إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نهب الأراضي السودانية .. بقلم: الفاضل عباس محمد علي
نشر في سودانيل يوم 15 - 04 - 2013

جاء فى أخبار الجمعة أن سكان أم دوم بضاحية الخرطوم بحري...خرجوا فى تظاهرة مدوية احتجاجاً على نزع أراضيهم التي ظلوا يمتلكونها ويفلحونها منذ 60 عاماً...لصالح مستثمرين أجانب...بموجب القوانين الجائرة التى صدرت مؤخراً والتي تجيز للحكومة تجاوز ما كان سارياً منذ بداية القرن العشرين من تحريم لتمليك الأرض فى السودان للأجانب... ومن حماية لأصحاب الأرض الأصليين.
وفى نفس هذا السياق، انعقد يوم السبت بالرياض عاصمة العربية السعودية الملتقي السعودي السوداني لتدعيم الشراكات التى نشأت مؤخراً بين البلدين فى مجالات الإستثمار الزراعي والحيواني والمعدني وخلافه، وقيل إن الملتقي قد وضع اللمسات الأخيرة لتنفيذ 450 مشروعاً سعودياً فى السودان بتكلفة 15 مليار دولار. والجدير بالذكر أن الاستثمارات السعودية السابقة تشمل العديد من مشاريع إنتاج العلف والخضروات واللحوم والدواجن، بقيمة تتجاوز ال 11 مليار دولار. وعلي سبيل المثال، لدي المستثمرين العرب (السعوديين والقطريين) مزارع ضخمة للغاية بمحازاة النيل بمنطقة كورتي بالإقليم الشمالي يتم ترحيل منتجاتها يومياً من مطار مروي لجدة والرياض والدوحة، وهي غير خاضعة لرسوم الإنتاج أو الجمارك أو أي نوع من الضرائب والزكاة، ويشرف عليها عمال وفنيون أجانب أحضرتهم تلك الشركات العربية وشركاؤها الغربيون، وليس بينهم سوداني واحد...إذ لم يوضع في الحسبان أي عائد للجانب السوداني (باستثناء تكلفة الصفقات التى تمت مع الجهات الحكومية المركزية ...والدفعيات تحت الطاولة)...ولا تجني العمالة المحلية أي فائدة من هذه المشاريع...من ناحية كسب عيش أو التدريب والتعرف علي التقنيات العالية التى تستخدم فى تلك الإقطاعيات...بينما المزارع داخل السعودية مثلاً قامت علي أكتاف الزراعيين والفنيين والعمال السودانيين...ولا يستطعم السكان المحليون و لا ذرة واحدة من ذلك الإنتاج الزراعي والحيواني الذى يستخلص من بلادهم...فقط، يتناقلون أخبار تلك المزارع من علي البعد...ويطالعونها من خلال كوات وفجوات الأسلاك الشائكة والأسوار الخضراء....وهي بين ظهرانيهم....ولسان حالهم يقول: (ياجنة الرضوان...فيها النعيم ألوان...لكن لغيري!).
و لا شك أن رأسمال case السودانيين بملتقي الرياض هو "قانون تشجيع الاستثمار" الصادر يوم 31 يناير الماضي، والذى قال عنه رئيس المجلس الأعلي للإستثمار الدكتور مصطفي عثمان اسماعيل فى مؤتمر صحفي بالرياض قبل يومين: "إنه أصلح العيوب فى القوانين السابقة، وأزال كل العقبات أمام المستثمرين الأجانب، وحدّ من إمكانية مقاضاة المستثمر حتى لو ظلم أحداً أو اتضح أن الأرض التى منحت له متنازع عليها، وضمن للمستثمر تصدير كل منتجاته بلا رسوم جمركية أو إجراءات إدارية كتفتيش البضائع المراد تصديرها، كما ضمن له استئجار الأرض لمدة 99 سنة". وبناءاً علي ذلك، فهنالك مليونا فدان منحت للمستثمرين السعوديين بمنطقة البطانة بشرق السودان، بالإضافة للحيازات المذكورة بشمال السودان، والمشاريع العديدة الجديدة التي طرحت بالملتقي.
هذا، ولقد سبق أن منحت حكومة السودان مليوني فدان غرب النيل بالإقليم الشمالي لرجال الأعمال المصريين ليفعلوا بها ما يشاؤون... ويجلبوا لها ملاين الفلاحين المصريين، فكاً للضائقة الديموغرافية التي تواجه الجارة الشقيقة. كما باعت الحكومة أراضي النقل النهري ومصلحة المرطبات علي شاطئ النيل بالخرطوم بحري لمستثمرين قطريين. وجاء فى صحف هذا الأسبوع أن الدكتور المتعافي وزير الزراعة ورئيس مجلس إدارة مشروع الجزيرة ينوي بيع قطعٍ شاسعة بشمال الجزيرة للأجانب، كما قام بتأجير 400 ألف فدان بالجزيرة لشركة من كوريا الجنوبية، بقيمة دولار واحد للفدان، لفترة 33 سنة. كما صرح وزير الزراعة المصري أنهم تحصلوا علي 500 ألف فدان قاموا باستصلاح وزراعة 150 ألفاً منها حتي الآن.
ولقد صاحب هذه الهجمة علي الأراضي السودانية حديث ممجوج ومكرور عن "السودان سلة غذاء العالم العربي"، لو تكاملت الموارد المالية العربية مع الإمكانيات السودانية في مجال الأراضي والمياه، بالإضافة للعمالة المصرية. ونفس هذه النغمة كانت تردد فى أول أيام نظام جعفر نميري فى مطلع السبعينات، وكانت الجامعة العربية هي التى تمسك بعصا المايسترو،... بيد أن القوانين التى تمنع الأجانب من تملك الأرض بالسودان ظلت فى مكانها، ولم يجرؤ النظام المايوي علي سن قوانين عشوائية مثل قانون تشجيع الاستثمار الذى صدر هذا العام. وبالفعل بدأت حركة استثمار واسعة النطاق فى السودان فى منتصف السبعينات، بالشروط "الوطنية" السودانية، إذ لم ينبطح نظام النميري تماماً أمام الأثرياء النفطيين وحلفائهم الغربيين، ربما لأن أثر الوعي السياسي والنقابي المتكئ علي المدرسة الثورية الإشتراكية ما زال حياً آنئذٍ، رغم أن النميري كان قد ذبح قيادات اليسار والحركة النقابية فى يوليو 1971 وحل جميع النقابات وأرسل كوادرها إلي غياهب السجون.
ومن جراء ذلك الانفتاح الإستثماري الذى استقطبته حكومة النميري وفق منطلقاتها، قامت فى تلك الفترة عشرات المشاريع الزراعية والصناعية، ليس عن طريق شراكات مباشرة مع رأسماليين أجانب، ولكن بهبات ومنح وقروض ميسرة من بعض حكومات الدول المنتجة للنفط والمصرف العربي والشركة العربية للزراعة والتنمية والبنك الإفريقي والمنظمات النقدية العالمية، وبتنفيذ سوداني صرف قامت به مؤسسات الري واستصلاح الأراضي المحلية. وشهد السودان ميلاد مشروع الرهد ومشروع السوكي بشرق النيل الأزرق لإنتاج القطن والفول السوداني والذرة، ومشروع غرب سنار للسكر ومشروع عسلاية بالنيل الأبيض لإنتاج السكر أيضاً، ومشروع ملوط لإنتاج السكر بالجنوب، والكناف بجنوب سنجة وبالتونج بالجنوب، ومشروع الخضر والفاكهة بواو، ومشروع كلي والسقاي بشمال السودان، ومشروع الجموعية بالفتيحاب جنوب أم درمان، وإعادة الحياة لمشروع الجنيد للسكر بشمال الجزيرة...إلخ،...وهي ما كانت تعرف بمشاريع التنمية. وهي فعلاً تنمية شاملة، رغم العيوب التى صاحبتها...عيوب التكلس والبيروقراطية والفساد المالي والإداري التى تجلبها الدكتاتورية ونظام الحزب الواحد "الإتحاد الإشتراكي"؛... ومن باب التنمية الشاملة المتكاملة، فقد شهدت البلاد صعوداً نسبياً فى النمو الاقتصادي...كما شهدت استقرار مئات الآلاف من الأسر السودانية المتنقلة...التى تجمعت بمدن صغيرة داخل تلك المشاريع، وعرفت الإستقرار والإنتاج المرتب... بانتظام وترتيب الري الصناعي الذى لا يخضع لعوامل الطبيعة فقط،... واستفادت من خدمات التعليم لأطفالها والتطعيم والعناية الصحية؛...وبالإضافة للزراعة، فقد استطاعت تلك الأسر أن تمارس قدراً معقولاً من تربية الحيوانات والدواجن...مما حقق لها الغذاء البروتيني والدخول النقدية الإضافية فى أوقات الضيق، دون الحاجة للإستدانة أو التخلص القسري من منتوجاتها عن طريق "بيع السلم" الذى جلبته المصارف الإسلامية تحت إدارة وتنظير الإخوان المسلمين.
ومن ناحية أخري، لاذت الأصوات التى كانت تتحدث عن "سلة الغذاء" بالصمت الرهيب، منذ السبعينات...حتى السنوات الأخيرة المنصرمة...حينما أصاب اليأس المميت النظام الحاكم فى السودان...علي إثر انفصال الجنوب وتجفيف مصدر العملة الصعبة، وهو النفط. ولقد ساهم ذلك الوضع، أي تعذر الإستيلاء علي الأراضي السودانية بالشروط الرأسمالية المعروفة، وساهمت ظروف كثيرة متشابكة أخري فى دفع الدول التى كانت تتطلع للإستثمار الزراعي فى السودان للبحث عن بدائل؛ ومن جراء ذلك، علي سبيل المثال، استفادت السعودية من التقنيات الحديثة فى استكشاف مصادر المياه بصحاريها (فى أثناء البحث عن النفط)، واستصلحت مئات الآلاف من الأودية والفيافي...وزرعتها قمحاً وعلفاً، (بالري المحوري)...لدرجة أنها اكتفت ذاتياً وأصبحت ممولاً رئيساً للأسواق الخليجية بمنتجات مزارعها من الأعلاف والقمح والدواجن والبيض ومشتقات الألبان... كما استثمرت الدول الخليجية الأخري فى شتى بقاع الدنيا، عن طريق الشراكات مع أصحاب الأرض المحليين، من أستراليا إلي أمريكا الجنوبية.
ولقد كان هنالك استثناء وحيد للسياسة المايوية النميرية المتحفظة إزاء الشراكة مع رأس المال العربي والعالمي،... لعله من باب التجربة...: وهو "مشروع سكر كنانة" حول مدينة رَبَك بالناحية الشرقية لمدينة كوستي... علي النيل الأبيض...ذلك المشروع ذو المساحة الخرافية الذى تمتلكه الحكومة الكويتية وصندوق نقدها، بينما يمتلك السودان جزءاً ضئيلاً من أسهمه، ولا دخل لحكومة السودان في إدارته...ويتم تصدير إنتاجه بالكامل للخارج...ولقد تم ذلك حتي فى الظروف التى شح فيها السكر بالأسواق المحلية، خاصة أيام الضيق و"الفجوة الغذائية" والمجاعات التى شهدها السودان فى آخر أيام النميري...1983-1985...ورغم ذلك، فإنه لأمر يدعو للحيرة الشديدة أن الشعب السوداني الذى أطاح بالمشير النميري عن طريق انتفاضة سلمية فى أبريل 1985... وأستعاد حرية التنظيم والتعبير، وأعاد الحياة للصحف الحرة والنقابات...لم يتعرض لمشروع سكر كنانة بأي هجوم أو نقد وتحليل، ولم يوجه له أي إتهام بخرق السيادة الوطنية واستحلاب موارد البلاد بلا عائد يذكر، (باستثناء الرشاوي التي ذهبت للمتنفذين)...ولكن، ربما صمتت النقابات والحركة الديمقراطية عن ذلك المشروع لأنهم يعرفون جيداً أن معظم منتجاته فى حقيقة الأمر تتسرب للأسواق السوداء المحلية، من خلف ظهر إدارته، ولقد ساهمت كثيراً فى تلبية حاجة السودانيين للسكر...وهم أكثر خلق الله استهلاكاً لهذه السلعة الخطيرة.."التى يسمونها السلعة الإستراتيجية"...وأكثر البشرية محبة للشاي بالحليب "المقنّن" الذى تستقر فى جوفه أربع معالق سكر للكوب الواحد.
فلماذا ياتري عادت نغمة الإستثمار فى السودان بغرض الاستفادة من أراضيه الشاسعة وشمسه الساطعة علي الدوام وأنهاره وأمطاره... بعد كل ذلك البيات الشتوي؟ ولماذا لم يتقحّم نظام الأخوان المسلمين هذه المجالات من قبل رغم أنه ظل ممسكاً بخناق البلد منذ ربع قرن؟ ولماذا عادت نغمة سلة الغذاء بعد صمت استمر منذ انتفاضة أبريل 1985 التى أطاحت بنظام النميري؟
قبل أن نبحث عن إجابات علي هذه التساؤلات...دعنا ننظر فى أمر ال opportunity cost/benefit ... أي ما هو الحال لو تم الاستثمار الجاد والعادل فى السودان من قبل راس المال العربي منذ مجيء النظام الديمقراطي الذى أفرزته انتفاضة أبريل 1985؟
لو تم تحقيق شعار سلة الغذاء بصورة ذكية ولاذبة لكتب الثبات والاستقرار والنجاح لذلك النظام الديمقراطي الإبريلي الشرعي.
وكان ذلك سيقود بالطبع لاكتمال البنية التحتية، بما فيها الطرق البرية والسكك الحديدية التي تربط الشمال بالجنوب وبكافة المناطق المهمشة بأطراف السودان، ولتمكنت القوى العاملة الوافدة من تلك المناطق من الإنتشار فى كافة أرجاء وطن يشهد التطور والإزدهار الإقتصادي، ولتناهت الثروة إلي كافة المناطق المهمشة...وخفت الضغائن ضد المركز....وحسنت النوايا...وترسخت الوحدة الوطنية.
ولربما تناهت تلك التنمية للجنوب ولدارفور والمناطق المشابهة، بما تتضمنه من وعي وتعليم، ...مما يقوي من لحمة الوطن... فيصبح كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
باختصار، لو سارت البلاد فى طريق التنمية النزيهة المدعومة بالدولار النفطي الأخوي تحت ظلال الديمقراطية والشفافية، لما كان هناك فراغ سياسي يتطلع الإخوان المسلمون لتعبئته...كما فعلوا بإنقلابهم العسكري فى 30 يونيو 1989.
وإذا عدنا لتلك الأسئلة الخاصة بالنسخة الجديدة من نغمة "سلة الغذاء" بعد غيبة دامت ثلاثين عاماً، لنفكر قليلاً فى حال ومآل الرأسمالية العالمية، وفى ممارساتها بكافة أرجاء الدنيا.
ولقد أجبنا علي جزء من هذه الأسئلة عندما تعرضنا للظروف الحالكة التى أطلت على النظام الإخواني الراهن بعد انفصال الجنوب، وما تفجر علي إثرها من حروب بجنوب كردفان والنيل الأزرق مع حلفاء الحزب الحاكم بالجنوب – الحركة الشعبية قطاع الشمال. ولكن ربما تتضح الرؤيا أكثر لو استوعبنا حقيقة المد الذى تعيشه الرأسمالية العالمية بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي، فى ظل النظام العالمي الجديد....وانتصار آليات السوق، علي الأقل علي مستوى الدعاية وغسل أدمغة الجماهير،... وحقيقة محاصرتها للشعوب التى تجلس علي إمكانيات وموارد أولية هائلة، كالأرض والمعادن، وحقيقة تشابكها "أي الرأسمالية العالمية" مع بعضها البعض، بغض النظر عن الخلفيات المناطقية والثقافية والدينية. فإذا أنت لجأت هذه الأيام لصندوق النقد العالمي أو البنك الدولي أو أي من ممولي الستينات والسبعينات الغربيين، لكي تشيّد بنية تحتية أو تحقق ثمة تقدم إقتصادي أو تحول إجتماعي...لأرهقوك بالشروط الرأسمالية اليهودية الفتاكة، أو ربما أشاروا عليك بأن تجرب أهلك العرب لأنهم ميسورو الحال وأصحاب أرصدة مكتنزة...وإذا عدت لبني عمومتك هؤلاء لفرضوا عليك شروطاً لا يلبيها إلا مثل قانون الإستثمار سيئ الذكر أعلاه...الذى تفتقت عنه عبقرية الإخوان فى السودان بعد 24 سنة من حكمهم.
وهذا النمط من الشراكات ليس جديداً مائة بالمائه؛ فسكر كنانة يشهد علي هذا النوع من الاستغلال الذي يمتص رحيق الأرض ويتركها بعد أربعين سنة مليئة بالنباتات الضارة وفاقدة للخصوبة، مما يجعلك تعود للسماد الصناعي...وما يميز المنتوجات الزراعية السودانية حتى اليوم هو أنها organic...طبيعية مائة بالمائة، وأرضها "قريرة عز الطين"،... ولم تداخلها كيماويات تسبب السرطان والفشل الكلوي..إلخ............ولعلك فى النهاية تعيد اكتشاف الحقيقة التي تقول بأن هذا ليس زمان العمومة أو الخؤولة...إنما زمن المصالح.
وأوضح مثال لاستغلال الإمكانيات التى يزخر بها العالم الثالث بواسطة الرأسمالية العالمية، ما كان يتم فى جمهوريات الموز بأمريكا الوسطي وبكافة دول أمريكا اللاتينية التى كانت مجرد مزارع ضخمة plantations للأثرياء الأمريكان...وما كانت شعوب تلك الدول إلا مجرد عمالة رخيصة لدي الأمريكان...بلا تعليم أو أي فرص تذكر فى الحياة...حتى أطل عليهم "الربيع اللاتيني" فى نهاية الثمانينات، قبيل إنهيار المعسكر الإشتراكي......فدكّوا حصون الدكتاتوريات العميلة للولايات المتحدة، وأقاموا ديمقراطيات، مثل البرازيل، حققت المعجزات فى زمن قياسي...والبرازيل مثلاً هي إحدى دول البركس Brics...ومن الإقتصاديات النامية التى يشار لها بالبنان.
وأقرب مثال للسودان هو زمبابوي التى ظلت حتي سنوات قليلة خلت عبارة عن إقطاعيات يمتلكها البيض...وشركاؤهم الإنجليز والبيض الجنوب أفريقيون...بينما ظل الشعب الإفريقي الزمبابوي يرزح تحت الفقر لعشرات السنين بعد الإستقلال في 1980...وطوال تلك الفترة كان روبرت موقابي ورهطه من حزب الإتحاد الوطني الإفريقي الزمبابوي يحكمون كأباطرة مرتشين ومرتهنين لدى الأقلية البيضاء...وكانت المزارع "البيضاء" الشاسعة المساحات والمحاطة بالأسلاك الشائكة والأسوار الخضراء والمحروسة بالكلاب الألسيشيان...عبارة عن جنان الله فى أرضه، خضرة وزرعاً وضرعاً وإنتاجاً وفيراً من التبغ والموز والفواكه والخضروات واللحوم...بأحدث التقنيات...والمستودعات الضخمة المبرّدة...والبنية التحتية المتقدمة التي تحمل هذه المنتوجات للخارج...والبيض يعيشون فى قوقعتهم المخملية..وفى أنديتهم الأرستقراطية... بينما السود كأنهم فى العصور الوسطي...ولكن الوعي الذى تناهي للشعب الزمبابوي بعد انهيار دولة الفصل العنصري بجنوب إفريقيا فى مطلع التسعينات، وتطور آليات القرية الكونية وأجهزة الإتصال...جعل الشعب يتذمر ويتنمر...بقيادة النقابي المعارض مورقان شنقراي...وكردة فعل، أعاد الرئيس موقابي تقمص شخصية المناضل الثوري المعادي للإمبريالية والإقطاع...عام 2008...فبدأ فى تأميم تلك المزارع بطريقة عشوائية وفوضوية بعد ثلاثين سنة من غض الطرف......ولكن ذلك لم ينقذ الوضع الإقتصادي المزري لزمبابوي...فحاول موقابي أن يرشي شنقراي بإشراكه فى الحكم، رئيساً للوزراء...وكل ذلك لم يقد لإنقاذ الإقتصاد أو لأي تحسن فى أحوال الكادحين السود... وسارت الأوضاع من سيء لأسوأ.
وعلي كل حال، فإن الاستسلام للتنمية الرأسمالية مائة بالمائه لن يقود إلا لوضع كذلك الذى تعيش فيه زمبابوي منذ استقلالها قبل نيف وثلاثين عاماً...و لا بد من أخذ إعتبارات أخري فى الحسبان...خاصة ما يتعلق بتوزيع الثروة والسلطة والإهتمام بكل المناطق والمكونات المهمشة...وبعدم هيمنة المركز علي الأطراف...وبالحكم الراشد والشفافية وحرية التنظيم والتعبير.
وفيما يختص بموضوع الأراضى والاستثمار فى السودان، فإن الخطأ لا يكمن فى هذه الجزئية فقط، إنما فى النظام بأكمله، إذ لا يستقيم الظل والعود أعوج...فهو نظام فاشل وفاسد ومرفوض من شعبه وآيل للسقوط...وأي محاولات لضخ دماء فى عروقه بحقن دولارات نفطية فى خزائنه ثمناً لتلك الاستثمارات المشبوهة...إنما هي نفخ في جراب مثقوب، لأنها ستذهب فقط لجيوب المافيا الحاكمة...بينما يخسر الشعب الأرض... ولا يستفيد شيئاً من استثمارات تستزرع فى أحشائه كأنها أعضاء غريبة... سرعان ما يرفضها الجسد. وأي تورط للمستثمرين العرب مع هذا النظام هو فى حقيقة أمره دعم لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي عبر فرعه الحاكم بالسودان...تحت رعاية الإمبراطورية الشيعية الإيرانية ذات النوايا التوسعية...وهذا التنظيم العالمي معروف باستهدافه للأنظمة المستقرة الحاكمة بكل الدول العربية شرق البحر الأحمر...فهل يدرك الإخوة العرب التواقون للاستثمار فى السودان هذه الحقائق؟
ألا هل بلغت...اللهم فاشهد!
والسلام.
EL FADIL Mohamed Ali [[email protected]]
/////////////
//////////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.