"الاستخبارات السودانية": توقيف 6 من عناصر "بوكو حرام" بالبلاد    أجمع المسلحين بجاي والباقين بهناك: يسروا السلام ولا تعسروه .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    الولايات المتحدة تعلن أنها ستعين سفيرا في السودان للمرة الأولى منذ 23 عاما    التلاعب بسعر واوزان الخبز!! .. بقلم: د.ابوبكر يوسف ابراهيم    الناتو وساعة اختبار التضامن: "النعجة السوداء" في قِمَّة لندن.. ماكرون وأردوغان بدلاً عن ترامب! .. تحليل سياسي: د. عصام محجوب الماحي    توقيف إرهابيين من عناصر بوكو حرام وتسليمهم إلى تشاد    صراع ساخن على النقاط بين الفراعنة والأزرق .. فمن يكسب ؟ .. بقلم: نجيب عبدالرحيم أبو أحمد    نمر يقود المريخ إلى صدارة الممتاز .. السلاطين تغتال الكوماندوز .. والفرسان وأسود الجبال يتعادلان    ايها الموت .. بقلم: الطيب الزين    الشاعر خضر محمود سيدأحمد (1930- 2019م): آخر عملاقة الجيل الرائد لشعراء أغنية الطنبور .. بقلم: أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك    طموحات الشباب ما بعد الثورة ... آمال محفوفة بالصبر والقلق    تشكيلية سودانية تفوز بجائزة "الأمير كلاوس"    ياسر عرمان: الوضع الحالي هش ويحتاج ألا تحتكر أي جهة واحدة الحقيقة .. لا يمكن استئصال فكرة الإسلام السياسي ويجب ألا نأخذ الإسلاميين ككتلة صماء    جنوب كردفان تُطالب بتقديم مزيد من الدعم والإعانات للنازحين بالولاية    مطالبة بضرورة تحسين الوضع الغذائي    مسؤول أمريكي يبلغ حمدوك بالإجراءات لإسقاط السودان من لائحة الإرهاب    وزير الطاقة يكشف عن سياسة تشجيعية لمنتجي الذهب    اتفاق سوداني امريكي على رفع التمثيل الدبلوماسي    اتفاق بين الخرطوم وواشنطن على رفع التمثيل الدبلوماسي    النطق بالحكم في قضية معلم خشم القربة نهاية ديسمبر الجاري    بنك السودان يسمح للمصارف بشراء واستخدام جميع حصائل الصادر    العطا: المنظومة العسكرية متماسكة ومتعاونة    د. عقيل : وفاة أحمد الخير سببها التعذيب الشديد    لماذا يجب رفع الدعم عن المواطنين ..؟ .. بقلم: مجاهد بشير    مجلس الوزراء يُجيز توصية بعدم إخضاع الصادرات الزراعية لأي رسوم ولائية    نوم العوافي .. في الشأن الثقافي .. بقلم: د. أحمد الخميسي    أساتذة الترابي .. بقلم: الطيب النقر    تعلموا من الاستاذ محمود (1) الانسان بين التسيير والحرية .. بقلم: عصام جزولي    الطاقة تكشف عن سياسة تشجيعية لمنتجي الذهب        اتّحاد المخابز يكشف عن أسباب الأزمة    إكتمال تنفيذ الربط الكهربائي السوداني المصري    والي الخرطوم يتفقد ضحايا حريق مصنع "السيراميك"    في بيان من مجلس الوزراء الإنتقالي: حريق هائل بمصنع سالومي للسيراميك بضاحية كوبر يتسبب في سقوط 23 قتيلاً وأكثر من 130 جريح حتي الان    مقتل 23 شخصا وإصابة أكثر من 130 في حريق شمال العاصمة السودانية    مصالحة الأقطاب ودمار العقول .. بقلم: كمال الهِدي    مبادرات: مركز عبدالوهاب موسى للإبداع والإختراع .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    من يخلصنا من هذه الخرافات .. باسم الدين .. ؟؟ .. بقلم: حمد مدنى حمد    وفاة الفنان الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم    حريق هائل في المنطقة الصناعية بحري يؤدي لوقوع اصابات    تدشين الحملة الجزئية لاستئصال شلل الاطفال بمعسكر ابوشوك            "دي كابريو" ينفي صلته بحرائق الأمازون    الفلاح عطبرة.. تحدٍ جديد لنجوم المريخ    الحل في البل    مولد وراح على المريخ    بعثة بلاتينيوم الزيمبابوي تصل الخرطوم لمواجهة الهلال    الهلال يطالب بتحكيم أجنبي لمباريات القمة    فرق فنية خارجية تشارك في بورتسودان عاصمة للثقافة    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أمراض السلطة: (أنموذج البلاد العربيّة) .. إعداد/ د. أحمد محمّد أحمد آدم صافي الدِّين
نشر في سودانيل يوم 26 - 03 - 2013


torshain Adam [[email protected]]
لا شيء أفضل من أن يكون الإنسان على طبيعته وسجيته وفطرته، ولا شيء أفضل من أن تسير الأمر وفق منطق طبائع الأشياء. فتدخل يد وعقل الإنسان، هو أمر مفسد لكثير من الأشياء.اعترف بداية بأن هذه المقالة حظي فيها التلخيص والهضم لتكون كبسولة مناسبة للقراء، وقد قمت ضمن ذلك بإدراج بعض الشواهد وتوضيح بعض الفقرات، حتى يشعر القارئ بأن المقال ينبع من البيئة التي يعيشها، ليعالج مشكلات معقدة فيها. فقد استفدت من مقالة منشورة للدكتور محمّد المهديّ، وهو استشاري في مجال الطّب النّفسيّ، وهي تشكل تصوراً كاملاً للمقال، لا يحتاج إلى إضافة. إنّ النقد العلمي والموضوعي خير سبيل لتقديم النصح الهادف: لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. فعلى الرغم من الناس في زمننا هذا، لا يقبلون الحق إلا من أهل مذهبهم، يظل في تقديم النصح تبرئة للذمة، وتبصيراً للناس. ففي ظل الاستقطاب الحاد، وتباين المواقف، وتقاطع المصالح، والتكتل، وتمترس كل فئة للتربص بالأخرى، تكثر لا يخدم قضية لوطن. هنالك أنظمة عربية تهاوت ثم وسقطت في كل من: مصر، وليبيا، واليمن، وتونس، وهنالك أنظمة أخرى تعاني ما تعاني من عوامل الزعزعة والاستقرار، فمصيرها الحتمي هو الزوال. بينما تنعم أنظمة أخرى بالاستقرار لأسباب بعضها من صنع أيديها، وبعضها الآخر هبة من الله. وأياً كان الأمر، فان الزعزعة والاستقرار له مبررات موضوعية،وفق سنن الله في الكون. يشير الدكتور محمد المهدي إلى أن هناك ما يسمى بالأمراض المهنية, تلك الأمراض التي يصاب بها أصحاب مهنة معينة نتيجة تعرضهم لمخاطر ممارسة هذه المهنة خاصة إذا مارسوها لفترات طويلة . فما هي الأمراض التي يمكن أن تصيب أصحاب السلطة ؟ وما تداعيات هذه الأمراض عليهم وعلى من هم تحت سلطتهم ؟ وما وسائل الوقاية والعلاج من هذه الأمراض ؟ ربما لن يجد المرء تفسيراً لكثير من ممارسات أهل السلطة من غير أن يستعين بنظرية المجال التي مفادها أن الإنسان يختلف باختلاف المجال الذي يوجد فيه.فالشخصيات التي تدخل دائرة المجال المغناطيسي، لا سيما إذا كانت القيمة الحقيقية لها متدنية فهي في هذه الحالة تفقد ثباتها الضعيف من البداية. الجامعات تخرج كل عام عشرات الآلاف من الطلاب، من بينهم النابغة، والذكي، وصاحب الموهبة العادية، ومنهم المتبلد الذهن، ولكن في خضم معترك الحياة، تتمايز الصفوف، فيرتقي ضعفاء المواهب ليكونوا ساسة يسوسون الامور بغير عقل وفكر، في وقت يتدهور فيه أصحاب العقول والعطاء، لأسباب عدة هي من صنع الإنسان. وتظل عملية فقدان المعايير، والأثرة، والواسطة وفقدان الأمانة، هي العامل الجوهري وراء اختلال الموازين.
فمن قبل انشغل عالمان كبيران بدراسة هذا الظاهرة هما: (نيقولا مكيافيلي) الذي تصور سيكولوجية السلطة من خلال كتابه " الأمير " و(جوستاف لوبون) الذي تصور هو الآخر سيكولوجية الجماهير الخاضعة للسلطة. صدم العالمان الوعي الإنساني العام بما كتباه، فالحقيقة مرة كما يقال. فمن أهم الخصائص النفسية للسلطة :1- الرغبة في الاستقرار والاستمرار 2 – الرغبة في خضوع الآخرين وكسب ولائهم 3- الهاجس الأمني الذي يجعل السلطة في حالة خوف وحذر واستنفار.4- الضيق بالمعارضين ودفعهم بعيدا عن دائرة النفوذ والتأثير .5- العناد والكبر .6- الميل للانتقام ممن يهدد أو يظن أنه يهدد استقرار أو استمرار أو هيبة السلطة.7 – الازدواجية (الانفصام) : بمعنى أن السلطة تعلن مبادئ معينة تبدو براقة ومثالية وعادلة وفى ذات الوقت تخفى أنانيتها وحرصها الشديد على مصالحها الذاتية , وهو ما يعرف بالفجوة بين الأيديولوجية والسيكولوجية , فالسلطة تصدر للجماهير شيئا وتحتفظ لنفسها بشيء آخر , وبمعنى آخر فإن السلطة رسميا مع الأيديولوجية المثالية المعلنة ونفسيا مع مصالحها الذاتية. ومن جانب أخر فقد ذكر جون كينيث في كتابه "تشريح السلطة" أن هناك ثلاث كيفيات لممارسة السلطة هي: 1- الكيفية القسرية: وهى تقوم عل العنف والقهر والترويع للرعية حتى تحكم السلطة قبضتها عليها. وهذه السلطة تميل إلى استخدام قوانين الطوارئ وإلى تقوية أجهزة الشرطة والجيش وإلى استعراض القوة في كل مناسبة وحتى بغير مناسبة , ويصبح الجهاز الأمني هو صمام الأمان ومبرر الوجود لهذه السلطة , وبالتالي لا تهتم بالحوار مع الجماهير أو محاولات إقناعهم أو استمالتهم أو إرضائهم بالوسائل السياسية أو غيرها , وإنما هي دائما تستخدم الحل الأمني بشكل مفرط . وهذا هو أكثر أشكال السلطة بدائية ووحشية وغباء , وهذا النمط منتشر بكثرة في دول العالم الثالث المتخلفة . 2- الكيفية التعويضية : هذه السلطة تنال رضا شعبها عن طريق المكافآت المادية وفرص الرفاهية والاستهلاك وبعض الحرية الفردية , فكأنها تشترى ولاء الشعب برشوته ببعض التعويضات المادية , وتنتشر هذه الكيفية في الأنظمة الرأسمالية الليبرالية . وهذه السلطة تسرق إرادة شعبها ولكن بصورة أكثر قبولا حيث تخلو من العنف والازدراء .3- الكيفية التلاؤمية: وهى تعنى تبادل الرأي واحترام كل طرف للآخر واللجوء للتثقيف والإقناع والحوار الحقيقي , ووجود حالة من الشفافية والتعددية الحقيقية , والتوازن بين السلطة والشعب . كما حدد ست أنماط للسلطة هي:1- السلطة المنطقية. 2- السلطة غير المنطقية : وهى تتسم بالغموض والعشوائية وعدم الاتساق.3- السلطة الأبوية : وفيها يعتبر صاحب السلطة نفسه أبا للرعية وفى نفس الوقت ينظر لرعيته على أنهم أطفال قاصرين لا يعرفون مصلحتهم ويمكن تزييف إرادتهم من خلال انتخابات وهمية تحقق لصاحب السلطة أهدافه.4- السلطة الفرعونية : وفيها يشعر الحاكم بملكية الوطن وملكية الشعب والأحقية المطلقة في التوجيه والتصرف , وهذه السلطة يصورها فرعون بقوله : (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتي). وقوله (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد). 5- سلطة السلطة : وهى تقوم على شرعية القوة الشرطية والعسكرية.6 – سلطة الفرد: وفيها يتحكم فرد في كل شيء ويمسك بكل الخيوط , ويلعب بقية الناس أدوار (الكومبارس).6- سلطة الإدارة : وهى تقوم على مؤسسات حقيقية معبرة عن إرادة الجماهير , وتوجد آليات حقيقية لمراقبتها ومحاسبتها وتعديل مسارها وتجديدها من وقت لآخر بطرق سلمية. أما أهم أمراض السلطة : فتتمثل في: أولاً الهاجس الأمني : أي سلطة يشغلها الجانب الأمني , ولكن يزداد هذا الانشغال حتى يصل إلى أقصى درجاته لدى السلطة غير المنطقية ولدى السلطة الفرعونية ولدى سلطة السلطة , والسبب في ذلك هو أن هذه الأنواع من السلطة، تشعر في دخيلة نفسها أنها اغتصبت شيئا هاما من الجماهير، لذلك فهي تتوجس خيفة من هذه الجماهير، ولا تصدق مظاهر ولاءها، لأنها تعلم يقينا أنها مظاهر كاذبة، وأن الجماهير تتمنى اللحظة التي تزول فيها السلطة سواء بأيديها أو بأيدي القدر , ولذلك تأخذ السلطة احتياطات أمنية كثيرة ومبالغ فيها تتناسب مع قدر خوفها من الجماهير، وعدم ثقتها بها أو احتقارها لها , فالسلطة التي تحتقر الجماهير تبالغ كثيرا في الحلول الأمنية والاحتياطات الأمنية، فهي ترى في هذه الجماهير بوادر الخداع والغدر، كما أنها ترى هذه الجماهير غير جديرة بالحوار السياسي أو الثقافي، وإنما هي تستحق التأديب بعصا غليظة، متمثلة في بطش الجهاز الأمني لأي نبضة تبدر من هذه الجماهير , فهذه السلطة ترى في الجماهير أكبر عدو يتربص بها، ولذلك تعد العدة لمقاومته وقهره ولا تدع له فرصة يفيق فيها أو يستعيد عافيته أو وعيه . وإذا حدث وخرج أحد من هذه الجماهير عن النص المسموح به، فإن السلطة تواجهه بكل قسوة (حتى لو أدى ذلك إلى تشوه صورتها في الخارج أو اتهامها بأنها ضد حقوق الإنسان) لأن ذلك يعطى العبرة للآخرين فلا يحاولون تهديد السلطة بعد ذلك , لأنهم يعرفون وسائل العذاب الرهيبة التي تملكها السلطة لكل من يخرج عن الإطار المرسوم , والسلطة في هذه الحالة تسعد ربما بنشر حوادث التعذيب وانتهاك الشرف للمعارضين، وذلك لبث الرعب في قلوب الباقين فيلزمون الصمت للأبد .أما الأثر الخارجي لهذه الممارسات فتعرف السلطة كيف تخفف من حدته ببعض التنازلات أو الرشاوى السياسية . ومن علامات اشتداد الهاجس الأمني كثرة عدد المنتمين للأجهزة الأمني،ة وكبر حجم الإنفاق على الجهاز الأمني من مرتبات ومعدات وأجهزة تنصت ومراقبة وتعذيب , وتجنيد عملاء سريين في كل مكان، ينقلون لها كل شيء يدور بين الناس خاصة في أماكن التجمعات . وجهاز الشرطة حين يستعين بهؤلاء العملاء السريين والعلنيين، يصبح عليه دفع فاتورة لهم لضمان استمرار تدفق المعلومات وضمان الولاء , والفاتورة تتمثل في تعيين هؤلاء العملاء في أماكن وظيفية مهمة , وشيئا فشيئا يحدث تغلغل سرطاني لهؤلاء العملاء بما يحملونه من صفات سيئة تساعد على تنامي الفساد بشكل كبير. والسلطة في هذه الأنظمة كثيرا ما تقوم بعمليات استباقية هدفها إجهاض أي محاولة حقيقية أو متخيلة لتجمع الجماهير الغاضبة أو المطالبة بحقها أو المتمردة على ظلمها , فتلجأ في سبيل ذلك إلى إصدار القوانين التي تحول دون تكون كتلة جماهيرية تكون قادرة في الحاضر أو المستقبل على تحريك الجماهير ضدها أو تكون نواة لتجمعات خطرة من وجهة نظر السلطة , وتحظر التجمعات والمسيرات وتستخدم قوانين الطوارئ والأحكام العرفية التي تسمح بالحركة السريعة للسيطرة على أي بادرة تجمع أو تظاهر . وقد يتم تقسيم الميادين أو الشوارع بحواجز حديدية للحيلولة دون تكون كتل كبيرة من الناس , وربما يتم تقسيم المدن والأحياء بناءا على هذه الاعتبارات الأمنية . فالسلطة تعرف جيدا سيكولوجية الجماهير وتعرف أنها ربما يطول سكوتها وخضوعها ولكنها حين تنتفض تجرف في طريقها كل شيء , فالجماهير في حالة ثورتها وانتفاضتها تصبح كيانا غير عاقل لا يستطيع أحد التحكم فيه أو كبح جماحه, فالجماهير حين تستشعر الظلم أو الطغيان أو إهدار الكرامة قد تسكت لبعض الوقت ولكنها عند نقطة معينة تنفجر انفجارا مفاجئا ( أو يبدو مفاجئا) فتتحول هي الأخرى إلى طغيان مقابل قد يدمر السلطة ويمتد أثره التدميري لأبعد من السلطة , فالغضب الجماهيري يكون مثل الطوفان لا يعرف أحد أين سيتوقف ومتى , فبركان الغضب يسعى نحو التدمير والتغيير ولا يوجد ميزان حساس في هذه الظروف يوائم بين قدر التدمير للأبنية السلطوية القائمة والمرفوضة وبين قدر التغيير المطلوب , ويزداد الخطر أكثر حين يكون انفجار الجماهير بغير قيادة, أي انفجار عشوائي منفلت يحدث تحت تأثير ضغط وقهر فاقا الاحتمال فانفجرت براكين الغضب دون ترتيب سابق ودون هدف محدد غير الانتقام ممن قهرها أو سحقها أو خدعها . وهناك أمثلة كثيرة لانتفاضات الجماهير حدثت بصور مفاجئة وأحدثت تغييرات جذرية , وقد قفزت هذه الانتفاضات فوق حواجز أمنية أسطورية مثل ما حدث في إيران وفى ألمانيا الشرقية ورومانيا وبولندا وغيرها . وعلى الرغم من وجود الخوف لدى الناس كأفراد إلا أنهم في حالة تجمعهم في مسيرات أو مظاهرات يقل هذا الخوف ويصل أحيانا إلى درجة التلاشي كما يزداد الإحساس بالظلم والإحساس بالكرامة المنتهكة فتنطلق الكتلة الجماهيرية، لا تعبأ بأي محاذير أو حسابات فمجموع الأفراد في هذه الحالة يكونون في حالة استلاب وقابلية شديدة للإيحاء والاستثارة، فإذا ظهرت قيادة لها تأثير (كاريزمي) في هذه اللحظات الحرجة، فإنها تأخذ الجماهير إلى حيث تريد، بشرط أن يكون ذلك في اتجاه التغيير والانتقام اللذان خرجت من أجلهما الجماهير. وللسلطة أساليب متنوعة أخرى في تمنع تكوين أي تجمع حزبي أو جماهيري مؤثر , ومن هذا قيامها بزرع عملاء داخل أي تجمع محتمل وتكون وظيفة هؤلاء الرصد لأي نبضة حركة وفى ذات الوقت ربما يقومون بعملية تفجير للتجمع من الداخل وذلك بإثارة الخلافات أو إحداث تيارات في اتجاهات متشتتة . والمهم لدى السلطة دائما هو عدم تكون ما يسمى بالكتلة الجماهيرية الحرجة تلك الكتلة القادرة على إزاحة النظام أو الضغط عليه ضغطا شديدا . ثانياً-تزييف الوعي: فالسلطة غير المنطقية أو غير الشرعية أو المستبدة لاستطيع الاستمرار لفترات طويلة إلا إذا قامت بعمليات تزييف للوعي الجماهيري فهي تريد أن تشكل هذا الوعي لكي يقبل منظومة السلطة وتوجهاتها ومصالحها دون الحاجة إلى الإفراط في استخدام القمع الأمني , لذلك تشكل أجهزة الدعاية والإعلام لدى السلطة الجناح الآخر لبقائها بجانب الجناح الأمني , فتقوم هذه الأجهزة بالمبالغة في إظهار إنجازات السلطة وتبرير أفعالها وتحويل هزائمها إلى انتصارات تاريخية كما تقوم بإضفاء صفات البطولة والحكمة والتضحية على رموز السلطة وتضع صورهم وتماثيلهم في كل مكان (وهو ما يسمى في علم النفس : الإعلان بالغمر أو الإعلان بالتكرار والإلحاح) فحيثما ذهبت يطالعك وجه القائد أو الزعيم أو تطالعك أقواله وإنجازاته وتوجيهاته . وتنجح عمليات تزييف الوعي أكثر في المجتمعات ضعيفة الثقافة التي لا تملك عقلية نقدية تزن بها الأمور , تلك المجتمعات القابلة للإيحاء والاستهواء والتنويم والتغييب , تلك المجتمعات العاطفية التي يسهل تحريك مشاعرها في الاتجاه الذي تريده الأدوات الإعلامية للسلطة . غير أن هذا التزييف يتراكم فيحجب الحقيقة عن السلطة وعن الجماهير ثم يجد الناس أنفسهم في حالة من الاضطراب وتكرار الكوارث والهزائم على الرغم من الوعود والبيانات الوردية المتفائلة , وهنا يقترب الخطر حين تكتشف الجماهير أنها تعرضت لحالة من الخداع المنظم خاصة وهى تعيش حياة تعسة كل يوم تكذب كل ما تبثه الآلة الإعلامية , عندئذ تشعر الجماهير بالغضب لسببين : الأول هو خداعها واللعب بها والثاني هو شقاءها الذي تعيشه في كل لحظة , عندئذ تحدث الانتفاضة أو يحدث الانفجار طالبا بالثأر ممن خدعوا وزيفوا وأفقروا . وهناك إرهاصات لفشل عمليات تزييف الوعي منها لا مبالاة الجماهير بما تقوله أجهزة إعلام السلطة أو التندر وإطلاق النكات عليها أو الانصراف عنها والبحث عن مصادر أخرى لمعرفة الحقيقة خاصة في أوقات الأزمات. ثالثاً- الإدعاء: فصاحب السلطة شيئا فشيئا يفقد تلقائيته ويتورط في سلوك ادعائي غير طبيعي وبعيدا عن الصدق والأصالة. رابعاً- العزلة: فكلما ابتعدت السلطة عن الشرعية والعدل وكلما طال التشبث بها زادت العزلة لأن صاحب السلطة يشعر في أعماقه بما يدور في أعماق الجماهير من رغبة في الانقضاض عليه لذلك يزيد باستمرار من احتياطات الأمن والسلامة خاصة إذا تكررت محاولات الاغتيال. خامساً- تضخم دافعي التملك والخلود: إن دافعي التملك والخلود من أقوى الدوافع في النفس البشرية , فالإنسان دائما يسعى إلى الخلود في الدنيا وينكر في أعماقه فكرة الموت . وكلما ا اتسعت دائرة نفوذه وانتشرت صوره وتماثيله في كل مكان كلما انزلق إلى الاعتقاد بفكرة خلوده , ولو أصابه المرض أو أدركته الشيخوخة وأيقن بفكرة موته فإنه يتمسك بملكه ويتعلق بخلوده من خلال أبنائه فيحرص على توريثهم كل ما استطاع أن يتملكه فهم امتداد لذاته , وهذه هي سيكولوجية الأنظمة التي تقوم على فكرة
التوريث حفاظا على بقاء الملك وخلود الذكر . وقد وقع في هذا صحابي مثل معاوية رضي الله عنه حين حارب عليا رضي الله عنه من أجل الخلافة وحين حرص بعد ذلك على توريث ابنه يزيد رغم ما كان يعرفه عنه من سلوك ينافى احتياجات هذا المقام. ومن سنن الله في الكون أن كل من يتعلق بالملك أو الخلود يزول منه لأن الملك لله وحده والخلود له وحده. سادساً-الرعب الدفين مما بعد السلطة ومحاولة استبعاد ذلك الاحتمال. ويكون ذلك بتطويل أمد السلطة قدر الإمكان في محاولة للهروب من المصير المشئوم. سابعاً-تضخم الذات: ومن هنا نفهم مغزى عزل سيدنا عمر رضي الله عنه لسيدنا خالد بن الوليد وهو في قمة انتصاراته وعظمة فتوحاته المذهلة , فكأن عمر خشي على خالد من الفتنة ( تضخم الذات) وخشي على المسلمين من الاعتقاد بأن النصر يأتي به خالد , وعمر (رضي الله عنه) صاحب رسالة تهمه القيم أكثر مما تهمه الفتوحات، لذلك لم يتردد في عزل خالد بن الوليد قبل أن يدخل في مرحلة الخطر، كما ذكرنا على الرغم من أنه صحابي جليل، وسيف الله المسلول . ويبدو أن سيدنا عمر (رضي الله عنه) كان يقظا لهذا الأمر في نفسه وفى غيره , فحين ولى أمر المسلمين وقف فيهم وقال : ( قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن وجدتم في خيرا فأعينوني وإن وجدتم غير ذلك فقوموني) , وكان دائم اللوم والتقليل لنفسه وكأنه يلجمها ويحميها من الزهو أو التضخم. ثامناً-التلوث (السيكوباتى) والفساد : إن الشخصية (البارانوية) والشخصية النرجسية هما أكثر شخصيتين يسعيان نحو السلطة , والسلطة بالنسبة لهما احتياج شخصي لتدعيم الذات وتضخيمها , ولعل كل هذا يحدث طبقا للمعايير (السيكوباتية) التي تهتم بالمبالغة في إعلان عكس ذلك فنجد مبالغة في الحديث عن الشفافية والطهارة والمبالغة في الطقوس والمظاهر الدينية الخالية من روحانيات الدين , في الوقت الذي يستشرى فيه الفساد ويتوحش. تاسعاً-إدمان السلطة: يحدث الإدمان نتيجة الشعور بعائد التعاطي من نشوة وانبساط ويحدث أيضا نتيجة ارتباطات شرطية تثبت سلوك الإدمان وتدعمه , ولا شك أن السلطة تعطى نشوه ويحدث معها ارتباطات شرطية مدعمه وذلك بما تعطيه لصاحبها من مكانة وتميز وما تضفى عليه من هالة وما تهيؤه له ولأسرته من هيبة وما تتيح له من خضوع الناس واستعدادهم لخدمته والتفاني في تلبية ما يريد . عاشراً-العزلة وافتقاد الحياة الطبيعية: فصاحب السلطة يعيش حياة تحوطها المحاذير والقيود , فعلى الرغم من تمتعه بسلطات واسعة تبهر من يراه من بعيد إلا أنه محاط بآلاف المحاذير فهو غير قادر أن يعيش حياة تلقائية عفوية , فكل المحيطين به يظهرون له الولاء والطاعة ليس بدافع من حب حقيقي وإنما بدافع من خوف حقيقي من سطوته , لذلك فهو محروم من المشاعر الطبيعية التي يتعامل بها البشر مع بعضهم. حادي عشر-سكرة السلطة: وهى تعنى ذهول صاحب السلطة عن الواقع المحيط به ، وعن العواقب الدنيوية والأخروية لأفعاله , وعن احتمال زوال السلطة , وربما يضطرب لديه الإحساس بالزمان والمكان نظرا للظروف التي تعطيه إحساسا بإمكانية كل شيء ( على الأقل في إطار احتياجاته الشخصية ) , فصاحب السلطة يعيش حالة خاصة من الوعي تؤثر كثيرا في إدراكه وفى قراراته. ثاني عشر-الإغراء بالقدرة: فالسلطة قدرة قد تبدو لصاحبها هائلة وغير نهائية , وهذا يغريه بتفعيل هذه القدرة المتاحة واستخدامها في تحقيق ما يريد. ثالث عشر-العناد: وهو شعور مركب يتكون من الغرور والكبر واحتقار الآخرين والرغبة في السيطرة المطلقة واغتصاب إرادة الآخرين بحجة أن الشخص المعاند هو الأعلم و الأحكم والأقدر , وأن الآخرين جهلاء وقصّر. رابع عشر -الجمود: وهو سمة للنظام الذي يفتقد الأمان فيلجأ إلى تثبيت الأوضاع وتجميدها لأن الحركة عنده تعنى تهديد الاستقرار , وشعار هذا النظام : " استقرار الاستمرار واستمرار الاستقرار ". خامس عشر-الاحتراق ( الإفلاس ): ويحدث حين تطول مدة الحكم حيث تسرى حالة من الملل والفتور حياة السلطة وصاحبها نتيجة للروتين والتكرار الطويل الممل , وقد يحاول صاحب السلطة إيهام الآخرين بأن ثمة تجديد يطرحه من وقت لآخر من خلال بعض الإجراءات الهامشية . سادس عشر-الشيخوخة: قد تشيخ السلطة فتصبح غير قادرة على استيعاب منظومات الحياة الحديثة أو تصبح غير قادرة على مواكبة الأحداث كما ينبغي , لذلك تتمسك بالأنماط القديمة والشعارات القديمة , وتصبح حركتها بطيئة وبليدة واستجاباتها باهتة شاحبة. سابع عشر -عبادة الأبناء: حين يكتشف صاحب السلطة أن أبديته مستحيلة يلجأ مباشرة إلى السعي نحو الأبدية عن طريق توريث الأبناء . ولعل أغلب الأنظمة العربية التي أشرت إليه في بداية المقال قد بلغت بهم الأحوال إلى هذه المرتبة الأخيرة، ولم يكن من بد من السقوط والتردي، فبعد أن كانوا في أعلى عليين، هاهم يتردون إلى أسفل سافلين. فسبحان ذي الملك والملكوت، الذي يهب الملك لمن يشاء وينزعه ممن يشاء. فما أعظم العبر في التاريخ، وما أقل الاعتبار. أما الوقاية والعلاج من هذه الإمراض فيكمن في الآتي:1- شرعية السلطة .2- تحديد مدة السلطة .3- تحديد مساحة السلطة .4- تأمين ما بعد السلطة.5- تقنين المحاسبة بحيث يتم محاسبة صاحب السلطة أولا بأول عن أفعاله وتصرفاته حتى لا تتضخم ليصل إلى نقطة اللا عودة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.