الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حكاية الاغتصاب الجماعي في تابت بعد عشرين يوما .. بقلم: عشاري أحمد محمود خليل
نشر في سودانيل يوم 22 - 11 - 2014


(1)
فإذا كنتَ تعتمد فقط على التحليلات الكبرى المبنية على التاريخ والقياس،وكنت مدركا لفساد نظام الإنقاذ، وأنت على علم بإجرام المؤسسة العسكرية السودانية خلال تاريخها الممتد منذ ما سمي بالتمرد في جنوب السودان في العام 1955، وإذا كنت ترى وزارة الخارجية تكذب دون أن تطرف لها عين، مثلها مثل بقية وحدات نظام الإنقاذ، فأنت ستصدق رواية الاغتصاب الجماعي. أسبابك تبدو سائغة.
لكنك لفي خطل عظيم بهذه المفهمة غير الكافية لأحداث تابت. لأنك قررت أن تهمل النظر في الآثار المايكروسكوبية الدقيقة في النصوص التي تم بها إنتاج رواية الاغتصاب الجماعي، ابتداء. أي نصوص راديو دبنقا منذ يوم الأحد 2/نوفمبر وحتى يوم أمس.
كذلك لعلك أهملت التدقيق بالقراءة اللصيقة في النصوص الأخرى التي نقلت من راديو دبنقا. ثم غزلَت نُسُجَها الخاصة دون أن تشير إلى أنها بل كانت تعيد إنتاج ذات نسيج راديو دبنقا بألوان مختلفة وبإضافات من عندها.
فبالرغم من كل ما قيل إن جريمة الاغتصاب الجماعي قد وقعت، إلا أننا لا نجد أي دليل أولي يشير إلى ذلك.وانعدام الدليل قد لا يعني بالضرورة أن الاغتصاب لم يحدث. لكنه يمنعنا من الصدور من الاعتقاد الراسخ بوقوع الاغتصاب. خاصة حين نجد ما يشكك في رواية راديو دبنقا، ابتداء.مما كان جاء في مقالين سابقين عن تابت.
(3)
درج راديو دبنقا على الترويج مؤخرا لروايات مؤداها استحالة التعرف على الحقيقة كما كان الراديو ركَّبها تركيبا. يقول لنا راديو دبنقا منذ أيام إنه بالرغم من أن الاغتصاب الجماعي حدث، إلا إنكم لن تتمكنوا من العثور على دليل عليه، الآن بعد أكثر من أسبوعين!
ومن ثم، كان تمسك راديو دبنقا بأقوال عائشة البصري عن بروتوكول التعامل مع حالات الاغتصاب. ثم احتفاء الراديو بأقوال مختصين سودانيين في إيرلندا وفي غيرها من دول. من الذين ركزوا على الإثبات بالبينات الطبية الشرعية المادية.
فقد جاء في أقوال الأطباء الذين استشارهم راديو دبنقا إنه "من الصعب بل من المستحيل أن يتم التحقق من الاغتصاب أو الاغتصاب الجماعي في (تابت) الآن و قد مضى أكثر من أسبوعين على اليوم الذي تلقت فيه البعثة التقارير الإعلامية حول هذا الحادث".
وإذا كان ذلك كذلك، فلمَ المطالبةُ في راديو دبنقا بالتحقيق الدولي الذي لن يجد شيئا؟
...
لكن الصحيح في تقديري هو أنه يمكن إثبات وقوع الاغتصاب الاجتماعي في تابت إذا كانت الوقائع أصلا حقيقية، غير مفبركة.
ذلك، بمجرد المقابلات مع الضحايا المفترضين ومع بعض الشهود. دون الحاجة للأدلة الطبية الشرعية.
أي، يمكن الإثبات بالرغم من اختفاء للآثار المادية لعمليات الاغتصاب، كالدماء والحيوانات المنوية واللعاب وقشور الجلد وغيرها. إذا كان الاغتصاب حقيقة.
وفي جميع الأحوال، فإن بينة البصمة الوراثية، أو الدي إن إي، مما يتعلل به راديو دبنقا، لا يعول عليها. بسبب أن التحقيق بوسائل الطب الشرعي في تابت لن تتوافر له إمكانات جمع الأدلة الكافية أصلا. فالمؤسسة العسكرية ستجعل من المستحيل جمع عينات جسمانية من جنودها لأجل المضاهاة بآثار البصمات الوراثية المتروكة في مسارح الجريمة في بيوت تابت.
...
والمقابلات مع الضحايا والشهود في مثل هذه الوضعيات كافية تماما لإثبات وقوع الاغتصاب الجماعي، إن كان حقيقة. أي، إذا صحت رواية راديو دبنقا أنه وقع لثمانية تلميذات، ولست وسبعين فتاة يافعة، ولمائة وخمس من الفتيات المتزوجات.
...
فلقد كان تم إثبات حالات الاغتصاب الجماعي في حرب البوسنة على أساس روايات الشهود والضحايا. دون أي كشف طبي. ذلك في المحكمة الخاصة بيوغسلافيا في لاهاي، وفي محكمة أمريكية. وصدرت الأحكام بناء على ذلك. بل تم تأسيس فقه الاغتصاب الجماعي في البوسنة على أنه من جرائم التعذيب والإبادة بناء على شهادات الشهود.
والحال ذاته ثابت في محاكم القشاشا في رواندا وفي المحكمة الخاصة في تنزانيا. لم يطالب القضاة بالبصمة الوراثية لإثبات الاغتصاب، ولا بالأدلة المادية التي يقول عنها راديو دبنقا. بل كان الاعتماد على قصص الضحايا والشهود.
فشهادات الأطباء في راديو دبنقا تتسق مع وضعيات الاتهامات الفردية في ظروف المحاكم التي لابد لها من البينات المادية في حالات مثل القتل بعد الاغتصاب، وفي حال إنكار المتهم أنه كان زار المجني عليها في غرفتها، ومثل ذلك كثير. ومثل حالة فستان مونيكا لوينسكي وفيه آثار الحيوانات المنوية المتناشفة أصلها من صلب الرئيس كلينتون. خاصة بعد أن نفى بعبارته الماكرة أنه لم تكن له "علاقة جنسية" بمونيكا.
لكن، نحن في تابت في سياق النزاع المسلح. فإذا كنا نطالب بمثل الأدلة المادية أعلاه، لن تتحقق العدالة للضحايا في مثل هذه الوضعيات.
وحتى في حالة التلميذات الثمانية المغتصبات، وفق ادعاء راديو دبنقا، يكفي مجرد استجوابهن في ظروف ملائمة وبالأسئلة الصحيحة، وبالحساسية اللازمة لعمرهن. دون الخوض في الكشف الطبي. وسيكون ذلك كافيا لإثبات حدوث الاغتصاب من عدمه.
(3)
والذي أراه هو أن راديو دبنقا بعد أن أذاع تقرير الاغتصاب في يوم 2/نوفمبر، أصابه القلق من عدم وجود إي دليل يثبت أقواله. منذ إذاعتها وحتى بعد عشرين يوما.
ومن ثم، ظل راديو دبنقا ينشر مثل هذه التقارير التيئيسية التي تذهب إلى استحالة إثبات الاغتصاب الجماعي. فذلك يدعم موقفه الضعيف. لكن راديو دبنقا اعتمد التناقض في خطابه حين استمر ينادي في ذات الوقت بلجنة تحقيق دولية من مجلس الأمن والأمم المتحدة.فماذا ستجد اللجنة؟
لم تقتصر القصص الاستراتيجية التي ركز عليها راديو دبنقا لتعزيز مقولته ذات الألوان باستحالة الحصول على الأدلة على ما ورد من عائشة البصري ومن الأطباء السودانيين. فقد أذاع الراديو عدة قصص مشكوك في مصداقيتها. ولم يتم تأكيدها من أية جهة أخرى. كلها تصب في اتجاه وحيد: تفسير غرضي لعدم وجود أي دليل يثبت ادعاءات الاغتصاب الجماعي. أذكر بعضها دون ترتيب:
في يوم 20/نوفمبر نشر راديو دبنقا أقوالا مرسلة عن اجتماع للقائد العسكري الجديد للقوة العسكرية مع رجال تابت من 20 سنة فما فوق. وقال الراديو إن هؤلاء الرجال أدوا القسم في الجامع بالصمت وبعدم البوح بوقائع الاغتصاب الجماعي في تابت.
وهي رواية مضحكة في بؤسها ومبكية في آن واحد. لا يصدقها العقل.
وحتى إذا كان ذلك حدث،لا توجد قيمة لاستعصار القسم بقوة الإكراه. وليس أهل تابت من السذج الأغبياء فيفترض راديو دبنقا صمتهم إزاء الجرم العظيم ضد بناتهم ونسائهم لمجرد أنهم كانوا أدوا القسم في الجامع صاغرين أمام القائد العسكري الجديد!
وهذا القائد العسكري "الجديد" تصحيح لخطأ سابق من راديو دبنقا في خبره الأولاني عن "الاعتذار".حين كان أورد اسم التنقيب إسماعيل حامد كقائد الحامية (بينما هو الرائد سعد عبد الكريم، وفق مقال علاء الدين الدفينة الذي يعرف أشياء وأشياء، وعلاقته الطيبة بالحكومة ثابتة من السماح له بزيارة تابت في يوم زيارة اليوناميد التحقيقية، على حد قوله).
وقد كان الشيخ من قرية تابت عبد الله عبد الرحمن عبد الله حسن وعمره 74 سنة أكد لبعثة اليوناميد أن الذين ذكر أسماءهم راديو دبنقا [التنقيب إسماعيل حامد]كان تم نقلهم إلى الفاشر قبل تسعة شهور. من ثم خلص الشيخ إلى أن كلام راديو دبنقا "إشاعة".
فأصدق الشيخ عبد الله لأن كلامه القصير كان مفصلا وواثقا ومتسقا. مقارنة بالقصص من راديو دبنقا فيها شبهة التلفيق واضحة. بل كان الشيخ يناقض ناس اليوناميد عملاء الإنقاذ ويصححهم حين كانوا يستعجلون للتلفيق ويقرأون ما لم يقله الشيخ يريدون تأييده.
https://www.youtube.com/watch?v=k5FmQXVNC9Q
ثم أورد راديو دبنقا، في مسار التيئيس من البحث عن الحقيقة، رواية عن أخذ الجيش لقيادات من تابت وتعذيبهم.
وقبلها قال راديو دبنقا إن بعض ضحايا الاغتصاب غادروا إلى معسكر النازحين في زمزم.
ونعرف أنه بناء على ذلك التقرير توجهت اليوناميد إلى ذلك المعسكر فلم تجد أحدا من تابت جاء إلى معسكر زمزم. نعم، اليوناميد كذابة. لكن المهم هو نسق التيئيس الذي ينشره راديو دبنقا. بأنه لا جدوى من البحث عن الحقيقة، فهي موجودة في أقوال راديو دبنقا الأولانية.
كذلك قال راديو دبنقا إن بعض الضحايا رحلوا إلى الفاشر! وإن آخرين يعدون العدة للرحيل من تابت فورا غدا أو في الأيام القادمة.
ثم مضى راديو دبنقا في روايات إضافية للتيئيس من الحصول على الحقيقة بقوله إن جميع الطرق إلى تابت تم سدها بواسطة القوة العسكرية.
...
باختصار، يقول لنا راديو دبنقا بالقصص المتكثرة أعلاه:
إنكم حتى إذا دخلتم تابت فلن تجدوا الضحايا!
ولن تجدوا آثار الاغتصاب.
ولن تتمكنوا من فك إسار الصمت المطبق على جميع رجال تابت وجميع نسائها وشبابها وأطفالها. خاصة الحالفين في المصحف إنهم ما يتكلموا! هذا غير الخائفين من العساكر. أولئك أهل تابت الذين تعرضت بناتهم للاغتصاب.
فقط صدقوني أنا راديو دبنقا حين أقول لكم إن الاغتصاب الجماعي حدث.
هكذا. بطق الحنك.
..
وفي كل ذلك أعلاه تفسير ضمني من قبل راديو دبنقا لعجز الحركات المسلحة، وهيئة شؤون الفور، ولجنة محاميي دارفور، وجميع الحركيين في دارفور من النفاذ إلى تابت للتعرف، على استقلال، على الحقيقة.
(4)
أجد في أقوال المقتنعين بوقوع الاغتصاب الجماعي في تابت، وهم الأغلبية، اعتقادهم الراسخ بأن الاغتصاب الجماعي حدث فعلا. وأنه جريمة مؤكدة. وأنه لا يبق إلا التحقيق الدولي للقبض على الجناة وتقديمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
لكني أقول لكل واحد منهم إنك بل عجزت عن تقديم الحد الأدنى من المعلومات الأولية في طريق الإثبات. وإن التفكير خارج "إطار الصندوق" قد يكون مفيدا. بالسير عكسيا والسعي إلى دحض أقوال راديو دبنقا. بإخضاعها للتفكيك.
عندئذ، ستجد في نصوص راديو دبنقا ما يجعل كتراجع نظريتك عن جريمة الاغتصاب الجماعي. تلك النظرية القائمة على تصديقك قصة محبوكة من راديو دبنقا، وعلى تحليلات كبرى وتأويلات، لا على بينات مقنعة أو كافية على المستوى الأولي للإثبات..
فأنت ستكتشف فجأة أنك لم تجد من بين المائتي امرأة اللاتي ادعيت أنهن تعرضن للاغتصاب، لم تجد امرأة وحيدة تقول لك إنها تم اغتصابها، فتعضد بها روايتك. ودع عنك الضحية "السرية" في راديو دبنقا.
كذلك لم تجد من بين آباء وأمهات الطفلات الثمانية في المدرسة الابتدائية أبا يأتي أو أما تأتي للشكوى بشأن الاغتصاب المزعوم. ولم تجد معلمة في المدرسة تتقدم نيابة عن تلميذة لها.
بالإضافة إلى أنك لم تجد زوجا واحدا من بين أزواج المائة وخمسة من النساء يأتي ليقول زوجتي اغتصبها جمع من جنود الحامية.
ولم تجد أي شاهد. غير شهود راديو دبنقا الثلاثة السريين.
(5)
والأسوأ من عدم عثورك على ضحية واحدة لها صوت، ومن عدم عثورك على أي أب أو زوج أو شاهد يتقدم للإثبات، أو لمجرد الشكوى، أسوأ منه كله قصة راديو دبنقا عن ما أسمته "منسقية اللاجئين والنازحين" ولجنتها "الخماسية"من رجلين وثلاث نساء.
قال لنا راديو دبنقا إن "اللجنة الخماسية" للتحقيق قضت يومين في تابت، الأربعاء 5 أكتوبر والخميس 6 نوفمبر. وإن أعضاءها تحدثوا مع ستين من المغتصبات خشم لخشم، وأجهشوا بالبكاء معهن.وإن اللجنة التي وصفها أحد أعضائها بأنها "لجنة سرية" أعدت تقريرا للمنسقية.
فها قد مر أسبوعان. لكن لا أثر للتقرير المدعى بأنه تم رفعه لمنسقية اللاجئين والنازحين.
فيمكننا أن نقرر مجددا أن المعلومات في راديو دبنقا عن "التقرير" من اللجنة الخماسية السرية محض كذب. ولو كان التقرير حقيقة لكان راديو دبنقا أذاعه علينا. ولأصبح من أهم الوثائق التي تثبت الادعاءات بالاغتصاب الجماعي في تابت. ولكان من اليسير توزيعه على جميع الجهات المحلية والدولية، وفي مجلس الأمن ذاته. خاصة باسمه الرنان "اللجنة الخماسية"، ثلاث نساء ورجلان، المكلفة بالتحقيق من قبل "منسقية اللاجئين والنازحين"!
فماذا بعد تقرير ميداني من "اللجنة الخماسية" المكلفة من "منسقية اللاجئين والنازحين"؟ لكن أين هو؟
(6)
أما هراء وزارة الخارجية على لسان وكيلها الأزرق، فيرهقنا. أقواله عن أن اليوناميد تظل تثير قصية الاغتصاب في تابت لأن الحكومة طلبت منها إعداد "استراتيجية الخروج"، إيكزيت ستراتيجي، من السودان.
فاستراتيجية الخروج أداة موجودة في كل مشروع وقتي. لابد من إعدادها بحيث يتم الانتقال بسلاسة إلى المرحلة القادمة بعد نهاية المشروع.
ناس الإنقاذ يحبون إنتاج الهراء، وهو أسوأ من الكذب كما جاء في كتاب الفيلسوف فرانكفورت بعنوان "فقه الهرار"، أون بولشيت.
ذلك أن المطالبة باستراتيجية الخروج التي يدعيها الأزرق وكيل الخارجية لحكومته بل هي في واقع الأمر كانت جاءت من مجلس الأمن في قراره رقم 2127 في أغسطس الماضي للأمين العام للأمم المتحدة. أن يقدم بان كي مون إلى مجلس الأمن في فبراير 2015 دراسة تحليلية لمستقبل اليوناميد في السودان. وضمَّن مجلس الأمن في الطلب أن يقدم الأمين العام"استراتيجية الخروج" لليوناميد. وتسليم مهامها مستقبلا لهيئات الأمم المتحدة في السودان. حين يأتي ذلك في وقته وفق الظروف على الأرض، لا وفق مزاج الإنقاذ أو تقييمها.
وكله تصنع من قبل وزارة الخارجية. فاليوناميد، مثلها مثل أغلب قوات السلام، عرفت بفسادها. ولن تأسف على ذهابها إلا الإنقاذ. فهي توأمها في الإفساد والمنفذة بالكذب وبالتستر على الجريمة لصالح الإنقاذ. وما اختلافهما الأخير إلا اختلاف الحرامية. حيث تم فضح لعبة اليوناميد في تابت وتعرضت للضرب بالأحذية من قبل رؤسائها في نيويورك. فقررت أن تصلح من أخلاقها شوية، في الوقت الضائع. وذلك لم يعجب الإنقاذ التي تريد يوناميد فاسدة دائما وفي جميع الأحوال.
..
فأذكِّر بمقترحي السابق أن على الحركات المسلحة أن تجري تحقيقها الخاص المستقل في أحداث تابت. لديها الكوادر المؤهلة الكافية.. ولديها شبكات التواصل الشعبية على الأرض.وإلا فكيف لها أن تدعي أهلية لقيادة دارفور، وهي غير قادرة على إجراء تحقيق في قرية؟
ونتوقع من الحركات المسلحة أن تكون صادقة معنا. سواء أصدقت ادعاءات الاغتصاب الجماعي، أم تبين أنها مختلقة.
(7)
وألتفت إلى تنبيه القارئ إلى الذكرى تنفع المؤمنين.
فلنتذكر ولنذكر كل من قتلت المليشيات العنصرية ومليشيا الجيش السوداني ابنته أو أخته وأخاه أو والديه. والتقتيل ثابت وقوعه وله ضحايا في أسر أعضاء الحركات المسلحة وقياداتها وأهلهم.
ولنتصور الألم يعتصر كل من تعيش قريبات له في أي من الاثني عشر معسكرا للاجئين في تشاد، أو في معسكر في دارفور مثل معسكر كلمة المشهور.
فمن كثر ما قتلت الإنقاذ في أرجاء السودان، توقفنا عن التفكر في الذين فقدوا ذويهم أو أرواحهم.
فعلينا أن نتريث قبل أن نتسرع في توجيه سهامنا في اتجاه الحركات المسلحة في دارفور. ومن السهل تماما توجيه الانتقاد إليها.
فإن قادة الحركات المسلحة "الدارفورية" وجنودها أهل قضية. لا يغير من عدالتها تغير الأحوال. قضيتهم أكبر من دارفور بحدودها الممتدة حتى القرى في شرق السودان مع الحدود الإثيوبية، وإلى ما بعدها في دول الشتات. قضية العلاقات العنصرية في السودان. بين "العبيد والزرقة"، من جهة، وبقايا أولاد العرب بخريطتهم للسودان في صورة حلة ود بانقا، من جهة أخرى.
وهم في قيادات الحركات المسلحة ظلوا على مدى أعوام يتحملون عنا جميعنا نحن الجالسين في أمان مهمة المقاومة بالسلاح. أرقى مراحل المقاومة ضد الطغيان والقهر من قبل جيش الاحتلال في دارفور. ذاته الجيش مليشيا الجبهة الإسلامية التي تحمي عصابات الإنقاذ وتعذب الشعب السوداني.
قالت لنا الإنقاذ بوضوح في وثيقتها المصطنعة إنها لا تفهم إلا لغة السلاح. فالتحية إلى القابضين على الجمر في مجموعاتهم الصغيرة في الحركات المسلحة التي تظل تقاوم وتقاوم.
أما راديو دبنقا، فسيظل تحت المراقبة. وإذا ثبت بصورة قطعية أنه لفق قصة الاغتصاب الجماعي، سنتركه لحاله يهذي ويكذب. وسيتم تقييمه في التاريخ على أنه توأم إذاعة نظام الإنقاذ. النظام الذي يحتقر أهل دارفور. ولا توجد عقوبة أكثر شاعرية ننتقم بها من راديو دبنقا إن كان قصد إلى خدعنا بلعبة الاغتصاب الجماعي، وتضييع وقتنا في تفكيك نصوصه الماكرة.
وأما إذا صحت روايته التي أذاعها في يوم 2 نوفمبر 2014، وأقامت الدنيا لم تقعدها، فسنعتذر لراديو دبنقا، وندعمه.
عشاري أحمد محمود خليل
[email protected]
21/نوفمبر 2014


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.