"ميتا" تعزز فيسبوك بميزة الصور الشخصية المتحركة    الأردني التعمري يقود رين إلى هزيمة باريس سان جيرمان بثلاثية    د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الأمم المتحدة تطلق التحذير تجاه أزمة السودان    (سبتكم أخضر ياأسياد)    الهلال يصارع لوبوبو لخطف بطاقة ربع النهائي    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    من سلوى عثمان لهند صبري .. مشادات "اللوكيشن" تهدد دراما رمضان    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    "الصحة العالمية": اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال    علم النفس يوضح.. هكذا يتخذ أصحاب التفكير المفرط قراراتهم    أئمة يدعون إلى النار    الهلال السوداني يخوض مواجهة مصيرية في أبطال إفريقيا    موسيفيني يصدر توجيهًا لجهاز المخابرات بشأن السيارات السودانية    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحانوت .. بقلم: ناجي شريف بابكر
نشر في سودانيل يوم 16 - 04 - 2013


شئٌ من التاريخِ وعبقِ الذكريات
تداعي الجدار دون إنذارٍ ذات صباح .. فاندهش العابرون من أهل القرية حينما بانت لهم وباغتتهم ملامح الحانوت الأنيق من خلف ركام الحائط المنهار .. لقد ظل يعمل ليل نهار في إنشائه دون علمهم ودون درايتهم .. تمددت الهياكل الخشبية بطول الجدار الشرقي بحيث تكون المعروضات في مواجهة المشترين وخلف مقعده هو .. الارفف العليا إمتلأت بالدمُّور والمنسوجات القطنية ..والمفروشات البلاستيكية الملونة .. وامتلأت التي تليها بعلب الأنناس (الفرطة) والصلصة وغيرها من المعلبات والحلويات .. خصصت أرفف بحالها لمقتضيات المدارس من الكراسات والأوراق والدفاتر والأقلام .. في الرفوف السفلي كانت صفائح الجبن والطحينة .. وصفائح الزيت .. كان الحانوت ممتلئاً بكل شئ ..
صنعت أبوابه من صفائح الزنك المدعمة بالأخشاب المستوردة .. وكان يفتح علي باحة المنزل من الداخل عبر باب صغير يضطر عابره للإنحناء دخولا و خروجا ..يقودك الباب الصغير إلي محمية صغيرة تتخذ عرض الحانوت وتمتد لأقل من ثلاثة أمتارٍ ناحية الشمال .. مسورة بجدار لا يتجاوز إرتفاعه المتر الواحد .. خصصت هذه المحمية لإعداد المثلجات المُسَكّرة وإعداد السندوتشات لطالبات المدارس .. إمتدت علي طول الواجهة الأمامية للحانوت منضدة خشبية تفصل ما بين صاحبه ومن يقف أمامه من المتسوقين .. الدواليب والأدراج التي صنعت للمنضدة الخشبية من الداخل خصصت لحفظ النقود والمستلزمات .. كما حفظت فيها صفائح الزيت والطحينة لحمايتها من الأتربة والملوثات ..طُليت الهياكل، المنضدة الخشبية وأبواب الحديد الخارجية بطلاء أزرق سماويٍ هادئ ..
حدث كل ذلك بعد أن عاد ذات مساءٍ كعادته مرهقا من عمله اليومي بالطاحونة .. تمدد وقد بلغ منه التعب والأرهاق مبلغاً .. أحست خالتي الصغيرة معه، بعنته ومعاناته
- هذا الرجل يلزمه أن يهجر تلك المهنة القاسية .. فلربما لو واظب عليها أن تهلكه وتهدر عليه صباه وعافيته
- بل إنها حتي لا تجلب له من الرزق ما يجبره علي أن يلزمها ويصابر علي أذاها..! ..
أخذها التفكير بعيدا.. ثم هامت في باحة المنزل غدوّاً ورواحا حتي وطأت أقدامها، في غفلةٍ منها، أحواض البرسيم الرطبة المقامة في الركن الجنوبي الغربي من المنزل (حوش الرزاعة) .. أثار ذلك حفيظة خالتي الكبري التي كانت تقوم عليها وتتعهدها بالرعاية، فتمتمت بعباراتٍ مبهمةٍ ساخطة لم تتبينها لكنها عاجلتها بالرد
- البرسيم! ..تباً له .. ماذا تجنين من ورائه .. يهدر عليك الماء والأرض دون فائدة تُرجي ..ربما دُخِرَت هذه الأرض لغايةٍ أسمي من ذلك " ..
لم تابه لثورتها .. فأخذت تجر خطوطا علي الأرض وتخاطبه من علي البعد
- الطاحونة اللعينة .. أسعيدٌ أنت بتلك المهنة القاسية؟ .. ثم عقبت:
- ما رأيُكَ إن شيدتُ لك متجراً فوق هذه الأرض .. تفتح أبوابه علي الطريق ويقابل بواجهته المدرستين المقابلتين للدار .. إن من شأن ذلك أن يجلب لك رزقاً يفوق أضعاف ما تلقاه من الطاحونة .. ماذا تري ؟ ..
باغتته الفكرة..وداعبت شيئا ما في داخله. لكنه كعادته لم يتعجل البوحَ بأساريره .. أرسل أبصاره إلي حيث أشارت ..ثم أطرق إلي الأرض كأنما يستخف بما تقول .. ثم بادرها بالسؤال بصوت خافتٍ كالذي يحدث نفسه ..
- لعلك تمزحين .. من أين لي بالمال للبناء ..والمال للبضائع والمعروضات.. أنا لا أملكه هل أنت تملكين؟ ..
- المال لديكم أنتم !!..تبيعون السوار الذهبي مقابل مائتين من الجنيهات .. هذا يكفي للبناء وإستجلاب البضائع ..
الله أكبر .. وقع ذلك المقترح وقوع الصاعقة علي خالتي الكبري .. ففوق خسارتها للبرسيم تسعي هذه الفتاة لحرمانها من السوار الذهبي !
- يا لتعاسة هذا اليوم .. هذه الأسورة لن أُفرِّط فيها ..
إن هي فقدتها .. من أين لها أن تؤمن مستقبل هؤلاء الصبية ؟ ..
- لا أحد أيتها الصغيرة .. لا احد يأمن الدهر ونوائبه..والأيام حُبلي بالمصائب والملمات .. ثم من يضمنِ الرجالَ ياتُري؟.. ربما تتعلمين ذلك إذا عركتك الحياة في مقبل الأيام ..
- السوار .. لديك غيره من الأسورة الكثير .. وما فائدتها هذه المصوغات الذهبية ..هل نملكها أم تملكنا هي ..وما الفرق بين وجودها وعدمه .. إن لم تدفع عنا معاناتنا وتكفلنا عند الحاجة ؟ ..
كان عراكا وجدالاً طويلين وكان مساءً ليس ككل الأماسي .. تغيرت بعده مسيرة الحياة وإتجاهاتها .. تعهدت فيه خالتي الصغري .. انها ومن راتبها الشهري سترد المبلغ المطلوب علي أقساط شهرية حتي يعود السوار إلي خبائه الميمون ..وافقت خالتي علي فراق سوارها الذهبي من فرط كثرة الوعود وشدة إلحاحهم عليها ..
إنتصبت الجدران من الداخل بينما ظل الحائط الخارجي قائما .. وريثما أخذ الحانوت زينته وأكتمل بناؤه سرعانما طُرِحَ الجدارُ الخارجي أرضاً فإذا بحانوت كامل المعالم يمتليء بكل اصناف التجارة وعروضها .. فاغرٌ فاه علي الطريق .. كان للمفاجأة وقع شديد علي أهل القرية .. وعلي تجار الحي المجاورين .. الأدوات المكتبية ..الحقائب .. الثياب القطنية البيضاء .. الحلوي .. طعام الإفطار ..العصائر المثلجة .. ما هي إلا أيام قلائل حتي أصبح المكان يكتظ بالمعلمات وطالبات المدرستين الأبتدائية والمتوسطة اللتان تواجهان الحانوت مباشرة من الناحية الغربية ..فصل بينهما وبينه الشارع الذي ينسل خجولاً من منزل مناسينا والعم أمحمد ود صديق رحمة الله ورضوانه عليهما ..المدرسة المتوسطة تقع بوابتها الرئيسية المصنوعة من الحديد في الركن الشمالي الشرقي للسور.. السور مصنوع من اللبن ومطلي بخليط الروث والرمال. تتمطي المدرسة جنوبا حتي يفصل بينها وبين منزل ود الفكي ممر ضيق لايكاد يتسع للمارة .. الطالبات كن يرتدين رداءً بلون طوبي يميل قليلا إلي الحمرة.. وتزين ياقاته وأكمامه باللون الأبيض الناصع .. في الركن الشمالي الشرقي للمدرسة شُيدت غرفةٌ صغيرة كان يعد فيها الافطار للطالبات والمعلمات كان يقوم عليهاجدي "ود شيخ أمحمد" رحمة الله ورضوانه عليه. كان جدي بهدوئه وطيبة قلبه لا يلبث أن يضيق صدره فينفجر غاضبا حتي تختلط عليه العبارات، حينما تزدحم عليه الغرفة بالمئات من الطالبات علي نوافذها الضيقة متعجلات للحصول علي الأفطار الصباحي .. وطالما صاحب ذلك صياحا وضجيجا شديدين.
في مواجهة الحانوت وقليلا إلي الشمال تطل المدرسة الإبتدائية الشرقية للبنات غير أنها تميل قليلاً إلي الشمال .. تفتح بوابتها الرئيسية المصنوعة من الخشب والمطلية باللون الأخضر الفاتح تفتح ناحية الشرق في مواجهة الدار .. قليلا إلي اليسار من البوابة كانت هناك، حتي وقتٍ قريب، بئرٌ مهجورة مكتملة المعالم .. لم يشأ أهل القرية إزالة قرصها الأسمنتي رغم إعتراضه للعربات والمارة حتي بعد أن أنتظمت مياه الأنابيب ودخلت معظم المدارس والدور الكبيرة بالقرية .. صنع السور الخارجي للمدرسة من اللبن مهملاً دون أن يتم طليه بخليط الروث والرمال (الزبالة) ذاك الخليط السحري الذي تطلي به معظم منازل الأهالي بالقرية، لإزالة تشوهات وتعرجات البناء ولحمايته من الأمطار لعدة سنوات، كما زين السور عند نهايته العليا ببراوز شُكّلت من صفين من الآجر الأحمر المشدود بالأسمنت..
يقولون أن المدرسة الأبتدائية كان قد عزم علي بنائها المفتش الأنجليزي بالتنسيق مع بعض أهل القرية في بداية العقود الأولي من القرن الماضي .. وكان قد قوبل هذا الأمر بتعنت وممانعةٍ شديدة من بعضهم .. بحسبان أن تعليم المرأة لم يكن حتي ذلك الحين معتادا في معظم الأرياف المجاورة .. وكان الكثيرون يرون في ذلك تحايلاً لدفع بنات القرية للخروج وتعريضهن للإحتكاك بالأجانب من الغرباء والمعلمين .. فأمسكت الأسر دهرا عن أرسال بناتها للمدرسة .. إلا أن هذا الأمساك لم يصمد طويلا فلم يكد المرحوم "محمد فرح" يبادر بإرسال أربعٍ من بناته للمدرسة حتي تداعت طلبات التسجيل تباعا علي إدارة المدرسة وانتظم فيها عدد غير قليل من بنات القرية والقري المجاورة.
الطالبات كن يرتدين رداءً أخضراً زرعياً زُينت كذلك ياقاته والأكمام منه باللون الأبيض الناصع، كما عقدت أسفل الظهر وعند الخصر من الخلف فيونكا أنيقةً بشريطٍ أبيض عريض. تتكون المدرسة من الداخل من نهرين طويلين من الغرف الطولية المعدة للدرس. يتميز النهر الشمالي بإحتوائه علي مكاتب المعلمات وعلي معمل التدبير الذي كان معداً بكل وسائل ومعينات التدبير المنزلي بما يكفي لتدريب الطالبات وتلقينهن كل فنون الطبخ والحياكة والتطريز .. الباحة الشرقية للمدرسة كانت عملاقة تتجول فيها الطالبات خلال ساعة الأفطار. كُنَّ يُحدثن ضجيجا شديدا وهن يتناجين أو يتصايحن بأصوات عالية .. تتجمع تلك الأصوات لتشكل هديرا جبارا لا يقاوم تسمعه القرية من أقصاها إلي أقصاها .. وكانت الطالبات يزدحمن علي بائعات الحلوي والأفطار اللاتي كن يتخذن لهن مواقع تصطف علي طول ظل الجدار الشرقي من الداخل .. البائعات كن يجلبن أشكال شتي من الحلوي، منها المطاطية الوردية اللون التي تتخذ أشكالاً بهلوانية (حلاوة مطّة) كان ذلك النوع المميز من الحلوي يصنع من السكر ويُغطي بالدقيق الفينو لتسهيل تناوله وحمايته من التلوث .. ومنها التي تصنع بقليِّ شرائح مسطحة صلبة من خليط الفول السوداني والسكر .. هذا بالأضافة للطاعمية والفول والعسل المحضر من سكر القصب.
إزدهر الحانوت وتوسع بناؤه ككائن خرافي ليمتد جنوبا في مساحات جديدة .. تم تخصيص الغرفة القصية منه كمعمل لحياكة الملابس النسائية .. كان "محمد الخياط" في الثلاثينات من العمر .. داكن البشرة .. قصير القامة .. حسن الطلعة ..مفتول العضلات .. كان حين يركض لا يدركه منافسوه .. برع في مهنته بما يواكب آخر ما توصلت إليه الموضة وذوق الحسناوات في ذلك الزمان .. كان قد جلبه للعمل الإبن الأكبر .. علي أن يكون العائد مناصفة بينهما .. يعمل طوال ساعات اليوم ويستقبل الفتيات من جميع الأعمار من الصباح و حتي العشاء.. أضواء الرتينة المعلقة في سقف معمل الحياكة تقتحم ليل القرية وسكونها .. وتنبعث معها الأغاني والموشحات من جهاز تسجيل كبير .. كان "محمد الخياط" رجلا أنيقا محبا للحياة .. حريصا أن يكون في كامل هيئته وزينته، فطالما اختال بكنزة سوداء أنيقة وحذاءٍ جلدي محليً بأزرار معدنية لامعة ..
في المساء كان يتجمع أمام الحانوت نَفَرٌ من أهل القرية يتسامرون ويتبادلون الطرفات فيما بينهم وبينه.. كان من الحضور الأستاذ الأنيق "ود الفكي" مفتش التعليم، والذي كانت داره تجاور المدرسة المتوسطة من الناحية الجنوبية .. رجلٌ طويل القامة يجيد اللغتين العربية والأنجليزية ..يتخير في حديئه مفرداتٍ جاذبةً غنية بالمعاني والإشارات العميقة .. ضحكته كانت مميزة تتعالي حتي تعم أرجاء الحي لتبدد علي القرية صمتها وسكونها المسائي
مع لحظات الأصيل الأولي والشمس تتهادي إلي المغيب فيما وراء النهر.. كانت تعبر عربة الكارو الأنيقة من أمامهم في هدوء وعظمة ظاهرة.. العربة سطحها مفروش بسجاد أعجمي فاخر منمقٍ ومزخرف بألوان عديدة، يغلب عليها اللون الأحمر، وُزِّعت فيها وسائدَ قطنيةً وثيرة ذات ألوان متناغمة. الحمار الأبيض في مقدمة العربة لا يخلو من الزينة أيضا.. فالسرج الخشبيّ المشدود علي ظهره والذي تتعلق عليه العربة بخطافات مزودة بسلاسل حديدية مشدودة علي رافعتين خشبيتين، تمتدان من نهاية سطح العربة الأمامي لتحيطان بالحمار من جانبيه، قد دُبِّج السرج بعنايةٍ من أعلاه بغطاءٍ من الحرير الأحمر، وزُيِّن من جوانبه بأشرطة من الدانتيلا البيضاء الناصعة.. كما جُلّدَت الرافعتين الخشبيتين بجلد الماعز المُصنّع الأحمر، وطرزتا بعقودٍ من الدبوس المعدني اللامع.
المرأة العشرينية الحسناء، الجالسة بكبرياءٍ ظاهر علي ظهر العربة برفقة ثلاثة من أطفالها الصغار الغضين، لا يزيد أكبرهما عن خمس سنوات، كانت في صمتها وابصارها الخجولة تضفي علي الموكب عظمةً علي عظمته، حُباً ورونقا وجلالا. جلس يتقلد مقود العربة "مناسينا" وهو في حُلّةٍ من الثياب البيضاء النظيفة، بصدرية زاهيةٍ زرقاء اللون، وطاقية وحذاءٍ جلدي أحمرين.
عربة الكارو، والحمار الأبيض في مقدمتها، السجاد والمساند المخملية الأنيقة، كلها تم إنتقاؤها بعناية تامة، وترتيبها وتزيينها بحيث تعطي ببساطتها وعظمتها تلك، أولئك الصغار القابعين في ظهر العربة بصحبة أمهم، كل أسباب البَطَرِ والدعةِ والسعادة. كما كان حريصاً، أن يترك ذلك الأحساس بالعظمة يغمر كل من يراقب موكب العربة في نهاية كل أسبوع، وقبل ذلك كله، أكثر حرصاً في أن يجعل ذلك الشعور بالحب والعظمة والرضا، يتبدي في نظرات الأطفال البريئة، وهم يتفرسون في دهشة المارة المأخوذين بعظمة الموكب وأناقته. كان كلما مرّ بهم وهم جلوسٌ أمام الحانوت، يبادلهم الأبتسامات والتحايا والتعليقات الساخرة، في رحلته المقدسة تلك وهو يرافق الصغار وأمهم الأنيقة، لقضاء ليلة نهاية الأسبوع مع جدتهم لأمهم ثم ينقلبون في نفس الوقت من مساء اليوم الذي يليه.
وكان من الحضور كذلك ود علي الياس، و "ود العمدة فضل الله" الذي كان غالباً ما يأتي قافلاً من السوق مع مغيب الشمس بشاحنته الأيزوزو ذات الطلاء الرمادي ،كان "ود العمدة" رجلاً طيبا لين الجانب يمتع مسامريه بلهو الحديث .. لكنه كثيرا ما يستسلم لنوبات غضب ضارية يتصاعد معها السب والوعيد حتي كان يلجأ أحيانا أن يحسم الجدال باللجوء لبندقيته الخرطوش ذات الماسورتين .. فيتعجل خصومه بإخلاء الساحة قبل وقت كاف من عودته بها .. فيكفونه وأنفسهم شر القتال ويدعونه لوحده يتلمظ حلاوة النصر .. وماهي إلا لحظات حتي ينقلب ذلك الغضب العدواني إلي ضحكات وادعة بريئة .. كان هناك أيضا "ود طه"، و"ود حسن طالب الله" .. ومبارك ود الصادق.. رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين .. ومنهم أيضا والدي المثقف التقدمي ذو الميول اليسارية، والذي كان غالباً ما يشتبك مع الجميع الذين تغلب عليهم ذلك الوقت الإنتماءات المتطرفة للأحزاب الطائفية التي كانت سائدةً في ذلك الوقت، والتي كان اليسار غريمها الأول والأخير. ولا حقا إنضم لتلك النخبة "آدم ود طه" أو "آدم الغسال".. تعلو أصواتهم أحياناً ثم تعود فتتضاءل حتي تصير همساً .. كأنما يسرّون بعضهم بعضا بما لا يرغبون في أن تقتحمه عليهم آذان العابرين أو تختلسه أبصارهم .. ثم فجأة تتعالي الضحكات والتعليقات الساخرة ..لتفضح شيئا مماكانوا يتسارّون به ويتكتمون عليه .. ويظلوا علي ماهم فيه حتي ينفض السامر بعد صلاة العشاء ليتهادي كل منهم لداره القريبة حتي صباح يوم جديد.
* * *
(يتبع)
Nagi Sharif Babiker [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.