محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سبتمبر الأخضر: نفح الذكرى ومرارة التاريخ ( 3 ) م .. بقلم: د. عبد الله البخاري الجعلي
نشر في سودانيل يوم 17 - 09 - 2014


بسم الله الرحمن الرحيم
القومية مقدسة عندي ... لأني أرى فيها أثر العمل للخير ... ولتقدم جميع البشر ، والبلد الذي يتسامى بقوميته ، هو البلد المتألق الذي يطفو كملاك من النور بين الأمم . فبحق ربكم عليكم ، وبحق تراب هذا الوطن ، بشروا بها دائما ، وأظهروا نورها للجمهور ، وعودوهم على تقديسها .
جوزيبي مازيني – الفيلسوف والسياسي الأيطالي الملقب بروح أيطاليا
لم يكن الثلاثاء وهو أول يوم في هبة سبتمبر بالعاصمة يوما عاديا كمثل أي يوم ، وعلى الأرجح بالنسبة لي ، فقد شعرت بكدر و غصة شديدة في حلقي نغصت علي ذلك الصباح ، حتى أنني لم أذق يومها طعم حلاوة صلاة الفجر !
كظمت غيظي ، وسترت غضبي وحاولت وأنا أتهيأ للخروج الى الشارع من منزلنا بحي الواحة أم درمان ( شارع الوادي ) الى المركز الصحي الذي أعمل به المطل على تقاطع الرومي (شارع الشنقيطي ) أن أداري الأحباط الكامن في مشاعري ، حتى لا يؤثر ماجرى بالأمس من أحداث دموية مؤسفة في ودمدني ، وأنطباعات سالبة عن المؤتمر الصحفي البائس للسيد رئيس الجمهورية على عملي بالعيادة و أستقبالي للمرضى .
في مداخلة أستاذنا الجليل الصحفي فضل الله محمد في ذلك المؤتمر الصحفي ، وهذا ما لم أشر أليه في المقال الماضي ، قال الأستاذ للسيد رئيس الجمهورية أنه ومع التقدير للجهد العلمي المبذول في أعداد حزمة الأصلاح الأقتصادي ، ألا أن هنالك يقين شعبي بأن المحصلة لرفع الدعم عن المحروقات هي أطلاق وحش الغلاء بلا لجام أو كابح على الشعب .
أظن أن الأستاذ فضل الله محمد تكلم وقتها يقينا بلسان كل الشعب السوداني المغلوب على أمره ، و الذي أعتاد في ظل هذا النظام أن ينعم الحكام من منسوبي الحزب الحاكم ببسطة و رغد في العيش ، ويذوق المحكومين الضنك و الضيق و ويلات فشل سياساتهم ، وهذا ماأثبتته الأيام فيما بعد تطبيق القرار ، ونتائجه الكارثية التي نعايشها اليوم من غلاء طاحن لامثيل له في كل مسار تاريخ هذا الوطن .
ألم يقرأ هؤلاء ، بل ألا يهز في نفوسهم نذرا يسيرا من سيرة حكم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه .
رحم الله بالحق ترجمان القرآن عبدالله بن عباس فقد نقل عنه أنه كان يقول ...... ( أكثروا من ذكر الفاروق عمر بن الخطاب ، فأنكم أن ذكرتموه ذكرتم العدل ، وفي ذكركم للعدل ذكر لله تعالى ) .
غير أنه ذات مرة ذكر لي أحد أصدقائي من الأسلاميين وأن كان قد فارقهم مؤخرا ، والعهدة على القائل ، من خبر شيخ حسن في أول عهدهم بالسلطة أنه جلس الى الحواريين البدريين ، فأخذ يسهب ويطنب كعادته في الحديث ، يذكر لهم ماذكر من أنماط الدولة الأسلامية التي عرفها التاريخ ، ثم خيرهم في الأخير مابين بناء دولة الأنقاذ على نمط الدولة العمرية ( المنسوبة لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه) ، أو أن يسلكوا دربا آخرا للأنقاذ وهو تأسيسها على نمط الدولة الأموية ( المنسوبة لنمط حكم معاوية بن أبي سفيان ) .
دولة بن الخطاب المعروفة بعدلها كانت تحمل معالم بينة و مميزة ، أهمها وهذا مايعنينا في هذه الجزئية ، هو شظف و زهد و أيثار الحاكم على المحكوم في العيش والكسب وفي فرص الحياة ، والتخير الصحيح لحكام الأمصار و الأقاليم و مراقبتهم في عملهم مراقبة لصيقة ، وأستعمال الشدة والغلظة الشديدة معهم في العزل و المحاسبة وكشف فسادهم للعامة لو أدعى الأمر لذلك ، حتى أنه كان لايبقي حاكما في أقليم مهما بلغت نزاهته لأكثر من سنة واحدة ، فأذا عزله حاسبه حسابا عسيرا وقاسمه ماله .
ويكفينا مثالا ناصعا أن نذكر الناس و أنفسنا بالقصة الشهيرة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما أستدعى أبن الأمير عمرو بن العاص وكان عاملا له في مصر ، ليقتص منه لفرد من رعيته أشتكى لعمر وهو غير مسلم ، ثم يقول قولته الشهيرة ( متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) .
أما الصحابي معاوية بن أبي سفيان و معالم دولته التي أسسها ، فنأخذ منها من المسالب أنه كان شخصا محبا للسلطة شغوفا بها ، وكان أيضا من الذين لعبوا دورا مهما في تسبب الحروب الداخلية بين المسلمين .
أستخدم الأسلام في كثير من المواقف المثبتة لترسيخ سلطته ، و أن كلف ذلك قطع الأعناق و أسالة الدماء و الأرواح المسلمة ، و نفي الآخر خصوصا من كانوا يتشيعون لحب آل البيت وعلي بن أبي طالب تحديدا .
أختار أنذاك الحواريون بأجماع الحاضرين حول الشيخ تأسيس الأنقاذ على نمط حكم دولة معاوية بن أبي سفيان لعدة أسباب نسوقها أختصارا :
1 – أنهم كانوا يرون أن طريقهم لترسيخ سلطان الأنقاذ يجب أن يحتذي بحنكة و دهاء و حزم و مكر الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان في ترسيخ سلطته ، وأدارته لشؤون الحكم والتي بلغت عشرين عاما ينفق فيها من بضاعة السياسة ، التي لم يكن فيها أحد من قومه أوفر فيها منه يدا .
2 - تعللوا أيضا بالخوف من أن الأفراط في أتباع الشدة التي كانت معروفة عن عمر بن الخطاب ، قد يؤدي لضجر ثم أنفضاض المؤيدين للنظام الناشئ من المؤلفة قلوبهم المنتسبين الجدد للحركة الأسلامية ، في الوقت الذي مازال النظام يتلمس فيه طريقه للتمكين وترسيخ ثقافته الفكرية وسطوته على المجتمع .
3 - البعض الآخر أفتى وأدعى للشيخ أن أيمان بعض الأخوان من البدريين أنفسهم مازال ضعيفا لايقوى على مقاومة ملذات السلطة وصولجانها من جهة ، ولا يستطيع ملازمة نمط شدة و زهد و صراحة و وضوح دولة الفاروق عمر بن الخطاب في أدارة حكم الدولة و العباد من جهة اخرى .
4 – كذلك أكد بعضهم للشيخ أن نمط دولة معاوية بن أبي سفيان سوف يضمن لهم تجميع كل ضعاف النفوس من أصحاب الهوى و السلطان الذين لا ينتمون للحركة الأسلامية الى بساط دعم الدولة الفتية ، أذا ما تم أغرائهم بأريج المناصب الفوقية و الصلاحيات الشكلية .
هذا الأطار الفكري و النظري الذي سقناه سار عليه من أسس لنظام دولة الأنقاذ من الرعيل الأول للجبهة القومية الأسلامية وهم من يطلق عليهم بالبدريين ، وقد يفسر لك هذا الأطار الكثير من السياسات الخرقاء التي أعتمدتها الدولة في أدارة شؤون الحكم و العباد في هذا الوطن المنكوب ، ويفسر أيضا شغفهم الشديد ونهمهم الغريب و المثير للتأمل و الدهشة والأستغراب للحفاظ على السلطة ولو كان المقابل هلاك كل الأمة وضياع هذا الوطن .
خرجت للشارع العام في حوالي الثامنة صباحا وكانت هنالك أعداد كبيرة من الموظفين الذين وقفوا على طول محطات شارع الوادي ، التي بجوار منزلنا وهم يهمهمون و يتضجرون من قلة الحافلات العامة التي كانت تعمل في ذلك الصباح .
كانت ملامح الغضب و الضيق مرسومة على الوجوه بشكل واضح جلي لا تخطئه العين ، غير أنهم أكتفوا بالهمهمات و التأفف من سائقي الحملات الذين يبدو أن كثير منهم قرر أن لا يخرج للعمل في هذا اليوم .
يأست من ملامح وعلامات ذلك الوضع الكائن أن أجد حافلة لأصل الى محطة المهداوي بحي الثورة الحارة العاشرة وخفت أن أتأخر عن العيادة ، فقررت أن أستقل أحدى الركشات حتى أصل سريعا للمركز الصحي ، وقد كان .
أثناء الطريق من حي الواحة أم درمان شارع الوادي الى حي الثورة الحارة التاسعة تقاطع الرومي بشارع الشنقيطي ، لاحظت مدى الأذدحام الشديد الذي كان في كل المحطات بشوارع الوادي و النص و الشنقيطي ( وهي الثلاثة شوارع الرئيسية لمنطقة شمال مدينة أم درمان ) من موظفين و طلاب جامعات و مدارس وعمال .
وعندما وصلت الى تقاطع الرومي كان الوضع أمام عيادتي أكثر سوءا من كل المشاهد التي تركتها و أسترعت أنتباهي على طول الطريق .
لم يكن المواطنون يتأففون و يهمهون ، بل العكس ، كانوا يزجرون بصوت عالي و يلعنون بحنق القلة من أصحاب الحافلات العامة الذين غامروا للخروج للعمل في ذلك اليوم ، والذين كانوا يقودون حافلاتهم بهستيرية و سرعة شديدة غير طبيعية من أجل تفادى الأشتباك مع الركاب المتضجرين والمنفعلين .
كان الجو مشحونا لأبعد درجة يمكن أن توصف بها ، غضب و ضجر و زحام و ركل و ضرب من أجل الحصول على مقعد بالحافلة .
سألت جمهرة من الموظفين والطلاب كانوا يقفون أمام محطة تقاطع الرومي عن سبب غضبهم ، والقصد كما تعلم أيها القارئ العزيز ، لم يكن جهلا بالأسباب ، ولكنها ملكة و حس الكاتب والناشط لأستنطاق البسطاء من الناس لمعرفة ردود أفعالهم لماجرى بالأمس وعلى لسانهم .
صاح الأول فيني وهو على مايبدو لي موظف في أحدى المصالح الحكومية قائلا ....... ( هذا الوالي الكذاب قال أن أسعار تذاكر المواصلات لم تتغير ، بينما يقول أصحاب الحافلات أن سعر التذكرة قد أصبح الضعف ، والعجبوا يركب والماعجبوا يمشي يحتج عند الوالي القال ليكم الكلام دا ، أو يمشي يحتج لي ناس المحلية ) .
آخر أضاف .... ( من قال على الناس أنهم كانوا قبل الأنقاذ لا يعرفون الهوت دوق ليس غريبا عليه أن يرفع أسعار الركوب ولو على حساب معاناة و ضيق حال و معيشة الناس ) .
ثالث آخر أظنه كان يندب حظ هذا الشعب في حكامه ، فأستذكر تلك الأبيات الشهير لفحل العرب في الشعر و رمانتهم أبي الطيب المتنبئ حينما قال :
واحتِمالُ الأذَى ورُؤيَةُ جانِيه ......... غِذاءٌ تَضْوَى بهِ الأجسامُ ذَلّ مَنْ يَغْبِطُ الذّليل بعَيشٍ ........... رُبّ عَيشٍ أخَفُّ منْهُ الحِمامُ كُلُّ حِلْمٍ أتَى بغَيرِ اقْتِدارٍ .......... حُجّةٌ لاجىءٌ إلَيها اللّئَامُ مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ ........... مالجرح بميت أيلام
أصدقكم القول أنني في ساعتها ورغم شدة الأحتقان الشديد التي كان عليها الشارع العام الظاهرة أمامي ، ألا أنه لم يصلني يقين كامل أبدا أن هذا المشاعر المكبوتة سوف تتفجر لتحدث لنا وتنتج هبة شعبية .
دخلت الى المركز الصحي وبدأت مع موظفة الأستقبال و مسؤول التعقيم أراجع الأعداد الروتيني للعيادة قبل أستقبال المرضى للعلاج .
جلست بعدها على مكتبي وفتحت جهاز الحاسوب المتحرك ( لابتوب ) ، وأخذت أقرأ كعادتي في كل صباح عنواين بعض الصحف العربية كالشرق الأوسط و الحياة اللندنية و البيان الأماراتية .
لم تمر عشر دقائق أو ربع ساعة على ذلك ، وبالضبط في تمام التاسعة صباحا سمعت أصوات صياح و هدير رصاص مطاطي يطلق في عنان السماء ، ثم دخلت علي مسرعة موظفة الأستقبال بمشاعر فيها كثير من الحذر و الفرح صائحة ( أجري يا دكتور أجري تعال شوف الناس طلعت مظاهرة ) .
خرجت سريعا الى الخارج ، وبالفعل كان المشهد أمامي غريبا للغاية عن طباع الشعب السوداني في ماعهدناه منهم طوال سنين الأنقاذ الطوال العجاف .
نساء يصحن بأعلى صوتهن ضد النظام ....... ( فترنا خلاص ، قرفنا خلاص ) ثم أخذن يحطمن بعض العلامات التجارية للمحال .
في جانب آخر كان أصحاب المحلات التجارية التي تطل على تقاطع الرومي وهي كثيرة و متعددة من بقالات و كافتيريات و محلات لبيع الصعود و صيدليات و مكاتب يغلقون أبوابهم في فزع و سرعة ولسان حالهم يقول ... ( يبدو أن تجربة و أيام دخول الراحل خليل أبراهيم لمدينة أم درمان تطل علينا من جديد ) .
ألتفت بعدها نحو بؤرة الحراك ، الى تقاطع الرومي نفسه ، وهالني بل فاجأني مشهد سريالي مدهش لن أنساه طيلة حياتي .
كان هنالك أطفال من مرحلة الأساس و الثانوي يقفون متلاصقين وقفة رجل واحد متلاحمين على شكل مربع ، يغلقون و يؤمنون التقاطع من الأربع جهات ويصيحون ( عيش – حرية – عدالة أجتماعية ........ الثورة خيار الشعب ) !
أتجهت الى أصغرهم طولا و سنا كما بدا لي أنه أصغر القوم ، وكان يرتدى زي مدارس الأساس ( الأبتدائية ) و يحمل عصا يجلس بجوار أطار محروق ، طوله لا يتجاوز المتر الواحد ، وسألته وقلبي يتفطر أشفاقا و أكبارا و أعجابا به ....... ماالذي خرج بك يا أخي الصغير ؟ ولماذا تقطع الطريق ؟ فكان رده ببساطة و برائة الصغار من أصحاب النفوس البيضاء النقية ....( الحياة بقت صعبة يا عمو ، وبقينا ماقادرين نقرأ وماقادرين نعيش ) !
لحظتها لم أتمالك نفسي ، وأنحدرت دمعة من عيني ثم شعرت كم أنا حقير أشد أحتقار ، أمام هذا الطفل ، وأظن كثيرون غيري ممن يظنون أنفسهم من كبار الشخصيات المعارضة ، ينظرون ليل نهار في تحليل الأوضاع من البلاد ، غير أنهم لا أظنهم لم يأتوا طوال معارضتهم ولو بربع شجاعة و تضحية هذا الطفل اليافع الذي لو سئل متى كان أنقلاب الأنقاذ لما عرف الأجابة .
قلت للطفل وأنا أرد له حديثه بيني و بين نفسي ، أليس هذا الذي تمنيناه لأكثر من عقدين من الزمان ، أقسم بالله العظيم أنك ما أرجل مني ، ويحرم علي البيت وأنتم أطفال في مقام رجال أسود تواجهون شبح الموت وتقدمون هذه التضحية الثمينة من أجل أجبار النظام الظالم للتغيير و العدول عن سياساته الفاشلة الخرقاء التي أورثتكم و اورثتنا السؤال و الفقر و العيلة .
وماهي ألا لحظات وقد عدت أدراجي للعيادة وأعلمت السكرتيرة بانني سوف اخرج مع الناس من أجل التظاهر ، فأغلقي العيادة ، حتى أنها حاولت أن تسترجيني وقالت لي يا دكتور منطقتنا كلها رجال أمن وأنت معروف للجميع !
قلت لها أليس هذا هو الأمل الذي عشنا من أجله حتى ينعم جيل قادم أفضل من جيلنا من السودانيين بنعمة ثروات هذا الوطن بعد أن أضاعتنا نحن الأنقاذ ، وهزمت روح و حب الحياة لدي الكثيرين منا ، فليكن مايكن ولكن لن أجلس في الغرف المغلقة وأطفال في الأساس و الثانوي يواجهون قوات الشرطة بشجاعة و بسالة .
هنا كانت البداية التي أشرت لها في المقال الأول ضمن ما أسميناه الهوامش التي سقناها ضمن سياق السرد ، وقلنا أننا سوف نعود لها و لغيرها ضمن الحديث عن هبة سبتمبر . لقد كان من فضل الله علينا أنه منحنا شرف أن نكون لحكمة يعلمها هو ، حاضرين بالتواجد الجسدي في الموضع الأول الذي بدأت فيه الشرارة الأولى لهبة سبتمبر المباركة الخضراء المجيدة بالعاصمة .
ثم ولعبقرية هذا الحدث ، نقلت أليكم مشهد هؤلاء الأطفال من مرحلتي الأساس و الثانوي والذي كان حضورهم طاغيا في الشارع ذكورا و أناثا ، وهم يشحذون همم الكبار بالثبات و الصبر وهم يهربون يمنة و يسرة خوفا من أصوات الرصاص المطاطي ، و تكاثر عربات الأحتياطي المركزي التي بدأت تتجمع و تهرع للمكان .
كانت أعداد الشباب الثائر تذداد ، وكانوا بحرفية تثير الأفتتان والأعجاب يضربون تلك العربات التي كانت تتحرك في الشارع بشكل سريع جدا من أجل تمشيطه و أجبار المواطنين الغاضبين للدخول الى المنازل .
أستمر تحرك عربات الأحتياطي المركزي على طول شارع الشنقيطي بهذه السرعة الخطيرة و الجنونية والتي كان يمكن لها أن تصطدم برعونة السائقين لها بأي طفل أو رجل كبير طاعن في السن أو امرأة ، لا يقوى ولايستطيع الفرار سريعا من وسط الشارع .
ثم جاءت لحظة حاسمة والتي كان لها الفضل في حسم المواجهة لصالح الشباب الثائر حينما صاح احدهم في الناس طالبا منهم ردم كل الشارع بالحجارة الكبيرة حتى نعوق و نمنع هذه العربات المسرعة من السير سريعا في الشارع و منعهم تماما من دخوله وأحتلاله .
وماهي ألا دقائق معدودات حتى وجدت كل الأهالي من سكان الحارة التاسعة وماجاورها من حارات في الرابعة و الأولى يملؤون شارع الشنقيطي على طوله بالحجارة الكبيرة فعجزت هذه العربات من دخول الشارع .
كانوا يحاولون دخول شارع الشنقيطي عبر الشوارع الداخلية للحارات ، ولكنهم كانوا وما أن يظهروا ويهموا لدخول الشارع ، يجدون سيلا من الحجارة تتقاذف عليهم من الأطفال والشباب والنساء ، وكنت أرى المواطنون وهم يقومون بذلك العمل ، وكأني بهم ينفثون عن حالة من الكبت والضغط و القهر التي سلطها عليهم لربع قرن من الزمان نظام الأنقاذ الفاشل .
تمنيت ساعتها لو نظر الأنقاذيين بعين مجردة بعيدا عن المنظار الحزبي الضيق ، كيف أن روح هذا الشعب المقهور بسبب سياساتهم الأحادية المنغلقة ، تتفتق و تخرج في تلك اللحظة بكلياتها ، لكي تفرز هذا الغضب العارم الذي تملك كل الذين كانوا يصرخون ويستنجدون الله الخلاص من هذا النظام الفاشي .
تمنيت لو أنهم سألوا أنفسهم وأستفتوا قلوبهم للحظة واحدة ماالذي تعنيه هذه الحياة الدنيا القصيرة ، والتي ماأسماها الله دنيا ألا لأنها دنية في نظره ، ولاتسوى جناح باعوضة ، أن الناس جميعا وأسوأهم حالا بالطبع الحكام ( رعاة الرعية ) سوف يقفون بأعمالهم في يوم تشخص فيه الأبصار ، وكتاب لا يغادر صغيرة أو كبيرة ، فلماذا لانعدل عن أعمالنا فنجمع أهل السودان على كلمة واحدة و نضمد جراحاتهم الثخينة !
هل خلق الله الأنسان المسلم السوي ليفسد في الأرض ويسفك الدماء ظلما لأخيه الأنسان و قهرا و تعذيبا و تنكيلا له ، وهضما لحقوقه من أجل تمكين لنظام لم يأتي الى سدة الحكم برضاء الناس ، أم خلقه لرحمة الأنسان ولعمارة حياته بالخير و الصلاح والسلام !
أتمنى أن يأتي الله بقدر يخفف عن السودان وطأة مستقبله المظلم المجهول ، وأتمنى أيضا أن لا نردد كثيرا مع عمرو بن معد يكرب : ق
يرود بنفسه شر المراد
فمن ذا عاذري من ذي سفاهٍ لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
ويبقى لحديثنا عن سبتمبر الأخضر بقية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.