في طريق عودته للبلاد .. رئيس الوزراء يلتقي سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي    مسيرة جماهيرية بسنار احتفاءً بانتصارات القوات المسلحة بمحاور القتال في كردفان    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مقالات: مقومات الوحدة الإسلامية ومهدداتها

بقلم: د/ جمال الدين محمد علي تبيدي رئيس قسم العقيدة بجامعة أم درمان الإسلامية
أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله).
والمسلمون متساوون عند الله تعالى فهو لا ينظر إلى ألوانهم ولا إلى أنسابهم ولا إلى أختلاف ألسنتهم وإنما ينظر إلى قلوبهم وأعمالهم قال صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم [1]
وخطب النبي صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال يا أيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا أسود على أحمر ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى ابلغت قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أي يوم هذا قالوا يوم حرام ثم قال أي بلد هذا قالوا بلد حرام قال فإن الله عز وجل قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا أبلغت قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليبلغ الشاهد الغائب [2]
فالناس عند الله تعالى لا يتفاضلون بألوانهم ولا بألسنتهم إلا بالعلم والتقوى لقوله تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )(الزمر: من الآية9) وقوله (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )(الحجرات: من الآية13)
فالعربي والزنجي والفارسي والرومي في الإسلام سواء لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بالعلم والتقوى
فعلى المسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتركوا كل دعاوى الجاهلية المخالفة لتلك المعايير الربانية
التحذير من الافتراق
قال تعالى ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )[أل عمران 103]
هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج فساءه ما هم عليه من الأتفاق والألفة فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب ففعل فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض وتثاوروا ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم وتواعدوا إلى الحرة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم وتلا عليهم هذه الآية فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم [3]
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال [4]
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من دعا بدعوى الجاهلية فانه من جثاء جهنم قال رجل يا رسول الله وان صام وصلى قال نعم فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله [5]
وقد حذر الله تعالى من الافتراق في كثير من الآيات فقال :
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [أل عمران 105]
وقال (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الانعام 159] وقال (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال 46]
وقال (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم 32-33]
دعائم الأخوة في الله
وقد أمر الله بإفشاء السلام كثيرا في القرآن الكريم
فقال تعالى (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً [النساء 86]
وقال (وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الانعام 54]
وقال (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً [الفرقان 63]
وإفشاء السلام ليس المراد به التحية باللسان فقط وإنما المراد به المحبة القلبية وترويض النفس على ذلك حتى يتحقق قوله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم [6]
فإذا كان دخول الجنة مرهونا بتحاب المسلمين لبعضهم فكليهم الالتزام بذلك إذا كانوا حريصين على دخول الجنة ففي الحديث عن أبي موسى رضي الله عنه قال قالوا يا رسول الله أي الإسلام أفضل قال من سلم المسلمون من لسانه ويده [7]
3. إحسان الظن بالمسلمين
قال تعالى (ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات 12]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته [8]
فالمسلم من أهل القبلة يجب موالاته وعدم التعرض له بسوء لأن له عهدا عند الله وحرمة لا تنتهك
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه [9]
ولذلك قال الله تعالى
4. تولي المؤمنين بعضهم وتعاونهم وتناصرهم
أمر الله المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى وفعل الخير فقال (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة 2]
ومدح المتعاونين والمتناصرين فقال ( وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال 74]
وأوضح أن من التعاون على البر والتقوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك من موجبات الرحمة فقال (الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة 71]
اللين والعفو
أمر الله بالعفو والصفح واللين ومدح نبيه بذلك قال تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [أل عمران 159]
وحث المؤمنين على العفو فقال (إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً [النساء 149]
وقال (قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ [الجاثية 14]
وذكر العفو والمغفرة في صفات الصالحين فقال (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى 37]
وتكفل الله بأجر هم فقال (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى 40]
وقال (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى 43]
ومن الرفق واللين عدم التنطع والغلو مع المخالفين لك في الرأي والمذهب إذا كانوا من أهل القبلة ممن يشهدون ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وتفسيقهم وتكفيرهم وإخراجهم من المله ففي صحيح البخاري
عن عمر بن الخطاب أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب فأتى به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله
وفيه عن أبي هريرة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فأمر بضربه فمنا من يضربه بيده ومنا من يضربه بنعله ومنا من يضربه بثوبه فلما انصرف قال رجل ما له أخزاه الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم [10]
عدم تكفير ومهاجرة المخالفين من أهل القبلة حق وصواب ، وذلك لكثرة الآيات والأحاديث الدالة على أخوة المسلم للمسلم ووجوب المحبة له وترك التنقيب عن البواطن مثل قوله تعالى :
(إنما المؤمنون إخوة )[11]
والأحاديث الكثيرة في ذلك منها:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ..إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ [12]
ومنها :عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ )[13]
ومنها عن عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ )[14]
عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ )[15]
أهل الفرق والمذاهب الإسلامية مجتهدون
كما أن اسم الاجتهاد يتناول في عرفهم فروع الفقه ، فكذلك مسائل الكلام ، لعموم مفهومه لغة واصطلاحا ووجودا ، فإن الفرق التي تنوع اجتهادها في مسائل الكلام ربما تربو على مجتهدي الفروع ، وكيف لا تكون من المجتهدين وهي تستدل وتحكم وتبرهن وتقضي وتجادل خصومها بمآخذها وترى أن ما تستدل عليه هو الحق الذي لا يعقد على سواه ولا يدان الحق تعالى بغيره .
وجلي أن ما يبعث على بذل الجهد في الفروع ، هو نظير ما يبعث عليه في الأصول، أو أعظم منه ، فإن مسألة الرؤية وخلق الأعمال وخلق القرآن لما تشابهت الآيات والأخبار فيها ، ذهب كل فريق إلى ما رآه أوفق لكلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام ، وأليق بعظمة الله سبحانه ، وثبات دينه . فكانوا لذلك مجتهدين ، وفي اجتهادهم مأجورين ، وإن كانوا في القرب من الحق متفاوتين ..[16]
وحكي القاسمي في محاسن التأويل قول العنبري :
( كل مجتهد مصيب حتى في الأصول ) [17]
أهل الفرق الإسلامية لا يهجرون ولا يعادون
ويقول جمال الدين القاسمي :
( إن التنابز بالألقاب والتباغض لأجلها الذي أحدثه المتأخرون وفرقوا به بين الأمة ، عقوا به أئمتهم وسلفهم أمثال البخاري ومسلم والإمام أحمد بن حنبل ومن ماثلهم من الرواة الأبرار ، وقطعوا به رحم الأخوة الإيمانية الذي عقده تعالى بينهم في كتابه العزيز وجمع تحت لوائه كل من آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله .
فإذن كل من ذهب إلى رأي محتجا عليه ومبرهنا بما غلب على ظنه ، وبعد بذل قصارى جهده ، وصلاح نيته في توخي الحق ، لا ملام عليه ولا تثريب ، لأنه مأجور على أي حال ، ولمن قام عنده دليل على خلافه ، واتضحت له المحجة في غيره ، أن يجادله بالتي هي أحسن ، ويهديه إلى سبيل الرشاد.. )[18]
وقال القاسمي :
لو كانت الفرق التي رميت بالابتداع تهجر لمذاهبها ، وتعادى لأجلها ، لما أخرج البخاري ومسلم أمثالها لأمثالهم . نعم إن هؤلاء المبدعين وأمثالهم لم يكونوا معصومين عن الخطأ حتى يعدوهم الانتقاد . ولكن لا يستطيع أحد أن يقول إنهم تعمدوا الانحراف عن الحق ، ومكافحة الصواب عن سوء نية وفساد طوية وغاية ما يقال في الانتقاد في بعض آرائهم : إنهم اجتهدوا فيه فأخطأوا .
وبهذا كان ينتقد على كثير من الأعلام سلفا وخلفا لأن الخطأ من شأن غير المعصوم .
وقد قالوا : المجتهد يخطئ ويصيب ، فلا غضاضة ولا عار على المجتهد إن أخطأ في قول أو رأي ، وإنما الملام على أن ينحرف عن الجادة عامدا متعمدا ولا يتصور ذلك في مجتهد ظهر فضله وزخر علمه[19]
ثالثا تبرئة المخالفين لمذهب السلف من الكفر
لا يرضى القاسمي أن يوصف المخالفون من أهل الفرق بالكفر أو الضلال ، وأنكر على الإمام مالك تكفير الروافض من الشيعة ، وذلك في تفسير قوله تعالى
( يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار )
حيث أورد في ( محاسن التأويل ) أن الحافظ ابن كثير نقل عن الإمام مالك تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ثم علق عليه القاسمي بقوله :
( ولا يخفاك أن هذا خلاف ما اتفق عليه المحققون من أهل السنة والجماعة ، أن المجتهد كيفما كان مأجور غير مأزور ، ناهيك بمسألة عدالتهم المتعددة أقوالها )
من المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة قوي شأنها وكثر سوادها لا بد أن يوجد فيها الأصيل والدخيل والمعتدل والمتطرف والغالي والمتسامح وقد وجد بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى وأعظم استجابة ، لأن التوسط منزلة الاعتدال ، ومن يحرص عليه قليل في كل عصر ومصر ئ. وأما الغلو فمشرب الأكثر ، ورغيبة السواد الأعظم ، وعليه درجت طوائف الفرق والنحل ن فحاولت الاستئثار بالذكرى ، والتفرد بالدعوى ، ولم تجد سبيلا لاستتباع الناس لها إلا الغلو بنفسها ، وذلك بالحط من غيرها والإيقاع بسواها حسبما تسنح لها الفرص ، وتساعدها الأقدار ،إن كان بالسنان ، أو اللسان [20]
وأول من فتح هذا الباب _ باب الغلو في إطالة اللسان بالمخالفين _ الخوارج . فأتى قادتهم عامتهم من باب التكفير لتستحكم النفرة من غيرهم ، وتقوى رابطة عامتهم بهم ثم سرى هذا الداء إلى غيرهم ، وأصبحت غلاة كل فرقة تكفر غيرها وتفسقه أو تبدعه وتضلله لذاك المعنى نفسه ، حتى قيض الله تعالى من الأئمة من قام في وجه أولئك الغلاة ن وزيف رأيهم ، وعرف لخيار كل فرقة رأيهم وأقام لكل منهم ميزان أمثالهم[21]
قال القاسمي
( وقد ذهب الغزالي إلى أن الإثم غير محطوط عن المخالفين في مسائل الأصول . وحجته اتفاق سلف الأمة على ذم المبتدعة ومهاجرتهم ، وقطع الصحبة معهم وتشديد الإنكار عليهم ، مع ترك التشديد على المختلفين في مسائل الفرائض وفروع الفقه .
هذا ما احتج به الغزالي . وعجيب من مثله أن يعد هذا دليلا على تأثيمهم . وأي مناسبة بين الدعوى والدليل ؟ على أن دعوى الاتفاق على ذم المبتدعة ومهاجرتهم مردودة بتلقي أئمة الحديث عن كثير منهم ، وحمل السنن النبوية عنهم وجعلهم في الآثار حجة بينهم وبين ربهم )[22]
وينعى القاسمي على ابن تيمية وابن القيم وأمثالهما من السلفيين رميهم لمخالفيهم من الصوفية والأشاعرة بالكفر والفسوق فيقول :
( لا عبرة برمي شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأمثالهما رحمهم الله بالإلحاد مثل النصير الطوسي وابن عربي وبعض الأشاعرة المتأولين لآيات الصفات وآثارها فإن ذلك منه ومن أمثاله حمية مذهبية وغيرة على نصرة ما قوي لديه . وقد عهد في العالم الغيور الذي لا يتسع صدره لخلاف الخصم أن يحمل عليه أمثال هذا وأعظم . وإلا فالنصير قد علم أن له مؤلفات في فن الكلام خدمت وشرحت ، وكلها مما يبرئه عن الإلحاد والزندقة. وعقيدته ومشربه وترجمته المحفوظة تبرئه من مثل ذلك . وابن عربي حق الباحث معه المنكر عليه أن ينكر عليه موضعا لا يحتمل التأويل ، ويقول ظاهره إلحاد . إلا أن الرجل له عقيدة نشرها أولا ، ومذهب في الفقه حسن . فمثله لا يسوغ رميه بالإلحاد .. )[23]
البر والقسط إلى غير المحاربين من الكافرين
فالله تعالى قد حثنا على الإحسان إلى الكافرين غير المحاربين فقال
(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة 8]
وقال (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الممتحنة 7]
فما بالك بالمسلمين من أهل القبلة إذا كانوا مخالفين في الرأي والمذهب فالله المستعان وبه التوفيق
[1] صحيح مسلم ج:4 ص:1987 برقم 2564
[2] رواه أحمد(5/411) رقم 23536 ورجاله رجال الصحيح
مجمع الزوائد (3/266) والترغيب والترهيب (3/375)
[3] تفسير ابن كثير ج:1 ص:390
[4] صحيح مسلم برقم 1715 ج:3 ص:1340
[5] وأخرجه الطيالسي وأحمد وابن حبان والبخاري في تاريخه والترمذي وصححه والنسائي والموصلي وابن خزيمة وابن حبان والباوردي وابن قانع والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب . وفي الدر المنثور ج:6 ص:81
[6] صحيح مسلم ج:1 ص:74 برقم 54
[7] رواه البخاري (1/13) برقم 11
[8] صحيح البخاري ج:1 ص:153 برقم 384
[9] صحيح مسلم ج:4 ص:1986 برقم 2564
[10] صحيح البخاري ج:6 ص:2489 برقم 6398- 6399
[11]
-[12] مسلم في البر والصلة 4650 والترمذي في البر والصلة 1850 وابن ماجة في الفتن 3923 و أحمد في باقي مسند المكثرين 7402 و 8365
[13] البخاري في الصلاة 378 و379 والنسائي في تحريم الدم 3905 وفي الإيمان وشرائعه 4911
[14] البخاري في الإيمان 9 وفي الرقاق 6003 ومسلم في الإيمان 58 والترمذي في الإيمان 2551 والنسائي في الإيمان وشرائعه 4910 وأبو داوود في الجهاد 2122 وأحمد في مواضع منها مسند المكثرين 6228 و6515 والدارمي في الرقاق 2600 .
[15] البخاري في المغازي 4004 ومسلم في الزكاة 1763 وأحمد في باقي مسند المكثرين 10585
[16] تأريخ الجهمية والمعتزلة ص77-78
[17] محاسن التأويل ( 2/142)
[18] جمال الدين القاسمي وعصره ص 252
[19] جمال الدين القاسمي وعصره249
[20] الجرح والتعديل للقاسمي صفحة ( 3 ) انظر جمال الدين القاسمي وعصره صفحة ( 251 )
[21] الجرح والتعديل للقاسمي صفحة ( 7-8 ) انظر جمال الدين القاسمي وعصره ( 252)
[22]
[23] جمال الدين القاسمي وعصره ص 274


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.