ما زال البعثي فيصل محمد صالح -يكذب ويتحرى الكذب .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف    الحركة الشعبية لتحرير السودان: الموقف من مشروع لائحة مجلس شركاء الفترة الإنتقالية    مذكرات الفريق أول ركن صالح صائب الجبوري العراقي وحكاية " ما كو أوامر!" .. بقلم: الدكتور الخضر هارون    التاريخ والسرد واللاوعي السياسي.. أو ماذا فعل الطيب صالح بالمحمودين؟ .. بقلم: أحمد حسب الله الحاج    لا لن نحيد .. بقلم: ياسر فضل المولى    الحكومة هى عرقوب هذه الأمة!! .. بقلم: طه عبدالمولى    حركة/ جيش تحرير السودان تنعي الأستاذ/ محمد بركة المحامي    الذكرى السادسة لرحيل الاستاذ حسن بابكر عازف الكمان و مبدع اجمل الالحان !! .. بقلم: أمير شاهين    ما رأيكم؟! .. بقلم: كمال الهِدي    الدولة كمزرعة خاصة .. بقلم: الحاج ورّاق    دار الريح .. الزراعة هي المخرج ولكن! (2) .. بقلم: محمد التجاني عمر قش    نحو مذهب استخلافى في الترقي الروحي .. بقلم: د.صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعة الخرطوم    يا حمدوك والحلو الودران خليتوهو وراكم في أمدرمان: حرية العقيدة في أصول القرآن أكثر كفاءة من العلمانية!! .. بقلم: عيسى إبراهيم    (213) حالة اصابة جديدة بفايروس كورونا و(4) حالات وفاة .. وزارة الصحة تنعي (7) اطباء توفوا نتيجة اصابتهم بفايروس كورونا    السودان: وزارة الصحة تعلن وفاة (7) أطباء في أسبوع    ترمب وديمقراطية سرجي مرجي!. بقلم: عمر عبد الله محمد علي    السودان والموارد الناضبة (2) .. بقلم: د. نازك حامد الهاشمي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    النصري في زمن الكورونا .. بقلم: كمال الهِدي    طريق السالكين للمحبة والسلام .. بقلم: نورالدين مدني    لابد من إجراءات قبل الإغلاق الكلي .. بقلم: د. النور حمد    ترامب يستثمر عيوب المسلمين .. بقلم سعيد محمد عدنان/لندن، المملكة المتحدة    وفاة(4) مواطنين إثر حادث مروري بحلفا    بيان لوزارة الداخلية حول ملابسات حادث محلية كرري    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حرائق اليمن وثوراته، إلى حرب صعدة ... بقلم: عمر جعفر السّوْري
نشر في سودانيل يوم 11 - 11 - 2009

ماذا أحدثً عن صنعاء يا أبتي؟ مَليحة عَاشِقَاها السلً والجربً
عبدالله البردوني
شهدت منطقة القرن الإفريقي في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين تطورات درامية لم تغير ملامح الخارطة القديمة الموروثة عن المستعمرين الا قليلاً، لأنها لم ترسم حدوداً، و لم تبدل تخوماً حتى بداية تسعينيات القرن المنصرم عندما دخل الإرتريون مظفرين عاصمة بلادهم. في تلك الفترة جرى الاستفتاء على استقلال "إقليم العفر و العيسى" الفرنسي ليصبح جمهورية جيبوتي، و اشتد أوار الثورة الإرترية ليمتد لهيبها الى أقاليم إثيوبيا الأخرى، فيشد عضد جبهة تحرير تقراي، و تندلع بعض الحرائق في إقليم اوقادين ذي الغالبية الصومالية. حدث آخر تعديل في خارطة المنطقة - حتى ذلك الوقت - غداة استقلال السودان حينما ذهب وكيل وزارة الخارجية السوداني يومئذ، السفير الأديب، صاحب "باليه الشاعر"، محمد عثمان يسن، ليسلم منطقة قمبيلا الى الامبراطورية الاثيوبية، نيابة عن حكومة السودان الوليد. مُنحت قمبيلا الى الامبراطور هيلي سيلاسي هبة لوجه الله، بدون مساومة و من غير مردود و في عجلة من أمر بلد حديث الاستقلال. كانت تلك فاتحة الشهية، إذ تلمظ بعدها الامبراطور الماكر فابتلع إرتريا، البلد الذي استودعته إياه و استأمنته عليه منظمة الأمم المتحدة.
يومئذ دُعيت للمشاركة في حوار يتناول تلك التطورات ببرنامج "عالم نهاية الأسبوع"* الذي قدمه لسنوات طويلة بريان ولدن، الإذاعي و البرلماني الانقليزي المشهور، في قناة "تلفزيون لندن في نهاية الأسبوع ". لم تكن الأقمار الاصطناعية قد استخدمت حينذاك في البث التلفزيوني، و لم يشهد العالم ثورة الاتصالات بعد، و لذلك لم يكن بد من شد الرحال الى العاصمة البريطانية و دخول استوديوهات تلك القناة. لكن في طريقي من جيبوتي الى لندن عبر صنعاء و دمشق انشغلت الإذاعات و وكالات الانباء بأخبار الاجتياح الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان في مارس/آذار 1978.
حينما دخلت مبنى القناة كان بريان ولدن يستعد لاستضافة كل من أبا ايبان، وزير خارجية إسرائيل أثناء حرب 1967، في مواجهة السياسي العمالي البريطاني المخضرم، كريستوفر ميهيو؛ إذ أجبرت تطورات الأحداث في الشرق الأوسط معدي البرنامج على تخصيص حلقة ذلك الأسبوع للاجتياح الإسرائيلي، و تأجيل حلقة القرن الإفريقي الى موعد لاحق. قبلت اعتذار القيمين على البرنامج، فرب ضارة نافعة! إذ أتاح لي ذلك التأجيل الفرصة كي أتابع طريقة الإعداد و إجراء الحوار و غير ذلك. كانت طريقتهم مختلفة عما رأيته و خَبِرته في قنوات المشرق آنذاك.
أمضيت أسبوعين في مدينة الضباب بعد ذلك في لقاءات مع أصدقاء كثر، و في صحبة زملاء مهنة. التقيت أثناءها، لأول مرة، بالسير كيندي تريفاسكس، أحد أساطين الإدارة الاستعمارية البريطانية العتاة، الذي ترعرع في أحضانها و خدمها في عدد من مستعمراتها مذ كان يافعاً، مبتدئاً بروديسيا الشمالية في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم الصومال حيث أُخذ أسيراً أثناء الحرب العالمية الثانية، وظل في الأسر الى أن جاء ً إداريا جهوياً لسلطة الإدارة العسكرية البريطانية في إرتريا، المستعمرة الإيطالية السابقة بادئاً بدنكاليا، و ذلك بُعيد دحر جيش موسوليني و فلوله؛ ثم سكرتيراً لتلك الإدارة و مفاوضاً حينما بدأت الأمم المتحدة تبحث مصير الممتلكات الإيطالية السابقة في الصومال الإيطالي و ليبيا و إرتريا في منتصف القرن العشرين. لكنه أمضى بقية سني حياته العملية، منذ ضحى الخمسينيات و الى منتصف الستينيات في اليمن، عندما تبوأ منصب المعتمد البريطاني لمحمية عدن الغربية قبل إنشاء اتحاد الجنوب العربي الذي ضم المحميات البريطانية و المشيخات المتصالحة في تلك المنطقة الى ميناء عدن، ذي الأهمية الاستراتيجية القصوى حتى يومنا هذا؛ ثم أصبح ثاني مندوبٍ سامي عند قيام الاتحاد و وضع "الأسس الدستورية" لمستعمرة عدن. لم يجر اختياره لهذا المنصب لأنه كان ضابطاً في الاستخبارات الخارجية البريطانية (ام أي 6) – إذ لم يكن من بين عناصرها - كما ذكر الصحافي و الكاتب المصري، محمد حسنين هيكل، في إحدى الحلقات الأخيرة من مذكراته التي تذيعها قناة الجزيرة الفضائية، و لكن اختير لخبرته الطويلة في الإدارة الاستعمارية و معرفته بتلك البلاد و بما حولها من أقطار.
ألّم تريفاسكس بأوضاع اليمن منذ خدمته في إرتريا، حيث كانت تجارة تلك المستعمرة في أيدي اليمنيين و الحضارمة منهم على وجه الخصوص. بعضهم استوطن البلاد و صاهر أهلها، و بقي فيها رغم العواصف و الحروب، و منهم مَن نال حظوة و أوسمة و ألقاباً من المستعمرين السابقين لدوره التجاري و الاقتصادي، و من بينهم "الكوماندتوري"** محمد بامشموش، أحد أهم وجوه الجالية الحضرمية الكبيرة هناك؛ كما اصبح اولادهم و حفدتهم الذين ولدوا فيها من قادة الثورة و أركان الدولة الناشئة في كل مجال و حقل؛ أحدهم أصبح مندوباً لدولة إرتريا الحديثة في هيئة الأمم المتحدة و سفيراً لها في الولايات المتحدة الاميركية. من هناك جاء اختيار تريفاسكس لعبد القوي مكاوي ليصبح رئيسا لوزراء مستعمرة عدن قبيل الاستقلال الناجز. كان مكاوي مديراً لشركة "بيسي" في العاصمة الإرترية، أسمرا. كانت تلك الشركة إضافة الى الشركتين البريطانيتين "جيلاتلي هانكي" و "متشل كوتس" تقبض على جانب مهم من تجارة البلد الصغير، لا سيما حركة الملاحة فيه بُعيد طرد القوات الإيطالية و استسلام الفاشست للحلفاء، و من ثم انحسار دور الشركات الإيطالية، فلم يتبق الا القليل منها، لكن الجالية الإيطالية الكبيرة نسبياً بقيت حتى وقت قريب. في هذه المستعمرة الإيطالية السابقة عرف هذا الإداري البريطاني المجِرب اليمن و تعرف على أهله، و حينما جاء الى محمية عدن الغربية في بداية خمسينيات القرن الماضي، كان على دراية بما ينتظره و ما هو مقدم عليه.
اتصل تريفاسكس بالقناة التلفزيونية يسألهم موعداً معي ظهر أحد أيام الأسبوع، لكن صدف إنني كنت على موعد غداء مع رئيس تحرير وكالة رويتر، إيان مكْدَوَل. عرفت إيان حينما كان مديراً لمكتب الوكالة في بيروت، و رأيت فيه صحافياً مذهلاً. لم يكن يحمل ورقاً و قلماً في يده البتة حينما يذهب الى مؤتمر صحافي أو يقابل مصدرًا من مصادر أخباره. كان ينصت الى ما يقال بهدوء الإنقليز الجليدي – و قد يمتد الحديث ساعتين أو أكثر – ثم يعود الى مكتب الوكالة و يجلس الى المبرقة بنفسه، لا الى الآلة الكاتبة كما يفعل غيره الذين يناولون ما كتبوا الى عامل هذا الجهاز. كان إيان يكتب عن ظهر قلب إضافة أولى و ثانية و ثالثة الى أن يصل الى عشرين إضافة أو أكثر، إذا ما استدعى الامر. و كان خبره ذلك يصل الى الصحف و أجهزة الإعلام و هو لم يزل يردف إضافة الى اخرى. حري بالصحافيين العرب قراءة كتابه "دليل رويتر للصحافيين"*** الذي وضعه ليستعين به محررو رويتر، ثم رأت الوكالة أن تعم الفائدة الجميع فنشرته للعامة.
كان موعدنا عند مدخل رويتر حينما كان مقرها في فليت استريت، شارع الصحافة يومئذ، قبل أن يقفر جانباه من الباحثين عن المتاعب و يزول عنه مجده التليد. و جدته في انتظاري بعد أن عدت و مكدول من غدائنا في مطعم "سمسون"، و هو من مطاعم العاصمة البريطانية التي لا تسمح بدخول النساء، و لا تعمل فيه امرأة! لكن طعامه طيب، شهي، لذيذ المذاق، و شرابه يروي كل ذي مسغبة. ذهبنا الى منزل تريفاسكس لتناول شاي العصر، لكن الجلسة امتدت الى أول الليل، روى فيها الرجل قبساً من تجربته في إرتريا و اليمن، رجعنا في بعضها الى كتابيه "إرتريا: مستعمرة في طور الانتقال"، و "ظلال الكهرمان: حوادث الجنوب العربي"****. ثم عرض عليّ مسودة كتاب ثالث كان يعمل عليه و فيه صور كثيرة نادرة عن البلدين و الذين عمل معهم من السكان المحليين، و قد توقف ملياً عند إداري إرتري ماهر، هو هِداد كرّار، الذي صحبه في كرن و نواحيها ردحاً من الزمن. قال لي عنه "أن مثل هِداد نادر الوجود حتى في سلك الخدمة المدنية البريطانية". استوضحته عن أحداثٍ جرت هناك إبان إدارته للبلدين، كانت تلفها ظلال من الشك و سحب من الريب. فقد ذكر لي، على سبيل المثال، أن سلطات عدن الاستعمارية ما كانت لتعتقل عبدالله الاصنج، رئيس اتحاد عمال عدن يومئذ، لو وقّع على بيان الاتحادات العمالية العربية و العالمية التي دانت العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956؛ و إن الاصنج كان يعرف ذلك تمام المعرفة. لكنه رفض توقيع البيان متحججاً بعودته الوشيكة الى عدن و خشيته من الاعتقال. تفسير تريفاسكس لهذا التصرف يطول و سيأتي ذكره في غير هذه السانحة. ظل هذا الإداري البريطاني على ارتباط بالمنطقة، رغم ما أصابه في هذا الميناء الذي تضج مياهه من كثرة البواخر و السفن و المراكب حينذاك. فقد عمل بعد أن تقاعد ممثلاً لبعض شركات النفط الغربية، و كان على علاقة طيبة و وثيقة بقيادات خليجية، من بينها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الأمارات العربية المتحدة الراحل.
في ذات صباح من شهر ديسمبر/كانون الأول 1963 كان المندوب السامي البريطاني في عدن، سير كيندي تريفاسكس، يستعد و عدد كبير من المعاونين و السياسيين في اتحاد إمارات الجنوب العربي (الذي عرف فيما بعد بجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية) و شيوخ العشائر اليمنية في تلك الأنحاء بالتوجه نحو الطائرة التي كانت ستقلهم إلى لندن لإجراء مزيد من المباحثات بشأن مستقبل الاتحاد و مستعمرة عدن، لا سيما إن إرهاصات الثورة قد بدأت تلوح في الأفق، و سحب العنف تتلبد فوق الجبال، و الحراك السياسي المنادي بجلاء المستعمر و استقلال البلاد يشتد و يحتد. لكن قنبلة يدوية ألقيت على ذلك الجمع ألغت الرحلة. قُتل مساعد المندوب السامي، جورج هندرسون، و امرأة صومالية، و جرح عدد يربو على الخمسين من المرافقين من بينهم تريفاسكس نفسه.
قامت سلطات الاحتلال باعتقالات واسعة، و وجهت تهمة "ارتكاب جرائم القتل و الاغتيال و مناهضة السلطات و التخريب، الخ.." إلى عدد من الشبان العاملين في المطار و غيرهم، كان بينهم خليفة عبدالله حسن، الذي أصبح فيما بعد ممثل جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل "فلوسي FLOSY" في الخرطوم، و مكث في السودان إلى أن نالت البلاد استقلالها و سيطرت الجبهة القومية المنافسة على السلطة في الجمهورية الوليدة. رأس فلوسي السياسي العدني، عبد القوي مكاوي، بعد أن عزله المندوب السامي البريطاني، الذي أتى به هو، عن رئاسة وزارة اتحاد الجنوب العربي.
اعترف السودان بفلوسي مثل غيره من أقطار العرب، و ذلك بقرار من جامعة الدول العربية، و منح ممثلها و مكتبها وضعاُ دبلوماسياً و ميزانية و مساعدات، و ظل الحال هكذا حتى بعد أن تفردت الجبهة القومية، بقيادة قحطان الشعبي و شقيقه فيصل و رموز من القوميين العرب مع الحزب الاشتراكي اليمني، بالساحة في ذلك الجزء من اليمن. استحوذ القوميون و الاشتراكيون بالميدان بعد صراعٍ مريرٍ و دامي، و في أعقاب معارك طاحنة بين الجبهتين أودت بخيرة أبناء اليمن من كلا الطرفين و البلاد لم تزل تحت الاحتلال. ما كان لقتال الإخوة أن يجري ويحتدم، لولا ضيق الأفق و الحسابات السياسية الصغيرة. بدأت بريطانيا التفاوض مع الجبهة القومية في جنيف حول الجلاء و الاستقلال، و ليس مع جماعة عبد القوي مكاوي! أوفدت بريطانيا حاكم عام عدن الأخير، و أحد دهاقنة دبلوماسيها المحترفين لقيادة المفاوضات، هو السير همفري تريفليان، الذي عمل سفيرا في القاهرة إبان أحداث جسام و ذكره هيكل مراراً بإعجاب في روايته التلفزيونية كما عمل سفيرا بموسكو في أوقات عصيبة. ، و تريفليان مثله مثل من سبقه الذين حكموا عدن لم يك من جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني.
حينما اندلع الكفاح المسلح في جبال ردفان ضد الاحتلال البريطاني، كان العمل السياسي يسير بموازاته. غير أن اختلاف رفاق السلاح و الكفاح فيما بينهم، وجه البنادق الى صدور بعضهم البعض، و كادت البلاد أن تقع فريسة حرب أهلية تذرو أدراج الرياح نضال شعب و آمال جماهير عِراض. كانت عدن جوهرة الاقليم، يزدحم ميناؤها و منطقتها الحرة بالسفن و الحاويات قبل أن تتوالد تلك المناطق في الأرجاء و النواحي القريبة و البعيدة، و تمتلئ أسواقها ببضائع من أركان العالم الأربعة، ثم بدأت أضواؤها تخفت و أنوارها تنطفئ، حتى عم الظلام المدينة في رابعة النهار! غطى شموسها دخان الحرائق التي أشعلها أبناء البلد الواحد، بل المدينة الواحدة، رفاق الدرب و الكفاح، أعضاء الحزب الواحد حينما ذبح بعضهم بعضا. لم تهدأ آلة التصفيات السياسية و الجسدية عن العمل منذ الاستقلال و حتى الساعة. كان أكثرها دموية و مأساوية أحداث يناير/كانون الثاني 1986 التي ذهب ضحيتها الألوف، و ما تبع تلك الأحداث من محاكمات و إعدامات أريقت فيها دماء ذكية، و قتل فيها أبرياء، و غدر قادة ببعضهم البعض و اعدم آخرون، عدهم هذا الطرف على الخصوم، و أخذوا بجريرة غيرهم. ِمن بين مَن ذهب ضحية ذلك الجنون المطبق زملاء مهنة و بعض قيادات العمل النقابي الصحافي، بينهم النبيه الوديع فاروق أحمد علي، و محمد عبد القوي، و تشرد آخرون في أصقاع الدنيا، لو ادخروا لبناء اليمن لعاد سعيداً بهيجاً.
حينما انفلتت الأحقاد من عقالها في 13 يناير/كانون الثاني 1986 و اشتعلت سماء عدن بلهيب نار موقدة أتت على الأخضر و اليابس و الزرع و الضرع، كان نقيب الصحافيين العدنيين، عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الحاكم، سالم باجميل، و أمين سر النقابة، على فارع سالم، في زيارة الى دمشق. ذلك المساء كان الذهول يخيّم عليهما، و ظلا يرددان طيلة الليل و بلا انقطاع: "مَن قتل مَن؟ مَن ذبح مَن؟" لم تكن من إجابة على ذلك السؤال لدينا، و هما أدرى بخفايا الوضع في بلدهما، و بصراع الأجنحة! لم ترفرف أعلام عدن يوم المذبحة مزهوةً و لا بعدها إبان حرب1994 التي نشبت بين الشمال و الجنوب، بل ظلت بقايا رايات كالحة، حزينة، منكسة، ممزقة الى اليوم، تنعى عمر بن أبي ربيعة و شعره:
تقول عِيسِي و قد وافيتُ مبتهلاً لحجاً و بانتْ ذرى الأعلامُ من عَدنِ
أمنتهى الأرضِ يا هذا تريد بنا فقلتُ كلا و لكنْ مُنتهى اليمنِ
يشتد اشتعال نيران الحرائق و تصاعد أعمدة الدخان الكثيف في أرجاء اليمن "السعيد" كله منذ زمان، و هي نيران لم يخب أوارها، و لم تتبدد سحب دخانها الا وهلة أو وهلتين طيلة تأريخ اليمن المعروف. فالحرب كانت صنو هذا التأريخ منذ انهيار الدولة الواحدة التي أشادها "كرب آل وتر" في القرن السابع قبل الميلاد، و سقوط مُلك شرحبيل بن يعفر، مَلك سبأ و ذي ريدان و حضرموت و يمنات و أعرابهم في الجبال و السواحل و تهامة، لما احتل الاحباش اليمن و أطاحوا بخلفه الملك يوسف ذي النواس.
"لقد كان لسبأٍ في مسكنهم آيةٌ جنتان عن يمينٍ و شمالٍ كُلُوا من رزقِ ربِّكمْ و اشكروا لهُ بلدةٌ طيبةٌ و ربٌّ غفورٌ (15) فاعرضُوا فأرسلنَا عليهم سيلَ العَرِمِ و بدلناهُم بجنَّتيهم جنَّتينِ ذواتي أُكلٍ خَمْطٍ و أثلٍ و شيءٍ من سدرٍ قليلٍ (16) “سبأ".
و اليوم يمتد الحريق من الشمال الى الجنوب. ففي أنحاء اليمن الجنوبي "سابقاً" يسير الناس في تظاهرات حاشدة من لحج الى إبْ الى ردفان و حتى عدن يطلبون فك الوحدة التي خاب أمل الناس بها و بدلت حياتهم جحيماً لا يطاق. لقي المتظاهرون تنكيلا من شداد غلاظ، أمطروهم بوابل من رصاص و قنابل، بعد أن أوسعوهم ضرباً مبرّحاً، فصرعوا من صرعوا و أ دموا شيوخا و أطفالاً و نساء. و بعض هؤلاء الشيوخ لم يروا في شبابهم من المستعمر "الغاشم" ما يكابدون اليوم على يد الإخوة الأعداء.
أما حرب الشمال فلا ينقصها الا الفسفور الأبيض حتى تتساوى بجريمة غزة، لكن فاقتها في عدد القتلى و المهجرين البائسين الهائمين على وجوههم و بطونهم خاوية، و أسمالهم لا تغطي أجسادهم. معارك صعدة لها أن تنكس السلاح أمس و ليس غداً مهما كانت الدوافع و الأسباب التي أذكتها؛ إذ أن تلك المدينة التاريخية، ليست أرضاً زراعيةً فحسب، بل هي بيرمنقهام اليمن، عُرفت بصناعة النصال و السيوف و الحديد و أدوات الحراثة و دباغة الجلود في غابر الأيام، و هي ممرً تجاريً لا تستغني عنه قوافل اليمن و الشام و الهند و السند و ما وراء البحار، و يمر بها حجاج اليمن كلها. و وجودها في موقع قبلي بالغ التعقيد، قد يزيد ضرام المعارك، إن لم يتوجه الناس الى تحكيم العقل لإسكات المدافع. فهي مركز قضاعة خولان بن عامر. و قضاعة القبيلة المرجحة لغالبية قحطان أو غالبية عدنان. فان انتسبت الى اليمن رجحت كفة قحطان، و لكنها تغدو محل خلاف و نزاع إن انتسبت الى عدنان. و الى شرق صعدة قبيلة يام ذات الغالبية الاسماعيلة شديدة البأس. و يحيط بها شمالاً أرض سنحان و وادعة و عبيدة، و من الجنوب قبائل عددا، أما في الغرب فهي تتداخل مع حاشد كثيرة العدد. و حاشد و بكيل هما اكثر قبائل اليمن ارتباطاً بالحروب و الفيد و النهب، لا سيما في صنعاء و ابْ و تعز.
انتشر المذهب الزيدي العقلاني بفكره الاعتزالي الذي يدعو الى حرية الاختيار، و تزكية العقل في صعدة منذ القرن الرابع الهجري حيث أصبحت مركزاً لمعارضة الخلافة الإسلامية. و كانت هذه المدينة تجسيداً حقيقياً ليمن الحكمة و الإيمان في ذلك الزمان، فالحكمة يمانية و الإيمان يماني! و لأنها ذاكرة اليمن التي لا تخيب، استند إليها الحسن بن أحمد الهمداني، و غيره كما ذكر المؤرخ العراقي جواد علي في سفره "تاريخ العرب قبل الإسلام" و أيضاً في كتابه "تاريخ العرب في الإسلام". الا أن جواد علي لا يلقى الترحيب من الجميع، فالأديب البحاثة السوري، ظافر القاسمي، يتأفف عند سماع اسمه و يغلظ القول فيه. و القاسمي موسوعي كان علماء كثيرون، مثل المؤرخ اللبناني، عمر فرّوخ، يجلس بين يديه كما يجلس التلميذ المبتدئ في حلقة شيخ يمد رجليه. لكن صعدة رغم ذلك نالت الحرمان بعد قيام الحكم الجمهوري و سقوط الامامية، فتحولت الى سوق للسلاح و بؤرة للبؤس و الفاقة. و طبيعة صعدة الجبلية المخضرة و جوارها توفر بيئة صالحة لحرب الغوار و استمرارها الى ما لا نهاية.
حدثني تريفاسكس عن زيارته الأخيرة لإرتريا في نهاية العام 1970 بدعوة من الحاكم العام الإثيوبي، الرأس أسراتي كاسا. فقد طلب زيارة الأماكن التي اشتغل فيها و مقابلة الأشخاص الذين عمل معهم. من بين تلك الأماكن، زيارة لمدينة كرن، مركز وادي عنسبا ببساتينه و مياهه العذبة. في طريقه من أسمرا إليها، توقف طويلاً في مكان يدعى "حليب منتل"، حيث وجد ما تبقى من معركة ضارية بين الثوار الإرتريين و قوات الجيش الإثيوبي بمساندة فرقة المغاوير (الكوماندوس) التي تدربت في إسرائيل، و تلك كانت معركة هؤلاء المغاوير الأولى و الأخيرة، إذ أبيدت الفرقة عن بكرة أبيها. حينما وصل تريفاسكس الى حليب منتل، رأي "حليب الغزال" يتحول سيلاً من دماء، و رأي الجثث تغطي المكان و بينهم جثة العقيد الذي قاد قواته لمطاردة الثوار في تلك الأنحاء فأوقعهم في مكمن محكم لهم لم ينج منه أحد، كما كانت آلياتهم مُدمرة متناثرة هنا و هناك. قبل مغادرته في نهاية الزيارة، ذهب لوداع الرأس كاسا الذي سأله عما رأى و عن انطباعاته بعد عشرين سنة من رحيله عن البلاد. خيّره الضيف البريطاني بين إجابة تغلفها المجاملة و جواب صريح مباشر، فاختار الأمير الإثيوبي الثانية. قال له تريفاسكس في حديث مقتضب: "عليكم أن تجلسوا الى هؤلاء القوم و تتحدثوا معهم، و تعيدوا إليهم ما أخذتموه، لو قبلوا، أو ترحلوا عن هذه الديار اليوم قبل الغد، فما رأيته في حليب منتل كان في غاية الوضوح. إن بقيتم هنا اكثر من ذلك ستضطرون الى مغادرة إثيوبيا كلها و ليس إرتريا فحسب." و قد حدث!
فهل من تريفاسكس آخر يذهب الى صنعاء و يحدث القوم صراحة و مباشرة، حتى يرعوا، و يتذكروا القربى:
إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها‏ تذكرت القربى ففاضت دموعها‏
و عبر البحر من اليمن، بدأت أرض مساحتها مليون ميل مربع تنقسم على نفسها، و يشعل شرر البغضاء و الجهل الحرائق حتى في الرمال!
*Weekend World – London Weekend Television LWT
** حصل كثير من الإرتريين على رتب و ألقاب و أوسمة من الإيطاليين، كان الشائع بينها رتبة بلاتا، و قلة حصلت على رتيبة الكفالييري و قلة قليلة نادرة على رتبة الكوماندتوري الفخمة. الا أن البريطانيين لم ينعموا على أحد بشيء – حسبما أعلم -. أما الامبراطور هيلي سيلاسي فقد وزع كل الرتب ما دون الرأس "الأمير" على خلق كثير. و رغم رحيل الإيطاليين عن إرتريا منذ ستة عقود و نيف و تعاقب المحتلين، الا إن الثقافة الإيطالية بكل جوانبها، من لغة و مأكل و مشرب و سبل عيش، لم تزل تضرب عميقا في تربة البلاد و نسيجها الاجتماعي، لا سيما في المدن.
*** Reuters Handbook for Journalists, by Ian McDowell
**** Sir Kennedy Trevaskis: “Shades of Amber: A South Arabian Episode”, “Eritrea: A Colony in Transition: 1941 – 1952”


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.