرجل الناشط في الحركة الديمقراطية البرتقالية ،التي يتزعمها رائيلا اودينغا ،خرج من الحركة في بيان مشهود من الناس حينما قرر المثول امام المحكمة الجنائية .في لاهاي تشكلت علاقات اثنين يمثلان مرجعية لها تاريخ طويل في حكم كينيا .لم تخرج السلطة منهما قط .منذ جومو كينياتا الي ابنه اهورو كينياتا لم تخرج كينيا من حكم حلف الكيكيو \الكالنجي
في انتخابات 2007 -2008 تشكل الحلف علي اساس مختلف ،فرائيلا اودينغا كان قد كسر تحالف الكيكيو \الكالنجي التاريخي وتحالف مع الكالنجي عبر وليم روتو .لم تمضي الامور علي مايرام بين رائيلا اودينغا ووليم روتو اذ خرج الاخير من الحركة البرتقالية قبل ان يعيد التحالف مع اهورو كينياتا مرة اخري في تحالف عرف ب "جوبيليي".بالنظر الي جدول نتيجة الانتخابات يمكن ان نستشف عاملين اديا لخسارته .في منطقة الاخدود العظيم حيث يعيش الكالنجي بكثافة سكانية كبيرة اتضح ان الكالنجي علي قلب رجل واحد ،ففي تلك الدوائر كانت نسب فوز اهورو \روتو عالية بما لا يقارن مع نسب رائيلا .ثم في وسط كينيا حيث يعيش الكيكو كانت نسب اهورو ايضا متقدمة .اما في مناطق غرب كينيا كان رائيلا قد خسر قبيل الحملة الانتخابية حليفه ونائبه في الحركة ماسالا مودفادي .قد لا يكون صحيح دائما قراءة الانتخابات الكينية علي اساس توزيع القبائل او الاثنيات .لكن اي تحليل هذا العامل بالكامل يخطئ قراءة ما يحدث في كينيا .الفرق الذي احدثه انسحاب مودافادي من الحركة البرتقالية كان فرقا ظاهرا خصوصا في المناطق التي يعيش في اللويا بكثافة .في ساحل كينيا حقق رائيلا اصوات اعلي لكن لم تكن حظوظ اهورو \روتو معدومة ،خصوصا اذا تلقوا دعم سياسي محنك كنجيب بلاله .
قال وليم روتو قبل ان يقدم اهورو كينياتا ليلقي خطابه الاول كرئيس لكينيا (ان اول مره قابلت فيها اهورو ،اعطاني رقم هاتفه ،وحفظت الرقم ب"بي اف ون " ثم اعطاني رقمه الثاني وحفظته "بي اف تو ") كان روتو يقصد انه منذ 12 عاما شعر بان اهورو سيكون رئيس المستقبل في كينيا .سالت صحفي كيني ان كان تدبير تحالفهما امر مبكر ؟قال لي "ما يعرفه ان الرئيس دانياال اراب موي كان يدعم ترشيح اهورو كينياتا ليخلفه كمرشح من حزب كانو .واضاف بما يتمتع به الرئيس موي من شعبية في منطقة الاخدود العظيم وتقديره غير المخفي لوليام روتو واهورو كينياتا لا يستبعد ان تكون له محاولات مستمرة في الجمع بينهما في تحالف واحد .لكن لا اعلم ان كان ذلك قبل 12 عاما او اقل ".
في اللحظات التي بدأت فيها الحملة الانتخابية ظهرت صورتان لتحالف اهورو \روتو صورة لسياسيين من جيل جديد ،شباب وشابات متطوعين في حملتهما والصورة الثانية هي الثراء والذكاء في الحملة ،لتستفيد من تناقضات كثيرة .بالمقابل كان كرت رائيلا في الحملة الانتخابية هو كرت المحكمة الجنائية الدولية وفي ديسمبر الماضي حينما عقد مؤتمر حزبه كان الجو العام في المؤتمر يشير الي صداقات ورغبة المجتمع الدولي في رائيلا . اعتقد اودينغا ان ذلك يكفي لجعل الكينيين مضطرين للتصويت له .كثير من الناس اقتنعوا بان دعم المجتمع الدولي لرائيلا وسيف المحكمة الجنائية الدولية سيجعل الكينيين يخشون علي مستقبلهم لو سلموا امرهم الي رئيس ونائبه مطلوبين للمحكمة الجنائية .دول كثيرة حاولت ان تبعث برسائل مباشرة وغير مباشرة الي الكينيين تدعوهم لعدم التصويت الي اهورو وروتو المطلوبين للعدالة الدولية .شئ حدث فاجأ الكثيرين وهو ان يفوز اهورو كينياتا وكانات قياسات الراي التي تجري تشير الي فوز رائيلا من الجولة الاولي . المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية قالت في فبراير الماضي ان لديها ادلة جديدة وشهود عيان جدد في قضية العنف الذي حدث في كينيا وطلبت من اهورو كينياتا والمتهمين الاخرين المثول امامها .لكن محاميي اهورو طلبو تاجيل الجلسة الي شهر يونيو المقبل لانشغال المتهم بالحملة الانتخابية .مهم ان نذكر هنا الي ان مجموعة حقوقيين كانوا قد قدموا طعنا في ترشح اهورو الي القضاء الكيني وكان حكم القضاء بان ليس لديه ادلة تمنعه من الترشح .القضية اذن ان اهورو كينياتا قد فاز في انتخابات جرت في جو من الممارسة الديمقراطية عالي ،وفاز بعد ما لم يتمكن مدعي المحكمة الجنائية من تقديم اي ادلة تدينه ،وفاز بعد ان حاولت جهات كثيرة ارسال رسائل الي الكينيين للصعوبات التي تواجههم باختيار ااهورو !حني الان لا ندري شئيا عن الادلة والشهود التي جمعتها المدعية العامة وستقدمها في يونيو المقبل .لكن بغض النظر فان خيارات المجتمع الدولي في التعامل مع قضية كينيا والمحكمة يعرض المحكمة والمجتمع الدولي نفسه لخيارات صعبة ، عليه ان يختار منها ،فهو لا يستطيع ان يقول كما قال كرسبي المهرج في مسلسل الكرتون الامريكي الشهير سيمسون ،حينما ظهر في اعلان تلفزيوني وهو في حالة من الانهيار العصبي لفقدان امبراطورية البيرغر الخاصة به 44 مليون دولار يقول "انتم ايها الناس خنازير .....سابزغ علي واحد من كل خمسين بيرغر " رد سيمسون وهو يشاهد التلفاز من علي اريكته "ممممممممممم احب الاحتمالات "
فالمجتمع الدولي لن يقول للكينيين انتم خنازير لانكم صوتم للرجل الخطأ ،كما ان وضع كينيا لا يحتمل الاحتمالات خصوصا لو من متعجرف !


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.