مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    شاهد بالصورة والفيديو.. سودانية تحكي قصتها المؤثرة: (أبوي وأمي اتطلقوا وجدعوني ودمروا حياتي)    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بين تشكّر مواطن فخري وتحسّر مواطن أصلي .. بقلم: محمد آدم عثمان: سيئول- كوريا
نشر في سودانيل يوم 04 - 11 - 2013

فيما عدا هذه المقدمة، والخاتمة القصيرة، وتغيير طفيف في العنوان، وهو ما اقتضته ضرورة توجيه المقال ليناسب القارئ السوداني، فبقية المقال منقول حرفيا عن الموقع الإلكتروني الرسمي للقسم العربي لراديو وتلفزيون كوريا الدولي KBS ،والذي كتبته بمناسبة تفَضل سلطات الحكومة الإقليمية للعاصمة الكورية الجنوبية سيئول بمنحي المواطنة الفخرية بتزكية كريمة من نفر من الأصدقاء والمسئولين الكوريين، وذلك تقديرا لما قدمت من خدمات وإسهامات لكوريا، يرونها هم جليلة كما هو منصوص في الشهادة الفخرية، وأراها أنا متواضعة ومحض تسجيل لمشاهدات وانطباعات شخصية. وفي إطار تلك المناسبة تم تنظيم بضعة فعاليات للمشمولين بذلك الشرف في ذلك اليوم، ومنها رحلة برية للمعالم الهامة والرئيسية في مدينة سيؤول، ومن بينها زيارة لمنطقة جبلية ذات جمال طبيعي باذخ وساحر ومدهش داخل أوتوبيس مريح وفاخر مع بضعة أشخاص من المكرمين وجلهم من الفرنجة. من فوق قمة ذلك الجبل، تأملت بعينيّ المواطن الفخري ذلك الجمال الأسطوري الخلاب الذي أنعم الله به على تلك الدولة الجبلية الصغيرة ، حيث الجبل متسربل بالخضرة والنضرة البهيجة، ومن فوق قمة الجبل التي يتخللها السحاب بدت لي من الأفق البعيد العمارات الشاهقة وناطحات السحاب والجسور والشوارع البرية التي تتقاطع مع الأودية والأنهار والجداول في لوحات طبيعية وسريالية بديعة وأخاذة. بعيون المواطن الفخرى أجلت وأدرت وأرجعت البصر كرّة وكرتّين وثلاث وتأملت كل ذلك الجمال الذي أبدعه الخالق الخلاق ذو الطول والقوة وأكمل إبداعه ذلك المخلوق الكوري ذي البنية الضئيلة رغم أنف كل الظروف غير المواتية. لكن لم يطل تأملي واستغراقي طويلا ، إذ سرعان ما انقلب إليّ البصر خاسئا وهو حسير عندما استرجعت بعيون المواطن الأصلي فيضا من الذكريات القديمة منها الجميل الممتع والحبيب إلى النفس، ومنها ما يشيع في النفس غير قليل من المرارة والحَزَن والكآبة.
بعيون المواطن الأصلي استعدت شريط ذكريات طويلة منذ فجر الصبا ومنذ أيام معلمنا في المدرسة الوسطى الشيخ الجليل مصطفى ساتي أستاذ اللغة العربية الضليع وحديقته الأدبية والشعرية الوارفة الفيحاء وهو يحرص على انتقاء أجمل وأزكي وأنضر ما فيها ، خاصة تلك المرتبطة بحب الوطن والأهل والديار، ليغرسه ويزرعه في نفوس تلاميذه الصغار في كل صباح. " وطني وإن شُغلت بالخُلد عنه .. نازعتني إليه في الخُلد نفسي" , "وكم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى وحنينه دوما لأول منزل"، و" بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام" و" إن ظلم ذوي القربى أشد مرارةً على النفس من وقع الحسام المهند". وعادت بي الذاكرة أيضا إلى ما قبل الصبا وإلى أيام الطفولة ،عندما استعدت تلك الصور القديمة ونحن تسعة من الأشقاء والشقيقات نتسابق على الحمام في كل صباح استعدادا للتوجه لمدارسنا، ووالدتنا الحبيبة رحمها الله رحمة واسعة منهمكة في إعداد شاي الصباح وتجهيز سندوتشات المدارس لنا التسعة على اختلاف مراحلنا، وصوت فناني الحبيب الذي عشقته منذ فجر الطفولة، إبراهيم عوض ، يصدح من الراديو، كما كان يحدث كل صباح تقريبا، شاديا " أعزّ مكان ، وطني السودان، لأن حسانه أحبّ حسان ، وطيره صوادح، وروضه جنان ". تذكرت كذلك أيام جامعة الخرطوم وتلك الفرصة النادرة التي وجدتها مع عدة طلاب لزيارة خارجية شملت ثلاثة من بلدان الجوار في الغرب الأفريقي، وتضمّن البرنامج الذي أُعد لنا مكوثا ليومين في فندق قالوا عنه إنه من أفخم فنادق تلك العاصمة الأفريقية. أذكر كيف اندهشت عندما اكتشفت إن الداخليات التي كنا نسكن فيها في جامعة الخرطوم أفخم بكل المقاييس من ناحية نظافة وترتيب وأناقة وطعام من ذلك الفندق ، وإننا كنا نتلقى وجبات مكتملة ومجانية تحتوي على طبق رئيسي وطبق سلاطة وكوب لبن وقطعة فاكهة أو فطيرة حلوى في كل وجبة، كل ذلك مع دراسة مجانية بل إن البعض كان يتلقى إعانة شهرية. وجالت بخاطري أيضا ذكريات وزارة الخارجية التي كنت قد التحقت بها بعد التخرج من الجامعة، وأسعدتني ظروفي بالعمل لمدة 4 سنوات ضمن وفد السودان الدائم للأمم المتحدة في نيويورك ومثلها في أديس أبابا مسئولا بشكل مباشر عن ملف منظمة الوحدة الأفريقية. كنت سعيدا بما اكتسبت من خبرة وفخورا بأن أمثل بلادي في العديد من المحافل الدولية، وبأن أتيحت لي فرص مقابلة ومجالسة ومخالطة شخصيات كنت أقرأ عنها في الصحف وأشاهد صورها على شاشات التلفزيون، وما زلت أحتفظ بالعديد من الصور التذكارية معها.
استرجعت كل ذلك بعين المواطن الأصلي الفخور الممنون قبل أن استعيد بعيون المواطن الأصلي المغبون بعض الصور الأخرى. تذكرت ظهيرة ذلك اليوم الحار والقائظ في مطلع تسعينات القرن الماضي وأنا جالس مع زملاء أعزاء داخل مكتبنا في الإدارة الأفريقية بوزارة الخارجية والكهرباء مقطوعة ونحن نتصبب عرقا ونجاهد للفراغ من الملفات التي بأيدينا قبل نهاية اليوم ، عندما دخل علينا ساعي من الوزارة وهو يتأبط رزمة من الخطابات داخل مظاريف عليها شعار وعنوان مجلس الوزراء سلمني واحدا منها. فتحت المظروف ووجدت داخله خطابا من بضعة كلمات " السلام عليكم. يسرني إفادتكم بإحالتكم للتقاعد المبكر للصالح العام مع تمنياتنا لك بالتوفيق ". رغم علمي أنني مجرد واحد من مئات وربما ألوف مثل هؤلاء الضحايا ومنهم أصدقاء أعزاء داخل وخارج الوزارة إلا أنني، كغيري شعرت بكثير من الغبن بالطبع، وضاقت بي لبعض الوقت الواسعة، وبدأت التفكير في كيفية التعامل مع هذه المشكلة العويصة، وفي الطريقة التي سوف أتمكن بها من إعالة أسرتي الصغيرة التي تتكون من زوجة شابة وأطفال زُغب الحواصل. بعدها بدأت رحلة الأميال الطويلة وسباق المسافات البعيدة عبر مدن المنافي والشتات، وما بين الطائرات والمطارات، ،وكسندباد في بلاد السجم والرماد، على حد عنوان كتاب زميلنا المغبون الآخر السفير سيد أحمد الحردلو رحمه الله رحمة واسعة.
وحملتني رحلة الأميال الطويلة إلى العاصمة الكورية الجنوبية سيئول في أقصى أقاصي الطرف الشرقي من المعمورة، وفي حد التراب، ووجدت فرصة العمل في سفارة دولة خليجية صغيرة بحساب المساحة والسكان، وكبيرة بمعيار العزم والعزيمة، وما زلت أحمل لها الكثير من العرفان والوفاء , وأدعو لها في كل يوم بالمزيد من النجاح والتطور. اكتشفت منذ الوهلة الأولى إن كوريا تلك الدولة الجبلية الصغيرة ذات الموارد الطبيعية المحدودة والمثخنة بجراح حرب امتدت لما يقارب نصف قرن، وإن الكوريين ، رغم تلك العيون الضيقة الصغيرة، يملكون رؤية إستراتجية واسعة وشاملة وبعيدة النظر لما يريدون ويخططون له من انفتاح عالمي، وهم يعلمون إن العالم العريض هو مستقبلهم وقدرهم ومصيرهم. استغربت في البداية عندما علمت إن لكوريا خدمة إذاعية بسبعة لغات من بينها العربية لا توجهها لأغراض دعائية فجة أو كأبواق نفخ كذوبة ، وإنما لمد جسور التعاون والتواصل بكل أنواعه مع العالم، وإن العربية كذلك هي من بين اللغات التي تستعملها وكالة أنبائها الرسمية لنشر أخبارها، بجانب سبع جامعات تشتمل على أقسام لتدريس اللغة والثقافة العربيتين، ومجلة فصلية مصورة تصدر كذلك بعدد من اللغات ومن بينها العربية، وأشياء أخرى متعددة. خطر لي كمجرد محاولة أن أكتب خطابا مختصرا لواحدة من تلك الجهات مع سيرة ذاتية مختصرة أعرب فيه عن استعدادي للتعاون معهم في أوقات فراغي وبعثته عبر البريد ثم نسيت الأمر. كانت المفاجأة أن تلفون منزلي رنّ في نفس الأسبوع ليحدثني شخص بلغة عربية مكسّرة ويخبرني بأن رئيس القسم الدولي يتشرف بمقابلتي في أسرع وقت يمكن تحديده. وفي الوقت المحدد استقبلني رئيس القسم في مكتبه وأخبرني بأن لديهم خطة لتطوير القسم العربي بسبب حرصهم على توطيد أسس التعاون الثقافي والتجاري والسياحي بين كوريا والعالم العربي وعرض علىّ الأسس التي يمكن أن أتعاون بها معهم في أوقات فراغي وإنه يمكنني البداية من نفس اليوم. هكذا كانت بداية رحلة طويلة للتعاون مع راديو وتلفزيون كوريا قمت خلالها بترجمة وإعداد وكتابة وأحيانا تقديم الكثير جدا من البرامج، وامتد تعاوني ليشمل جهات وبرامج وفعاليات أخرى عديدة أولتها كوريا اهتماما واسعا بما لها من رؤية وخطط وانفتاح عالمي أسهم في وصول كوريا لما وصلت إليه. تأملت كل تلك التجربة التنموية الفريدة ببصر وعيون المواطن الفخري المندهش المبهور وسجلت أثناء تلك الرحلة الجبلية رؤوس أقلام صغتها لاحقا في شكل مقال لراديو وتلفزيون كوريا الدولي تحت عنوان :
(2) : تشكّر مواطن فخري:
منذ اللحظات الأولى التي وطأت فيها قدماي أرض جمهوريا كوريا ، ومن خلال مشاهدات سريعة وعابرة بعد مغادرتي لذلك المطار الفخم المشيّد وفق آخر طراز من التطور المعماري التقني المدهش ، وأنا أجتاز الجسور الطائرة المعلّقة، وأعبر الطرق البرية الممهدة، وأتملى بمشاهدة البروج العالية وناطحات السحاب الشاهقة المتناثرة يمينا ويسارا، تبيّن لي فعلا بأنني مقدم على معايشة تجربة تنموية مميزة وفريدة تستحق التأمل والدراسة. كنت منذ أيام تخصصي في دراسة الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة الخرطوم، وفي إطار بحث علمي كلفني به أحد أساتذتي في الجامعة، حريصا على تعزيز رصيدي المعرفي ومعلوماتي عن جمهوريا كوريا من خلال الإطلاع على أحدث وآخر ما كتب عن هذه البلاد ، وقد وجدت فعلا إن أكثر ما كتب عنها يثمّن بشكل إيجابي ما حققته تلك الدولة الصغيرة من تطور وإنجازات ضخمة، وكان واضحا إن العالم يتابع بإعجاب المسيرة الكورية التنموية البنيوية ، وقد تجلى ذلك بشكل ظاهر فيما أطلق عليها من ألقاب وصفات، حيث اعتبرت رابع النمور الآسيوية مع هونغ كونغ وتايون وسنغافورة، وصفق العالم لتجربتها في التنمية التي أطلق عليها اسم " المعجزة الاقتصادية على نهر الهان".
والحقيقة إن السنوات التي قضيتها هنا في كوريا قد أكدت لي ، عيانا بيانا ،إن كلما ما كتب عن التجربة الكورية الجنوبية لم يكن من قبيل المبالغة أو الإسراف في الثناء، وإنما مجرد غيض من فيض يعكس بصدق حقيقة تلك التجربة الفريدة من نوعها. وأقول فريدة لأنها بحق تختلف كثيرا عن كل التجارب المشابهة. فكوريا الجنوبية كانت حتى قبل خمسين عاما فقط دولة فقيرة متخلفة متلقية للمعونات معدومة الموارد الطبيعية ولا يزيد دخل الفرد فيها عن بضعة مئات من الدولارات في العام ، ولا تملك أي موارد مالية تذكر. وكأن كل ذلك لا يكفيها فقد وجدت نفسها ، بمجرد استقلالها ، طرفا في حرب أهلية ضروس مع شقيقتها الشمالية، وكانت حربا بشعة بكل المقاييس راح ضحيتها الملايين من البشر، لأنها لم تكن مجرد حرب أهلية بين الأشقاء بل حرب ذات طابع أيدلوجي شمولي حيث هدف النظام الكوري الشمالي الشيوعي المدعوم بالقوة السوفيتية الصينية لاجتياح كوريا الجنوبية وإلحاقها بمنظومة الدول الشيوعية التي بدأت تتكون وقتها. لذلك فقد كانت حربا بمختلف الوسائل والأساليب الساخنة والباردة والتي استمرت للمدة الأطول على مستوى التاريخ والعالم، وهي ما زالت ، من الناحية النظرية والفنية قائمة، إذ أن ما تم التوصل له لوقف تلك الحرب كان، وما يزال، مجرد هدنة ووقف إطلاق نار.
والحقيقة إن التاريخ الدموي المأسوي لم يبدأ في كوريا بعد تمزقها وتشتتها وتورطها في حرب أشقاء أهلكت الحرث والنسل، وقضت على الزرع والضرع ،وأتت على الأخضر واليابس، بل أن شبه الجزيرة الكورية قد كانت عبر تاريخها الطويل هدفا للأطماع والمؤامرات الخارجية، وتعرضت لشتى أشكال العدوان والغزو والأخطار والمهددات المتنوعة من تتار ومغول وصينيين وروس وأوربيين وأمريكيين ويابانيين ،والجيران اليابانيون بالذات ، اللذين استعمروا كوريا عدة مرات أذاقوها ألوانا من الإذلال وارتكبوا فظائع ما زالت تهز وجدان كل كوري، حيث مارسوا كل أصناف العذاب والتقتيل في رجالها وسبوا نسائها بشكل مهين في ما عرف بقضية نساء المتعة وهن الفتيات الكوريات اللائي أجبرن على ممارسة الرزيلة مع الجنود اليابانيين داخل معسكراتهم فيما اعتبره اليابانيون ترويحا وتسرية وترفيها عن أولئك الجنود وما رآه الكوريون نوعا من الاسترقاق الجنسي، وهو ما خلق ما بين اليابانيين والكوريين ما صنع الحداد حتى يومنا هذا وما تعكسه العلاقات الدائمة التوتر بين الجارين الحليفين العدوين.
ولكن رغم كل ذلك التاريخ الدموي القديم والحديث، ورغم الحرب التي ما تزال جذوتها مشتعلة مع الأخوة في الشمال، ورغم الموارد المحدودة بل المنعدمة، حيث أن كل مساحة كوريا الجنوبية تقل عن 100 ألف كيلومتر مربع أغلبها عبارة عن رقعة جبلية مفتقرة للأرض الزراعية الصالحة ولا تملك أي موارد طبيعية تذكر من أي نوع، إلا أن كوريا الجنوبية، تمكنت خلال بضعة عقود من الزمان من أن تصبح من ضمن الدول العشرة الكبرى في العالم الأكثر تطورا من الناحية الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية والإلكترونية في العالم، وعضوا في نادي الدول المتطورة اقتصاديا والتي تضمها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، وهي الآن عمليا ضمن الدول الخمس الأكبر في العالم في العديد من المجالات مثل الصناعات الإلكترونية والرقمية وصناعة المعلومات والاتصالات وصناعة السيارات وصناعة السفن والصناعات الإنشائية بكافة أشكالها، وصارت رقما هاما في مجالات أخرى مثل صناعة النفط والتكرير وصناعة النسيج وصناعة الحديد والصلب رغم افتقارها الكامل للمواد الخام اللازمة لهذه الصناعات.كل ذلك ساعد كوريا في أن تتبوأ مكانة فريدة ورائدة في العالم حتى أن إجمالي الناتج الإجمالي فيها تجاوز الترليون دولار الآن كما بلغ دخل الفرد أكثر من عشرين ألف دولار وكلها إنجازات لم تتحقق إلا لقلة قليلة من القوى الاقتصادية المتطورة في العالم ،وأصبحت كوريا دولة مانحة مقدمة للمساعدات ومصدرة للتكنولوجيا، بعد أن كانت دولة فقيرة لا تملك شروى نفير.
وكوريا الآن ما عادت تفكر بمنطق الدولة النامية أو الناشئة أو حتى التي بلغت أولى مراحل التطور وإنما تسعى دوما للتفكير بمنطق الدولة المتقدمة اقتصاديا من خلال التفكير بحسابات المستقبل والتحسب له ، فهي تعرف الآن إن المستقبل مرتبط كثيرا بالتنمية الخضراء والطاقة الخضراء والصناعات الصديقة بيئيا والمُحافِظة على الطبيعة فسعت بكل ما تملك من قوة لأن تجعل من نفسها رقما هاما في هذا المجال من خلال تكثيف الدور الذي يمكن لها أن تلعبه في مجال صيانة البيئة ومكافحة التلوث البيئي ووقف انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري ومكافحة المتغيرات المناخية ،وشاركت باهتمام ونشاط في كل الفعاليات والمناسبات الخاصة بهذه الأشياء مثل مجموعة العشرين وغيرها حتى ظفرت باستضافة العديد من المؤسسات والتجمعات الدولية الخاصة والمتخصصة في تلك المجالات.
ولم تُقصّر كوريا الجنوبية تركيزها على الجوانب الاقتصادية والصناعية والتقنية فقط وإنما قصدت اقتحام بقية المجالات من ثقافية وفنية ورياضية وإعلامية وحققت فعلا نجاحات لا تخطئها عين في كل هذه المجالات ، حيث صارت قوة فنية وموسيقية وسينمائية كبرى في آسيا من خلال نجاح الظاهرة التي أطلقت عليها كوريا اسم "هاليو" أو "الموجة الكورية" وصارت الفنون والفنانون الكوريون منتشرين ومشهورين في كل البلدان الآسيوية من اليابان إلى فيتنام قبل أن تبدأ في تعدي حدود القارة الآسيوية والانتشار في بقية ربوع العالم، وصار من العادي أن تظفر الأفلام السينمائية الكورية بالجوائز الكبرى في أعظم المهرجانات العالمية، وأن يتم عرض المسلسلات الكورية في العديد من تلفزيونات العالم بما فيها بلداننا العربية. كذلك فقد صارت كوريا الآن قوة رياضية عالمية مرموقة بعد نجاحها في تنظيم بعض أهم المناسبات الرياضية العالمية مثل دورة الألعاب الأولمبية الصيفية عام 1988 ومنافسات كأس العالم لكرة القدم بالتقاسم مع اليابان عام 2002 وغيرها من المناسبات. وفي الحقيقة فإن كوريا الجنوبية نجحت حقا في أن تصبح أحد أهم الدول العالمية المتخصصة في صناعة المناسبات العالمية المختلفة سياسيا واقتصاديا وثقافيا ورياضيا وصارت قبلة للكثير من المهرجانات والفعاليات ، وأصبحت ضيفا ثابتا على كل المهرجانات والتجمعات الدولية المختلفة، وشاركت لثمانية مرات على التوالي في المنافسات النهائية لكأس العالم لكرة القدم . وبعد أن كانت مجرد مراقب وقضية متكررة في أجندة اجتماعات الأمم المتحدة ، تمكنت، ورغم أنف كل الموانع، من أن تشغل المنصب الدبلوماسي الأهم والأكبر في العالم لدورتين متتاليتين من خلال انتخاب وزير خارجيتها السابق بان كي مون لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة. وهي في الواقع لم تفلح في تحقيق ذلك إلا بعد نجاحها في إدارة خيوط دبلوماسية شائكة ومعقدة بمهارات وقدرات فذة، بعد أن نجحت في ترويض التنين الصيني، عدوها الأول فيما سبق، ليصبح شريكها التجاري والاقتصادي الأكبر، وأن تطبّع وتطوّر علاقتها العدائية السابقة مع الدب الروسي، وأن تغلّب علاقات المصالح المشتركة مع الميكادو الجار والمستعمر الياباني السابق على علاقات البغضاء التاريخية الموروثة، في نفس الوقت الذي حافظت فيه على تحالف إستراتيجي وعسكري وأمني ودبلوماسي متين مع الكاوبوي الأمريكي.
وما يلفت النظر في التجربة الكورية الجنوبية هو أن كوريا الجنوبية نجحت في تحقيق تلك الوثبة والطفرة التنموية الصناعية الهائلة دون أن تفرط في موروثها الشرقي التراثي القديم. فرغم كل مظاهر التطور التقني والعمراني والرقمي الواضح إلا أنها ما زالت محتفظة بنسيجها الشرقي، وما زالت تبدو خليطا من الدولة المتطورة والنامية في نفس الوقت ، ولم يتأثر رصيدها الأخلاقي التقليدي المحافظ كثيرا بما حققته من تطور صناعي كما يظهر في العديد من الدول المتقدمة الأخرى، فما زالت القيم الكونفوشية البوذية الشرقية التقليدية سائدة من تضامن أسري عائلي وتوقير للكبار وبر بالوالدين وتكافل اجتماعي ورعاية اجتماعية ومؤسسات خيرية وطوعية منتشرة وأمن وأمان وندرة في معدلات الجريمة. ورغم أن كوريا الجنوبية دولة علمانية بنص الدستور، إلا أنها تهتم بالجانب الروحي وتحرص على توفير المساواة والاحترام لكل الأديان، وحرية العبادة والممارسات والطقوس الدينية مكفولة للجميع دون أي تمييز، والكنائس والأديرة والمعابد والمساجد موجودة ومفتوحة دون أي مظاهر مضايقة أو حجر من أي نوع. وكل هذا أسهم في وجود مجتمع حر منسجم وهو ما أسهم بدوره في إيجاد تجربة تنموية سلسة.
ربما تكون كوريا الجنوبية دولة صغيرة بمعيار المساحة ومتوسطة بمعيار السكان . وحسب تقارير وإحصائيات ومؤشرات قديمة صادرة من الأمم المتحدة نفسها ،فقد كان معدل التطور والتنمية في كوريا الجنوبية، حتى قبل أقل من أربعين عاما، أقل كثيرا من أغلب دولنا العربية، قبل أن تتطور تجربتها التنموية بتلك الوتيرة السريعة التي ظفرت بإعجاب العالم حتى أطلق عليها اسم " المعجزة الاقتصادية على نهر الهان ". والأمر هكذا فهي تجربة جديرة بالدراسة والاهتمام والاقتداء بها، وبالذات من دولنا الأفريقية والعربية من النيل إلى الفرات ومن المحيط إلى الخليج.
(3) خاتمة:
وانقضت تلك الرحلة البديعة. ورغم أنها كانت رحلة برية وعلى متن أوتوبيس أرضي، إلا أنها كانت أشبه برحلة بين طيات السحاب. وربما لأن كوريا دولة ظلمها تاريخها الحديث ، حيث صار اسمها رديفا للحرب بين الأشقاء ومرتبطا بالانقسام والتجزئة، فإن الكثيرين لا يعرفون إن كوريا هي جنة وفردوس من فراديس الله على الأرض، كما أطلقت عليها ذلك الرحّالة والمستشرقة البريطانية المعروفة " إيزابيللا بيرد" في واحد من أشهر كتبها " كوريا وجيرانها ". وأكبر الجزر الكورية الجنوبية وهي جزيرة "جيجو" تم اختيارها مؤخرا من بين عجائب الدنيا العشر الجديدة. انقضت تلك الرحلة التي استمتعت فيها بعيون المواطن الفخري الممنون المفتون بكل ذلك الجمال المذهل الخلاب، واسترجعت فيها بعيون المواطن الأصلي المغبون المحزون كثيرا من الذكريات الممتعة والحبيبة وغير قليل من الأشياء المحبطة المريرة، لكنني ، وعندما غادرت الأوتوبيس، وجدتني أعاود القطف من تلك الحديقة الغنّاء لشيخي وأستاذي الجليل مصطفى ساتي " وطني وإن شغلت بالخُلد عنه .. نازعتني إليه في الخُلد نفسي" ومضيت وأنا أسترجع أصداء ذلك الصوت العذب الذي عشقته منذ الطفولة وهو يشدو " أعزّ مكان، وطني السودان،لأن حِسانه أحب حِسان، وطيره صوادح وروضه جنان"
mohamed osman [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.