السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    في طريق عودته للبلاد .. رئيس الوزراء يلتقي سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الوثيقة: (5) كلما جوعناهم في جبال النوبة يكون كويس .. بقلم: عشاري أحمد محمود خليل
نشر في سودانيل يوم 30 - 10 - 2014

الوثيقة، المصطنعة من قبل جهاز الأمن. والمسربة بواسطة عميل لدى الجهاز إلى البروفيسور الأمريكي إيريك ريفز وإلى الصحفي الأستاذ فتحي الضو. لأغراض التضليل بتزييف واقع الحال البائس لنظام الإنقاذ. ولبعث رسائل إلى خصوم الإنقاذ وأعدائها. في مقدمتهم الجبهة الثورية.
أعود إلى هذه الوثيقة المصطنعة مجددا في مقال من سلسلة مقالات تتناول الموضوعات التي وردت فيها.
خاصة وأن البروفيسور إيريك ريفز الذي خدعه جهاز الأمن بعميل مزدوج يظل مصرا على موقفه أن الوثيقة صحيحة ومحضر لاجتماع أمني حقيقي!
ويدعم البروفيسور ريفز موقفه بترجمات إنجليزية خاطئة من قبل معاونين له سودانيين، كما يقول. فأثبت في مقال منفصل الأخطاء الشنيعة المتعمدة في الترجمة الإنجليزية.
يرتكز إثبات اصطناع الوثيقة على بينات مادية دقيقة في نص الوثيقة ذاتها. كمسرح الجريمة فيه آثار الكتابة الاحتيالية المتدبرة. تلك الكتابة المنسوجة بأفعال الانحراف عن المعايير، وأفعال الخداع والتدليس.
..
والكتابة الاحتيالية المتدبرة جنس من أجناس الكتابة. لها خصائص. لكنها كتابة فوضوية خلاقة تدور بدون حدود وبدون قواعد ثابتة.تنهل من كل ما تجده في بيئتها. لتخليق معمارها الاحتيالي. تحقيقا لأغراض شريرة. هنا، تأتينا من جهة سلالة الإنقاذ الفاسدة. من جهاز الأمن. لا غيره مسموح له باصطناع مثل هذه الوثيقة. الثابت من محتواها أنه لا توجد جهة أخرى في الدنيا تفيد منها غير سلالة الإنقاذ.
فإلى مقال اليوم، موضوعه خطة القوات المسلحة السودانية لتجويع "ناس الجيش الشعبي"..
(2)
وكلما جوعناهم ... في جنوب كردفان
رأى عددٌ مقدر من قراء الوثيقة أن أخطر الأقوال فيها هي المنسوبة إلى الفريق صديق عامر مدير الاستخبارات والأمن، المفترض (أعلى ص 10 في الوثيقة). فهذا هو النص الذي أفكك عقد نسيجه وأفسره في هذا المقال:
"وهذا العام ناس الجيش الشعبي زرعوا أراضي كبيرة بجنوب كردفان. يجب أن نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة لابد من منعهم. لأن الحصاد يعني تشوين للحرب. وكلما جوعناهم. استسلم منهم قيادات وهروب مواطنين. ممكن نستفيد منهم في ملاحقة المتمردين."
..
وقد ركز القراء الذين استفزهم النص أعلاه على عبارة "وكلما جوعناهم". ووجدوا فيها مثالا موضوعيا لنذالة القوات المسلحة السودانية ولإجرام نظام الإنقاذ.
ومثل هؤلاء القراء، البروفيسور إيريك ريفز. الذي خصص حيزا مقدرا في موقعه الشبكي لهذا الموضوع تحديدا. أيضا كمثال لإجرام حكومة الإنقاذ. واستنتج أن هذه التخطيط ل "كلما جوعناهم"، بمنع الحصاد، "يرقى إلى ما يقارب القصد الإبادي الجماعي".
ونشر إيريك ريفز مقالا في يوم 7 أكتوبر تحت عنوان "الخرطوم تعلن عن حملة لتجويع شعب جبال النوبة". وارتكز مقاله على النص أعلاه :كلما جوعناهم ...".
وبالرغم من أن قراءة البروفيسور ريفز في مجملها صحيحة، إلا أنها تجنح أحيانا إلى التهويل والإثارة وترتكز على ترجمة خاطئة للنص وعلى قراءة لا وجود لها في نص الوثيقة. مما سأقدم تفصيلا له في مقال منفصل مكتمل ومعد للنشر.
..
كذلك كيَّف القراء خطة القوات المسلحة لاستخدام الغذاء كسلاح على أنها جريمة حرب.وهو تكييف صحيح.وفق المادة 8 (2) (ب) (25) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي تقرأ عن الجريمة أنها:
"تَعمُّدُ تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الغوثية على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف". وورد بيان أركان هذه الجريمة في المذكرة التفسيرية لنظام روما الأساسي عن أركان الجرائم. على النحو التالي الذي ينطبق على الوضعية قيد النظر:
1 - أن يَحرِم مرتكبُ الجريمة المدنيين من مواد لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة. [هنا، بمنع الحصاد]
2 - أن يتعمد مرتكب الجريمة تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. [هنا، لمنع "ناس الجيش الشعبي"، وفيهم مدنيون، من "التشوين للحرب"، وللاستفادة من المواطنين الهاربين، ومن القادة المستسلمين، بسبب الجوع، في ملاحقة المتمردين]
3 - أن يصدر السلوك في سياق نزاع مسلح دولي ويكون مقترنا به. [فالنزاع أصلا وصل مجلس الأمن]
4 - أن يكون مرتكب الجريمة على علم بالظروف الواقعية التي تثبت وجود نزاع مسلح. [فالقادة الأمنيون في الاجتماع المفترض على علم، من نصوص كلامهم في الوثيقة]
..
وأظهرت هذه القراءة الصحيحة للوثيقة، بعدسة أخلاقية، نذالة القوات المسلحة ونظام الإنقاذ. مما لم تكن خططت له الوثيقة. ولم يكن جهاز الأمن يتوقع مثل هذه القراءة. رغم جهوده في تجنبها.
كان جهاز الأمن يريد للوثيقة أن تخلق أكبر قدر من التضليل والتشويش في صفوف الجبهة الثورية والمعارضة. سواء بفهم الوثيقة كمحضر أمني لاجتماع حقيقي، أو كوثيقة مصطنعة من قبل البروفيسور إيريك ريفز أو من الاستخبارات المعادية، أو كمصطنعة من جهاز الأمن ذاته.
ذلك بالرغم من وجود فروق جوهرية بين النظريات الثلاث للوثيقة: (1) حقيقية، ومسربة بخرق أمني؛(2) مصطنعة من جهاز الأمن ومسربة بواسطته؛و(3) مصطنعة من جهة معادية للإنقاذ.
..
وكذا لم يتوقع جهاز الأمن أن يتم التركيز على الرسالة التهديدية، "كلما جوعناهم"، المرسلة إلى الجبهة الثورية في جنوب كردفان على أنها رسالة تنطوي على قصد ارتكاب جريمة حرب.
وكانت هذه التوقعات من قبل جهاز الأمن مؤسسة. لأن الجهاز كان أصلا تحسب لمثل هذه القراءات التجريمية. فضمَّن جهاز الأمن في نص الوثيقة عبارات وحركات خطابية لمنع هذه القراءات. دون جدوى، كما اتضح لاحقا.
ومن ثم، هرعت الإنقاذ لتنفي بصورة غير جادة أية صلة لها بالوثيقة. غير جادة، لأنها أرسلت ثلاثة من المعروفين بالكذب على المواطنين لنفي أية علاقة للحكومة بالوثيقة "المفبركة"، و"المضروبة"، والفيها "الكذب". عمر البشير وإبراهيم غندور ومصطفى إسماعيل.
لكن،
وبالرغم من صحة قراءة الوثيقة بعدسة أخلاقية، إلا أن النص "وكلما جوعناهم" أكثر تعقيدا. بصورة قاصدة من قبل الكاتب عميل جهاز الأمن. أعيده هنا للتسهيل على القارئ، ثم أبين تعقيداته. وهي تعقيدات جوهرية في موضوعها. بالإضافة إلى أنها تفضي إلى إثبات أن الوثيقة مصطنعة (من قبل جهاز الأمن).
("وهذا العام ناس الجيش الشعبي زرعوا أراضي كبيرة بجنوب كردفان. يجب أن نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة لابد من منعهم. لأن الحصاد يعني تشوين للحرب. وكلما جوعناهم. استسلم منهم قيادات وهروب مواطنين. ممكن نستفيد منهم في ملاحقة المتمردين.")
...
فيتمثل التعقيد الذي غاب عن كثيرين من القراء في أن الكاتب عميل جهاز الأمن أزلق في نص الوثيقة عدة حركات خطابية مايكروسكوبية ماكرة وخبيثة. لكي يلغي أثر النذالة الواضح في العبارات عن قصد "تجويع" من أطلقت عليهم الوثيقة "ناس الجيش الشعبي".(خطاب، بمعنى نص لغوي في سياق ومشحون بالمعاني الظاهرة والخفية ذات المقاصد)
ويعزز الإلغاءُ بالحركات الخطابية المايكروسكوبية إثباتّ أن الوثيقة مصطنعة. بالكتابة الاحتيالية المتدبرة. بذات هذي خصيصتها المحمولة بتلك الحركات الخطابية. وقد قدمت تفاصيلها في مقال "يا شباب السودان انضموا إلى الجبهة الثورية".
تنطوي الخصيصة ذات الحركات الخطابية على تثبيت فعل النذالة في النص. ثم على التملص منه والتنصل الجزئي عن معناه الإجرامي أو غير الأخلاقي المقصود. هنا، بغرض تجنب الوقوع تحت طائلة القانون الجنائي الدولي. وربما لتبرئة الذات من ذلك فعل النذالة الإجرامي.
هذه الخصيصة "الخطابية"، بمعنى "لغوية في سياق"، استخدمها كاتب الوثيقة عميل جهاز الأمن في الكتابة عن موضوعات أخرى مثل الحركات الإسلامية والإرهاب، وتقتيل المتظاهرين، والعلاقة مع إيران، وغيرها.
تشمل هذه الخصيصة الخطابية، في موقعها في الكتابة الاحتيالية المتدبرة،أفعالا انحرافية عن المعايير، وأفعال خداعية، وتدليسية.
مثل حذف الأدوات النحوية الاستراتيجية من النص، أو تبديلها. لتحقيق خدع القارئ، مثلا. وإزلاق التسبيب القانوني للأفعال المكيفة بأنها إجرامية. وحشر التبريرات للأفعال غير الأخلاقية في النص. والشرح، والثرثرة، وإعمال الركة في اللغة، وتثبيت المغالطات، وكذا التلاعب بعلامات الترقيم لأغراض تدليسية.
وبهذه حركات الشطنفي النص في الوثيقة يتحقق التنصل الجزئي من أفعال النذالة ومن الأفعال الإجرامية وغير الأخلاقية المثبتة في النص.
فالتجويع يتم تفسيره وتبريره والتخفيف من فظاعته ليظهر فعلا لا باس به ومقبولا لتحقيق الأغراض النبيلة للقوات المسلحة وهي ملاحقة المتمردين!
وكله بالكتابة الاحتيالية المتدبرة. التي لا تتيسر في سياق وثيقة حقيقية لمحضر اجتماع. لأن الاصطناع الاحتيالي لوثيقة ممارسةٌ محفوفة بالمخاطر. تنطوي على الفعل المقصود وعلى إلغائه. فيحدث توتر بين التثبيت والإلغاء. فيترك ذلك آثارا في النص. مثل التناقض الذي نراه، والجمل الغريبة، والأخطاء اللغوية، وعلامات الترقيم الغريبة، والتلاعب بالألفاظ، والحذلقة، والمغالاة في التسبيب. باختصار، مفارقة الادعاء بأن الوثيقة محضر لاجتماع أمني.
..
وندرك أيضا أن هذه الكتابة الاحتيالية المتدبرة ليست من خصائص الكلام في الاجتماعات. لأن الكتابة الاحتيالية، بحركات إلغاء النذالة والإجرام وعدم الأخلاقية في النص، تتطلب حاسة البصر. للتعامل مع مادية النص المخطوط على الأوراق. بسبب استحالة حوسبة ضمان تثبيت النذالة والإجرام وإدراج حركات التنصل والتملص، في آن واحد. لأن عملية التنصل والتملص تدور بطريقة دورية مستمرة في مسار عدة مراجعات. فيضيف الكاتب المحتال شيئا هنا، ويحذف هناك، ويعدل، ويفعل كل ما يتطلبه مشروعه الخداعي في دماغه الفاسد المتفلت.
فإن مجرد وجود هذه الخاصية الخطابية ذات الحركات يثبت قطعا أن الوثيقة مصطنعة بالكتابة الاحتيالية المتدبرة. ولا علاقة لها بمحضر الإسهامات المنطوقة من قبل أعضاء العصابة الأربع عشرة في اجتماع أمني مزعوم.
فلنقرأ النص موضوع هذا المقال عن "كلما جوعناهم" في جبال النوبة. لنتعرف على مادية تثبيت الأفعال الإجرامية، والأفعال غير الأخلاقية،وتلك ذات النذالة، ومساعي الكاتب المحتال عميل جهاز الأمن لإلغائها:
"وهذا العام ناس الجيش الشعبي زرعوا أراضي كبيرة بجنوب كردفان. يجب أن نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة لابد من منعهم. لأن الحصاد يعني تشوين للحرب. وكلما جوعناهم. استسلم منهم قيادات وهروب مواطنين. ممكن نستفيد منهم في ملاحقة المتمردين."
..
فاقدم فيما يلي بيان الاستخدامات الاستراتيجية الماكرة للحركات الخطابية، اللغوية والترقيمية، للتدليس على وقائع الإقرار بخطة لتجويع المواطنين، من بين "ناس الجيش الشعبي" في جنوب كردفان.
كمقدمة متأخرة:
تثبت القراءة العامة للنص أعلاه عن هذا الموضوع قصد نظام الإنقاذ استخدام الغذاء كسلاح ضد الجيش الشعبي وضد المواطنين في آن واحد. أو قصد التهديد بذلك. أو قصد التضليل دون نية في الفعل، لإحداث القلق والبلبلة في صفوف الجبهة الثورية.
هذه القراءة بتعدد المقاصد لا تسمح بها إلا الوثيقة كمصطنعة. بينما إذا كانت الوثيقة حقيقية، سيكون الأمر أدخل في التخطيط منه في التهديد أو في التضليل مثلا.
يعلم الكاتب عميل جهاز الأمن أن المواطنين وأفراد الجيش يعيشون سويا، في جميع الأحوال. شأن كل الحركات المسلحة التحريرية.وفي جميع هذه الأوضاع، سيكون التجويع شاملا للمدنيين لأنهم الأغلبية من المستفيدين من زراعة "ناس الجيش الشعبي ... أراضي كبيرة في جنوب كردفان".
وهذه نقطة جوهرية. سيسعى كاتب الوثيقة إلى دغمستها. تحسبا لوقوع في مغبة التصريح بالنية الشريرة وبالقصد الإجرامي لتجويع المدنيين. جريمة حرب، كما أسلفت. تتمثل في "تعمد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم ...".
..
والذي أراه هو أن كاتب الوثيقة، عميل جهاز الأمن، كان واعيا بالخطورة القانونية لما تريده الإنقاذ، وما تفعله على أرض الواقع من تعمد تجويع المدنيين. فأزلق في النص عبارات متكثرة غرضها الوحيد هو التنصل من الخرق الواضح للقانون الجنائي الدولي.
على النحو التالي:
(1)
كانت أول حركة خطابية جريئة للتملص من مغبة جريمة تجويع هؤلاء المدنيين هي إظهار أن المقصود بالتجويع هم "ناس الجيش الشعبي". والعبارة فضفاضة قصدا وخبيثة.تقصي المدنيين. ثم تضيفهم لأنهم من "ناس الجيش الشعبي"، بعبارة "ناس" وتعني "المؤيدين". وهم مقصد التجويع، لا عساكر الجيش الشعبي الذين عددهم قليل جدا بالمقارنة مع المدنيين.
(2)
كانت الحركة الخطابية الأكثر جرأة للتملص من النذالة حذف الكاتب عميل جهاز الأمن أداة النفي "لا" من العبارة "يجب أن لا نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة ...". والضمير في "لهم" يرجع إلى "ناس الجيش الشعبي الذين زرعوا أراضي زراعية كبيرة هذا العام".
"وهذا العام ناس الجيش الشعبي زرعوا أراضي كبيرة بجنوب كردفان. يجب أن نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة لابد من منعهم. لأن الحصاد يعني تشوين للحرب. وكلما جوعناهم. استسلم منهم قيادات وهروب مواطنين. ممكن نستفيد منهم في ملاحقة المتمردين."
فقد تم حذف أداة النفي الضرورية وتغييبها من العبارة أعلاه. لتكون العبارة الجديدة في النص الذي بين أيدينا هي "يجب أن نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة ...".
وهذه العبارة لا تقبل أية مغالطة، من نوع مغالطات البروفيسور إيريك ريفز. فالوثيقة العربية الوحيدة موجودة. ليس فيها "لا" التي حشرها عمدا المترجم السوداني الذي يساعد البروفيسور إيريك ريفز ويحمش له النيران بترجمات غرضية خاطئة هنا وهناك.
صحيح أن الجملة التحتية والمفروضة من تركيب النص وسياقه ومقصده الكلي هي:
"يجب أن لا نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة لابد من منعهم."
لكن الكاتب عميل جهاز الأمن غيرها قصدا. إلى عكسها. بحذف "لا". لأغراض التملص والتنصل من النذالة والإجرام. فأصبحت الجملة الجديدة بعد عملية التملص والتنصل المقصودة: "يجب أن نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة لابد من منعهم". وهي جملة غريبة وغير صحيحة نحويا. لكنا نفهمها. ويجب أن نفهم أن الكاتب قصدها بهذه الطريقة بعد أن مسح أداة النفي "لا".
..
وهذه الخدعة، خدعة تثبيت فعل النذالة والتنصل منه، تدور بطريقة معينة. وهي أن يتم تثبيت فعل النذالة في كل ماديته وقوته في النص. ثم يُعمِل الكاتب عمليات تخفيف وتنصل تلغي الفعل النذل جزئيا، لا كليا.
نعم، لابد "جزئيا" فقط. لأن التملص الكامل يلغي فعل النذالة كلية. وليس هذا من مقاصد الكاتب. فهو يريد تثبيت فعل النذالة كما هو. ثم ان يزلق الحركات والعمليات الخطابية الضرورية للتملص الجزئي منه. ويأمل أن لا يراها إلا من يبحث عنها.
هذه الخدعة استخدمها الكاتب عميل جهاز الأمن في نصوص جميع الموضوعات المتسمة بنذالة الإنقاذ وإجرامها، في الوثيقة. مثل موضوع تقتيل المتظاهرين. والحركات الإسلامية. ومكتب رييك مشار. والسعودية. وغيرها.
(3)
قالت الوثيقة إن الإنقاذ ستسمح لناس الجيش الشعبي بحصاد زراعتهم. وبعد هذه القولة المقصودة مباشرة، دغمس الكاتب الأقوال بعبارة في نهاية الجملة، "لابد من منعهم".
لاحظنا أعلاه أن قصد تجويع المواطنين في جبال النوبة، وهو مرام الإنقاذ في الوثيقة، تمت دغمسته بعملية حذف حرف النفي "لا" من العبارة "يجب أن لا نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة".
ومن ثم وجدنا أن الإنقاذ لا تقول صراحة في الوثيقة على لسان الفريق أنه "يجب أن لا نسمح" ل "ناس الجيش الشعبي" بحصاد زراعتهم هذا العام. كما قرأ كثيرون، خطأ. ومنهم إيريك ريفز، المخدوع بالمترجم السوداني. فضاع قصد تجويع المواطنين وناس الجيش الشعبي.
ومن ثم،كان لابد للكاتب عميل جهاز الأمن من إعادة ذلك قصد التجويع إلى مكانه في النص.فتم ذلك بحركة لغوية أضافت عبارة "لابد من منعهم" مباشرة بعد ذات الجملة موضوع مسح أداة النفي "لا".
فإن إضافة عبارة "لابد من منعهم" تثبت أن الكاتب كان فعلا حذف أداة النفي "لا" قاصدا. وإلا لكانت العبارة "لابد من منعهم" غير ضرورية البتة.
لأن الكاتب لو كان أصلا ثبَّت الجملة "يجب أن لا نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة"، لما احتاج لإضافة "لابد من منعهم" التي لا تضيف شيئا ولا حاجة لها. ولكان الكاتب انتقل مباشرة إلى سبب عدم السماح بالقول: "لأن الحصاد يعني تشوين للحرب".
فإن حذف أداة النفي "لا": كان مقصودا كحركة خبيثة للتنصل ولحماية المؤخرة. ولم يكن خطأ في الطباعة، مثلا.
(4)
كذلك، في سعيه للتملص والتنصل، أضاف الكاتب عميل جهاز الأمن التفسير "القانوني"لدحض الاتهام بجريمة الحرب المتعلقة بتجويع المدنيين. والمتمثلة في فعل "منع" ناس الجيش الشعبي من "حصاد هذه الزراعة". فقال الكاتب مسببا ضد تطبيق جريمة الحرب على المنسوبين إلى القوات المسلحة: "لأن الحصاد يعني تشوين للحرب". إذن، لا توجد جريمة حرب. بل فعل إنساني لمنع الإعداد للحرب!
(5)
وحاول كاتب الوثيقة عميل جهاز الأمن أن يميز بين "ناس الجيش الشعبي ك "قيادات" عسكرية، من جهة، و"المواطنين" المدنيين، من جهة أخرى. ليقول إنه كان يقصد "تجويع قياداتهم"من العسكريين، دون المدنيين الذين "هروبهم" [بدل "وهرب المواطنون"]!
فنلاحظ ركة اللغة المتعمدة في النص.
أيضا، لا جريمة حرب، لأنه لا يقول صراحة إن التجويع قُصد به المدنيون.
"وكلما جوعناهم [ناس الحركة الشعبية]. استسلم منهم قيادات وهروب مواطنين. ممكن نستفيد منهم [المواطنين الهاربين من القيادات الجوعى] في ملاحقة المتمردين".
(6)
ونلاحظ أيضا، من القراءة الأولية، التلاعب بعلامات الوقف في النص أعلاه. بوضعها في غير أماكنها، وبحذفها، وبإضافتها بصورة خاطئة. وهذه حركة خبيثة يستخدمها الكاتب عميل جهاز الأمن في نصوص موضوعاتية أخرى في الوثيقة. مما يجعلها "نوعا" من بين أنواع أفعال متكثرة يتم استدعاؤها من "قِدر الاحتيال"، قِدر ساحرات ماكبيث الخبيثات، تحت تصرف كاتب الوثيقة عميل جهاز الأمن.
...
فأخلص إلى أن الكاتب عميل جهاز الأمن الذي اصطنع الوثيقة تحرى الدقة الخداعية. واحتاط بأن ألغى القراءة التجريمية. ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ثم ترك مجمل النص يفضي إلى قصده إرسال رسالة إلى قادة الجيش الشعبي في منطقة جبال النوبة:
إن حكومة الإنقاذ ستمنعكم من حصاد المحصول في الأراضي الزراعية الكبيرة التي زرعتموها هذا العام في جنوب كردفان.
قصد الإنقاذ هو تجويعكم.
إلى أن تضطر قياداتكم إلى الاستسلام.
ومن ثم سيهرب منكم المواطنون. وستستفيد الحكومة من هؤلاء المواطنين الهاربين في "ملاحقة المتمردين" منكم!
أي، إن القوات المسلحة ستقترف جريمة الحرب المتمثلة في استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب!
لكن كاتب الوثيقة كيَّف لها وضعيتها مسبقا. على أنها ليست وضعية جريمة حرب. بل فعل ضروري لإنهاء الحرب ولملاحقة المتمردين.
..
فتنفضح تقنيات الخداع التي استخدمها الكاتب عميل جهاز الأمن. جوهرها تثبيت الفعل الشرير، ثم إزلاق حركات خطابية تلغيه جزئيا، أو تقلل من حدته، أو تخلق خلطا ودغمسة فيه، أو تفسره وتبرره.
هذا النوع من الكتابة خدعة معروفة يستخدمها القضاة الفاسدون. بل هم الذين ابتدعوها. يكذبون في نص القرار القضائي ثم يلغون الكذب بعبارة خافتة. فتبقى الكذبة موجودة في النص رغم إلغائها، ويبقى الإلغاء موجودا رغم الإخبار به. مما سيتيح للقاضي الفاسد أن يتملص وأن يتنصل عند مواجهته مستقبلا.
وكله يصب في إثبات أن الوثيقة مصطنعة بالكتابة الاحتيالية المتدبرة. المنسوجة بالحركات المايكروسكوبية الدقيقة التي لا يقدر القارئ على التقاطها. إلا إذا قرر أن يبحث عنها. عندئذ، سيجدها.
وأشجع القراء على أن يبحثوا عن هذه الحركات الخبيثة في نص الوثيقة المصطنعة.
ويكون البحث بالتركيز على نص كامل أو نصوص كاملة في الوثيقة عن موضوع محدد (تقتيل المتظاهرين، أو الحركات الإسلامية، أو جنوب السودان، أو إيران، أو السعودية والإمارات، وغير ذلك من موضوعات الوثيقة).
عشاري أحمد محمود خليل
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.