مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    الأمة القومي يجمد المفاوضات مع (قحت) ويهدد بعدم المشاركة في الحكومة    تجمع المهنيين يعلن جدول التصعيد الثوري لاغلاق مقار اعتقال الدعم السريع    مصدر: حمدوك لم يستلم ترشيحات (قحت) للوزارة ويشترط الكفاءة    العناية بالاعمال الصغيرة تقود الي اعمال كبيرة ونتائج اكبر وأفضل .. بقلم: دكتور طاهر سيد ابراهيم    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    اللجنة المنظمة لمنافسات كرة القدم تصدر عدداً من القرارات    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    إنهم يغتالون الخضرة والجمال .. بقلم: ابراهيم علي قاسم    السودان ضمن دول عربية تبحث مع إسرائيل تطوير الطاقة    بستان الخوف، الراوية التي أفزعت الأخوان المسلمين فصادروها ومنعهوها .. بقلم: جابر حسين    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السويد من العبودية الي الرفاهية (2) .. بقلم: شوقي بدري
نشر في سودانيل يوم 20 - 06 - 2014

قبل عقدين من السنين تمكنت ابنتي نفيسة او داني من المشي. وكانت تمشي بخطوات متعثرة . ورايت قدم سويدي عملاق بمقاس 48 تدفعها وتسقط ، تم تنهض من جديد وتتكرر العملية . وتضايقت . ولكن السويدي ارخي قدمه وامتطتها ابنتي وهي تحتضن الساق التي كانت تهتز وابنتي في منتهي السعادة . والعملاق السويدي يغالب دمعه ، وزوجته تشاركه الفرح . ذالك كان العم اسفيركا وزو جته استينا . وتلك كانت حفيدتهم . . وقبلها بفترة قصيرة كانت والدتها قد سافرت معها الي شمال السويد في رحله عبر ثلاثة مطارات وبص وعربة لتعرف العائلة بابنتهم. والجد والجدة سافرا بالقطار لمدة 22 ساعة للحضور الي جنوب السويد لزيارة حفيدتهم ..فالجد افني حياته في خدمة السكك الحديدية السويدية . وكان يحكي لي عن السكك الحديدية .
في سنة 1853 قرر البرلمان السويدي انشاء خطوط للسكك الحديدية . وتكامل اول خط في سنة 1856 . وكان ذالك القرار صائبا . فالسويد هي اطول بلد في غرب اوربا . وطول السويد يزيد عن 2 الف كيلو متر . وربطت السكك الحديدية كل السويد . وتمكنت السويد من تصدير معادن الشمال الي وسط وجنوب السويد . ولا يزال الحديد والصلب السويدي يتمتع بسمعة مميزة في العالم . ولم يكن في امكان السويد ان تصل الي ما وصلت اليه من تطور بدون السكك الحديدية . وتتمتع السويد الآن باحد افضل خطوط السكك الحديدية في العالم . والسويد تصنع اجود القطارات . وعندما يتاخر القطار 3 دقائق يعلن عن التاخير .
وروسيا لم تكن لتنتصر في حرب القرم ، اذا لم يشيد القيصر خطوطا للسكك الحديدية لتموين ونقل جنوده . وفي تلك الحرب حارب الزبير باشا وترقي الي رتبة الباشا لجهده .والانجليز انشؤوا السك الحديدية لفتح السودان . ولولاها لما نجحوا .
الذين تحملوا العبئ الاكبر في بناء تلك السكك الحديدية هم من عرف في السويد ب ,, رالاري ,,. والكلمه تأتي من اللغة الانجليزية ,, ريلويز ,, والانجليز هم من اخترع القطار , والمخترع كما علمونا في المدرسة الاولية هو جورج استيفنس .
الرالاري كانوا رجالا قوي الاجسام يبدا اصطيادهم وهم في السادسة عشر . وعادة بواسطة عمال آخرين او قسيس القرية . وهذه فرصة للخروج من مجتمع القرية المنقلق الي عالم رحب ، واجور اعلي . ويسيرون علي اقدامهم . ويحملون الخيام ومعدات الطهي وفراشهم وغطائهم واغراضهم الشخصية. يقسم العمل الي مراحل من 2 ميل سويدي . ولطول المسافات في السويد فالميل يساوي 10 كيلو مترات . وقد يكون مكان النوم علي بعد 10 كيلو مترات من موقع العمل. ويسير العامل لمدة ساعة لكي يصل قبل الخامسة صباحا . ويعمل الي الثامنة مساء . ويصل الي مرقده في التاسعة . ولا يقبل اي تأخير . واي تأخير يقابل بقطع جزء من راتب اليوم . وحتي الرد علي صراخ الرؤساء ، كان يؤدي الي الطرد . ويزود العامل بشهادة بانه قد طرد بسبب سوء سلوكه .
ويعرف عالميا اليوم ان هنالك اربعة دول خاصة ، وهم الشعوب الشبه عسكرية . او الشعوب المنظبطة ، وهم الالمان ويشمل هذا النمسا ، والسويد وكوريا واليابان . وسيتمتعون دائما باقتصاد متطور . وعندما ينهار اقتصاد بعض الدول الآن يزدهر اقتصاد السويد .
العمل كان يسير بطريقة عسكرية . وكثير من الرؤساء اتوا من الجيش او كانوا مهندسين عسكريين . وبما ان الجبال كانت تعترض الطرق فكان من الواجب نسفها او حفر انفاق داخل الصخر . السويدي الفرد نوبل الذي تمنح باسمه الجائزة العالمية ، هو من اخترع الديناميت . ولكن الديناميت كان يحتاج لثقوب داخل الصخر . وكان هذا يحدث يدويا . فعامل يضرب بالمرزبة الثقيلة والاخر يمسك بالزمبة وهي مثل الوتد الحديدي ويقوم بلفها بعد كل ضربة . وقد يخطي العامل وتهشم الضربة يد العامل الآخر ، او تنخلع المرزبة من العود الخشبي وتسقط علي راس العامل . وكانت المركبات التي تحمل ، تصقط في حفرة او تصطدم بصخرة في الارض الوعرة وياخذ العامل ما عرف برحلة طائرة في الهواء . وينتهي بعدة شهور في المستشفي . والارض في السويد خاصة في الشمال تختفي تحت الثلوج والجليد لاكثر من نصف العام . ولا تظهر الشمس لعدة شهور . وفي الصيف لاتختفي الشمس لعدة شهور . وتكون معلقة في السماء . ويتوالد ناموس في حجم العصافير ويغطي اجسام الرجال التي تتعري بسبب الحر ويترك الناموس هضابا مؤلمة علي اجساد البشر .
احسن من كتب عن تلك الفترة هو الكاتب سامويل ماقنسون . وقد بدا حياته كرالاري وهو في السادسة عشر . ويحكي في كتاب ذكرياته صعوبة العمل الذي لا ينتهي. وكيف كان يحشر خمسة عشر رجلا في كابينه مساحتها 25 مترا ويتوسطها موقد بالحطب للطبخ . ويضطر بعض الرجال الي النوم علي الكراسي.
وتكونت اول نقابة لعمال السكك الحديدية في 1901 . وتغير حال العمال قليلا . واتت معدات اجود بدلا عن العتلة الضخمة والجاروف العملاق والمرزبة الخطرة . ولكن بقي الحال صعبة . وكانت بعض القطارات ملكية للشركات . وهؤلاء كان يهمهم الربح . ولا يعني لهم العامل اكثر من كونه عبدا يكلفهم مرتبا . النقابات كانت تتعرض للفركشة . لان اصحاب العمل يعملون لنشر التفرقة بين العمال . وكانت النقابات تنهار بسب تنقل العمال . ولم يحظي الرالاري بنقابات حقيقية الا في الثلاثينات . ونقابة السكك الحديدية في السودان تكونت في سنة 1906 . وحظي عمالنا بظروف جيدة ولا تزال مساكن العمال والموظفين في عطبرة تشهد علي مستوي المعيشة الجيد . وبلغ عد موظفي السكك الحديدية عندنا التسعين الف عضوا . وكانت مدرسة الصنائع تخرج اجود الفنيين منهم الشهيد الشفيع الذي حاز علي وسام لينين الذي كان يحلم به كثير من رؤساء الدول . وكان ابراهيم زكريا سكرتيرا لاتحاد النقابات العالمي , ومنهم قاسم امين وسلام وكوكبة من اهل الفكر والعمل السياسي . ولكن النميري بايعاز من المخابرات الامريكية قام بمحاربة نقابة السكك الحديدية . وشجع استيراد الشاحنات . والسكك الحديدية كانت تكلف 19 % من تكلفة الشاحنات . ولكن نميري خشي من اضرابات العمال . و قضت الانقاذ علي البقية .
وفي السويد كان الرالاري هم نواة الصناعة السويدية وهم الذين دربوا الشباب فيما بعد علي العمل في بناء الجسور والخزانات وتوليد الكهرباء من مصاقط المياه . وكان الاخرون ينظرون اليهم كابطال .
وعمال السكك الحديدية عندنا هم من عمل فيما بعد في الورش الخاصة والمشاريع الزراعية . وفي المصانع التي انشأت في الخمسينات . وكانو هم الحدادين والنجارين والمنجدين والبرادين . واستعانت بهم زامبيا في بناء سككها الحديدية . وعن طريقهم انتقل الانضباط في العمل في البداية . ولكن بعد اختفاء رجال تلك المرحلة . اختفي الانضباط في العمل في السودان . ولكن روح الرالاري تستمر في السويد . وهنالك مطاعم خاصة تحمل هذا الاسم . وله اشعارهم واغانيهم المعروفة والمسجلة . وهنالك متاحف في عدة اماكن تعكس ظروف حياتهم القاسية .
والرالاري عاشو بشرف وكانت تنشب بينهم معارك يحسمونها بالملاكمة . ولقد كان انقمار يوهانسون بطل العالم في الملاكمة في الخمسينات . والآن ينفر السويديون من رياضة الملاكمة . وعندما يبلغ العمال احدي القري كانوا يصيبون حظوة عند الفتيات . وكان هذا ينتهي بمعارك مع الشباب المحلي وينتهي الامر بمعارك قل ما يخسرها الرالاري . كانوا مثل رعاة البقر في امريكا قديما . ينظر اليهم كابطال ورجال فوق العادة . لايعرف من اين اتو . ولهم نوع من السحر والغموض . يدغدغون احلام الفتيات في تلك المناطق النائية والمعزولة. ولكن حياتهم كانت جد قاسية .
عندما ذهبت لزيارة اهل ابنتي في شمال السويد كان الجد والجده لايزالا يسكنا علي بعد اقل من كيلو متر واحد من محطة القطار الذي لم يعد يتوقف في تلك المحطة . ولكن المسكن الذي كان يعوزة ال حمام في السبعينات قد صار حديثا . وكان السقف ظل منخفضا والبيت يبدو صغيرا . وكان يسكنه الوالدان وبنتين ووولد . وكانوا يذهبون الي المحطه مره في الاسبوع للاستحمام ، لوجود الماء الحار . وصار للقرية متاجر تحتوي علي نفس البضائع الموجودة في العاصمة او المدن الكبري . والسويد هي اول بلد استطاعت ان تجعل حياة الجميع متساوية . ونفس المدارس والمستشفيات و المكتبات المكاتب تتواجد في كل مكان . وقديما كانو يذهبون لمسافة اكثر من 50 كيلو مترا لشراء ما يحتاجونه . وحتي في بداية التسعينات كان منظري يلفت الانظار الودودة المندهشة .
و يعيشون علي لحوم الوعول الضخمة التي يزيد وزنها عن الطن والغزلان . ويصطادون الاسماك طيلة السنة . وفي الشتاء وحتي عندما تصل درجة البرودة الي 30 رجة تحت الصفر ، ياخذون بريمة ضخمة ويصنعون فتحة في الثلج ويصطادون الاسماك . وللسويد اكثر من 96 الف بحيرة بعضها عملاقة . ولكن فنلندة تمتلك اضعاف ذالك الرقم . والسهول التي تمتد لملايين الهكتارات تكتسي باكثر من عشرين نوعا من الاعناب التي تجفف او تطبخ وتحفظ للاكل في الشتاء . ويجمعون انواعا عدة من الفطر التي تجفف او تؤكل طازجة او مقلية . ويحتفظون بسرداب صغيرلا يذوب فيه الثلج لحفظ الاطعمة في الصيف . ويزرعون ما عرف ببطاطس اللوز . وهي بطاطس صغيره الحجم شكلها غير مستدير يشبه شكل اللوز . يخزن لكل فصل الشتاء الطويل . ويصنعون خبزهم بانفسهم . ولم يعرفوا الخبز الابيض الا اخيرا . ويحافظون علي الاطعمة والاشياء بطريقة عقائدية تصل الي حد البخل . ولا يفرطون في فلوسهم و يعضون عليها بالنواجز . ومن اكلات السويد المشهورة هي السمك المملح ، و السمك المخمر . وهذة هي اسماك الاستريمنق التي تفقس في شمال الاطلنتي وعندما تصل الجنون يكون قد تضاعف حجمها وتعرف بالسيل . وهذه اكلة السويديين الشعبية .
السمك المخمر يعبي في براميل خشبية . الآن يعبي في معلبات . ويمكن ان يشتم الانسان رائحتها عند فتحها علي بعد عشرات الامتار . ويجب ان يستشير الانسان جيرانه في المدينة قبل فتح احدي المعلبات . ولقد طردت عائلة دبلوماسية سويدية من مسكنها في سويسرا في السبعينات عندما فتحوا احدي تلك المعلبات
ولهم في شمال السويد كرات من الطحين الخشن تشبه لحاء الاشجار وبداخلها قطع من الشحم واللحم يسمونها بالت يصعب اكلها لمن لم يتعود عليها . وتذكر الانسان بالقدو قدو . ويضيفون اليها اعناب اللنقون المطبوخة مع السكر . وهذة الاعناب يضيفها السويديون لكل شئ ، خاصة اللحوم.
عندما سألت باربرو والدة نفيسة عن مقدرتهم من العيش في ذالك المسكن الصغير بدون حمام . عرفت ان والدتها كانت تشارك 11 من اشقائها السكن مع والديها في ثلاثة غرف خشبية . وردا علي استفساري عن عدم اصابتهم بالمرض . تقول انهم في شمال السويد عاشوا في ظروف قاسية ولكن كانوا اصحاء دائما ياكلون ما تجود به الطبيعة . وبعملون في الهواء الطلق . واسوأ فترة بالنسبة لاهلها كانت انفجار المفاعل النووي في تشيرنوبل في روسياا في منتصف الثمانينات ، فلقد حرموا من اكل لحم الوعول والغزلان بسبب التلوث النووي .
وعندما اذهب لاستقبال نفيسة وامها من المطار بسبب رحلاتهم لشمال السويد تكون الحافظة الزرقاء هي اول ما نحمل من السير لانها تحتوي علي 20 كيلو من لحم الوعول . والسويد تسمح كل سنة بصيد 300 الف من تلك الوعول الضحمه للمحافظة علي البيئة . اللسان يعتبر عندهم اطيب جزء من الوعل . وكان الجد والجدة يحضران كثيرا بالطائرة . ويكون لحم الوعل هو اول ما يحضرونه . وفي بعض الاحيان لحم الرندير المستأنس . الذي يرعي قطعانه شعب اللابس او سامر .
سكان تلك المناطق امناء لا يغشون ولا يكذبون . ويشترون السيارة ولا يخرج المفتاح . ويستعمل لادارة المحرك فقط . ويتنقلون بواسطة زلاقة صغيره يسمونها اسبارك او اركل . ويضع الانسات قدمه علي احد القضبان الرفيعة ويدفع بالرجل الاخري . وهذه الزلاقة تقفل بطبلة حتي لا ياخذها الاخرون او الاطفال . وبدونها يصعب المشي . ويتركون السيارات مفتوحة والمفتاح داخلها . ولا يغلقون مساكنهم .
اذكر ان الجد اسفيركا في احدي زياراته كان يجلس في سيارتي مع ابنتي في انتظار والدة ابنتي ، فقامت سيدة كويتية بفتح باب سيارة زوجها واحدثت طفقة صغيرة في سيارتي . وانكروا بشدة انهم قد تسببوا في الضربة . واتصلت بي باربرو بواسطة التلفون الخلوي فطلبت منها ان تتناسي المشكلة . ولكن الجد كان مصدوما . وكان يقول لي انهم كانوا يكذبون , بالرغم من انه كان جالسا في السيارة واحس بالضربة . وكيف تكذب عائلة كاملة ؟. وكان الامر بالنسبة له غير مصدق وغير معقول . فهو من الجيل الامين الذي بني السويد من لا شئ .
ولا يخلوا السويديون من بعض الطيبة والسذاجة . فعندما كنت اقول لباربرو ,, ماذا كانت تقول لك والدتك اليوم، او شقيقتك ؟. كانت تزهل ولا تعرف اني الاحظ انها بعد الكلام مع اسرتها بالتلفون ، تواصل الكلام بلهجة الشمال المميزة .
عند ما غادرتهم تاركا ابنتي وامها لقضاء الاجازة ، اعطاني الجد ما اعتبره هدية ثمينة . كانت احدي اسماك السالمون التي اصطادها . وكنت احس بانه يقدم الي شيئا ثمينا . فانا من اعطيتهم الابنه السوداء التي تفتخر بها العائلة . ويتحدثون عنها كأميرة العائلة . وتتصدر مناسباتهم . ويتنافس الجميع للجلوس بجانبها . ولقد ارسلوا ابنة خالتها عندما كان عمرها 15 سنة لرعاية نفيسة لمدة شهر . وعندما وضعت ابنة الخالة ابنة ونفيسة في الخامسة عشر، ذهبت لتعتني بالطفلة . والغرض هو تأهيل الفتاة لتكون اما . ولانعزالهم ترتبط العائلة بروابط قوية جدا .
سكان شمال السويد ليسو شقرا فقط بد يولدون بشعر ابيض وبشرة فاقدة للون . ويعرضون انفسهم للشمس باستمرار لكي يتخلصوا من ما يسمونه بلون الاموات . فلونهم باهت كالاشباح. والفتيات السودانيات يخاطرن بحياتهن لفسخ جلودهن .
والجد كان كاغلب السويديين يجيد العمل اليدوي . وكان يصنع مدي جميلة من قرون الوعل ونصل من الصلب الغير قابل للصدأ . صنع نصلا يحمل اسمي وكان له مقبضا جميلا وبيتا من جلد الوعل . وكانت تلك آخر مدية صنعها قبل موته .
قنلا شقيقة باربرو تسكن في فلة فاخرة اليوم . وشقيقهم لايف يعمل في سلاح الطيران ولا يتقصه شئ . والتعليم المتاح للجميع اتاح لهم فرصة للحصول علي وظائف جيدة ، ولأن تدرس باربرو في جامعة اوميو وان تصير فنية في العلاج بالاشعة وهي رئيسة القسم . وتدرس فصولا مسائية لتعليم الفنيين تعليم المرضي واسرهم التعامل مع مرض السرطان . وتسكن الآن مع ابنتها في شقتين ادمجا في شقة واحدة ، في احسن منطقة في مدينتنا مالمو . واتعبتني جدا في مواصفات الحمامات . وربما بالعقدة القديمة من انعدام الحمام . وتذهب الي الاجازه مرتين في السنة علي الاقل مع ابنتها ولا يطيقا فراغ بعضهنن . وزارت كل القارات . وتغير اثاث شقتها في كل فترة . وهذا فرق كبير بين المسكن بدون حمام بعيدا عن المحطة . ولكن لا تزال تعيش بحرص وتقتير الماضي . والسويديون لا يصرفون مالهم ابدا مثلنا بطريقة عبثية . ويتذكرون عندما كانت المساكن في استوكهولم ومالموا تخلوا من الحمامات . والمرتبات كانت متدنية .
لاكثر من 30 عاما فشلت في ان اقنع باربرو باي تقدم اي شي لصديقاتها او لي عند زيارتها. ولا تفهم لماذا نخرج كل ما عندنا لكل ضيف . وتقول عن اقتناع ,, انا قد اقدم القهوة اذا طلب مني الضيف . لماذ اصنع القهوة وقد لا يشربها الضيف ؟؟. وكانت تتصل بي لمقابلتها في المطار مع ابنتها وتطلب مني شراء بعض الخبز والحليب وربما قطعة صغيرة من الجبن . وبطريقة الخمج السوداني اشتري عدة انواع من الجبن والفاكهة والكيك والزبادي والبسكويت . وكانت تحتج دائما . واخيرا كانت تحذرني من شراء اي شئ لان جارتها افا قد اشترت ما يحتاجونه . وعندما اقول انني اشتري لا بنتي ولتأكل ما تستطيع ويمكن ان تترك الباقي . ويكون الرد انا لا اريد ان اعلم طفلتي علي التبذير . وانتم لا تحترمون المال او الماكولات وتطبخون اكثر مما تستطيعون اكله وهذة هي الغلطة . ولهاذا قد يكون عندنا مالا كثيرا او لا شئ .
وبعد شراء الشقتين ودمجهم ، ارتفعت اسعار الشقق بعد تشييد الجسر الذي يربط مالمو بكوبنهاجن . وقبل ان تدخل الشقة ارتفع ثمنها بخمسين الف دولار . وكانت تقول متحسرة ان والدها عمل كالحصان قبل ان يصير ناظر محطة ولم يمتلك ابدا مالا يذكر . وحرم نفسه من كل شي وكان يقتر ويشتري قطع اضافية من الغابات ويضيفها الي غاباته لكي يرثها ابنائة . وهي الآن قد كسبت مبلغا ضخما في ظرف ايام . ووالدها شقي ومات بدون ان يستمتع سوي قليلا في نهاية حياته . والشقة قد تضاعف سعرها ثلاثة مرات بعد سنوات
واذكر ان باربرو كانت تطالبني بفلوس لاخذ ابنتنا الي اجازات في امريكا . وكنت اقول لها عندما لايتوفر المال ان عليها ان تبيع نصيبها من الغابات . وتعتبر ذالك من المحرمات خاصة وان والدها لايزال عائشا . وفي احدي المرات عندما رددت طلبها ، طلبت ان تسال عن مواعيد قيام الطائرة الي شمال السوبد . وعند السؤال ماذا ساعمل في الشمال قلت لها ,, ساقوم بخنق والدك حتي تبيعي الغابة ,, وبالرغم من ان الاسرة تناقلت كلامي الا انني لم احس منهم باستياء . وتقول باربرو ,, انا سأترك كل شي لابنتي الوحيدة لتجد حياة احسن من حياتي .
وبما ان العمل في العلاج بالاشعة قد يكون مكثفا في بعض الايام ، فلا ينتظر الفني شخصا آخر لمساعدته في قلب المريض او رفعة . وانتهت باربرو باصابة في ظهرها وعنقها . واضطروا لعمل عملية كبيرة في ظهرها . واستعانوا بصفائح ربطت بمسامير طولها عشرة سنتيمترات . وتقول انه يصعب علي الانسان ان يفكر في سلامته الشخصية عندما يري الشباب المصابين بالسرطان ينتظرون دورهم في العلاج . ولا يمكن مطالبة احدي الزميلات بالمساعدة في الرفع لان الزميلة مشغولة .
بالرغم من انه قد اعطوها اجازة لمدة سنة بالاجر المدفوع ويمكن تمديدها ، الا انها بعد بضعة شهور عادت الي العمل . لان المرضي يحتاجون من لهم خبرة طويلة , والزملاء يقع عليهم عبئ اكبر . وهذه الروح طورت السويد . فعنما عادت الي العمل بعد اجازة الامومة التي تمتد لسنة لم يكن هنالك مكانا خاليا في دار رعاية الطفل . ولسنة كاملة كانت تضع ابنتها مربوطة علي ظهر دراجتها وتتركها عند مربية في اطراف المدينة . وتعود للمستشفي ، صيفا وشتائا وتحت الامطار. بدون ان تتزمر او تشتكي . فهي تعرف ان الحياة لم تكن سهلة من قبل. بل كانت اقرب الي العبودية .
ع . س . شوقي
ساحاول انزال صور الجد اسفيركا، صورة زواجه ، ايامه الاخيرة ابنته وحفيدته .
http://im47.gulfup.com/OkL4Wm.jpg http://im47.gulfup.com/OkL4Wm.jpg
http://im90.gulfup.com/PUQyrH.jpg http://im90.gulfup.com/PUQyrH.jpg
http://im75.gulfup.com/3QvLGa.jpg http://im75.gulfup.com/3QvLGa.jpg
http://im44.gulfup.com/yTYc6b.jpg http://im44.gulfup.com/yTYc6b.jpg
http://im55.gulfup.com/jJ7jGa.gif http://im55.gulfup.com/jJ7jGa.gif
http://im83.gulfup.com/APMxTd.jpg http://im83.gulfup.com/APMxTd.jpg
http://im61.gulfup.com/wUO5Oi.jpg http://im61.gulfup.com/wUO5Oi.jpg
http://im45.gulfup.com/szmGRQ.jpg http://im45.gulfup.com/szmGRQ.jpg
http://im90.gulfup.com/c5HvUU.jpg http://im90.gulfup.com/c5HvUU.jpg
http://im53.gulfup.com/yV7wf1.jpg http://im53.gulfup.com/yV7wf1.jpg
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.