المريخ في اختبار صعب أمام أمام روستيرو عصرا    دعم إفريقي واسع للهلال السوداني..سيكافا والرواندي في المقدمة واتحادات موريتانيا والسنغال والكاميرون تلوح في الأفق    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الفريق أول الركن ياسر عبدالرحمن حسن العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ديناميات الحرب والسلام في السُّودان : دور العولمة والحداثة .. بقلم: الدكتور/ قندول إبراهيم قندول
نشر في سودانيل يوم 05 - 03 - 2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ديناميات الحرب والسلام من منظور ثقافي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمفهومي العولمة والحداثة. ولعلَّ أهمية الربط بينهما لها علاقة قوية باستقرار السُّودان وأمنه وذلك بتوجيه طاقات شعوبه المختلفة نحو الغاية الأسمى وهي التنمية لتحقيق رفاهيتها. فالعولمة تعبِّر عن التبادل السريع للمعلومات بينما الحداثه تهتم بالتجديد الفكري وصحوة الضمير الداخلي للفرد، وتفعيلهما مرهونان ببسط الحريات عبر نظام ديمقراطي فاعل. بهذا يمكنهما إبراز الجوانب الشريرة للحرب والصورة الفاضلة للسلام. أو بعبارة أكثر دقة أو مختصرة: أصبح العالم "قرية" صغيرة مما يسهِّل إرساء دعائم السلام المستدام باختزال مقومات وعناصر الحرب المتعدِّدة بفضل ثورة الاتصالات المعلوماتية والمفاهيم والأفكار الجديدة المستقلة. إذن مفهوم العولمة والحداثة صنوان من حيث توسيع قاعدة انفتاح الشعوب على بعضها وتفاعلها لتجسيد وتكريس وحدة الإنسانيَّة ومصيرها المشترك بتداخل وتكامل، بل وتفاعل مصالحها ومصائرها على نحو لم يكن له نظير في العصور القديمة.
وبالطبع لن يتم السلام المستدام إلا باعتماد المعايير والمحفزات التي تطمئن المجتمع على بقائه واستمرار نمط حياته مع فرص تطويرها بوضع أسُس مصالحه كأولوية وغاية. فتحقيق السلام مشروط بتوسيع دائرته وتعميق معانيه ومفاهيمه التي تعتبر مباديء التعايش السلمي الأركان البنيويَّة لها مع العولمة والحداثة. فإذا قويت الجذور ووصلت إلى أعماق ودواخل أفراد المجتمع، يمكن منع نشوء النزاعات وحلها بالطرق السلميَّة إذا ظهرت. وكما يمكن تذويب العنف البنيوي الناتج من الحروب ومآسيها وتأثيرها السالب على الإنسان طوال حياته وما بعدها.
فنشر ثقافة السلام الاجتماعي واجب يتحقق فقط بتوفير عنصر هام هو تغليب لغة السلام على شعارات ومارشات الاستنفار للحرب التي تعمِّق مظاهرها المختلفة الغبن الشعبي المحلي والإقليمي وتزيد من درجة الاحباط في أروقة المجتمع الدولي. ولكن للأسف الشديد، لا يمكن الوصول إلى عالم خالٍ من النزاعات والاضطرابات؛ ولكنا نطمح في الحصول والوصول إلى حالة من "السلام النسبي". هذه النقطة تقودنا إلى الحديث عن تاريخ الحرب وجهود الوصول إلى سلام دائم في السُّودان؛ ومحاولة الإجابة عن الأسئلة مثل: هل الحرب ثقافة سُّودانيَّة أم هي أحد طبائع شعبه التي جُبِل عليها، وكيفية إنهائها.
تاريخ الحرب في السُّودان
تاريخ السُّودان القديم والحديث (بعد تكوينه بحدوده المعروفة)، والمعاصر (الآن)، مليء بعدم الاستقرار والحروب الدائمة. فقد أضفت ديمومة الحرب هذه شعوراً شبه مؤكد بأنَّها متلازمة ثقافية تعمَّقت بجذورها في مخيلة أجيال متتالية من المجتمع السُّوداني. فمثلاً لم يشهد العهد التركي – المصري (1821- 1885م) أي نوع من السلام والاستقرار إذ قاوم الأهالي محاولات السيطرة عليهم تارة، أو اصطيادهم كرقيق تارة ثانية، أو إغارة القبائل على بعضها لنفس الهدف والهيمنة مرة ثالثة إلخ... ثم جاءت فترة المهدية (1885 -1898م) ولم يتغيَّر أو يتحسَّن الوضع؛ وهكذا الحكم الإنجليزي – المصري (1898-1956م).
أما الحكومات الوطنيَّة سواء أكانت عسكريَّة أم مدنيَّة فإنَّها لم تحقق وقفاً للحرب. في الحقيقة ورثت أولى حكومة وطنيَّة حرباً أهلية منذ العام 1955م،(1) حيث استمرت حتى اتفاقيَّة أديس أبابا في مارس 1972م، والتي انتهت في العام 1983م. خلال سريان الاتفاقية، عرف وعاش الشعب السُّوداني، لأول مرة بعد الاستقلال، سلاماً نسبيَّاً في جميع أنحاء البلاد. ولكن اندلعت الحرب في الجنوب (1983 -2005م)،(2) وجبال النُّوبة والنيل الأزرق (1985 – 2005م)، ومرة ثانية العام 2011م،(3) وفي شرق السُّودان (1994 -2006م)(4)، وفي دارفور العام 2003 -2006م.(5) وعلى الرغم من محاولات أجهزة الدولة المختلفة لعكس استباب الأمن في الإقليم، ولكنه يعيش حالياً تحت وطأة الحرب الأهليَّة. هذا التاريخ الطويل من الصراعات جعلها نمطاً شبيهاً بالثقافة المتجذرة في الشعب السُّوداني. وما زاد الأمر سوءً الانتهاك اللا محدود لحقوق الإنسان، وكبت الحريات وتكميم الأفواه التي تطالب بالعيش الكريم، وتوفير متطلبات الحياة الأساسيةَّ؛ فضلاً عن بث دعاية الحرب بين الناس في أجهزة الإعلام وكل وسائل الاتصال المتاحة. فالسؤال الهام: هل الحرب حقيقة وثقافة متأصلة في الشعب السُّوداني أم أنَّها فُرضت عليه أم انتقلت إليه من جهات أخرى، ومن الذي فرضها، وكيف يستطيع أن يعتق الشعب نفسه من هذه الظاهرة؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال حري بنا الحديث عن فرص السلام التي ضاعت للربط بينهما.
البحث عن السلام
لم تأخذ قضية السلام زخماً واهتماماً جاداً إلا في السنوات الأخيرة إذ ركَّزت كل المنظمات المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة جهودها في البحث عن السلام الضائع. ولعلَّ المتتبع لتاريخ الحروب السُّودانيَّة (وما أكثرها وأطولها) يندهش من العدد الهائل من الجولات والصولات، والاتفاقيات والمواثيق ومذكرات التفاهم الثانئيَّة وغيرها من أجل السلام المفقود إلخ... ولكن ما يحير بعد كل هذا، هو فشل أو نقض ما تمخَّض عنها كل هذه الجهود قبل أن يجف المداد الذي كّتبت بها، إلا الجزء المتعلِّق بتقرير مصير جنوب السُّودان الذي أفضى إلى انفصاله في في استفتاء كانت نتيجته أكثر من 98% لصالح الانفصال! لماذا إذن لم تثمر المفاوضات الكثيرة في الوصول إلى سلام دائم مرضٍ لجميع الأطراف المتصارعة والمتعاركة مع الوضع في الاعتبار استحالة تحقيق كل مطالبها؟ في محاولة الإجابة عن هذا السؤال لا بد من الإقرار بأنَّ غالبية المجتمع السُّوداني مجتمع مسالم مع نفسه في المبتدأ إلا أنَّ القائمين بأمره هم العلة.
إنَّ البراهين على فشل القادة السياسيين والدينيين والطائفيين لكثيرة؛ ومنها رفضهم مبادرة السَّلام السُّودانيَّة التي وقَّعها السيد محمد عثمان الميرغني – زعيم طائفة الختمية – مع الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور – زعيم الحركة الشعبيَّة/الجيش الشعبي لتحرير السُّودان في العام 1988م لحسابات حزبيَّة ضيقة خاطئة، ومثل مصيرها كانت نهاية البروتوكول الإطاري بين نافع وعقار 2011م.(6) مواثيق واتفاقيات كثيرة نُقضت كما جاء في التأليف الرائع للقاضي القدير أبيل ألير.(7) إلى هذا الحد، يمكن القول إنَّ فشل العملية السلميَّة لتحقيق السلام في السُّودان يرجع إلى أنَّها لم تتبلوَّر لأنَّها نسجت حول أجندة حزبيَّة-طائفيَّة ودينيَّة ضيقة، وأخيراً العنصرية والقبلية والجهوية. وكما لم تتشكَّل لتغذية الوجدان الشعبي وروح التربيَّة الوطنيَّة للنشء ومزاوجتها مع المعتقدات والقيم والسلوكيات والأخلاقيات التي تعبِّر عن البعد الإنساني والأخلاقي للمجتمع المسالم، والمتعدِّد الثقافات، والأديان والأعراق.
الحرب ليست ثقافة سُّودانيَّة
إذا كانت الثقافة تنطلق من مرجعيات فكريَّة وإيديولوجيَّة كثيرة نتيجة لتراكمات تاريخيَّة ولتصورات وآراء عقائديَّة ومجتمعية مختلفة إلخ...، فإنَّ الفشل في حل قضايا الوطن وتحرير المواطن من حياة التعاسة والمسغبة ترجع مسؤليته إلى النخبة السياسيَّة وحدها لا شريك لها.(8) فبالطبع لم يكن الشعب السُّوداني بطبعه ميَّالاً إلى الحرب، وبنفس القدر لا يدعم ثقافة رفض السلام. وكما ذكرنا سابقاً، لم تكن الحرب عنصراً من المكونات الثقافيَّة للشعب السُّوداني ولكنها (الثقافة) نتاج التقوقع والانغلاق على الذات بسبب استمرارية حلقة الحروب دون انقطاع منذ زمن يعود إلى الحقب السابقة للاستعمار، فلا يمكن إلقاء اللوم عليه بتأجيج الصراعات المستفحلة. وإذا صحت نظرية مؤامرة الاستعمار والتدخلات الأجنبيَّة الريئة، (9) ماذا فعل السُّودانيون لوضع حداً لهذه الحروب، أو منع نشوبها أصلاً بعد أن "أجلوا" المستعمر؟
المركز وتأسيس الحرب
لا ريب أنَّ المركزية القبليَّة والثقافيَّة أسست ثقافة رفض التنوُّع الثقافي والعرقي والديني على المستويين الرسمي والشعبي.(10) ولعلَّ المركزية بنت نظرتها على مذهبين كما جاء في نظرية جوزيف آرثر قوبينو للتميُّز العرقي.(11) فمذهبه الأول يتمحوَّر حول نظريته التي وصفها ب "العلميَّة" والتي تشير إلى تفاوت أعراق بشريَّة على أخرى. وهذه النظرية – في رأينا - غير دقيقة ولا مسنودة بحقائق علميَّة. أما المذهب الآخر فعقائدي إذ يرى مؤيدوه أنَّ الجماعات الأخرى على باطل. لسوء طالع السُّودانيين قد ركَّز المركز الاستعلاء العرقي والثقافي والديني لجماعة معيّنة تجاه جماعات أخرى.
هذه النظرية الدونية (العلميَّة والعقائديَّة) - السُّودان ليس بحالة استثنائيَّة - قادت إلى إشعال الحروب بين الجماعات المختلفة. فالمركز يغذي سيمفونيَّة الحرب باستمرار ويحتكر صفة الإنسانيَّة والنظر إلى الأغيار كظاهرة مثيرة للاشمئزاز. ومجمل القول إنَّ كل هذه المعطيات تمثِّل تحديات تستدعي تفكيك الخصوصية الثقافيَّة والهويَّة الرسميَّة للدولة المعينة، وخلق نقطة تلاقي إيجابيَّة بين القبلية والثقافة وذلك بفتح قنوات التواصل بينهما أياً كان مقدار وتنوُّع ونُظُم كلٍ منهما ليتلاقحان لإثراء الثقافة القوميَّة الوطنيَّة.
لا شك في أنَّ هذه القضايا تمثِّل تحديات وأزمات حقيقية ينبغي مواجهتها كفرض عين لضمان وتأمين شروط المواطنة وحفظها، وإدارتها على نحو يجنّب الشعوب فظائع الحرب والهيمنة والصدام في المستقبل بعد أية تسوية وطنيَّة شاملة وعادلة. ولا ريب أيضاً في أنَّ هذه الفريضة تدعم التزامات التوافق لتضييق مصادر وأسباب التوتّر والصراعات السياسيَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة لتتماشى الأهداف المرجوة مع الإفرازات الإيجابيَّة للواقع الحضاري الجديد ضد رغبات المركزية القبليَّة والثقافيَّة التي تعتبر أحد الأسباب الرئيسة لديناميات الصراع في السُّودان.
ديناميات الحرب وتحليلها
إنَّ تحليل "ديناميات الحرب في السُّودان" يوضَّح تميُّز سياسة الإقصاء أو "التمكين" و"التضليل الرمزي".(12) لقد أثرت هذه السياسة تأثيراً مباشراً وسالباً على تماسك النسيج الاجتماعي بين المكونات القبليَّة والإثنية المختلفة لمجتمعات الريف والمدينة السُّودانيَّة التي تميَّزت في الماضي بالتسامح والتكامل والتكافل المجتمعي دون قيود أو شروط. ولربما انتقلت عدوى التفكك المجتمعي وانتشرت على نحو ما في المدينة التي تميَّز مجتمعها في الماضي بأنَّه "قبيلة" واحدة يغلب على أفراده التعاضد بدلاً عن التشتت والتخاصم، كما أسلفنا ذكره.
لنأخذ مثلاً أسباب الصراعات في جبال النُّوبة (جنوب كردفان)، ودارفور، سنجد أنَّ واحداً من عناصر الحرب المتعدِّدة هو نزع وتمليك أراضي جماعات قبليَّة لجماعات أخرى على أساس الولاء السياسي أو لكسبها سياسيَّاً؛ أو الانتماء القبلي. وفي أقصى شمال السُّودان تم نزع أراضي المزارعين لبناء خزانات دون تعويض فوري ومرضٍ لأصحاب الأرض مما أدى إلى احتكاكات دموية بين المواطنين والسلطات الحكوميَّة.(13) فالمواطنون يرون النزع بمثابة تهديد مباشر لمصالحهم ويتعارض مع قوانينهم العرفيَّة. لهذا لجأوا إلى حماية تلك المصالح بأية وسيلة مما قاد إلى الصراع الدموي العنيف أي "حالة الحرب" النسبية.
إذن، لقد استمدت ديناميات الحروب الأهليَّة في السُّودان قوتها من ثقافة التمحوُّر حول محور المركز والأطراف الجغرافيَّة الشيء الذي تطوَّر إلى ما يشبه الفوضى ليشمل كل السُّودان. بمعنى آخر، أصبح المركز قوة طرد دائمة ومستمرة لشعبه مع الإبقاء على قلة قليلة للحماية فقط تنتهي صلاحيتها مع إنتهاء أسباب الخطر وإعادة إنتاج الحالة وهكذا تبدأ دورة جديدة لتنتهي ولتبدأ أخرى! هذا الوضع يحتاج لبذل المزيد من الجهود من أجل السلام، ولكن ما هي متطلبات التسوية السلميَّة؟
مطلوبات السلام
ينبغي أن تُبنى المصالحة السلميَّة على المطلوبات التي تستوعب التنوُّع الثقافي، والإثني، والديني والتفاوت الاجتماعي تحقيقاً للقاعدة التي تقول:"ليس لأي إنسان حق أكثر من غيره في التمتُّع بمنافع الأرض".(14) بمعنى أنَّ الإنسان ليس مروهناً لغيره ولكن ينبغي أن يعيش على مبدأ المساواة والتكافل السلمي. وهذا بالضرورة ينطوي على الاعتراف بخصوصية الاختلافات الثقافيَّة بين الجماعات المتباينة والمتساكنة مع بعضها بكل صفاتها المادية، والمعنوية، والعقائديَّة، والمصير المشترك وفي سياق معياري للآمال المشتركة في الحرية والكرامة والسلم والتضامن. أي بمعنى أدق، يجب أن تكون ثقافة السلام والتعايش السلمي بين الشعوب المتباينة بؤرة مستهدفة بالعولمة والحداثة لعكس صورتين متناقضتين: الحرب (الصورة السالبة) والسلام (الصورة الإيجابية). فإذا ما توفَّرت المعايير الكفيلة للتفاعل والتثاقف سلمياً فسيعضد التبادل الفكري والقيمي والتحالفات المجتمعيَّة وصولاً إلى "ثقافة السلام" عبر أدوات الضبط الاجتماعية المحلية بالتمازج بالمصاهرة، مثلاً. هذا النهج سيسلِّط الأضواء على دور العولمة والحداثة اللتين تحدثنا عنهما في تغذية ثقافة الحرب والسلام في السُّودان.
علاوة على ذلك إنَّ السلام المنشود سيتم بتضافر الجهود وبتفعيل دور المؤسَّسات الدوليَّة والأمم المتحدة لتطبيق مبادىء القانون الدولي دون معايير انتقائية بهدف حماية المغلوبين على أمرهم من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. بالإضافة إلى هذه المنظمة الدوليَّة، يمكن لمنظمات المجتمع المدني المختلفة ونشطاء السلام في الداخل والخارج وفي المحيط الإقليمي لعب دورها الفاعل للدفاع عن الضحايا. ففي نهاية الأمر إنَّ هذه مسؤلية تضامنيَّة جماعيَّة ومساهمة حقيقية واجبة. وهذا ما نعنيه بتغليب ثقافة السلام على الحرب من أجل الحفاظ على تماسك مواطني الوطن الواحد.
خلاصة القول، رغم تاريخ الحرب الطويل في السُّودان إلا أنَّه من الممكن الوصول إلى تسوية سلمية للنزاع السُّوداني إذا توفرَّت الإرادة السياسيَّة بين الفرقاء لاتخاذ القرارات الصحيحة لانقاذ البلاد من التمزُّق. للعولمة والحداثة دور هام في مخاطبة قضيتي الحرب والسلام لتأثيرهما الفعَّال على تبادل المعلومات ومن خلال ثورة التجديد الفكري في الوجدان الإنساني بوصفه الكائن الأسمى في الوجود في بعده العقلاني والأخلاقي.
المراجع والهوامش
(1) تمردت الكتيبة 105 ببور في جنوب السُّودان حينما طلبت منها الخرطوم المشاركة في العرض العسكري الخاص بأعياد الاستقلال في الخرطوم كغيرها من الوحدات العسكريَّة الأخرى.
(2) اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السُّودان والحركة الشعبيَّة/الجيش الشعبي لتحرير السُّودان ، نيروبي، كينيا 2005م.
(3) قامت مواجهات مسلحة بين الجيش السُّوداني والجيش الشعبي في جنوب كردفان في 6 يونيو 2011م عندما حاولت الحكومة نزع سلاح الأخير قبل استيفاء شروط التسريح والدمج المتوقعة في أبريل 2012م.
(4) اتفاقية شرق السُّودان الموقَّعة بين حكومة السُّودان وجبهة الشرق بأسمرا، إريتريا، في 19 يونيو 2006م.
(5) هاجمت قوات حركة تحرير السُّودان بقيادة أركو مني مناوي مطار الفاشر ودمرت طائرات حربية على الأرض، وكثير من المنشآت، وقتل عدداً من الشرطة والجيش والمدنيين. وفي العام 2006م اتفقت حكومة الخرطوم على تسوية سلمية (هشة) مع مناوي في أبوجا، نيجيريا.
(6) في 28 يونيو 2011م وقَّع الدكتور نافع علي نافع والقائد مالك عقار إير اتفاقية إطاريَّة لوقف الحرب في جبال النُّوبة والنيل الأزرق، ولكن قام الرئيس السُّوداني بإلغائها فور عودته من زيارة رسمية إلى جمهورية الصين الشعبيَّة.
(7) Alier, A, Southern Sudan. Too Many Agreements Dishonored; Ithaca Press: Exeter, 1990.
(8) الدكتور منصور خالد، النخبة السُّودانيَّة وإدمان الفشل، دار الأمين للنشر والتوزيع، الخرطوم، 1993م.
(9) الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، التدخل الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب السُّودان، 2017، جريدة الراكوبة الإلكترونيَّة. جريدة الراكوبة الإلكترونيَّة.
(10) في نهاية ديسمبر من العام 2010م أعلن الرئيس عمر البشير عن نهاية شريعة "الدغمسة" إذا انفصل جنوب السُّودان رافضاً أي حديث عن التنوع الثقافي واللغوي، أو الديني أو العرقي السُّودان. وافقت الجماهير المستمعة بالتهليل والتكبير.
(11) جوزيف آرثر دو قبينو (1816-1882م) أديب وديبلوماسي فرنسي الذي ساعد كثيراً في شرعنة العنصرية بآرائه مثل نظرية العنصريَّة العلميَّة والديموغرافيا العنصريَّة.
(12) الدكتور أبكر آدم إسماعيل، جدلية المركز والهامش، قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السُّودان، الطبعة الثانية، منظمة حقوق الإنسان والتنمية، 2015م.
(13) الأستاذ علي خليفة عسكوري، خزان الحماداب، نموذج الإسلام السياسي للإفقار ونهب الموارد، مطابع أم بي جي العالميَّة، لندن، 2014م.
(14) قاعدة الفلسفة الأخلاقيَّة (Le'thique') تنطوي علي الحرية، والمساواة والعدالة للفرد والجماعة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.