إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرقابة على الصحف والوصاية على الشعب ... بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 30 - 09 - 2009


[email protected]
(1)
رفعت العصبة المنقذة الرقابة (القبلية) عن الصحف فأجملت وأصابت وأحسنت صنعا، ومن حق المحسن ان يقال له عند الاحسان أحسنت. صحيح انه فى العالم الافتراضى المثالى لا يجوز الثناء على من جلس على صدر غيره فكتم انفاسه او فرض عليه ان يتنفس بمقدار محسوب، لو أنه قام أخيرا عن صدر ضحيته واتاح له ان يتنفس تنفسا طبيعيا. ولكننا – فى الجزء الذى نحتله من كوكب الارض - لا نعيش فى عالم افتراضى مثالى، وانما نعيش فى عالم الواقع الذى نعرفه ويعرفنا. وفى هذا العالم الواقعى، ذى المعايير والقيم النسبية، يُحبذ التعبير عن الشكر والتقدير والعرفان لمن صادر الحقوق ثم عاد فردها. اليس ذلك- بمعيار النسبية - افضل وأكرم من ان ياخذها ثم لا يردها؟!
الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات على ما أفاء علينا من جليل النعمة، والتهنئة للعصبة المنقذة على ما ألهمها الخالق من حكمة وشجاعة وهى تراجع ثم تتراجع عن منهاج الرقابة الامنية المقيدة لحرية التعبير، التى اختبرتها حينا من الدهر فلم تجن من ورائها غير الهم والغم وسوء الاُحدوثة، ولم تصب من موردها الا الوساوس والشبهات، والغمز واللمز والوشاية والنميمة فى عرض عروسها البكر البتول: مشروع التحول الديمقراطى الموعود.
(2)
لم يبق امام العُصبة اذن بعد ان رفعت الرقابة (القبلية) عن الصحف الا ان ترفع الرقابة (البعدية) عن الشعب، فيكتمل الاحسان وتبلغ السعادة تمامها. ولكن دعنى اتوقف للحظة – أيها الأعز الأكرم - اتحقق فيها انك تقرأ ما اكتب من كلمات قراءة صحيحة. لعلك تقرأ لفظة ( القبلية ) بفتح الباء كما كنت افعل انا ردحا من الزمن فأتحير وأهز رأسى فى كل مرة تخطرنى فيها ادارة الصحيفة بأن الرقابة ( القبلية ) حظرت مقالا لى او امرت بشطب فقرات منه. كنت وقتها اتساءل عن علاقة القبيلة والقبائل بأمر الرقابة على الصحف. وما لبثت على ذلك الحال من الغفلة حتى اتانى من اخبرنى بأن اللفظة فى عبارة "الرقابة القبلية" لا علاقة لها بالقبائل وانما المراد هنا ظرف الزمان " قبل ". فهى قبلية بتسكين الباء لا بفتحها، وتعنى الرقابة على الصحف قبل صدورها، بحيث تتم مطالعة الاخبار والمقالات والمواد الصحفية الاخرى وإجازتها بوساطة الرقيب قبل ذهابها الى المطبعة. وهو بخلاف الرقابة على الصحف " بعد " صدورها، حيث تتم مصادرة الصحف من المطابع ومراكز التوزيع، او محاسبتها وربما مقاضاتها بواسطة الجهاز المختص.
ولم تكن لفظة "قبلية" بهذ المعنى قد تواردت على سمعى من قبل. ولكننى كنت قد سمعت اللفظة المضادة، وهى " البعدية " بفتح الباء، من الامام الصادق المهدى، حين تقدم بمذكرته الشهيرة لمجمع البحوث الاسلامية بالازهر الشريف فى بداية التسعينات يطلب رأى الازهر فى أمر ( البيعة البعدية ). وربما كان ذلك ضربا من ضروب الجهاد المدنى الذى التمس المهدى من ورائه تعرية نظام الانقاذ واضعافه واحراجه من وجهة الفقه الاسلامى. فقد كانت الثورة المنقذة فى طبعتها الاولى وعهدها الباكر قد شرعت فى اخذ البيعة من المواطنين لرئيس مجلس قيادة الثورة آنذاك الفريق عمر البشير، من خلال تجمعات شعبية فى الميادين العامة. وهى ما اعتبرها المهدى ( بيعة بعدية ) فطلب فى شأنها تدخل الازهر، وهى البيعة الموازية فى المصطلح الاسلامى ل " بيعة المتغلب "، التى تتمظهر عندما يظفر شخص ما بمقعد الحكم عنوة واقتدارا، دون اختيار او بيعة مرضية من المسلمين ثم يطلب من الناس مبايعته فيبايعونه كيفما اتفق، رضاءً او كرها، بحسبانه حاكم الامر الواقع. ويخالف ذلك بطبيعة الحال مفهوم البيعة الشرعية التى تتحقق عندما يتم الاتفاق مقدما بوجه من وجوه التراضى على اختيار شخص معين وتأميره ومبايعته من ثم على الطاعة فى المنشط والمكره، فيصعد بعد ذلك لتولى الامارة، وتكون بيعته فى هذه الحالة (بيعة قبلية)، على وزن (رقابة قبلية)!
(3)
وكنت وانا اتحرى اخبار القرار الذى طال انتظاره، قبل اعلانه بصفة رسمية فى مطلع هذا الاسبوع، قد وقعت على خبر نشرته صحيفة سودانية محترمة يقول عنوانه ( رفع الرقابة القبلية بعد العيد)، وقد لفت انتباهى صياغة العنوان، وتذكرت لغة ( بعد العيد ) الشهيرة التى تطبع أداء مؤسسات الخدمة العامة فى السودان كلما اقتربت المناسبات الدينية الجليلة، حيث يؤجل كل شئ الى ما بعد العيد. ثم تأملت حال هؤلاء الفرنجة الذين اعيش بين ظهرانيهم، والذين – لخلل كامن فى ثقافتهم- لا يقدرون للاعياد الدينية قدرها مثلما نفعل نحن فى ثقافتنا المجيدة، فلا يقولون لطالب الخدمة: تعال بعد الكريسماس!
وفضلا عن خبر الصحيفة فقد كان هناك مؤشر آخر لرفع الرقابة وقفت عليه. كنت قد اطلعت على مسودة مقال صديقى الاستاذ فتحى الضو بتاريخ الثامن عشر الماضى من سبتمبر بعنوان ( آه من قيدك ادمى معصمى) قبل ارساله للنشر ثم وافيته برأيى فى حينه من ان المقال لن يرى النور وان الرقيب سيصادره لفوره، واقترحت عليه تعديلات معينة (تحنن) قلب الرقيب عليه وعلى المقال، وكررت ذات الرأى والمقترحات بالنسبة لمقاله التالى الذى صدر الاربعاء الماضية والذى سلق فيه عصبتى (حماس) الفلسطينية والانقاذ السودانية سلقاً وشواهما شياً، ولكن الوقت كان قد فات على اجراء التعديلات. ومع ذلك فقد فوجئت اذ خرجت الصحيفة فى اسبوعين متتاليين ومقالى فتحى يرفلان فى قلب صفحة الرأى دون ان يمسسهما بشر، فعرفت ان اهل الرقابة قد غادروا دار (الاحداث) وتركوا تقدير الامور لأهلها. ثم اعيد نشر المقالين بعد ذلك فى المنابر الالكترونية دون ان تصحب عنوانيهما العبارة الشهيرة ( منعته الرقابة الامنية ). واعلم ان فتحى قد سعد بذلك ايما سعادة اذ هو شديد الارتباط بقرائه الكثر داخل الوطن، فقد كان الحزن الممض يصيب صاحبى ويسكن منه مكان القلب والرئتين فى كل مرة يصادر فيها مقاله فلا يجد طريقه الى قراء الداخل.
وربما اغتاظ فتحى وحسدنى على نشر جميع مقالاتى فى الاشهر الاخيرة دون تدخل، باستثناء مقال واحد عنوانه ( مغازى غازى ..) أمر الرقيب الامنى بحذف بعض اجزائه. والحق ان الرقيب كان قد اطمأن قلبه واستركن الىّ لحد كبير، ونظر الى مقالاتى اجمالا بعين الرضا التى هى عن كل عيب كليلة خلال الفترة التى اعقبت مشاركتى فى الملتقى الاعلامى الذى نظمته العصبة المنقذة فى مايو الماضى. وذلك بعد ان رآنى بعينى رأسه مستغرقا فى النوم فى المقاعد الخلفية لقاعة الصداقة، ثم منهمكا فى التهام المطايب من المآكل والمشارب على موائد الانقاذ العامرة بصحبة البهلوان الاسلاموى الآبق عمار محمد آدم، وراقصا ومبشرا على رؤوس المطربين والمطربات فى معية الوزير المتألق كمال عبد اللطيف، خلال الحفلات الباذخة المتعاقبة التى اقيمت على شرف المؤتمرين فى محافل الخرطوم البديعة الراقية. ثم ازداد الرقيب رضاً على رضا واطمئناناً على اطمئنان حين وقف على دورى الفاعل فى تأسيس حزب الزبادى الذى يضم عددا من الكتاب الصحفيين ممن آمنوا بأن طعام العصبة المنقذة حِلٌ لهم، وان طعامهم حلٌ للعصبة المنقذة، وان الحوار مع حكومات الامر الواقع جائز فى مذهب اهل الزبادى. ولولا ان المؤتمر العام لحزبنا غير المسجل قرر مساندة ترشيح حبيبنا الدكتور عبدالله على ابراهيم لرئاسة الجمهورية فى مواجهه المشير عمر البشير، مما يضيق آفاق التعاون بينه وبين حزب المؤتمر الوطنى، لما ترددنا فى اعلان انضمامنا الى ما يسمى باتحاد احزاب حكومة الوحدة الوطنية المكون من اربعين حزباً فى عين العدو، ثم لبدلنا اسمه بعد ذلك فأطلقنا عليه: تحالف على بابا والاربعين حزبا!
(4)
قلنا في فقرة سابقة أننا نثمّن مبادرة الحكومة برفع الرقابة على الصحف، ونرى فى هذه الخطوة مقدمة مبشرة لخطوات اخرى فى طريق التأهيل الديمقراطى، والمثل السودانى يقول ( العافية درجات). ومن منطلق الحب العظيم والود المقيم، الذى يعلم جماعة على بابا اننا نحمله لهم فى سويداء القلب، وددنا ان نطرح عليهم بعض رؤانا بشأن تسريع وتائر التحول الديمقراطى بما يلبى تطلعاتنا، ويفتح الطريق امام عهد جديد يوافى اشواق الاستقرار السياسى والسلام الوطيد والتنمية المتوازنة.
فى عالم اليوم يتوفر اجماعٌ كافٍ على ان الديمقراطية تشيد اركانها وتعززها منظومة من المؤسسات والمسارات والديناميات الحاكمة، وهى منظومة تقاس ويُحكم علي حقيقة ادائها من خلال مسطرتين تعبران عن جوهر القيمة الديمقراطية، المسطرة الاولى هى: الرقابة – ان لم يكن الهيمنة – الشعبية على مسارات وميكانيزمات رسم السياسات العامة واتخاذ القرار، والمسطرة الثانية هى: المساواة بين أبناء الوطن الواحد فى ممارسة هذا الاختصاص الديمقراطى. ونعلم علم اليقين ان هناك من اركان النظام القائم من لا يعجزهم الرد على مثل هذه المقولات، فما ان يبادر مبادر بطرح شعارات كهذه حتى يخرج له الف ممن المزودين بالحجج والادلة الانقاذية على ان السودان تحكمه فى يومه هذا – فعلا لا قولا - مؤسسات منتخبة ترعى الحقوق وتصون الشرعية وتحقق المساواة وتكفل المشاركة الحرة فى مؤسسات الحكم. وهنا نأتى الى بيت القصيد فنقول لأهل الانقاذ: عظيم، ما ينقصكم اذن هو المصداقية وبناء جسور الثقة بينكم وبين فصائل الشعب اولا واتخاذ خطوات اكثر جدية فى التمكين للحريات والحقوق العامة ثانيا. ماذا نقصد بذلك؟
للعصبة المنقذة تاريخ حافل فى التطفيف من شعب السودان والاستخفاف بوعيه وتغبيته واستحماره. ولها تاريخ حافل أيضا فى التعامل مع القضايا التى تهم الامة كلها من منطلق أبوى وصائى استعلائى اذ جعلت من نفسها وصية على البلاد والعباد، والوصاية لا تكون الا على القاصر. وشعب السودان شعبٌ معلّم لا يقبل الوصاية ولا يحتمل الاستحمار والاستحقار والضحك على الذقون. دعك جانبا من مسرحية الاستيلاء على السلطة فى العام 1989 التى تعاملت فيها الحركة الاسلامية مع شعب السودان بأسره وكأنه فصيل من الحمير، دعنا عنه اذ اكثرنا من الحديث عن ذلك فى سابق مقالاتنا، وطالبنا العصبة المنقذة ان تعتذر لمن اساءت اليهم ابلغ الاساءة، عن هذه وعن غيرها من الاخطاء والخطايا. غير ان للعصبة المنقذة سجلٌ أسود طويل موازٍ آخر فى التعامل مع الجماهير يصعب محوه من الذاكرة الجماعية، وهذا السجل سيظل حياً متقدا يذكر الناس ويثير لديهم الشكوك والريب حول صدق القيم الوطنية والاسلامية التى يزعم اهل النظام فرادى وجماعات انهم يسترشدون بها ويحتكمون اليها. هذه الشكوك انما هى بمثابة الجمرة التى من مستصغر شررها تشتعل مجامر انعدام الثقة بين النظام وبين قطاعات واسعة من أبناء السودان.
(5)
كنت كلما عدت بذاكرتى الى التسعينات الاولى استرجعت المشاهد التراجيكوميدية التى فرضتها علينا العصبة، كمشهد الاستاذ عبدالله محمد احمد، قطب حزب الامة السابق الذى انقلب على عقبيه فانضم لحكومة الانقاذ، على شاشة التلفزيون، وحوله حشد من السوقة والمشتغلين بالمهن الهامشية والخزعبلات الذين جمعهم سماسرة الانفار من مواقف البصات وهم يهتفون ( الله اكبر ولله الحمد) والمذيع يعلن فى نشرة الاخبار: ( جماهير الانصار تبايع الثورة)!! وذكرت مشهد النور جادين، المحرر فى جريدة (صوت الامة) ابان حقبة الديمقراطية الثالثة، وهو يصافح الفريق البشير والمذيع يعلن: ( قائد الثورة يستقبل رئيس حزب الامة)، بعد ان استأجرت الانقاذ الشاب المسكين، كما يُستأجر الفعلة من السوق، ونصبته رئيسا للحزب فى ظل ملهاة التوالى الشهيرة! وذكرت الاحتفال الكبير بذكرى الاستقلال بعد بضعة اشهر من الانقلاب، امام منزل الزعيم الازهرى، وقادة الثورة المنقذة يتمسحون بقميص الازهرى وصحفهم تعمّدهم اتحاديين اقحاح منذ ولدتهم امهاتهم، وتكتب ان الازهرى هو اعظم زعيم انجبته الامة، فى محاولة بئيسة لخطب ود الجماهير. ثم اعيد البصر كرتين فارجع الى يومى هذا فاشهد الاسماء الوهمية لاحزاب فضائية تند عن الحصر، يعلم القاصى والدانى، انها كيانات منبتة لا وجود لها فى ارض الواقع السياسى، ويعلم كهنة هذه الكيانات الهوائية انهم لا يمثلون الا ذواتهم الفانية المتطلعة الى طيبات الدنيا وانهم لم يكونوا قط فى يوم من الايام شيئا مذكورا، ومع ذلك فان بعضها يشارك فى الحكومة، ويضيفها حزب المؤتمر الوطنى الى قائمة حلفائه وكأنها احزاب حقيقية تعبر عن ارادة شعبية، ثم يضفى من وراء هذا الدجل السياسى على حكومته صفة (حكومة الوحدة الوطنية).
والدجل السياسى والتستر وراء الهياكل المصطنعة والفتاوى المبتدعة ليست من الامور الوافدة على ثقافة العصبة المنقذة. كتب د. عبد الرحيم عمر محى الدين، احد كادرات الحركة الاسلامية النشطة، فى كتابه ( الترابى والانقاذ: صراع الهوية والهوى) عن واقعة خلاف جرى عام 1996 بين أمانة المؤتمر الوطنى بالخرطوم، ووالى الولاية الاسبق بدر الدين طه، احتكم خلاله قادة الامانة الى شيخ الحركة الاسلامية د. حسن الترابى. وبعد ان شكا قادة الامانة من شمولية الوالى وعدم التزامه بالتشريعات الحاكمة المكتوبة وقرارت الاجهزة المعلنة والمجازة، ثم عرضوا على الشيخ حججهم الناهضة المستندة على الادبيات واللوائح، واستمع الشيخ الى كل ذلك واطرق، فاجأ القوم المستمسكين بالمواثيق المكتوبة والتشريعات المدونة بأن ردهم على اعقابهم ونصر عليهم الوالى المستفرد بالسلطة:( كان رد الترابى فى تلك الليلة صاعقا ومحيرا ولغزا، وذلك عندما قال لنا: هذه اللوائح، أى لوائح المؤتمر الوطنى، قد كتبناها من اجل الخواجات والاعلام فقط) [ ص: 258].
مثل هذه المدرسة فى الدجل السياسى والمخاتلة الاعلامية هى التى عمقت – ولا اقول خلقت، لأن الدجل الاسلاموى حنبلى قديم لا معتزلى مخلوق- فجوة الثقة بين الحاكمين والمحكومين فى حاضرنا المعاش. وقد فقدت هذه الممارسات الدجلية سحرها وتأثيرها، لو صح انه كان لها سحر وتأثير. ولا عاصم اليوم لحكومة الثورة المنقذة، لو انها ارادت ان تقنع الناس بجديتها فى المضى قدما على درب التحول الديمقراطى المرتقب، من ان تتخلى عن مناهج "التلات ورقات" والقفز على الحبال، وان تقلع عن اللعب بالبيضة والحجر!
(6)
يشق على من ذاق حلاوة السلطة، مرسلةً ومطلقة، قسطا من الزمان، مستأثراً بها وحده لا شريك له، ان يعود فيتخلى عن صولجانها وهيلمانها كلاً او جزءاً. تلك خصيصة البشر وسنة التاريخ الماضية. وكثيرون ممن نشأوا فى طاعة الحركة الترابية ونهلوا مبادئ الميكافيللية السياسية من معينها سيشق عليهم بلا ريب وفاء الانقاذ باستحقاقات الانفتاح الديمقراطى ومستلزمات توسعة قاعدة الحقوق والحريات. حكمت الانقاذ عشرين عاما وهى تقبض بيد من حديد على المحركات السلطوية التى تعرف فى العلوم السياسية بأدوات القمع الثلاث: القوات النظامية بما فيها الاذرع الامنية، والاعلام القومى متضمنا منظومة مفاتيح صياغة الرأى العام، ومالية الدولة وخزانتها وما يرقد فى بطنها من ذهب وفضة. ولئن جاز ذلك فى ظل الشمولية المطلقة فان التحول الديمقراطى له شروطه التى محيص عنها. مثل هذا الاحتكار الاطلاقى منهى عنه فى شرعة الديمقراطية وقانونها.
فليتهيأ قادة الانقاذ وكادراتها اذن – ان هم ارادوا ان يصدقوا عهدهم - الى يوم جديد لا يستأثرون فيه بأجهزة الاعلام القومى على النحو الذى نراه اليوم، استئثارا يندى له جبين من يعرف للديمقراطية شرفها وكرامتها، حيث توظف اذاعات الدولة المسموعة والمرئية ووسائط الاتصال الحكومى كما لو كانت ملكاً خاصاً للحزب الحاكم، فى سابقة لا ضريب لها الا فى كوريا كيم جونغ ايل، وكوبا راؤول كاسترو، وليبيا معمر القذافى. نتطلع الى يومٌ جديد لا تفرد فيه موارد الدوله المالية والاقتصادية حصر وقصراً على خدمة اهداف الحاكمين فى التمترس داخل خندق السلطة، ولا تدار معه القوات الشرطية والامنية وكأنها مليشيا خاصة بهم. نريد ان نرى احزابنا السياسية المستقلة المعبرة عن الارادة الشعبية تعبيرا صادقا، وهى تمارس حقوقها فى التواصل مع جماهيرها تواصلا مباشرا ومسئولاً من خلال قنوات الاتصال الاذاعى والتلفازى المملوكة ملكية عامة، تماما كما هو الحال فى كل الديمقراطيات من حولنا، العتيدة منها والوليدة. نريد ان يكون حق التجمع والاتصال الجماهيرى متاحا من خلال الليالى السياسية والندوات الفكرية والمناشط الاهلية متاحا امام جميع الاحزاب وقوى المجتمع المدنى بغير ضوابط قانونية متحجرة اورقابة امنية متجبرة. نريد ان تنحو تجربتنا السياسية الديمقراطية منحى الديمقراطيات الراشدة حيث تخصص الاموال من الخزانة العامة لدعم الاحزاب والقوى السياسية وتمكينها من النهوض بدورها الوطنى وفق موجهات القانون. نريد للحريات النقابية ان تنداح امام للعاملين فى شتى المرافق والمؤسسات والشركات فيختارون ممثليهم بارادة حرة مستقلة لا تشوبها شائبة، فلا تفرض عليهم السلطة قانونا مستورداً من عراق صدام حسين يُطلق على استاذ جامعى فى طب اسنان لقب "عامل" وينصبه رئيسا لنقابات العمال!
هل ستغالب الانقاذ شرور أنفسها وسيئات أعمالها فتنصر شعبها وتصدق وعدها وتهزم هوى نفسها؟ لا اعلم يقينا، ولكننى ازعم بأننى رأيت ضوءاً فى آخر النفق. نحن وراء الانقاذ "حتى باب بيتها"... او باب بيت السودان الديمقراطى الذى نريد. أى البيتين يا ترى أقرب؟!
عن صحيفة ( الأحداث )
مقالات سابقة:
http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.