بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    الهلال في الجزائر... طريق الصدارة بلا أعذار    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    بالصورة والفيديو.. وزيرة "اللهلبة" و "الترفيه" في السودان تدعو المواطنين للعودة إلى حضن الوطن وتعمير المنطقة "أكس" بالزهور والورود    شاهد بالفيديو.. لاعب الأهلي المصري والتحرير البحراوي "قرن شطة": (بوظت المراهنات في الدوري السوداني بعد هدفي في مرمى الهلال)    الإعيسر: تصريحات حمدوك في لندن تترتب عليها تبعات قانونية وأخلاقية    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يفاجئ مقدم البرنامج: (زوجت أبني وعمره 12 سنة فقط لأنني كنت أحب النساء)    بالفيديو.. مذيعة مصرية للفنانة الحسناء "مونيكا": (سودانية إزاي و انتي ما شاء الله قمر) والمطربة ترد عليها وتحرجها وتثير إعجاب الجمهور السوداني    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني: (أنا عارفة لو جاني الموت في المسرح معناها سوء خاتمة وقاعدة أدعي الله يهديني من الغناء)    التثاؤب يَقِي الدماغ من تسرُّب السائل النُخاعي    وثائقي جديد عن مايكل جاكسون.. وتسجيلات لم تنشر من قبل    تطبيق جيميني من "غوغل" يتجاوز 750 مليون مستخدم شهريًا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    الجيش السوداني يوجه ضربات موجعة للتمرّد فجر اليوم    كريم فهمي يحتفل بعيد ميلاد زوجته دانية: كل سنة وأنت الأحلى والأهم    رسالة من وزير التعليم العالي إلى رئيس مجلس السيادة والوزراء    بينها الحساسية.. أسباب الشعور بألم فى العين عند الرمش    طريقة عمل صينية الكوسة بالسجق.. لذيذة ومغذية    مؤسس تليغرام يفتح النار على رئيس وزراء إسبانيا بسبب الأطفال والسوشيال ميديا    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    إياد نصار ومنة شلبي معا للمرة ال 3 فى رمضان..من حارة اليهود ل صحاب الأرض    الذهب .. فخ الابتزاز الأمريكي للعالم    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    هجوم جديد يستهدف أندرويد عبر تحديثات مزيفة    في حدث رياضي يجمع بين البعد الرياضي و الإنساني دمشق تحتضن البطولة الرمضانية الأولى لكرة الصالات بتعاون سوري–بحريني ومشاركة 16 فريقاً    اتحاد ألعاب القوى بولاية الخرطوم يشارك في سباق "عودة الخرطوم" ضمن فعاليات المهرجان    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (لماذا الديوان...)    البرهان: النصر بات قريباً وهزيمة الخونة والقضاء على التمرد    كادوقلي : بشارة ونداءات    شاهد بالصور.. لخلافة أبو عشرين.. الهلال يدعم حراسة المرمى بطالب من مدارس أبو ذر الكودة    الزمالك يواجه كهرباء الإسماعيلية الليلة بالدوري بحثا عن مواصلة الانتصارات    "رسوم نقل الجثامين" تشعل سخط السودانيين    والي الخرطوم يخاطب اليوم العالمي للجمارك ويشيد بدورها في حماية الاقتصاد من التخريب والتهريب    والي الخرطوم يخاطب اليوم العالمي للجمارك ويشيد بدورها في حماية الاقتصاد من التخريب والتهريب    مانشستر سيتي يهزم أندية أوروبا ويحسم معركة بقاء عمر مرموش    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف التعاملات    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإسلام .. السوداني ؟! .. بقلم: د. عمر القراي
نشر في سودانيل يوم 14 - 06 - 2016

(انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا)
صدق الله العظيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
عندما قام الاخوان المسلمون بإنقلابهم المشؤوم، في يونيو 1989م، كانت تركبهم موجة من الهوس الديني الفظيع، لا يشعرون من غلوائها، بما كانوا يفعلون .. ولقد ظنوا لجهلهم، وقصر نظرهم، أنهم سيقيمون الدولة الإسلامية، بمجرد وصولهم السلطة !! فأخذوا يسمون الشوارع،والمدارس، بأسماء الشخصيات الإسلامية التاريخية البارزة. كما أن المحال التجارية، والمؤسسات العامة، كانت ذات أسماء لها صبغة دينية ..فرأينا مطعم " الصحابة"، وكافتيريا " المؤمنين"، ومدرسة " ابوبكر الصديق" ، و " موبايلات" بدر الكبرى، و"حلاق المجاهدين" وغيرها..وكانوا في مطلع التسعينيات، لا يمنحون اصحاب المحال التجارية الرخصة، إلا إذا كان إسم المحل إسلامياً. والذين لديهم أسماء ليست إسلامية، كانوا يجبرون بالقوة على تغييرها.. ومن ذلك مثلاً صاحب مطعم في الثورة -شارع الوادي كان أسمه مطعم " أبو صليب"، فخرجت عليه مجموعة مهووسة، من الملتحين، وحطمت الكراسي، والترابيز،وأشعلت في المحل النار، تحت سمع وبصر الشرطة.. وحين إشتكى صاحب المحل طلب منه المسؤولون تغيير إسم المحل، فعدله في نفس اليافطة وجعله " أبو صهيب" !! في تلك الأيام كانت حكومة الاخوان المسلمين، تطلق على كل شئ كلمة "الإسلام".. فسمعنا بالمصارف الإسلامية ، والشركات الإسلامية، والصيدلية الإسلامية، والبصات الإسلامية، والرياضة الاسلامية، ولم يبق لهم شئ في السودان لم يسموه باسم الإسلام.
والآن !! بعد أن حكموا بالقهر، والظلم، والبطش، والفساد، سبعة وعشرين عاماً، إكتملت دائرة فشلهم، وتساقط مشروعهم الحضاري، أمام أعينهم، وفشلت وثبة حوارهم، ولم يعد يسعفهم أن يخادعوا الناس ويسموا الأشياء باسم الإسلام، وهم متهمون بجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، ورعاية الإرهاب، فلم يجدوا خدعة جديدة، يضللون بها المجتمع الدولي، والبسطاء من أبناء شعبهم، غير أن يسموا الإسلام نفسه " السوداني" !!
فقد جاء (تبنى حزب المؤتمر الوطني برنامجاً أطلق عليه "الاسلام السوداني" ووصفه بالتجربة السودانية الخالصة التي لا تشبه برامج ومشروعات الأنظمة الاسلامية في الدول العربية كما دعا مفكري ومثقفي الحزب الى إبرازه وتقديمه للعالم وقال حسبو محمد عبد الرحمن رئيس القطاع السياسي بحزب المؤتمر الوطني نائب رئيس الجمهورية " ان حزبه يطرح برنامج الاسلام السوداني باعتباره تجربة سودانية محضةتقوم على الاسلام الوسطي في كل مناحي الحياة ولا تؤمن فكرته بالارهاب والغلو والتطرف والتكفير ولا تشبه تجارب الآخرين" وطالب حسبو. خلال حديثه أمس "الجمعة" في فاتحة أعمال المؤتمر العام الرابع لقطاع الفكر والثقافة وشؤون المجتمع بالمركز العام بتوثيق وتأصيل التجربة وطرحها على المجتمعات منوها الى أنهم كثيراً ما يواجهون أسئلة عن تجربة الإنقاذ في الحكم وحول رأيها في المرأة والزكاة ووصفها بالتجارب المشرقة التي حتى تحتاج لإبراز حتى يعرفها الجميع. وشدد رئيس القطاع السياسي على سودنة تجربة الاسلام السياسي واقامة أنشطة فكرية تتبنى النهضة المعنوية والمادية. وعد ذهاب الصف الأول من الإسلاميين تاكيداً على أن الحزب يقوم على الفكرة وليس الأشخاص وارجع صمود الإنقاذ كل هذه الفترة لإيمانها ببرنامجها ودعا الى إقامة بناء يقوم على قيم الشورى والشفافية وتبني وثيقة "الاصلاح الشامل". من جانبه قال فرح مصطفي رئيس قطاع الفكر إن حزبه يتبنى سياسات كلية على كل المستويات لحماية المجتمع من الإستلاب. مشيراً الى تجربة حزبه في البناء الديمقراطي والشورى)(اليوم التالي 10 اكتوبر 2014م) هذا ما انتهت إليه تجربة الاخوان المسلمين من الغش والخداع، فبدلاً من تحويل السودان الى كيان إسلامي، يريدون أن يحولوا الإسلام إلى كيان سوداني !!
والأغرب من هذا، هو أن هذه الفكرة، فكرة "الإسلام السوداني"، لم تأت من عقل جماعة الاخوان المسلمين، وإنما هم قد تعلموها من الأمريكان، فقد صاروا الآن أصدقاء لهم،وتلاميذ يتبعون أفكارهم، بعد أن كانوا، أثناء موجة الهوس،يملأون الشوارع صراخاً (أمريكا قد دنا عذابها علي إن لاقيتها ضرابها) !! فقد جاء:
(ولا ننسى ان بالسودان ثلاثين مليون نسمة يمثلون فرصة طيبة لتسويق التكنولوجيا الامريكية كما ان " الاسلام السوداني" يمكن ان يمثل جسراً بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي من الناحية الثقافية.
ماذا تقصد بعبارة الاسلام السوداني ؟
ربما هي عبارة خاصة بي، وجدت في السودان اسلاماًمختلفاً، هنا في السودان، لاحظت شخصية مسلمة مسالمة،ومن خلال لقاءاتي مع الافراد العاديين، وزعماء الطرق الصوفية، واساتذتها، لا حظت صفة المسالمة)(التيار 11 مايو 2016م- حوار مع القائم بالاعمال في السفارة الامريكية بالخرطوم)
ونحن لا نتوقع من مساعد السفير الأمريكي، أن يفهم الإسلام بعمق، وهو معذور تماماً، إذا وجد السودانيين كرماء ومسالمين،بخلاف المسلمين في بلاد كثيرة، ربما يكون قد زارها، بحكم عمله، فقام في باله أن هذا المستوى من الإسلام إسلام خاص بالسودانيين، ومتأثر بثقافتهم، وحياتهم، ولهذا سماه "الإسلام السوداني" .. ولكن ما عذر الاخوان المسلمين في مجاراته، وهم يفترض أن يكونوا على معرفة بالإسلام الذي يتاجرون به،ويضللون باسمه البسطاء الطيبين؟!
والحقيقة أنه ليس هناك إسلام سوداني، وآخر نيجيري،وثالث أفغاني، ولكن هناك مستويين من الإسلام جاء بهما القرآن الكريم: أما المستوى الأرفع، فإنه نزل في القرآن الأصل، أولاً في مكة، وهو المستوى الذي يقوم على المسالمة، والإعتدال، وعدم التطرف، وعدم العنف .. والدعوة فيه تقوم على الحسنى، قال تعالى ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وفي هذا المستوى، الناس أحرار في قبول الإسلام أو رفضه، وهم لو إختاروا الكفر لابأس عليهم، ويذهبوا موفورين !! قال تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ومهمة النبي صلى الله عليه وسلم، حسب هذا المستوى، محصورة في أن يبلغ الدعوة فقط، حتى ولو كذبه الناس، ليس له إلا البلاغ الواضح .. قال تعالى (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، أو يقول (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ). والسبب في حصر مهمة الرسول في البلاغ، هو أنه لا يملك هداية الناس .. قال تعالى (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ومهمته أن ينذرهم، قال تعالى (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) .. ومع أن القرشيين قد قابلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بشتى أنواع الإساءة والتعذيب، إلا أنه أمر بالصبر على أذاهم، فقال تعالى من قائل (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) وكان إذا إشتد عليه أذى قومه، ذكره بأن يحتمل، مثل من سبقه من الرسل، فقال (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ).. وكان صلى الله عليه وسلم يضيق صدره مما يقوله المشركون عنه وعن أصحابه، فكان ربه يواسيه،ويحثه على المزيد من العبادة، ومن ذلك قوله تعالى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) .. ولقد أضطر المسلمون الأوائل، أن يهاجروا للحبشة فراراً من بطش المشركين، وخوفاً من أن يفتنوهم عن دينهم، بعد أن مات منهم من مات، تحت التعذيب، ومع ذلك لم يأمر النبي وأصحابه بالقتال،ولو من باب الدفاع عن أنفسهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يمر بياسر، وعمار، وسمية، وهم يعذبون في بطحاء مكة، فيقول (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) !! ولقد استمر هذا المستوى الرفيع من الإسماح، والسلام، ومقابلة الشر بالخير، ثلاثة عشر عاماً، حتى إذا قامت الحجة على القرشيين، بأنهم دون هذا المستوى، ودلوا على ذلك بتآمرهم على النبي، ليقتلوه في ليلة الهجرة، لم تكن الهجرة إلى المدينة مجرد إنتقال من مكان إلى آخر، وإنما كانت في الحقيقة، إنتقال من مستوى من الإسلام إلى مستوى آخر، دونه ببعيد، ولكنه أكثر مناسبة لذلك الوقت.
الإسلام الثاني، الذي نزل في المدينة، بدأ بالإذن للمسلمين بالقتال، بعد أن لم يكن مأذوناً لهم به في مكة .. فقال تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ). ولكنه حين أذن لهم بالقتال، حصره في البداية، في مجرد الدفاع عن النفس، فقال (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، ثم بعد ذلك، صار التدرج الى غايته حين أمرهم بالقتال للقضاء على فتنة الشرك، فجاء ذلك في آية، عرفت عند المفسرين، بآية السيف، قيل أنها نسخت كل آيات الإسماح، والمهادنة، والصبر على الكافرين، وهي قوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وأخذاً من هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وأمرهم الى الله) وبناء على هذه الآية، ومثيلاتها، وهذا الحديث الشريف،قام الجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض، وقتل المشركين حيثما وجدوا ..وخرجت جيوش المسلمين من المدينة، وسارت حتى الهند والسند والصين شرقاً، وحتى الأندلس غرباً، وكانوا يقتلون الوثنيين، ولا يقبلون منهم غير الإسلام، ويقتلون أهل الكتاب من المسيحيين واليهود، ويمكن أن يقبلوا منهم الإذعان لسلطان الدولة الإسلامية، إذا دفعو الجزية .. وذلك لقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) .. وحتى تتم هذه الغزوات، على أكمل وجوهها، كان لابد للمسلمين أن يتخلوا عن اللطف، والمسالمة،والتعامل بالحسنى،ويكونوا غلاظاً، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) .. كما كان عليهم أن يكونوا إرهابيين، يخيفون هؤلاء الأعداء، حتى يتغلبوا عليهم، قال تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ). وهم حين يقتلون غير المسلمين، ينتصرون للإسلام، ولكنهم في نفس الوقت، ينفسون عن كراهيتهم، وغيظهم المكبوت في صدورهم،والذي يجعلهم عنيفين بخصومهم، قال تعالى (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ* وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
وفي تلك الحروب، يجوز للمسلمين أخذ أموال الكفار، وممتلكاتهم غنائم،وهي حلال لهم، قال تعالى (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). كما يجوز لهم أخذ الأسرى، وإتخاذهم عبيداً لهم،يستخدمونهم بغير أجر، ويمكن ان يبيعونهم، أو يعتقوا منهم من شاءوا،تكفيراً عن بعض ذنوبهم .. قال تعالى ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا). أما نساء المشركين ونساء أهل الكتاب، فيجوز للمقاتلين المسلمين أن يسبوهن، ويعاشروهن دون زواج، باعتبارهن من ما ملكت أيمانهم، قال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ). كما يجوز لهم بيعهن كجواري، ويجوز لمن أشتراهم، أن يستمتع بهن، مثل من كسبهن في الحرب. ولقد كان في الدولة الإسلامية في الماضي سوق للعبيد، وسوق للجواري. وهذا المستوى، هو ما تقوم به "داعش" اليوم، ويستنكرهغيرهم من المسلمين، بما فيهم الاخوان المسلمين، ويتهربون منه، ويدعون الإعتدال وعدم التطرف.
وما كان لهذا الإسلام، الذي يقوم على فروع القرآن، التي جاءت في سائر القرآن المدني، أن يحكم وتقوم عليه الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، لولا أن فروع القرآن قد نسخت أصوله، التي نزلت في مكة،وقامت على المسالمة، والإعتدال، والدعوة بالتي هي أحسن. قال تعالى في أمر النسخ (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قوله "نأت بخير منها"، يعني مناسبة للوقت، فإن قرآن الفروع، قد كانت خير للناس في القرن السابع الميلادي، من قرآن الأصول، الذي كان أكبر من طاقتهم، وعجزوا عن قبوله .. ولكن اليوم، في وقتنا الحاضر، فإن ما هو خير لنا، وأنسب لطاقة وحاجة مجتمعنا، هو قرآن الأصول، ولهذا يجب ان نفهم أن النسخ إرجاء، وليس إلغاء .. وأن الآيات المنسوخة، لابد ان تبعث،وتطبق، حتى يعود الإسلام الى حياة المسلمين مرة أخرى. وبعث الآيات المنسوخة، يعني بالضرورة نسخ الآيات المحكمة، فإذا أنت جعلت الحكم لقوله تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، فلا يمكن أن تحكم في نفس الوقت (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .. والإنتقال من فروع القرآن إلى أصوله، هو ما أسماه الأستاذ محمود محمد طه، تطوير التشريع الإسلامي، وهو السبيل الوحيد إلى إخراج المسلمين عامة، والاخوان المسلمين بالذات، من ما هم عليه من تخبط.
فالإسلام المعتدل، ليس الإسلام السوداني، ولكنه أصول الإسلام ..والصوفية الذين أشار لهم مساعد السفير الأمريكي، عاشوا كأفراد قيم الأصول، ولكنهم كجماعة، لم يدعوا إلى الأصول، التي تحقق ما يصبون إليه، من سلام، ومحبة، لجميع الناس، بل جميع الخلائق. فلماذا لايكف الاخوان المسلمين عن الخداع، ويسموا الأشياء بأسمائها ؟!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.