الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من القصص التقليدية للحلاوين بمديرية النيل الأزرق .. ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
نشر في سودانيل يوم 21 - 12 - 2014


Legends of the Halawin of Blue Nile Province
ج. ب. تيم G. B. Tame
مقدمة: هذه ترجمة مختصرة لمقال عن بعض القصص التقليدية للحلاوين في مديرية النيل الأزرق نشر في العدد السابع عشر من مجلة "السودان في رسائل ومدونات" Sudan Notes and Records الصادرة في عام 1934م، للبريطاني ج. ب. تيم. والكاتب من الإداريين الذين عملوا في سلك الإدارة في النيل الأزرق، وقد جمع هذه الحكايات مما سمعه من زواره من شيوخ المنطقة في جلسات قهوة، وكتب في مقدمة مقاله ما يفيد بأنه نقل "ما سمعه من المصادر المحلية دون حذف أو تعديل أو توثيق أو استقصاء". وكثير من هذه القصص – بما فيها من "كرامات"- قد تكون عصية على التصديق في عصرنا الحالي لدي المؤمنين بالدين أو بالعلم أو بكليهما
ويمكن لكلمة Legends التي وردت في العنوان الأصلي أن تترجم لكلمة "مشاهير" أو "أساطير" وآثرنا اختيار ترجمة "محايدة" للكلمة لجهلنا بما قصد إليه الكاتب. وتذخر الشبكة العالمية بحكايات وسير كثيرة عن تاريخ الحلاوين وأصولهم وقراهم، وللتجاني عامر (1908 – 1987م) كتاب اسمه "دراويش وفرسان" حوى بعض تاريخهم.
المترجم
****** ********** **********
عندما غادر السيد أمير الجزيرة العربية للاستقرار في مصر كان في رفقته بعض عرب جهينة. وفي مصر تزوج كريمة عبد الله الجهيني. وبعد عام من زواجه، وكان عمره حينها قد بلغ 360 عاما، أنجبت له زوجه ولدا سماه السيد الرفاعي. وعقب ذلك لم يعرف أي شيء عن ذلك الشيخ الكبير، وهل مات من جراء الصدمة التي أحدثها نجاحه، أم من الحزن بسبب احتمال عدم إخلاص بنت عبد الله له، أو ربما ببساطة لأنه طعن في السن ... لم ولن يعلم أحد سبب موته، وسيبقى الأمر من أسرار الماضي للأبد.
ولا يعلم عن السيد الرفاعي شيء غير أنه قضى أيامه في مصر إلى أن توفاه الله حيث دفن في دراو. وأنتقل بعد ذلك أبنائه الثلاث حامد ومحمد وأحمد جنوبا بقطعان بهائمهم ودخلوا السودان واستقروا بالقرب من سنار. وولد لحامد عشرون ولدا، سمى أحدهم حلو، وهو أبو الحلاوين. وأستقر حلو في الكفتة؟ El Kufta بالقرب من غابة أم سوتيب بين القريتين الحاليتين قنب وأبو فروع وكان ذلك في عام 850 ه (الموافق لعام 1446م).
وولد للحلو عشرة أبناء، ثلاثة أولاد من زوجه الأولى، وسبعة من الثانية. وقام بعد حين هؤلاء السبعة ومعه محمد المخالف وهو أصغر الأخوة الثلاثة من الزوجة الأخرى بالانتقال إلى مناطق أخرى، وولدوا فروعا للقبيلة ومنهم عايش والذي أنشأ قرية الدبة، وأنشأ آخر قرية أبو فروع، وأنشأ محمد المخالف قرية ود الكامل، والتي تقع شمال الحصاحيصا. وبقي الوالدان الكبيران نايل وعصام (في بعض المصادر عاصم) مع أبيهم في أم سوتيب. غير أن عصام استقر أخيرا في القرية (الحالية) قرشي في منطقة "عزاز الصهباء Azaza El Sahba?" لأن جمال الملك (الوثني) ود عدلان كانت ترعى هنالك، وكلمة الصهباء تعني عندهم جمل الركوب الجيد.
ولم تصلنا أي أخبار عن أخيه نايل، غير أن القصة تبدأ مرة أخرى مع جمعة، الرابع في نسل نايل.
ففي خلال رحلة عودة جمعة من الحج توقف في شرق السودان وتزوج أخت الفكي رحمة الكاهلي، وأنجب منها ولدين هما رحمة ومديدة. وقبل وفاته (في حوالي 1051 ه الموافق لعام 1641م) قام جمعة بتسليم زوجه ونسيبه سيفه ومصحفه (وكان اسمه مكتوبا عليهما) وأوصاهما بتسليمهما للولدين عند بلوغهما سن الرشد ليقوما بإخذهما إلى أم سوتيب والتعرف على ذويهما في قريته الأصلية. وبالفعل فعلا ذلك واستقبلهما عمهما محمد أبو مطايب، والذي قام أيضا بتزويج رحمة لبنته. واستقر الأخوان في أم سوتيب مع عمهما، ولكنهما بعد أن كبرا اختار كل منهما العمل في مجال زراعي مختلف، فاختار رحمة المخاطرة بزراعة الذرة مطريا، بينما اختار مديدة الزراعة المضمونة (والأقل انتاجا) في جرف على النهر. وورث إلى الآن أحفاد مديدة (المديداب) خصال الحرص والحذر والتباطؤ في العمل من جدهم الكبير، ويصعب معهم التفاوض مقارنة مع أحفاد رحمة (الرحماب) الذين تشيع فيهم خصلة الاندفاع والتسرع المفرط.
وتروى هذه القصة عن رحمة. فقد كان هنالك رجلا بالغ الضخامة من العصامنة اسمه محمد المانيابي مولع بشرب المريسة. وكان عندما "يشبع" منها يصوب نحو الخلوة لا لشيء إلا ليطفئ نارها ببوله. وواصل ذلك العملاق في فعلته المشينة تلك إلى أن ظهر عملاق آخر، هذه المرة من العايداب اسمه داركوما ود أبو (أحد أحفاد شيخ قرية الكوع). ذهب ذلك العملاق العايدابي لفكي الخلوة وعرض عليه منع محمد المانيابي عن التبول على نار خلوته. وبعد موافقة الفكي لبد داركوما بقرب نار الخلوة حتى ظهر العملاق السكير، ودارات بينهما معركة شرسة استمرت طوال الليل، كسر فيها كل واحد أضلع الآخر، وانتهت المواجهة بانهيارهما معا، ووقوعهما جنبا إلى جنب على الأرض. وعندما هدأ غبار المعركة ظهر رحمة ووقف عند رأسي العملاقين ورفع يديه بالدعاء قائلا: "يا النبي... تفرق العايداب وتقلل المانياب". ويزعم الناس أن الدعاء لقي استجابة فلم يبق من المانياب على قيد الحياة اليوم غير سبعة أفراد (مات أحدهم حين سجلت هذه القصص)، وليست لهم قرى خاصة بهم.
وفي تلك الأيام الباكرة كان الكواهلة يجوبون مناطق النيل الأبيض بحثا عن الماء والكلأ لقطعان أبقارهم. وكان من بينهم الكريشاب، والذين استقروا في أب عشر، وكانوا كثيرا ما يهاجمون الحلاوين الأقل نشاطا lackadaisical وينهبون أغنامهم. وفي معركة مشهورة بين الكواهلة والحلاوين بالقرب من أب عشر لقي رجال الحلاوين هزيمة كبيرة وقتل في تلك المعركة ملكهم المك بلولة. وظل رجال الحلاوين ولسنوات بعد تلك المعركة يدفعون جزية للكريشاب، ولكنهم كانوا يتحينون الفرصة للانتقام منهم يوما ما.
وتصادف أن كانت تسكن بين الكريشاب امرأة طاعنة في السن من الحلاوين اسمها أم بدر. وذات يوم طرق سمع الحلاوية العجوز أن الكريشاب يعتزمون مهاجمة الحلاوين، فلم تضع وقتا في السفر لأم سوتيب لإخبار أهلها بما سمعته. فتنادى عند الفجر كل رجال الحلاوين المسلحين في أب عشر، غير أن كل الطيور كانت قد طارت (بمعنى أنهم لم يجدوا عدوهم المنتظر) فتتبعوا أثر خصومهم حتى مسيد فكي اسمه ود الماجدي (في قرية جنوب أم دقرسي) حيث وجدوا جنود الكريشاب. وطلب رجال الحلاوين من الفكي أن يمكنهم من أخذ ثأرهم ممن قتل قائدهم المك بلولة. فنصح الفكي الكريشاب بقبول عرض الحلاوين وتسليم من قتل البلولة. غير أن الكريشاب أبوا نصيحة الفكي، فلم يكن أمامه من بد غير أن يطردهم من خلوته ليواجهوا مصيرهم مع الحلاوين.
وأحاط رجال الحلاوين بالكريشاب. فوقف في أحد الجوانب رجال من فرع العصامنة، وفي جانب آخر وقف الرحماب والمديداب، بينما وقف في جانب ثالث العايداب. وبدأ الرجال في كل جانب في الصياح والتفاخر بمزاياهم وصفاتهم الحميدة، وكان العايداب رغم قلة عددهم هم الأعلى اصواتا وتفاخرا وهم يرددون "انحنا الرقعة النصيحة". وأستفز وأغاظ الكريشاب أن يسمعوا كل ذلك الفخر من العايداب قليلو العدد فمالوا عليهم ميلة واحدة وقضوا عليهم ثم عجلوا بالانسحاب. غير أن بقية رجال الحلاوين تعقبوهم وقضوا عليهم ولم يتركوا منهم رجلا أو امرأة أو طفلا. ثم عادوا إلى أب عشر فحفروا فيها حفرة كبيرة رموا فيها كل ما وقعت عليه أيديهم من ذرة في القرية وأحرقوها، ثم قتلوا كل من بقي في القرية من كبار السن، وساووا البيوت بالأرض. ويقال أنه لم ينجب مولود في تلك القرية لعقد من الزمان بعد تلك الواقعة.
وفي القرن الذي تلا تلك الأحداث وقعت معارك أخرى للحلاوين ضد الكواهلة هذه هي بعض الروايات المحكية عنها: كان أحد فرسان الحلاوين اسمه عماس يطوف ذات مرة في منطقته فصادف رجلا كاهليا يقود قطعيا من الأبقار. ورفع كل منهما حربته ليصوبها نحو الآخر، إلا أن عماس بادر باتهام الكواهلة بالجبن، فأنكر الرجل الكاهلي التهمة عن قبيلته. وهنا قال له فارس الحلاوين: "إن كان كلامك هذا صحيحا، فأثبته بوضع حربتك على الأرض وضم يديك فوق رأسك". وما أن فعل الراعي الكاهلي ذلك حتى اخترقت جسده حربة الفارس، والذي غنم أبقاره وقادها لأهله. ولا زالت تغنى إلى الآن (المقصود حتى كتابة المقال في ثلاثينيات القرن الماضي. المترجم) أغنية حماسية خلدت تلك الحادثة.
وفي عام 1000 ه (الموافق لعام 1591م) ولد لشريفي من مكة ابن في قرية الفاضلين El Fadlin سماه عالم. وصار عالم هذا بعد سنوات تلميذا "حوارا" للشيخ دفع الله ود محمد أبو إدريس العركي (والذي عاش بين 1594 – 1680م) وبنى في تلك القرية مسجدا وصار الفكي فيه، وله العديد من "الكرامات" المعتادة مما كان شائعا في زمانه عند كثير من رجال الدين. ومن نسله عمدة قرشي الحالي (أي في 1934م) شيخ البشير إبراهيم عالم. وساعة وفاة الفكي عالم لم يستطع أحد رفع جثمانه، فاستدعوا على عجل شيخ محمد أحد شيوخ العصامنة ونسيبه، وما أن لمسا "العنقريب" حتى أرتفع الجثمان من تلقاء نفسه فوق رؤوس الحاضرين والذين عمتهم دهشة لا توصف ألجمتهم جميعا. ولم يستقر الجثمان إلا في مقبرة الحلاوين بالقرب من أم سوتيب حيث ووري الثرى هناك.
وبعدما دفن الفكي عالم بعقد من الزمان رأى قرشي محمد في منامه أن الفكي عالم يخبره بضرورة نقل رفاته إلى "عزاز الصهباء ؟"، وبأن تبنى قرية بالقرب من قبره، لأنه ليس "مرتاحا في قبره" إذ أن النمل بدأ يأكل في إحدى قدميه. وبالفعل وجد القرشي المخلص جثمان الفكي سالما كما كان عند حياته غير أصبع واحد في أحدى قدميه. وعند نقل الجثمان إلى القبر الجديد طعنت شوكة قدم جثمان الفكي فسال منها الدم، فتصورت امرأة تصادف وجودها في تلك اللحظات بالقرب من الجثمان أن الفكي ما زال حيا فأخذت بيده وهمت بتقبيلها فأشاح عنها "جثمان" الفكي وجهه، فأقلعت المرأة عن ما همت بفعله.
وبذا فإن وجود قرية قرشي (حيث دفن الفكي عالم) كان نتيجة لوصية الفكي لخادمه المخلص.
وبعد سنوات من ذلك قرر قرشي أن يبني قبة فوق قبر سيده، إلا أنه واجه صعوبة عظيمة في ذلك تمثلت في أن كل ما يصنعه من طوب كان يتفتت دونما سبب بين. إلا أنه وذات يوم أقبل عليه رجل غريب يمتطي جملا وأخبره سيخبره بمكان يجد فيه طوبا أحمر جيد الصنف إن أحضر عددا كافيا من الرجال والإبل. وبالفعل أفلح الشيخ في فعل ذلك فقاده الرجل الغريب إلى حفرة ضخمة شمال غرب قرية أم فروع مليئة بالطوب الأحمر الجيد الصنع (كل منها بطول 18 بوصة وعرض 4 بوصات) فحملها الرجال فوق ظهور الجمال لقبر الشيخ. وواجهت الجميع معضلة بناء القبة، فظهر الرجل الغريب تارة أخرى وبنى لهم القبة. وعند اكتمال البناء وقف الرجل الغريب على قمتها وخاطب رجال الحلاوين تحته وسألهم إن كان الشيخ المدفون بالفعل رجلا عظيما يستأهل كل ذلك العناء الذي كابدوه في سبيل إحضار الطوب وغيره. ولما أمن الجميع على أن الشيخ بالحق هو رجل عظيم يستحق سألهم: "إذن إذا رميت بنفسي للأرض من هذا العلو فلن يصيبني مكروه. أليس كذلك؟" وقبل أن يجيبوه لجمت الدهشة أفواههم وشهقوا جميعا وهم يرون الرجل الغريب يقفز للأرض، وكان في ظنهم أنه سيقع جثة مشوهة أو أشلاء متناثرة. غير أن دهشتهم بلغت ذروتها حين اختفى الرجل الطائر تماما من ناظريهم. ويؤمن أحفاد القرشي والشيخ عالم أن شيخهم قد عاد وبنى قبة قبره بنفسه.
ثم تهدمت مع مرور السنوات تلك القبة فأعاد ترميمها حاج أحمد ود عالم في عام 1230 ه أو نحوها. وإلى اليوم (أي عام 1934م. المترجم) تعقد في القبة بعض المناسبات ويؤمن البعض بأن لها قدرات (كرامات) عجيبة.
ونسبت للقرشي نفسه قدرات خارقة. فقد أقام أحد الغرباء مع عبد الجليل شقيق القرشي. وشارك ذلك الرجل الغريب في رحلة صيد للأرانب البرية مع ثلة من رجال قرية دلقا، وشاء حظه العاثر أن يخطئ الهدف فرمى بطرمباشه (عصاه الغليظة) فقتل أحد الصيادين معه خطأ، فطالب أهل القتيل بدمه، ولكن مضيفه عبد الجليل أبى أن يسلم ضيفه، وأرسل في طلب أخيه الفكي القرشي. وحضر الفكي وأعاد الحياة للرجل الميت، وأنقذ الجميع من ذلك الموقف البالغ الحرج.
وفي نهاية القرن الثامن عشر غزا العبدلاب المنطقة بجنود سود بقيادة ناصر الأمين، والذي خلف الشيخ عبد الله ود عجيب (المنجلك؟) في قيادة العبدلاب.
وكان محمد القرشي هو ابن أحد تابعي الشيخ عالم قد صرح بأنه (ولا أحد من عائلته كذلك) سيتحرك من قريته إرضاء للشيخ ود الأمين أو أي شيخ آخر. ولما قرب ود الأمين من المكان الذي كان يقيم فيه محمد القرشي سمع بأن الرجل رفض الهرب من مكانه قرر أن يتفادى خصومة الشيخ وحول مساره حتى لا يصطدم به. ومنذ ذلك التاريخ عرف الشيخ القرشي بأنه "محمد الهدو El "hadu" وفسرها الكاتب بأن المقصود من كلمة "الهدو" هو "الشخص الذي تحاشاه الناس لشجاعته".
وقامت لاحقا معارك بين الحلاوين والشكرية، غير أني لاحظت أن غالب مخبري الحلاوين كانوا لا يرغبون في التطرق لتلك المعارك، والتي يبدو أنهم كانوا قد خسروها واضطروا لدفع جزية سنوية للشكرية تجنبا لمزيد من المعارك معهم. وفي زمن آخر قامت مجموعة صغيرة من الشكرية بالهجوم على الحلاوين في الهلالية (وكان اسمها في ذلك الوقت حوش بدر). ولما اشتد هجوم الشكرية على الحلاوين احتموا بزريبة شوك. وتقول إحدى الروايات إن النساء قمن بحرق تلك الزريبة فمات الرجال حرقا. ويبدو أن تلك كانت هي المرة الأولى التي يرد فيها للنساء المحاربات أي ذكر في القصص التقليدية للحلاوين.
وأدخلت زراعة القطن في المنطقة حوالي عام 1800م وأصابت عند الحلاوين نجاحا كبيرا، واشتغل رجالهم ونسائهم في كثير من المناطق بغزل ونسج القطن. وكانوا يأخذون ما يصنعونه من منسوجات جنوبا لمبادلتها بالرقيق أو ببضائع أخرى. وكانت توجد وإلى وقت قريب (أي إلى بداية ثلاثينيات القرن الماضي. المترجم) في كثير من قرى الحلاوين أَنْوَالٌ (جمع نول وهو ما يحاك عليه الثياب) يدوية قديمة، وإلى اليوم (أي إلى بداية ثلاثينيات القرن الماضي. المترجم) تباع في قرية شرفت مفارش طاولات مصنوعة باليد (رغم أن الخيوط صارت الآن تشترى جاهزة). وما زال بعض السكان يتندرون بالمثل المشهور عند الحلاوين والذي يقول في بعض صيغه "الحلاوي المدوس هو ينسج و...الخ".
وفي تلك السنوات ولد الشيخ المشهور أحمد البشير في قرية دلقا. وفي عهده بعث محمد عدلان أبو لكيلك (آخر شيوخ الهمج، والذي تولى الحكم في 1908م وقتل عام 1821م) بأحد قواده واسمه قاسم الهمجاوي لإدارة مناطق الحلاوين وليجبي منها الضرائب والعشور. وأتخذ قاسم من قرية التميد مركزا له.
وظل رجال الحلاوين يقاتلون أعدائهم القدامى الكواهلة، ولم يستطع حتى حاكم شديد البأس مثل قاسم أن يوقف صراعات الحلاوين مع الكواهلة. غير أنه وعقب معركة كبيرة نسبيا بين الحلاوين والكواهلة رأى الشيخ أحمد البشير أن الصلح خير فسافر إلى زعيم الكواهلة في النيل الأبيض بغرض حسم ذلك الصراع وعقد صلح نهائي بين الطرفين. وبالفعل تم الصلح، وتم كذلك عقد زواج الشيخ أحمد البشير على بنت الفكي محمد الأغبش، أحد زعماء الكواهلة، وبعد عام رزق منها ولدا، وتوقفت الصراعات بعد ذلك بين القبيلتين المتحاربتين. وعند عودة الشيخ البشير إلى قريته دلقا أقام احتفالا لرجال قبيلته ابتهاجا بذلك الصلح، ولحثهم على الحفاظ على بنوده. غير أن قاسم الهمجاوي ظن أن ذلك الاجتماع سيتيح له فرصة ذهبية لإخافة الحلاوين وإجبارهم على دفع ما عليهم من متأخرات الضرائب، فأمر من أتى معه من جند بإشعال النار في الخلوة التي كان يجلس فيها الشيخ البشير ورجال الحلاوين، وأحرق راكوبة من القش كانت أمام باب الخلوة، مما جعل الخروج منها أو الدخول إليها أمرا مستحيلا. إلا أن الشيخ البشير أمر من معه بالصمت والتزام السكينة ورفع يديه بالدعاء لنزول المطر. وبالفعل هطل مطر غزير على المبنى المشتعل وخرج الجميع سالمين. ويذكر الناس أن ذلك المطر لم يسقط إلا على تلك الخلوة والراكوبة، ولم تكن هنالك سحابة واحدة في السماء.
واشتاط قاسم الهمجاوي غضبا من نجاة رجال الحلاوين وسار إلى محمد عدلان أبو لكيلك ليخبره بالقصة العجيبة وليطب إليه إرسال جيش عرمرم لحسم تمرد ذلك الفكي. غير أن الشيخ محمد أبو لكيلك أخذ بكرامة الشيخ البشير فأمر قاسم بالكف عن مطالبته ورجاله بدفع أي نوع من الضرائب.
وأصيب قاسم بالخذلان والاحباط من رفض قائده لمطلبه فأمتطى حصانه المشهور وانطلق به بسرعة فائقة جعلته يقفز فوق جرف عال ويسقط في النهر ويغرق في مكان يسمى "حراب ابو شوك"، غير أن الفرس استطاع أن يسبح ويصل إلى ضفة النهر الأخرى، ولم يشاهد بعد ذلك أبدا. وهنالك رواية أخرى تؤكد أن قاسم عاش بين الحلاوين حتى غزا الترك البلاد.
واستدعى محمد عدلان أبو لكيلك الشيخ البشير لعاصمته حيث أكرم وفادته وسلمه مكتوبا منه بإعفائه من دفع الضرائب.
ولقد سمعت من شيوخ الحلاوين الكثير عن قصص الشيخ البشير وكراماته العجيبة. ومن تلك القصص العجيبة ما سمعته من أحدهم عن أحد حيرانه اسمه محمد التقلاوي كان يعمل في حقله يبذر الحب عندما عصفت صاعقة فأودت بحياته. وأحضر جثمان الحوار لشيخه فأحياه الشيخ، بل ومنحه عشرة سنوات من الحياة!
وهنالك قصة أحد الحيران في الهلالية، والذي سأل الشيخ أن "يمنحه" ولدا، لأن زوجه كانت لا تلد إلا الإناث، فوعده الشيخ خيرا. غير أن الحوار أصيب بخيبة أمل عظيمة عندما ولدت له زوجه بنتا أخرى، فعاد إلى الشيخ يسأله مرة أخرى الولد، فأكد له الشيخ أن ذلك سيحدث. غير أن الزوجة أنجبت بنتا أخرى ففقد الحوار كل ثقة في كرامات شيخه ولم يشأ أن يسأله مرة أخرى. وسمع الشيخ بذلك فسافر إلى قرية حواره وقابله وطلب منه أن يريه أبنائه، فرد الحوار بأنه ليس عنده ولد، وأن كل ذريته من الإناث. فطلب منه الشيخ أن يحضر كبرى بناته مرتدية ثوبا ساترا. وعندما حضرت البنت وضع الشيخ يده على رأسها ومررها على باقي جسدها وهو يردد آية في سورة الرعد :" يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب". ثم قبض قطعة من اللحم من بطنها وجذبها. وعندما أزيح الثوب وجد الناس أن البنت قد "تحولت" إلى ولد.
وتوفي الشيخ في عام 1244ه (الموافق لعام 1829م) ودفن في القرية التي حملت اسمه، وقام الشيخ الحسين ود صباحي في عام 1255ه (الموافق لعام 1839م) ببناء قبة على قبره لا تزال موجودة حتى الآن.
وفي عام 1236ه (الموافق لعام 1821م) استولى إسماعيل باشا على سنار وسقطت دولة الفونج. وعند وصول جيش الترك لمنطقة الحلاوين انسحب منها شيخهم الفكي محمد الضو (شقيق محمد الهدو الذي سبقت الإشارة إليه) فعين الترك شيخين مكانه وهما أحمد ود الأمين (جد عمدة قرشي في ثلاثينيات القرن العشرين) شيخا على العصامنة، وإمام ود إدريس شيخا على الرحماب والمديداب، وعين ناظرا على عموم شمال الجزيرة من الخرطوم جنوبا وهو شنبول ود مدني (من الشنابلة).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.