اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من القصص التقليدية للحلاوين بمديرية النيل الأزرق .. ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
نشر في سودانيل يوم 21 - 12 - 2014


Legends of the Halawin of Blue Nile Province
ج. ب. تيم G. B. Tame
مقدمة: هذه ترجمة مختصرة لمقال عن بعض القصص التقليدية للحلاوين في مديرية النيل الأزرق نشر في العدد السابع عشر من مجلة "السودان في رسائل ومدونات" Sudan Notes and Records الصادرة في عام 1934م، للبريطاني ج. ب. تيم. والكاتب من الإداريين الذين عملوا في سلك الإدارة في النيل الأزرق، وقد جمع هذه الحكايات مما سمعه من زواره من شيوخ المنطقة في جلسات قهوة، وكتب في مقدمة مقاله ما يفيد بأنه نقل "ما سمعه من المصادر المحلية دون حذف أو تعديل أو توثيق أو استقصاء". وكثير من هذه القصص – بما فيها من "كرامات"- قد تكون عصية على التصديق في عصرنا الحالي لدي المؤمنين بالدين أو بالعلم أو بكليهما
ويمكن لكلمة Legends التي وردت في العنوان الأصلي أن تترجم لكلمة "مشاهير" أو "أساطير" وآثرنا اختيار ترجمة "محايدة" للكلمة لجهلنا بما قصد إليه الكاتب. وتذخر الشبكة العالمية بحكايات وسير كثيرة عن تاريخ الحلاوين وأصولهم وقراهم، وللتجاني عامر (1908 – 1987م) كتاب اسمه "دراويش وفرسان" حوى بعض تاريخهم.
المترجم
****** ********** **********
عندما غادر السيد أمير الجزيرة العربية للاستقرار في مصر كان في رفقته بعض عرب جهينة. وفي مصر تزوج كريمة عبد الله الجهيني. وبعد عام من زواجه، وكان عمره حينها قد بلغ 360 عاما، أنجبت له زوجه ولدا سماه السيد الرفاعي. وعقب ذلك لم يعرف أي شيء عن ذلك الشيخ الكبير، وهل مات من جراء الصدمة التي أحدثها نجاحه، أم من الحزن بسبب احتمال عدم إخلاص بنت عبد الله له، أو ربما ببساطة لأنه طعن في السن ... لم ولن يعلم أحد سبب موته، وسيبقى الأمر من أسرار الماضي للأبد.
ولا يعلم عن السيد الرفاعي شيء غير أنه قضى أيامه في مصر إلى أن توفاه الله حيث دفن في دراو. وأنتقل بعد ذلك أبنائه الثلاث حامد ومحمد وأحمد جنوبا بقطعان بهائمهم ودخلوا السودان واستقروا بالقرب من سنار. وولد لحامد عشرون ولدا، سمى أحدهم حلو، وهو أبو الحلاوين. وأستقر حلو في الكفتة؟ El Kufta بالقرب من غابة أم سوتيب بين القريتين الحاليتين قنب وأبو فروع وكان ذلك في عام 850 ه (الموافق لعام 1446م).
وولد للحلو عشرة أبناء، ثلاثة أولاد من زوجه الأولى، وسبعة من الثانية. وقام بعد حين هؤلاء السبعة ومعه محمد المخالف وهو أصغر الأخوة الثلاثة من الزوجة الأخرى بالانتقال إلى مناطق أخرى، وولدوا فروعا للقبيلة ومنهم عايش والذي أنشأ قرية الدبة، وأنشأ آخر قرية أبو فروع، وأنشأ محمد المخالف قرية ود الكامل، والتي تقع شمال الحصاحيصا. وبقي الوالدان الكبيران نايل وعصام (في بعض المصادر عاصم) مع أبيهم في أم سوتيب. غير أن عصام استقر أخيرا في القرية (الحالية) قرشي في منطقة "عزاز الصهباء Azaza El Sahba?" لأن جمال الملك (الوثني) ود عدلان كانت ترعى هنالك، وكلمة الصهباء تعني عندهم جمل الركوب الجيد.
ولم تصلنا أي أخبار عن أخيه نايل، غير أن القصة تبدأ مرة أخرى مع جمعة، الرابع في نسل نايل.
ففي خلال رحلة عودة جمعة من الحج توقف في شرق السودان وتزوج أخت الفكي رحمة الكاهلي، وأنجب منها ولدين هما رحمة ومديدة. وقبل وفاته (في حوالي 1051 ه الموافق لعام 1641م) قام جمعة بتسليم زوجه ونسيبه سيفه ومصحفه (وكان اسمه مكتوبا عليهما) وأوصاهما بتسليمهما للولدين عند بلوغهما سن الرشد ليقوما بإخذهما إلى أم سوتيب والتعرف على ذويهما في قريته الأصلية. وبالفعل فعلا ذلك واستقبلهما عمهما محمد أبو مطايب، والذي قام أيضا بتزويج رحمة لبنته. واستقر الأخوان في أم سوتيب مع عمهما، ولكنهما بعد أن كبرا اختار كل منهما العمل في مجال زراعي مختلف، فاختار رحمة المخاطرة بزراعة الذرة مطريا، بينما اختار مديدة الزراعة المضمونة (والأقل انتاجا) في جرف على النهر. وورث إلى الآن أحفاد مديدة (المديداب) خصال الحرص والحذر والتباطؤ في العمل من جدهم الكبير، ويصعب معهم التفاوض مقارنة مع أحفاد رحمة (الرحماب) الذين تشيع فيهم خصلة الاندفاع والتسرع المفرط.
وتروى هذه القصة عن رحمة. فقد كان هنالك رجلا بالغ الضخامة من العصامنة اسمه محمد المانيابي مولع بشرب المريسة. وكان عندما "يشبع" منها يصوب نحو الخلوة لا لشيء إلا ليطفئ نارها ببوله. وواصل ذلك العملاق في فعلته المشينة تلك إلى أن ظهر عملاق آخر، هذه المرة من العايداب اسمه داركوما ود أبو (أحد أحفاد شيخ قرية الكوع). ذهب ذلك العملاق العايدابي لفكي الخلوة وعرض عليه منع محمد المانيابي عن التبول على نار خلوته. وبعد موافقة الفكي لبد داركوما بقرب نار الخلوة حتى ظهر العملاق السكير، ودارات بينهما معركة شرسة استمرت طوال الليل، كسر فيها كل واحد أضلع الآخر، وانتهت المواجهة بانهيارهما معا، ووقوعهما جنبا إلى جنب على الأرض. وعندما هدأ غبار المعركة ظهر رحمة ووقف عند رأسي العملاقين ورفع يديه بالدعاء قائلا: "يا النبي... تفرق العايداب وتقلل المانياب". ويزعم الناس أن الدعاء لقي استجابة فلم يبق من المانياب على قيد الحياة اليوم غير سبعة أفراد (مات أحدهم حين سجلت هذه القصص)، وليست لهم قرى خاصة بهم.
وفي تلك الأيام الباكرة كان الكواهلة يجوبون مناطق النيل الأبيض بحثا عن الماء والكلأ لقطعان أبقارهم. وكان من بينهم الكريشاب، والذين استقروا في أب عشر، وكانوا كثيرا ما يهاجمون الحلاوين الأقل نشاطا lackadaisical وينهبون أغنامهم. وفي معركة مشهورة بين الكواهلة والحلاوين بالقرب من أب عشر لقي رجال الحلاوين هزيمة كبيرة وقتل في تلك المعركة ملكهم المك بلولة. وظل رجال الحلاوين ولسنوات بعد تلك المعركة يدفعون جزية للكريشاب، ولكنهم كانوا يتحينون الفرصة للانتقام منهم يوما ما.
وتصادف أن كانت تسكن بين الكريشاب امرأة طاعنة في السن من الحلاوين اسمها أم بدر. وذات يوم طرق سمع الحلاوية العجوز أن الكريشاب يعتزمون مهاجمة الحلاوين، فلم تضع وقتا في السفر لأم سوتيب لإخبار أهلها بما سمعته. فتنادى عند الفجر كل رجال الحلاوين المسلحين في أب عشر، غير أن كل الطيور كانت قد طارت (بمعنى أنهم لم يجدوا عدوهم المنتظر) فتتبعوا أثر خصومهم حتى مسيد فكي اسمه ود الماجدي (في قرية جنوب أم دقرسي) حيث وجدوا جنود الكريشاب. وطلب رجال الحلاوين من الفكي أن يمكنهم من أخذ ثأرهم ممن قتل قائدهم المك بلولة. فنصح الفكي الكريشاب بقبول عرض الحلاوين وتسليم من قتل البلولة. غير أن الكريشاب أبوا نصيحة الفكي، فلم يكن أمامه من بد غير أن يطردهم من خلوته ليواجهوا مصيرهم مع الحلاوين.
وأحاط رجال الحلاوين بالكريشاب. فوقف في أحد الجوانب رجال من فرع العصامنة، وفي جانب آخر وقف الرحماب والمديداب، بينما وقف في جانب ثالث العايداب. وبدأ الرجال في كل جانب في الصياح والتفاخر بمزاياهم وصفاتهم الحميدة، وكان العايداب رغم قلة عددهم هم الأعلى اصواتا وتفاخرا وهم يرددون "انحنا الرقعة النصيحة". وأستفز وأغاظ الكريشاب أن يسمعوا كل ذلك الفخر من العايداب قليلو العدد فمالوا عليهم ميلة واحدة وقضوا عليهم ثم عجلوا بالانسحاب. غير أن بقية رجال الحلاوين تعقبوهم وقضوا عليهم ولم يتركوا منهم رجلا أو امرأة أو طفلا. ثم عادوا إلى أب عشر فحفروا فيها حفرة كبيرة رموا فيها كل ما وقعت عليه أيديهم من ذرة في القرية وأحرقوها، ثم قتلوا كل من بقي في القرية من كبار السن، وساووا البيوت بالأرض. ويقال أنه لم ينجب مولود في تلك القرية لعقد من الزمان بعد تلك الواقعة.
وفي القرن الذي تلا تلك الأحداث وقعت معارك أخرى للحلاوين ضد الكواهلة هذه هي بعض الروايات المحكية عنها: كان أحد فرسان الحلاوين اسمه عماس يطوف ذات مرة في منطقته فصادف رجلا كاهليا يقود قطعيا من الأبقار. ورفع كل منهما حربته ليصوبها نحو الآخر، إلا أن عماس بادر باتهام الكواهلة بالجبن، فأنكر الرجل الكاهلي التهمة عن قبيلته. وهنا قال له فارس الحلاوين: "إن كان كلامك هذا صحيحا، فأثبته بوضع حربتك على الأرض وضم يديك فوق رأسك". وما أن فعل الراعي الكاهلي ذلك حتى اخترقت جسده حربة الفارس، والذي غنم أبقاره وقادها لأهله. ولا زالت تغنى إلى الآن (المقصود حتى كتابة المقال في ثلاثينيات القرن الماضي. المترجم) أغنية حماسية خلدت تلك الحادثة.
وفي عام 1000 ه (الموافق لعام 1591م) ولد لشريفي من مكة ابن في قرية الفاضلين El Fadlin سماه عالم. وصار عالم هذا بعد سنوات تلميذا "حوارا" للشيخ دفع الله ود محمد أبو إدريس العركي (والذي عاش بين 1594 – 1680م) وبنى في تلك القرية مسجدا وصار الفكي فيه، وله العديد من "الكرامات" المعتادة مما كان شائعا في زمانه عند كثير من رجال الدين. ومن نسله عمدة قرشي الحالي (أي في 1934م) شيخ البشير إبراهيم عالم. وساعة وفاة الفكي عالم لم يستطع أحد رفع جثمانه، فاستدعوا على عجل شيخ محمد أحد شيوخ العصامنة ونسيبه، وما أن لمسا "العنقريب" حتى أرتفع الجثمان من تلقاء نفسه فوق رؤوس الحاضرين والذين عمتهم دهشة لا توصف ألجمتهم جميعا. ولم يستقر الجثمان إلا في مقبرة الحلاوين بالقرب من أم سوتيب حيث ووري الثرى هناك.
وبعدما دفن الفكي عالم بعقد من الزمان رأى قرشي محمد في منامه أن الفكي عالم يخبره بضرورة نقل رفاته إلى "عزاز الصهباء ؟"، وبأن تبنى قرية بالقرب من قبره، لأنه ليس "مرتاحا في قبره" إذ أن النمل بدأ يأكل في إحدى قدميه. وبالفعل وجد القرشي المخلص جثمان الفكي سالما كما كان عند حياته غير أصبع واحد في أحدى قدميه. وعند نقل الجثمان إلى القبر الجديد طعنت شوكة قدم جثمان الفكي فسال منها الدم، فتصورت امرأة تصادف وجودها في تلك اللحظات بالقرب من الجثمان أن الفكي ما زال حيا فأخذت بيده وهمت بتقبيلها فأشاح عنها "جثمان" الفكي وجهه، فأقلعت المرأة عن ما همت بفعله.
وبذا فإن وجود قرية قرشي (حيث دفن الفكي عالم) كان نتيجة لوصية الفكي لخادمه المخلص.
وبعد سنوات من ذلك قرر قرشي أن يبني قبة فوق قبر سيده، إلا أنه واجه صعوبة عظيمة في ذلك تمثلت في أن كل ما يصنعه من طوب كان يتفتت دونما سبب بين. إلا أنه وذات يوم أقبل عليه رجل غريب يمتطي جملا وأخبره سيخبره بمكان يجد فيه طوبا أحمر جيد الصنف إن أحضر عددا كافيا من الرجال والإبل. وبالفعل أفلح الشيخ في فعل ذلك فقاده الرجل الغريب إلى حفرة ضخمة شمال غرب قرية أم فروع مليئة بالطوب الأحمر الجيد الصنع (كل منها بطول 18 بوصة وعرض 4 بوصات) فحملها الرجال فوق ظهور الجمال لقبر الشيخ. وواجهت الجميع معضلة بناء القبة، فظهر الرجل الغريب تارة أخرى وبنى لهم القبة. وعند اكتمال البناء وقف الرجل الغريب على قمتها وخاطب رجال الحلاوين تحته وسألهم إن كان الشيخ المدفون بالفعل رجلا عظيما يستأهل كل ذلك العناء الذي كابدوه في سبيل إحضار الطوب وغيره. ولما أمن الجميع على أن الشيخ بالحق هو رجل عظيم يستحق سألهم: "إذن إذا رميت بنفسي للأرض من هذا العلو فلن يصيبني مكروه. أليس كذلك؟" وقبل أن يجيبوه لجمت الدهشة أفواههم وشهقوا جميعا وهم يرون الرجل الغريب يقفز للأرض، وكان في ظنهم أنه سيقع جثة مشوهة أو أشلاء متناثرة. غير أن دهشتهم بلغت ذروتها حين اختفى الرجل الطائر تماما من ناظريهم. ويؤمن أحفاد القرشي والشيخ عالم أن شيخهم قد عاد وبنى قبة قبره بنفسه.
ثم تهدمت مع مرور السنوات تلك القبة فأعاد ترميمها حاج أحمد ود عالم في عام 1230 ه أو نحوها. وإلى اليوم (أي عام 1934م. المترجم) تعقد في القبة بعض المناسبات ويؤمن البعض بأن لها قدرات (كرامات) عجيبة.
ونسبت للقرشي نفسه قدرات خارقة. فقد أقام أحد الغرباء مع عبد الجليل شقيق القرشي. وشارك ذلك الرجل الغريب في رحلة صيد للأرانب البرية مع ثلة من رجال قرية دلقا، وشاء حظه العاثر أن يخطئ الهدف فرمى بطرمباشه (عصاه الغليظة) فقتل أحد الصيادين معه خطأ، فطالب أهل القتيل بدمه، ولكن مضيفه عبد الجليل أبى أن يسلم ضيفه، وأرسل في طلب أخيه الفكي القرشي. وحضر الفكي وأعاد الحياة للرجل الميت، وأنقذ الجميع من ذلك الموقف البالغ الحرج.
وفي نهاية القرن الثامن عشر غزا العبدلاب المنطقة بجنود سود بقيادة ناصر الأمين، والذي خلف الشيخ عبد الله ود عجيب (المنجلك؟) في قيادة العبدلاب.
وكان محمد القرشي هو ابن أحد تابعي الشيخ عالم قد صرح بأنه (ولا أحد من عائلته كذلك) سيتحرك من قريته إرضاء للشيخ ود الأمين أو أي شيخ آخر. ولما قرب ود الأمين من المكان الذي كان يقيم فيه محمد القرشي سمع بأن الرجل رفض الهرب من مكانه قرر أن يتفادى خصومة الشيخ وحول مساره حتى لا يصطدم به. ومنذ ذلك التاريخ عرف الشيخ القرشي بأنه "محمد الهدو El "hadu" وفسرها الكاتب بأن المقصود من كلمة "الهدو" هو "الشخص الذي تحاشاه الناس لشجاعته".
وقامت لاحقا معارك بين الحلاوين والشكرية، غير أني لاحظت أن غالب مخبري الحلاوين كانوا لا يرغبون في التطرق لتلك المعارك، والتي يبدو أنهم كانوا قد خسروها واضطروا لدفع جزية سنوية للشكرية تجنبا لمزيد من المعارك معهم. وفي زمن آخر قامت مجموعة صغيرة من الشكرية بالهجوم على الحلاوين في الهلالية (وكان اسمها في ذلك الوقت حوش بدر). ولما اشتد هجوم الشكرية على الحلاوين احتموا بزريبة شوك. وتقول إحدى الروايات إن النساء قمن بحرق تلك الزريبة فمات الرجال حرقا. ويبدو أن تلك كانت هي المرة الأولى التي يرد فيها للنساء المحاربات أي ذكر في القصص التقليدية للحلاوين.
وأدخلت زراعة القطن في المنطقة حوالي عام 1800م وأصابت عند الحلاوين نجاحا كبيرا، واشتغل رجالهم ونسائهم في كثير من المناطق بغزل ونسج القطن. وكانوا يأخذون ما يصنعونه من منسوجات جنوبا لمبادلتها بالرقيق أو ببضائع أخرى. وكانت توجد وإلى وقت قريب (أي إلى بداية ثلاثينيات القرن الماضي. المترجم) في كثير من قرى الحلاوين أَنْوَالٌ (جمع نول وهو ما يحاك عليه الثياب) يدوية قديمة، وإلى اليوم (أي إلى بداية ثلاثينيات القرن الماضي. المترجم) تباع في قرية شرفت مفارش طاولات مصنوعة باليد (رغم أن الخيوط صارت الآن تشترى جاهزة). وما زال بعض السكان يتندرون بالمثل المشهور عند الحلاوين والذي يقول في بعض صيغه "الحلاوي المدوس هو ينسج و...الخ".
وفي تلك السنوات ولد الشيخ المشهور أحمد البشير في قرية دلقا. وفي عهده بعث محمد عدلان أبو لكيلك (آخر شيوخ الهمج، والذي تولى الحكم في 1908م وقتل عام 1821م) بأحد قواده واسمه قاسم الهمجاوي لإدارة مناطق الحلاوين وليجبي منها الضرائب والعشور. وأتخذ قاسم من قرية التميد مركزا له.
وظل رجال الحلاوين يقاتلون أعدائهم القدامى الكواهلة، ولم يستطع حتى حاكم شديد البأس مثل قاسم أن يوقف صراعات الحلاوين مع الكواهلة. غير أنه وعقب معركة كبيرة نسبيا بين الحلاوين والكواهلة رأى الشيخ أحمد البشير أن الصلح خير فسافر إلى زعيم الكواهلة في النيل الأبيض بغرض حسم ذلك الصراع وعقد صلح نهائي بين الطرفين. وبالفعل تم الصلح، وتم كذلك عقد زواج الشيخ أحمد البشير على بنت الفكي محمد الأغبش، أحد زعماء الكواهلة، وبعد عام رزق منها ولدا، وتوقفت الصراعات بعد ذلك بين القبيلتين المتحاربتين. وعند عودة الشيخ البشير إلى قريته دلقا أقام احتفالا لرجال قبيلته ابتهاجا بذلك الصلح، ولحثهم على الحفاظ على بنوده. غير أن قاسم الهمجاوي ظن أن ذلك الاجتماع سيتيح له فرصة ذهبية لإخافة الحلاوين وإجبارهم على دفع ما عليهم من متأخرات الضرائب، فأمر من أتى معه من جند بإشعال النار في الخلوة التي كان يجلس فيها الشيخ البشير ورجال الحلاوين، وأحرق راكوبة من القش كانت أمام باب الخلوة، مما جعل الخروج منها أو الدخول إليها أمرا مستحيلا. إلا أن الشيخ البشير أمر من معه بالصمت والتزام السكينة ورفع يديه بالدعاء لنزول المطر. وبالفعل هطل مطر غزير على المبنى المشتعل وخرج الجميع سالمين. ويذكر الناس أن ذلك المطر لم يسقط إلا على تلك الخلوة والراكوبة، ولم تكن هنالك سحابة واحدة في السماء.
واشتاط قاسم الهمجاوي غضبا من نجاة رجال الحلاوين وسار إلى محمد عدلان أبو لكيلك ليخبره بالقصة العجيبة وليطب إليه إرسال جيش عرمرم لحسم تمرد ذلك الفكي. غير أن الشيخ محمد أبو لكيلك أخذ بكرامة الشيخ البشير فأمر قاسم بالكف عن مطالبته ورجاله بدفع أي نوع من الضرائب.
وأصيب قاسم بالخذلان والاحباط من رفض قائده لمطلبه فأمتطى حصانه المشهور وانطلق به بسرعة فائقة جعلته يقفز فوق جرف عال ويسقط في النهر ويغرق في مكان يسمى "حراب ابو شوك"، غير أن الفرس استطاع أن يسبح ويصل إلى ضفة النهر الأخرى، ولم يشاهد بعد ذلك أبدا. وهنالك رواية أخرى تؤكد أن قاسم عاش بين الحلاوين حتى غزا الترك البلاد.
واستدعى محمد عدلان أبو لكيلك الشيخ البشير لعاصمته حيث أكرم وفادته وسلمه مكتوبا منه بإعفائه من دفع الضرائب.
ولقد سمعت من شيوخ الحلاوين الكثير عن قصص الشيخ البشير وكراماته العجيبة. ومن تلك القصص العجيبة ما سمعته من أحدهم عن أحد حيرانه اسمه محمد التقلاوي كان يعمل في حقله يبذر الحب عندما عصفت صاعقة فأودت بحياته. وأحضر جثمان الحوار لشيخه فأحياه الشيخ، بل ومنحه عشرة سنوات من الحياة!
وهنالك قصة أحد الحيران في الهلالية، والذي سأل الشيخ أن "يمنحه" ولدا، لأن زوجه كانت لا تلد إلا الإناث، فوعده الشيخ خيرا. غير أن الحوار أصيب بخيبة أمل عظيمة عندما ولدت له زوجه بنتا أخرى، فعاد إلى الشيخ يسأله مرة أخرى الولد، فأكد له الشيخ أن ذلك سيحدث. غير أن الزوجة أنجبت بنتا أخرى ففقد الحوار كل ثقة في كرامات شيخه ولم يشأ أن يسأله مرة أخرى. وسمع الشيخ بذلك فسافر إلى قرية حواره وقابله وطلب منه أن يريه أبنائه، فرد الحوار بأنه ليس عنده ولد، وأن كل ذريته من الإناث. فطلب منه الشيخ أن يحضر كبرى بناته مرتدية ثوبا ساترا. وعندما حضرت البنت وضع الشيخ يده على رأسها ومررها على باقي جسدها وهو يردد آية في سورة الرعد :" يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب". ثم قبض قطعة من اللحم من بطنها وجذبها. وعندما أزيح الثوب وجد الناس أن البنت قد "تحولت" إلى ولد.
وتوفي الشيخ في عام 1244ه (الموافق لعام 1829م) ودفن في القرية التي حملت اسمه، وقام الشيخ الحسين ود صباحي في عام 1255ه (الموافق لعام 1839م) ببناء قبة على قبره لا تزال موجودة حتى الآن.
وفي عام 1236ه (الموافق لعام 1821م) استولى إسماعيل باشا على سنار وسقطت دولة الفونج. وعند وصول جيش الترك لمنطقة الحلاوين انسحب منها شيخهم الفكي محمد الضو (شقيق محمد الهدو الذي سبقت الإشارة إليه) فعين الترك شيخين مكانه وهما أحمد ود الأمين (جد عمدة قرشي في ثلاثينيات القرن العشرين) شيخا على العصامنة، وإمام ود إدريس شيخا على الرحماب والمديداب، وعين ناظرا على عموم شمال الجزيرة من الخرطوم جنوبا وهو شنبول ود مدني (من الشنابلة).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.