قتلى وجرحى في اشتباكات قبلية شرق السودان والسلطات تفرض حظر التجوال    د. جون غرنق ديمبيور هو ( اعظم مفكر سياسي سوداني ناجح ) .. بقلم: ابوبكر القاضي    توضيح من لجان مقاومة الكلاكلات وجنوب الخرطوم حول اسباب وفاة المواطن الشهيد محمد ادم طمبل    تلقوها عند الغافل .. بقلم: كمال الهِدي    لا تفرطوا يا ثوار .. بقلم: الطيب الزين    نبش ماضى الحركة الاسلامية .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    أصدقاء وجيران: ليلى أبو العلا .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي    المجلس السيادي يوجه بتأجيل ترسيم حدود الولايات    "المركزي": 50% نسبة مخزون الأوراق المالية    لجنة مفقودي "الاعتصام" تؤدي القسم    تراجع طفيف في أسعار العملات الأجنبية أمام الجنيه السوداني    خبير اقتصادي: يدعو لوضع تدابير لحسم فوضى الأسعار    اجتماع لقطاع التنمية بمجلس الوزراء يبحث توسيع القاعدة الضريبية    ألمانيا: على الجميع احترام السودانيين لتمسكهم بالحرية    (فيس بوك) يزيل حسابات ومجموعات تابعة لجهاز المخابرات السوداني    محتجون عراقيون يغلقون مدخل ميناء أم قصر    السعودية تعتزم زيادة استثماراتها في السودان    المجلس السيادي: النظام البائد أهان الجواز السوداني بمنحه للارهابيين    البرهان: خطوط الكهرباء وترعة مشروع الراجحي أتلفت أراضي الملاك    اثناء محاكمة البشير .. الكشف عن مبالغ كبيرة تدار خارج موازنة السودان بينها شركات هامة وقنوات تلفزيونية    «سيداو» .. جدلٌ مُتجدِّدٌ    توقيع اتفاقية شراكة بين (سودان تربيون) وتطبيق (نبض)    المالية تصدر منشور إعداد مقترحات موازنة العام 2020م    ورحل فارس المريخ .. بقلم: الصادق عبد الوهاب-ابومنتصر    الزوجة الثانية .. بين زمزَغَة المُعدِّدِين وعقلانية المُوحِّدين!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرأي العام    منتخب السودان يخسر أمام جنوب أفريقيا بهدف    خامنئي يؤيد قرار زيادة سعر البنزين    مقتل سوداني على يد مواطنه ببنغازي الليبية    وزير النفط: العمل بحقل بليلة لم يتوقف    الخيط الرفيع .. بقلم: مجدي محمود    فريق كرة قدم نسائي من جنوب السودان يشارك في سيكافا لأول مرة    لسنا معكم .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد    نداء الواجب الإنساني .. بقلم: نورالدين مدني    السعودية توافق بالمشاركة في كأس الخليج بقطر    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    جعفر خضر: الدين والتربية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    زمن الحراك .. مساراته ومستقبله .. بقلم: عبد الله السناوي    الأمم المتحدة تتهم الأردن والإمارات وتركيا والسودان بانتهاك عقوبات ليبيا    أمريكا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    لجنة مقاومة الثورة الحارة 12 تضبط معملاً لتصنيع (الكريمات) داخل مخبز    اتهامات أممية ل(حميدتي) بمساندة قوات حفتر والجيش السوداني ينفي    شكاوى من دخول أزمة مياه "الأزهري" عامها الثاني    "أوكسفام": 52 مليوناً عدد "الجياع" بأفريقيا    في ذمة الله محمد ورداني حمادة    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    والي الجزيرة يوجه باعتماد لجان للخدمات بالأحياء    معرض الخرطوم للكتاب يختتم فعالياته    ناشرون مصريون يقترحون إقامة معرض كتاب متجول    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير أسبق: سنعود للحكم ونرفض الاستهبال    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    مبادرات: استخدام الوسائط الحديثة في الطبابة لإنقاذ المرضي .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





يُوسِف كُوَة مكِّى: المُعلم..القَائِد المُحارِب..المُفكِّر السياسِى (1-2) .. بقلم: عادل إبراهيم شالوكا
نشر في سودانيل يوم 30 - 03 - 2013


فى الذكرى الثانية عشر لرحيله :
(إنسان عادى رفض الظلم, الإضطهاد والإستبداد, فحمل السلاح من أجل حقوقه وحقوق أهله, كما أنرت الطريق لشعب جبال النوبة ليناضلوا من أجل حقوقهم ..) .
هكذا تحدَّث يُوسف كُوةمكى عن نفسه .. فهو رجل إستطاع أن يصُعد بقضايا جبال النوبة إلى أعلى منصات السياسة الدولية, وأوجد لها مكاناً وسط الإهتمامات العالمية, فذهب بالنوبة بعيداً فى طريق البحث عن العدالة, والحرية, والكرامة الإنسانية, والحقوق المتساوية .
تمر علينا هذه الأيام الذكرى الثانية عشر لرحيله بمستشفى "نوريتش" ببريطانية يوم 31 مارس 2001 متأثراً بداء السرطان, فمن هو يوسف كوة مكى..؟
المولد والنشأة :-
وُلد القائد/ يوسف كُوَة مكى فى قرية الأخوال فى منطقة ميرى - غرب كادقلى بجبال النوبة عام 1945م, ودرس المرحلة الأولية بها.والده هو(كوة مكى) ووالدته هى(زينب سومى), وينتميانإلى قبيلة ال(ميرى) إحدى قبائل مجموعة كادقلى بجبال النوبة,له سبعة إخوة من والدته زينب (خمسة أولاد وبنتان). وله أيضاً أخوة وأخوات من زوجات الوالد الأُخريات, كان والده (كوة مكى) ضمن الجنود (ضابط صف) الذين حاربوا فى الحرب العالمية الثانية أثناء الحكم الثنائى (الإنجليزى- المصرى)، حيث حارب لصالح الإمبراطورية البريطانية فى الفترة (1939-1945م),وبعد إنتهاء الحرب عاد ورفاقه إلى البلاد. وإشتغل بعد ان سُرِح من الجيش في مشروع الجزيرة,وتنقَّل بين بورتسودان وكسلا وسنكات والخرطوم, وكان يوسف يتنقَّل معه في كل مراحل حياته إلى أنتوفي والده(كوة مكى) فى العام 1992, وقد كان يؤمن بالعلم ولذلك أدخل أبنائه المدارس لتذويدهم بالتعليم والمعرفة.
تمرُّد مبكر :-
عايش يوسف كوة فى بواكير حياته - خاصة أثناء الدراسة - عدة تجارب عنصرية, وقد رفضها وأعلن التمرُد ضدها وضد المعلمين الذين كانوا يمارسونها فى وَضَح النهار دون خجلوينتمى أغلبهم إلى الشمال,وفى هذا الصدد يحكى يوسف كوة تجربة مريرة مرت به مع أحد الأساتذة:
((أسوأ موقف مررت به في حياتى كان في مدرسة (مِيري) الإبتدائية عندما قال لى المعلم, "ما الفائدة من تعليم أبناء النوبة,إنه مَضيَعة للوقت فهم لا يصلحون إلاّ للأعمال المنزلية", وفي صباح اليوم التالي عند حضور المعلم "لو إفترضنا إنه بحق معلم" لم أقف لتحيته كبقية الطلاب فسألنى"هل أنت مريض يا يوسف"فأجبت "لا",ولم أخبره بالأسباب)).
ويقول يوسف كوة - إن ذلك كان بداية التمرُّد فى حياته.ويواصل يوسف كوة سرده لهذه التجارب :
((مدير المدرسة بنفسه قال :"لو ما ساكت النوبة يعلموهم عشان شنو" - يعنى النوبة لا يستحقون التعليم أبداً حسب رأيه, وبالفعل لم يكن أستاذ الرياضيات يدخل الفصل فى الوقت المُخَصَّص لحصتِه, بل كان يأخذ كرسيهِ ويجلس خارج الفصل تحت الشجرة ..!!.)).
ومنذ تلك المواقف رفض يوسف كوة أن يحترم أو يقف للمعلمين كما هو مألوف ومُتَّبع فى المدارس والمجتمع,وحتى المدير نفسه إذا جاء عابراً إلى المكتب أو إلى المنزل لم يكن يقف له. ولكن واحدة من التجارب المُؤسفة والمُثيرة التي جعلته يتخذ موقفاً جِدياً, هي قصة سردها لهم أستاذ التربية الإسلامية، وكان الموضوع عن عذاب القبر، وقد شرح الأستاذ هذه القصة:
((إذا كان الميت مسلماً، يأتيه"مَلَك"أبيض ليقوده إلى الجنة, أما إذا كان المتوفى كافراً، فيأتي "مَلَك" عبد "أسود" ليأخذه إلى الجحيم..!!.)).
فإندهش يوسف كوة كثيراً لذلك,فكيف يكون المَلَك "عبداً" ؟ وما الذى يجعل هذا المَلَك العبد,"أسود" اللون؟ هذه الأسئلة أمست تُربكه في دواخله وملاحظاته اليومية.ويحكى يوسف كوة مواقف أخرى :
((عندما كُنا نتحدث بلغاتنا المحلية, كان المعلمين ينهالون علينا بالضرب,مما خلق فى نفسى شعور بأن لغاتنا النوبية ليست لغات, ولايجوز التحدث بها على الإطلاق ..!)).
وكان ليوسف كُوة مُلاحظة أخرى سرَدها على النحو التالى :
((زِد إلى ذلك أيضاً شيئاً آخر, داخل العاصمة السودانية, يُقال لك "عبد" حتى لو كنت تحمل شهادة الدكتوراة ما دمت من جنوب السودان, أو دارفور, أو جبال النوبة, فى إعتقادى أن هنالك عُقدة داخلهم لأن تعاملهم مع الآخرين غير حضارى وغير واقعى..)).
المراحل الدراسية :-
دَرس يوسف كوة المرحلة الإبتدائية فى مدرسة (ميرى) الإبتدائية بجبال النوبة, وأكملها بمدرسة ودمدنى الإبتدائية,وبحكم طبيعة عمل والده الذى إنتقل إلى سنكات, درس يوسف كوة مرحلته المتوسطة هناك فى الدفعة الثانية, ثم إنتقل إلى الخرطوم حيث درس الثانوى بمدرسة الخرطوم التجارية الثانوية, إلتحق بالكلية الحربية وفُصل منها لأسباب سياسية, فجلس لإمتحان الشهادة السودانية وتم قبوله بكلية الإقتصاد - جامعة الخرطوم عام 1975م, وتخرَّج منها فى العام 1980م حيث نال بكالريوس الإقتصاد والعلوم السياسية,وهنالك إلتقى برفيق دربه القائد/ عبد العزيز آدم الحلو الذى درس فى نفس الكلية وفى نفس الفترة فقاما بتأسيس رابطة طلاب جنوب كردفان بجامعة الخرطوم, ويحكى يوسف كوة عن تلك الفترة :
((دخلت جامعة الخرطوم عام 1975 وكانت هى السنة التى دخلت فيها أكبر دفعة من أبناء النوبة الجامعة منذ تأسيسها, كانت الغالبية من مدرسة كادوقلى الثانوية العليا (تلو) .فى الحقيقة ليس كل الناس لديهم الشعور بالقضية أو ما يجرى حولهم. فى عام 1977 أقمنا مؤتمراً داخل الجامعة ضم كل أبناء النوبة, وتم أختيار بعض العناصر التى لها ولاء وإنتماء حقيقى وصادق للمنطقة, ولها أيضاً شعور كبير وعظيم تجاه المشاكل أو القضايا المصيرية التى يُعانى منها إنسان المنطقة. وبعد أربعة أيام من المؤتمر خرجنا بتوصيات مهمة جداً تنصب فى الآلية التى سنُغيِّر بها ما يجرى فى أرض الواقع فى جبال النوبة : أولاً : تنظيم أنفسنا, ثانياً: مُحاربة القبلية, ثالثاً: عدم إقحام الدين فى الأنشطة السياسية والإجتماعية أو ما نسعى إليه. لأنهإذا ما أدخلنا القبلية "هذا من قبيلة كذا وذاك من قبيلة كذا أو كذا", أوالتمييز فى الدين بإن هذا مسيحى وذاك مُسلم, سيكون من الصعب تحقيق أى شيىء, لا نريد أن نُوظِّف هذه الأشياء. أخيراً تمكَّنَا من تكوين رابطة أبناء جنوب كردفان وتوَّجنا الرابطة باللقاءات الدورية وأنشطة عديدة ومُكثفة للتنوير والتثقيف ..)) .
المُعلِم : يُوسف كُوة مكِّى :
بعد تخرُّجه من الجامعة ذهب يوسف كوة ليعمل مُعلِّماً بمدرسة كادقلي الثانويَّة بنين (تلو) العام 1981م. كما عمل بالتدريس بعدة مناطق أخرى منها(سنكات – الضعين – ودمدنى - نيالا), وبرغم من أن مهنة التدريس قد منحته فرصة واسعة للتفاعل مع الشعب، إلا إنها عرَّضته للمُضايقة والإزعاج المُستمر من حكومة الرئيس الأسبق جعفر نميري بهيئاتها التنفيذية وأجهزتها الأمنية, وقد ساعدته مِهنة التدريس هذه فيما بعد خلال مسيرته النضالية, فقد كان يوسف كوة أكثر من مجرد قائد, فهو كان يُعلِّم من معه مبادىء الثورة والنضال التى كان هو يؤمن بها, ويقول الصحفى أتيم ياك أتيم فى هذا الشأن :
((.. وفوق ذلك كله,إكتشفته ككنز من الخبرة في الحياة العامة فهو حين يكون معك, يكون المُتعلم والمُعلم والسياسي والمُفكر والشاعر, فكلما جئت للحديث وتبادل الأفكار معه إكتشفت مدى عُمق فكره وإلتزامه غير المتزعزع لخدمة، بل وللتضحية بحياتهِ من أجل حقوق شعب النوبة..)).
وقد كان يوسف كوة أيضاً خطيباً مُفوهاً بحكم عمله فى مجال التدريس, فلعل الجميع يتذكرونه عندما كان يطِل على الشعب السودانى عبر إذاعة الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان فى الثمانينات مخاطباً : (من أجل من تُحارب, ونحن نُحارب من أجل أهلك الجِيَاع, من أجل من تُحارب, ونحن نُحارب من أجل أهلك العُراة ... إلخ) .
الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان - 1984 :-
عندما أعلنت الحركة الشعبية لتحرير السودان بيانها السياسى "المنفستو" عام 1984, جلسَت اللجنة التنفيذية لل(كمولو) لتدرس المنفستو وتُقرر كيفية الإنضمام إلى الثورة الجديدة, وبعد مراجعتهم للمنفستو توصّلوا إلى قرار جماعى بالإنضمام إلى الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان,فذهب يوسف كوة قبل رفاقه. وكانت قيادة الحركة الشعبية و الجيش الشعبى لتحرير السودان وعلى رأسهم الدكتور/ جون قرنق دى مبيور فى غاية السعادة والإمتنان لدى إستقباله,لأن إنضمامه أعطى الحركة الشعبية دفعة قوية, ومصداقية,و أبعاد وطنية.وتم تخريجه من الكلية الحربية للجيش الشعبى لتحرير السودان برتبة نقيب بعد تلقيه التدريب العسكرى، حيث كان لنشاطه السياسي في الخرطوم قبل الإلتحاق بالحركة الشعبية وزناً في منحه هذه الرتبة العسكرية. وفي 16 نوفمبر 1985م أُبتعث النقيب يوسف كوة إلى كوبا لأخذ كورسات في مجال العلوم السياسية، وذلك بعد تخرُجه من الكلية الحربية في إثيوبيا. ثُم عُيِّن عضواً مناوباً بالقيادة السياسية والعسكرية العليا للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في أغسطس 1986م، وفي سبتمبر من نفس السنة أُرسل يوسف كوة في بعثة دراسية ثانية إلى كوبا لدراسة العلوم العسكرية.وبعد عودته من البعثة قاد حملته العسكرية إلى جبال النوبة, ويحكى عن ذلك بقوله :
((أول مرة دخلت فيها جبال النوبة كان فى عام 1987 بعد عمل مسبق من الداخل, حيث كُنَّا قد أرسلنا عوض الكريم كوكو, وتلفون كوكو أبو جلحة, ويوسف كرة هارون, وهنالك إلتقوا مع يونس أبو صدر, وقاموا بفتح مراكز لجمع المُجندين,لذلك تمكَّنا من دخول الجبال بطريقة سهلة جداً,وهذا كان لأغراض التجنيد, عندما وصلنا كان هنالك حوالى (1,000) ألف مُجنَّد, وصلنا الجبال يوم 25 يونيو ليلاً حتى نتجنب الإحتكاك مع قوات العدو أو المواطنين, دخلنا عن طريق "طابولى", وفى السادسة صباحاً وصلنا منطقة (الرملة), وهناك قابلنا مجموعة من القوات الحكومية قادمة من تلودى ومعهم "تراكتور" لأخذ المياه من إحدى الحفائر فى المنطقة, فخططنا لكمين (Ambush) لمهاجمتهم والإستيلاء على "التراكتور", ولكنهم علموا بوجودنا, فأحضروا قوة كبيرة على ظهر عربة "لورى", وفور وصولهم بدأوا بإطلاق نيران كثيفة تجاهنا, فبادلناهم النيران, تلك كانت أول معركة فى حياتى, إستطعنا خلال المعركة تشتيت تلك القوة بعد أن تركت وراءها (11) قتلى, ثم واصلنا تحركنا حتى وصلنا "سرف الجاموس", وفى الجبال جمعنا عدد كبير من الرجال أغلبهم من الشباب وكانت الجبال الجنوبية ذات النصيب الأكبر من الرجال, بعد تخرُّجهم كمقاتلين يدفعهم الحماس لخوض المعارك، إشتبك مقاتلو الجيش الشعبي من النوبة في عدة معارك في طريق عودتهم من جنوب السودانإلى الجبال، خاصة في مناطق غرب الإستوائية حيث قاموا بإجلاء الطريق من بعض حاميات القوات الحكومية. في تلك المعارك الأولى بغرب الإستوائية، وبجسارة فائقة قاتل مقاتلوا النوبة، المشهود لهم بالشجاعة، كانت ثورة وأطلقنا عليها إسم البركان)) .
وقد باشر الجيش الشعبى لتحرير السودان بجبال النوبة عملياته العسكرية بالجبال الجنوبية والشرقية وإستطاع فى فترة وجيزة أن يسيطر على مناطق واسعة, وأسس القائد يوسف كوةمكى رئاسته فى "شانقارو" بجبال " أشرون" بالمنطقة الشرقية لجبال النوبة.
يوسف كوة يُؤسس إدارة مدنية للإقليم :-
عندما كان حاكماً وقائداً لإقليم جبال النوبة، أرسَى يوسف كوة معايير السلوك التي ينبغي على أعضاء وقيادة الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان الإلتزام بها؛ فإذ هو لم يحتمل التجاوزات في حقوق الإنسان، أسس الهيئة القضائية للسودان الجديد وأصدر أحكاماً رادعة ضد أفراد الجيش الشعبي الذين إقترفوا جرائم بعينها؛ وقام بتأسيس إدارة مدنية فريدة، مما جعل قادة الحركة الشعبية والجيش الشعبى في الأقاليم الأخرى بالسودان الجديد يهتدون بها ويقبلون عليها تطبيقاً في مناطقهم. بعد إنشقاق الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان عام 1991، أنشأ القائد يوسف كوة المجلس الإستشاري لجبال النوبة في أغسطس 1992م. وقد تكوَّن المجلس من قادة الكتائب، رجال الكنائس، الرابطة الإسلامية، وممثلين للنساء. وكان من أكثر أعمال المجلس خطورة هو إتخاذ القرار حول قضية النضال المُسلَّح, وهل يجب مواصلته أم لا,وبتكوين المجلس الإستشارى يكون يوسف كوة قد فوَّض بعض سلطاته إلى غيره لتجنُّب تكرار بعض الأخطاء التي حدثت في الماضي، وكذلك ليُساعد في عمليَّة إنتقال السلطة، فتم تكوين المجلس الإستشارى برئاسة النقيب/ موسى عبد الباقي، حيث كان الهدف الرئيسى منه هو الإشراف على التطُّور السياسي في المناطق المأهولة بالسكان المدنيين. وبهذه الطريقة صار المواطنون قادة النضال، وباتوا مسئولين عن كل شيء.
شقدوم -1994م :-
نتيجة لخبرته وتجربته الرائدة وقدراته التنظيمية المُميزة, تم تكليفه من قبل قيادة الحركة الشعبية بتنظيم المؤتمر العام الأول للحركة الشعبية لتحرير السودان الذى أُقيم عام 1994 فى "شقدوم" حيث تم إنتخابه خلال المؤتمر رئيساً لمجلس التحرير القومى (أعلى جهاز تشريعى للحركة الشعبية لتحرير السودان), وترجع إليه أصلاً فكرة هذا المؤتمر, حيث رأى ضرورة تنظيم إقليم جبال النوبة بعد التوسع فى المناطق المحررة وبروز بعض المشكلات نتيجة لتضارب الصلاحيات العسكرية والمدنية والقضائية, والحوجة إلى مؤسسات مجتمع مدنى تتصدى للقضايا الإنسانية والخدمات من صحة وتعليم وغيرها, وعندما عرَض يوسف كوة فكرة تنظيم المؤتمر على رئيس الحركة الشعبية, طلب منه الدكتور/ جون قرنق توسيع الفكرة لتشمل كافة مناطق السودان الجديد "المناطق المحررة" فى إطار الأقاليم الخمسة خصوصاً إن تلك الفترة شَهدت بروز الأصوات المطالبة بحق تقرير المصير مما تَطلَّب تنظيم مؤتمر يناقش هذه المسألة ليتم مراجعة المنفستو والدستور وإجازة الهياكل السياسية والمدنية والعسكرية.
رؤيته لتنمية وتطوير المجتمعات المحلية :-
كانت ليوسف كوة آراء جريئة لما يريده النُوبة، خاصة من المنظمات الإنسانية العالمية, ويصف الدكتور/ عمر مصطفى شركيان ذلك بقوله :
((لقد رفض يوسف كوة ذات مرة إستلام طائرة مشحونة بأواني الطباخة المعدنية، وطرح سؤالاً للمسئول الذى قدَّم تلك المنحة : "ما الذي يجعلك تظن أنَّنا نرغب في أشد ما تكون الرغبة في هذه الأواني..؟." وأضاف: "نحن في جبال النُّوبة نصنع أوانينا الخاصة من الطين, لذلك نحن نريد أشياءاً أخرى"..)).
فالمسألة عند يوسف كوة – والذين كانوا معه – كانت مسألة أولويات وليست إفتراضات,فكانوا يأملون في أن تُركِّز الأمم المتحدة على مساعدتهم في تنمية المهارات (Capacitybuilding)، أي توفير المعدات والأدوات التي تُشجِّع النُّوبة على مساعدة أنفسهم بأنفسهم – كالبذور، المحاريث، الدواء، الكساء، مصادر تنقية المياه، والأدوات المدرسيَّة (كتب، كراسات، أقلام، طباشير وغيرها). إذ يقول المثل الصيني :(أعطي السائل السِّنارَة, ولا تعطيه سمكة)، وذلك لكي تعلَّمه أن يعتمد على نفسه ويصطاد، بدلاً من تلقي الطعام بملعقة من فضة. وقد أوضح يوسف كوة إن المساعدات الإنسانية غير المضبوطة تُمثل تهديداً آخر لشعب النُوبة. إذ كان يرىإن الإغاثة في شكلها الغذائي, يخلق ظاهرة الإعتماد على الغير كما يُردِّد بعض الناس في الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى ذات نظام الرفاه, أنَّ الإعانات التي يتلقاها العاطلون في سبيل البحث عن العمل تُنشئ فيهم صفات الكسل والإتكال على الدولة.
قيادة يوسف كوةفى المحك – إجتماع 1991 :-
في أعقاب إنقسام الحركة الشعبية في 1991، وتكثيف الجبهة الإسلامية عملياتها العسكرية ضد الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان بما فيها مناطق جبال النوبة، تعرَّض الجيش الشعبي في مناطق جبال النوبة إلى أقسى إختبار بعد إنقطاع الإمداد عنه، حيث أصبح من المستحيل الحصول من الدعم اللوجستي من القيادة العامة للجيش الشعبي بالجنوب, أصبحت حينها أوضاع الجيش الشعبي فى الجبال مسألة وقت لإعلان إستسلامه للخرطوم والذي كان لا مفر منه, ومفهوماً في سياقه. إلاإن القائد/ يوسف كوة مكي ومن حوله من قادة, دعا لإجتماع يضم الزعماء المحليين بالمنطقة مع ضباط الجيش الشعبي ليقرر في مصير المنطقة التي كانت تنتظر هزيمة وشيكة من قبل القوات القادمة من الخرطوم, وقال يوسف كوة فى ذلك الإجتماع التاريخى:
((لقد كنت متسبباً فى قرار الثورة والحرب فى جبال النوبة سابقاً, وإننى أتحمَّل كل المسئولية على ذلك, ولكن من اليوم فصاعداً فلنقرر جميعاً هل نواصل الكفاح المسلح, أم لا..؟)).
وقد ذهب الرأي الغالب في ذلك اللقاء وخاصة من النساء, إلى ضرورة إستمرار المواجهة وقتال نظام الخرطوم. ولحسن الحظ دُعِم هذا الرأي بوصول كميات كبيرة من الذخيرة عبر شمال بحر الغزال.
يوسف كوة وقضايا التاريخ والهوية :-
يرى يوسف كوة مكى إن مملكة كوش ومروى وغيرها من ممالك النوبة الكُبرى والعظيمة كلها كانت فى بلاد النوبة (سودان اليوم) لأكثر من سبعة آلاف سنة,وإن الشعب النوبى نفسه وُجِد فى بلاد النوبة لأكثر من سبعين ألف سنة,وإن أحفادهم هم الموجودون حالياً فى جبال النوبة (جنوب كردفان), وإن مملكة مروى علَّمت العالم صناعة الحديد والذهب وغيرها من المعادن, وكما علَّمت العالم شق الأنفاق والطرق, والهندسة المعمارية, وأعظم مثال لذلك الأهرامات فى مدن شمال السودان اليوم, وبالإضافة إلى ذلك علم الفلك من بين العلوم المهمة لدى النوبة, وكان يعتبر إن مملكة النوبة المسيحية الكبرى هى الأعظم فى الأرض قبل القسطنطينية, وقد وصَّى يوسف كوة بقراءة هذا الكتاب :
(The Destruction of Black Civilization: The old Nubian Nations - Trick into Nuba).
ويقول يوسف كوة عن تاريخ السودان القديم :
((معظم المؤرخين وكذلك الأنظمة السياسية يعرفون الحقائق التاريخية, ولكن تم إخفاءها وطمسها, كذلك تمكنت الأنظمة من غسل أدمغة السودانيين حتى النوبة أنفسهم, لذلك تجد بعض النوبة يعتبرون أنفسهم عرباً لأنهم مسلمون ويتكلمون اللغة العربية,فيمكن أن أكون مسيحياً وأتكلم اللغة الإنجليزية وهذا لايعنى أننى بريطانى, لايمكن أن يحدث ذلك على الأطلاق,لذلك بعض النوبة فقدوا الثقة فى أنفسهم, لأن عملية التعريب والتثقيف المُضاد لوعيهم كانت المصيبة, فأصبح من الصعب علينا كنوبة التقدم والدفاع عن حقوقنا المدنية و السياسية وغيرها من الحقوق وحماية كياننا من التمزُّق والتشتت ومواصلة الكفاح والنضال حتى نحقق ما نصبوا اليه, ولابد لى أن أُذكِّر النوبة وغير النوبة بأن الديمقراطية والعلمانية تجربة النوبة وليس الغرب, الأغريق ليس هم أول من أسس الديمقراطية كما يُقال,إنما نقلها لهم من بلاد النوبة المؤرخ الأغريقى هيروتوس المُلقب ب(أبو التاريخ) الذى عاش قبل الميلاد, الأوروبيين أنفسهم قالوا إن النوبة هم أول من بنى الدولة وتوصلوا إلى نظام عريض متسامح للحكم وخطوا خطوات طويلة إلى آفاق ومعانى الحرية بعيداً عن أفق القبلية الضيق, وطبَّقوا نظاماً قضائياً لم يقتصر على عامة الناس,ولكنه إمتد ليطال النُخبة الحاكمة,وإنها من القيم والأنظمة التى ننسبها إلى أُمة النوبة, عندما ندرس عن النوبة فى الجبال نتعَرَّف على نفس الصفات, صفات الريادة فى نظام الحكم والقضاء وإدارة الدولة,إن العلمانية تجربة نوبية أفريقية وليست تجربة الغرب, وهو نُظام الحكم الذى نريد تطبيقه فى السودان الجديد, لأن الديمقراطية أساس دولة القانون)).
وقد ساهم في إعادة تفكير يوسف كوة في إعتقاده العِرقي, قراءاته للمُفكر والقائد التنزاني الرئيس/ جوليوس نايريري، وقد كان يوسف مُولعاً بترديد تعبير نايريري : (لقد تعرَّضنا للإضطهاد بمقدار عظيم..). ومن العوامل التي أسهمت أيضاً في تحوُّله وتساؤله حول الإعتقاد "العروبي", الإدعاءات المستمرة للنُخب الشمالية في مواجهتها لأي محاولات إنقلابية يقودها أو يشارك فيها غالبية من أبناء النوبة بإنها "مؤامرات عنصرية"، في حين تصف ذات النُّخبة الشمالية المحاولات الأخرى لتغيير النظام، غير القانونية، بواسطة إنقلابات يقودها ضُبَّاط ذوي أصول عربية بإنها "ثورات". و كان يتهكَّم من نفسه قائلاً بكل جدية :
((أنا فعلاً كنت إعتقد إننى"عربي" .. ولكن بعد الخضوع إلى ثمة تجارب حقيقية ومُرة,إكتشفت إنني لست بعربي، ولن أكون واحداً منهم في يومٍ ما, فخلال الفترة الدراسية فى جامعة الخرطوم غيَّرنا بعض الأشياء والمفاهيم المغلوطة بأن النوبة متخلِّفين وأقل من الآخرين, يمشون عُراة,وإن العَرى شيىء غير جميل, لأنه فى مدارس جبال النوبة كان المعلمين الشماليين يغرسون فى أطفال النوبة الشعور بالنقص, وكانوا يُمجدون الزبير باشا تاجر الرقيق المشهور, الذى مات إبنه على يد حاكم السودان شارلس غردون باشا حتى لا يكون مثل والده).
ويواصل يوسف كوة سرده للتحولات التى حدثت له خلال دراسته بجامعة الخرطوم :
((فى الجامعة وجدت تاريخ أسلافى العريق والعظيم المُمثل فى مملكة كوش ومروى وغيرها من الممالك النوبية العظيمة, حضارة النوبة هى الأولى فى الأرض, حضارة مصر هى حضارة النوبة, دون حضارة بلاد النوبة - أى سودان اليوم - لما كانت حضارة فى مصر. أن تاريخ السودان الحقيقى والأصيل لم يُؤرَخ ولم يُدرَس فى المدارس, ومن سُخرِية القدر أن يكون لبناني هو المؤرخ لتاريخ السودان (فى إشارة إلى نعوم شقير), حتماً إنه تلفيق وتزوير وطَمْس للحقائق, مثال لذلك الممالك النوبية القديمة نسبوها إلى العرب. كل هذا يراد من ورائه أن يجعلوا الأعراق الأفريقية (الزنجية) تشعر بالنقص.فأما هم يشعرون بالكبرياء والتعالى,لذلك تجدهم ينظرون إلينا بنظرة تحسسهم بإنهم هم الأعلى والأحسن,أنه الغرور والتعالى الأجوف. لهذا من الصعب جداً أن يكون السودان بلداً واحداً لأن العنصرية والقبلية والجهوية لا تُوحِّد السودان والسودانيين, فقط المساواة وحدها تُحقق كل شىء)) - إنتهى.
نواصل ..
Adil Ibrahim [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.