لجنة أمن ولاية الجزيرة تقف على ضبط 1880 قندول بنقو    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بحوث: مناهج التأصيل الإصلاحية

وبعد، فهذه دراسة موجزة تقدم التأصيل منهاجاً لإصلاح الدولة والمجتمع، ولتزكية النفوس والعقول، وذلك في مواجهة مشروعات الإصلاح الأخرى، المدعاة من الداخل، أو المستقاة من الخارج.. وذلك في ضوء تعريف شامل بمفهوم التأصيل ومطلوبه، ومن خلال حركة التأصيل بأدواتها وخططها وأعمالها..
أولاً: التأصيل - تعريفه ومطلوباته وخططه
التأصيل في اللغة والإصطلاح:
التأصيل في اللغة مشتق من (أصل) الشيء أي أساسه الذي يقوم عليه، ورجل (أصيل) الرأي أي محكم الرأي.. ومجد (أصيل) ذو أصالة، (والأصالة) تعني فيما تعني الثبات وجودة الرأي، وهي كذلك القاعدة والأساس المتين الذي يقوم عليه الشيء..
وأصْلِيٌّ: ما كان أصلاً، وتعليم أصْلِي: أساسي، وعدد أصْلِي: لا يقبل القسمة إلا على نفسه..
وأصول: العلوم: القوانين والقواعد التي تبنى عليها العلوم كأصول الفقه..
أصيل أصلاء: شريف الأصل عريق..
وأصَّلَ يؤصِّلُ تأصيلاً- الشيءَ: جعل له أصلاً ثابتاً يبني عليه..
وتأصَّلَ يتأصَّلُ تأصُّلاً- الشيءُ: صار ذا أصل ثابت([1])..
أما التأصيل في الاصطلاح، فهو وثيق الصلة بمعناه اللغوي، إذ هو بناء مناهج الحياة على الأصول الثابتة للمجتمع أو الأمة، أو هو بعبارة أخرى أن نردَّ ما ندَّ (أي خرج) عن أصله إلى هذا الأصل مرة أخرى.. والأصل أو الأصول المقصود برد الأشياء إليها، لدى المسلمين، هي مصادر الشريعة الإسلامية، حيث الأصل الأول هو القرآن الكريم والأصل الثاني هو السنة النبوية، ثم تأتي أصول التشريع الأخرى تبعاً لهذين الأصلين كالإجماع والقياس فيما ليس فيه نص قرآني أو نبوي. والأصول في مجتمع تعددي تتعايش فيه الأغلبية المسلمة مع غيرها من الأقليات غير المسلمة، هي الأصول الإسلامية وأصول الأعراف الكريمة، أو ما كانت أصوله عائدة إلى مكارم الأخلاق من الموروثات الشعبية والتقاليد الكريمة..
وبعبارات أخرى فإن التأصيل هو إعادة كليات الحياة كلها، لا سيما الحياة العامة، إلى أصول الأمة الدينية وما تأسس عليها من أعراف كريمة. أو هو إرجاع مناهج الحياة، وما يتفرع عنها من قوانين ونظم وخطط، إلى هذه الأصول.. والتأصيل من وجه آخر هو إعمال الأصول في القضايا المعاصرة، مع الانتفاع من المعرفة والتجربة البشرية، فهو تأصيل مستنير منفتح على التحديث الرشيد..
مطلوبات التأصيل:
التخطيط الشامل للتأصيل:
وهو يستهدف تحقيق المقاصد العليا للتأصيل من إقامة مناهج الحياة على أصول الأمة، لإنتاج حضارة قيمية تجمع بين معطيات العلم المادي ومرجعيات العلم الديني في سياق حضاري واحد..
الخطة الخاصة للتأصيل:
أعمال نموذجية للتأصيل:
1- تأصيل المشاركة السياسية (الشورى)([2]).
2- تأصيل النشاط الاقتصادي والمالي([3]).
3- تأصيل النظام الاجتماعي (الأسرة)([4]).
4- التأصيل الثقافي والاجتماعي لمواجهة آثار العولمة([5]).
5- تأصيل علاقة الدين بالدولة في اتفاقية السلام([6]).
ثانياً: حركة التأصيل
اتصلت حركة التأصيل الشاملة منذ قيام ثورة الإنقاذ بإعلانها تحكيم الشريعة الإسلامية في مناهج الحياة كافة: القوانين والنظم، الخطط والسياسات، العمل السياسي والنشاط الاقتصادي، الحركة الثقافية والتعليمية، الإعلام والمعلومات.. وذلك بتركيز على الحياة العامة.. أما الحياة الخاصة فقد توجهت إليها أنشطة الدعوة والتزكية. وازدياد المساجد ومرتادوها وتنامي جمعيات القرآن الكريم دليل على ذلك.. بحسبان أن تزكية الأسرة هي تزكية المجتمع، والإصلاح في المجتمع هو مصدر الإصلاح في الدولة..
وقد برزت آثار حركة التأصيل كعمل فكري وتطبيقي في تأصيل القوانين، وتأصيل النشاط الاقتصادي، وهما الحقلان اللذان كان يقع فيهما التخليط بين ما هو علماني المرجعيات وما هو أصلي يرجع إلى أصول ديننا في الكتاب والسنة..
وأخذت تتوالى الإصدارات والملتقيات، وهي تجتهد في دفع حركة التأصيل.. وقامت في الدولة مؤسسات تأصيلية، ونشأت في المجتمع منظمات مشتغلة بالتأصيل. يجري بينها تنسيق الجهود العلمية..
وجاءت ثورة التعليم- العام والعالي، وهي تتجه إلى تأصيل المعارف والبحوث، ونشطت حركة التعريب كأحد روافد التأصيل، ودخلت الثقافة الإسلامية كأحد مناهج التعليم الجامعي والمطلوبات الجامعية..
أما في العمل السياسي فقد نشأ مفهوم تأصيلي للسياسة، من حيث هي إدارة الشؤون العامة وفق الحق والصدق، وجرى تأصيل اللامركزية- (الحكم الاتحادي والحكم المحلي)، من حيث هي توخٍّ لإحقاق الأمر الإلهي بالعدل، سواء في تقسيم السلطات أو توزيع الثروات إعمالاً لقوله تعالى، {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى}، وقوله عز وجل {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به}.. كما جرى تأصيل المشاركة السياسية على هدى نظام الشورى في الإسلام {وأمرهم شورى بينهم}.. وارتفع التأصيل بحقوق الإنسان إلى منزلة الحرمات التي يتعبد الناس لله تعالى بأدائها ورعايتها، وبما يفوق جهد البشر المجرد في الصكوك الدولية بأمد بعيد..
أما السلام- والجنوح إليه من خلال مفاوضاته واتفاقاته، فقد أحيط بتأصيل متفرد، تقدمه التجربة السودانية للعالم، كقيمة إسلامية عليا، ترعى العدل والإحسان، وتحكم بين الناس جميعاً وفقهما..
وقد أبرزت حركة التأصيل، من واقع تدين الشعب وتوجيهات الدين، مقدرة الإسلام الفائقة على تنظيم مجتمع متنوع الثقافات ومتعدد الملل كالسودان، على قاعدة التعايش الاجتماعي السلمي والمساواة في حقوق المواطنة وواجباتها..
حتى علاقات السودان الخارجية ارتبطت بالقيم الأخلاقية والقواعد الإيمانية التي يرعاها المسلم في التعارف والتواصل والتعايش مع المجموعات الأخرى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم}[الحجرات]..
وظل الجهاد مرتبطاً بقيم الدين في رد البغي وصد العدوان والدفاع عن الحقوق، ولذلك جاء الجنوح للسلم نزولاً على الأمر الإلهي: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله}، ورجاءً في البشرى الإلهية {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة......}..
وقد رعت حركة التأصيل النشاط الديني الأهلي، سواء لدى جماعات الدعوة أو المؤسسات التعليمية والتربوية، ولقي كتاب الله الكريم، في الحفظ والتلاوة والتفسير، عناية فائقة، كما وجدت السنة النبوية، في الحديث والسيرة، رعاية لائقة..
وقد أنتجت حركة التأصيل المؤسسية، حركة اجتماعية موازية في نشر مظاهر التدين، وتعظيم الشعائر، بين الشباب والنساء، مما يعد تحصيناً ذاتياً للمجتمع في وجه الغزو الثقافي العلماني المجتاح، وهو جهد لابد من استكماله وتسديده..
وقد كانت للإدارة العليا للتأصيل (مستشارية التأصيل) أعمالها الفكرية النموذجية، سواء في الإصدارات أو أوراق العمل.. ومن ذلك كتاب الشورى في تأصيل العمل السياسي، وكتاب الأسرة في تأصيل الحياة الاجتماعية([7])، وورقات عمل ومخاطبات في التأصيل الثقافي والاجتماعي، وفي التأصيل الاقتصادي والمالي.. هذا فضلاً عن كتاب التأصيل الدوري الذي يعرض خطط التأصيل ونماذج الأعمال التأصيلية، وهناك الأعمال التأصيلية للهجرة النبوية، وصحبة الصحابة، وتراث الخلوة..
ثالثاً: التأصيل للانتقال من التخلف إلى التقدم
الأمة الإسلامية في عمومها اليوم متخلفة عن موجه الثورة التقنية، التي تتقدمها تقانة المعلومات، وهندسة الموروثات، وهي تبعاً لذلك متخلفة في التنمية والتحديث.. وذلك على خلفية تاريخية من تخلفها عن موجة الثورة الصناعية، وما أنتجته من بحث وتطوير في وسائل الإنتاج ومصادر الطاقة.. وهذا التخلف المادي لهذه الأمة هو المصير الحتمي لبعدها المنهجي والزمني الطويل عن مصادر القوة الكامنة في دينها.. وهي التي قامت عليها أول حضارة عالمية في التاريخ تجمع بين معطيات العلم المادي ومرجعيات العلم الديني في منظومة واحدة من القيم تستوعب سائر وجوه الحياة والنشاط البشري. وهي الحضارة التي أخرجت أوربا من عصورها المظلمة، فنقلت إليها حرية البحث العلمي أمام الجهالة والخرافة، وعلمتها الإصلاح الديني إزاء هيمنة الكنيسة، وألهمتها التحرر الاقتصادي من الاستعباد الإقطاعي، وساقت إليها التحرر السياسي من الاستبداد الملكي. ذلك بأن البعث الإسلامي كان بمثابة حركة تحرير للشعوب المستضعفة والمجموعات المضطهدة، فقد حرر القوميات العديدة التي كانت خاضعة لاستبداد الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية. وما كان لحركته التحريرية أن تفلح لولا تعاون تلك القوميات معها، بحثاً عن عدالة الإسلام، ذلك بأن قوة المسلمين العسكرية لم تكن متكافئة القوى مع جيوش الإمبراطوريتين العريقتين المتمرستين على الحرب بأقاليمهما (والعرب غرباء على تلك الأقاليم)- وتذكر المصادر التاريخية أن جيش المسلمين الذي حرر مصر من الحكم الروماني كان بالمئات بينما كان الجيش الروماني بعشرات الآلاف.. هذا بالطبع إلى جانب ما يمتلكه المسلمون من قوة العقيدة، وقد أعانهم عليها ما سبقهم إلى تلك الأمصار من أخبار عن عدالة الإسلام، التي هي ثمرة العقيدة..
وكان ذلك العدل الشامل معروفاً منذ عهد البعث الأول يوم أجاب ربعي بن عامر على القائد الفارسي رستم حين سأله عما أخرج المسلمين فقال ربعي (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)..
وأروبا في اقتباسها المعارف وحقوق الإنسان من المسلمين في عصر النهضة قد أخذتها كمبادئ وضعية مبتورة من مرجعياتها الإيمانية والأخلاقية، وهو ما آل إلى العلمانية من حيث هي مذهبية تقوم على المعرفة الدينية دون المعرفة الأخروية {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}.. ولذلك فإن الثورة الصناعية التي أنبنت على البحث العلمي التجريبي، ذي الجذور الإسلامية، قد حققت الارتقاء بمستوى الحياة المادية، وبوسائل الإنتاج والتنظيم والإدارة، ولكنها خلفت بنزعتها العلمانية آثاراً واسعة عميقة في الإخلال بثوابت القيم الأخلاقية، وهي تبحث عن المنفعة المادية، وتتوسل بالقوة المادية، في صراعها على مصادر السلطة والثروة. وهذا ما ولدَّ ظاهرة الرأسمالية العالمية. وكان نتاج هذا الصراع الرأسمالي انقسام العالم إلى شمال صناعي غني مستأثر بمقومات التقدم، وجنوب نام فقير تتسع الهوة الحضارية المادية بينه وبين الشمال كل يوم.. وقد تداعت نتائج هذا الصراع إلى تهديد البشرية بالخطر البيئي الماثل والخطر النووي المنظور.. فكأن هذه الحضارة المادية تحمل مقومات التقدم وبذور الفناء في آن واحد.
واليوم يصير للثورة التقنية آثار أوسع وأعمق على العالم بأسره، سواء في تغيير الاتجاهات الثقافية أو تبديل المناهج السلوكية.. وذلك في النزعة إلى عولمة العالم، بكل تعدديته الثقافية، وفق نمط الحياة الغربية.. وهي موجة جديدة للهيمنة تسعى لكسب مناطق النفوذ وتأمين المصالح.. وتتخذ لذلك منهجاً مزدوجاً: استخدام القوة العسكرية، وتجريب مشروعات الشراكة المزعومة، ومخططات الإصلاح المشبوهة.. وهي شراكة تفتقر إلى المحتوى في ظل علاقات التبادل الدولي غير المتكافئة، كما هو إصلاح سياسي يسعى لتبوئ النخب المستتبعة للغرب مواقع السلطة باسم التحول الديمقراطي. كما وهو إصلاح اقتصادي يطلق حرية الاستثمارات الاحتكارية للشركات الغربية وشركائها المحليين، على حساب العدالة الاجتماعية للأغلبية من الطبقات الفقيرة، باسم اقتصاد السوق. أما الإصلاح الاجتماعي المدَّعى فيعمد إلى إشاعة الإباحية الجنسية، وتحطيم التماسك الأسري والنسيج الاجتماعي باسم حقوق المرأة وتمكين الناشئة.. ويمتد مشروع الإصلاح التعليمي المزعوم لإحلال المبادئ العلمانية محل العلوم الدينية باسم حرية الوصول للمعلومات وحرية الفكر والعقيدة..
تأسيساً على حقائق هذا الواقع العالمي، يصير التأصيل (الذي هو بتعريف مجمل الرجوع إلى الأصول) ضرورة واقعية للأمة الإسلامية، وفريضة دينية على مجموعاتها. ذلك بأن هذه الأمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها. أما أولها فقد أصاب ذروة الإصلاح حين غيَّر ما بنفوس أفراده فغيَّر مجتمعه الصغير والكبير، وغيَّر من ورائه المجتمع العالمي.. {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}..
والتأصيل ليس رجوعاً جامداً بغير فهم أصيل للأصول، وإنما هو فهم واع لثوابت هذه الأصول، وتجديد حي في الوسائل والأدوات لإعمال هذه الأصول على متغيرات العصر، ومستجدات الواقع.. وذلك في انفتاح رشيد لاستيعاب العلوم والمعارف والتجارب البشرية النافعة على قاعدة نبوية حكيمة: (الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها)..
العوامل المعينة على التأصيل:
تتضافر عدة عوامل داخلية وخارجية، ذاتية وموضوعية، لتجعل حركة التأصيل ممكنة ميسورة، إذا توفرت قوة الإرادة وطاقة الحكمة، ويمكن تحليل هذه العوامل فيما يلي:
أولاً: اتسام الثورة التقنية نفسها بخاصية المرونة والانفتاح على التجارب الذاتية لكل المجموعات البشرية على اختلاف معتقداتها وثقافاتها.. وذلك بحيث يمكن للدول النامية الأخذ بأحدث المعطيات التقنية، متخطية إعادة التجريب لمراحلها التاريخية، متى ما توفرت بيئة البحث العلمي للتوطين التقني. والبلاد الإسلامية في شرق آسيا (ماليزيا، اندونيسيا، باكستان)، نماذج لمقدرة اللحاق بالتقدم التقني الذي يحافظ إلى حد كبير على الأصالة الثقافية.. وهناك دول أخرى غير إسلامية في هذه المنطقة (اليابان والهند) استطاعت أن تحدث التقدم التقني النسبي مع شيء من الحفاظ على هويتها الثقافية..
ثانياً: الموروث الحضاري الموروث للأمة الإسلامية في تلاقحها الثقافي، في عصر النهضة الإسلامية، مع الشعوب المحيطة بدولة الخلافة الإسلامية.. وقد كان منهاج ذلك التلاقح هو استيعاب المعارف والتجارب النافعة الأخرى، بعد تنقيتها من جذورها الوثنية، وصهرها في بوتقة منهاج التربية الإسلامية والمقاصد الإسلامية، ثم الوصول إلى الإبداع في الإنتاج الحضاري المستقل.. فلم تكن الحضارة الإسلامية ناقلاً محضاً لتلك المعارف والتجارب، وإنما كانت تلك الحضارة تملك كل مقومات الإبداع الذاتي.. فالمسلمون قد جدوا التجربة العلمية لدى الإغريق ذات خصائص وصفية تأملية، فأضفوا عليها الخصائص التحليلية التطبيقية، مما أنتج روح البحث العلمي الذي اعترف المفكرون الغربيون المنصفون بمرجعيتها الإسلامية.. واليوم فإن على المسلمين ألا يكتفوا بنقل التقانة، مجرد النقل، وإنما أن يوطنوا بيئتها البحثية وأدواتها التطبيقية، أسوة بمنهاج حضارتهم السالف.. فعليهم في تأصيل العلوم والتقانة تخليصها من نزعتها العلمانية، وربطها بعقيدة التوحيد، ثم تحويل أهداف البحث العلمي والتطوير من الاستخدام المطلق للأغراض العسكرية والتجارية إلى الأهداف الإنسانية العليا في توطيد دعائم السلام والأمن وبسط عدالة التنمية دونما إخلال بتوازن البيئة.
ثالثاً: وحركة التأصيل الشاملة يقتضيها واجب الدعوة والبلاغ أن تبرز نظرياً وعملياً تفوق المناهج الإسلامية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. فحقوق الإنسان في الإسلام، والتي يجمعها حق الحياة وحق الحرية، تبلغ الذروة التي تتقاصر دونها الصكوك الدولية، فإن حق الحياة لأي فرد بشري يعدل حق الحياة للنوع البشري بأسره، فمن اعتدى عليه كأنما اعتدى على الحياة البشرية بأجمعها {من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}..
وحق الحرية هو مستمد من حرية الاختيار بين الإيمان والكفر، الذي تترتب عليه المسؤولية في الدنيا والآخرة {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.. حيث إكراه في الدين مصادرة لهذه الحرية والمسؤولية {لا إكراه في الدين}..
أما الشورى في الإسلام فهي عماد المشاركة في السلطة {وأمرهم شورى بينهم} أي أن أمر الناس كله فيما لم ينزل به الوحي هو شورى بينهم كلهم دون تمييز.. ومفهوم الشورى يتصل بجوهر الممارسة، وهي استخلاص الرأي الجامع من خلال الحوار الجامع. هذا بينما الديمقراطية تتعلق بالقواعد والإجراءات والمؤسسات، فهي من الوسائل والأدوات التي تأخذ بها الأمة الإسلامية في ممارسة الشورى، مع توسيع هذه المشاركة الشورية قدر المستطاع، وبالرأي الحي دون الاقتصار على الاقتراع الجامد.. (وقد أفردنا كتاباً للشورى يحمل هذه القيم العليا، كنموذج لتأصيل المشاركة السياسية)..
وفي مشروعات الإصلاح المزعومة يرتبط الخروج من دائرة التخلف الاقتصادي، والثقافي بالخروج من المناهج الدينية والارتباط بالمبادئ العلمانية، حتى ربطوا الديمقراطية بالعلمانية، مع أن المشاركة في السلطة لم تظهر على تمامها في التاريخ إلا في ظل أكبر بعث ديني، هو البعث الإسلامي.. وذلك من خلال نظام الشورى في عصر النبوة والخلافة الراشدة، بدءً من اختيار الحاكم (البيعة الخاصة والبيعة العامة)، والمشاركة بالرأي (المناصحة)، وانتهاءً بالمراقبة والمحاسبة والتقويم وقد استهل الخليفة الراشد الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه عهد خلافته بخطبته الشهيرة التي تمثل مرجعية دستورية وحقوقية عليا، وذلك بقوله:
1- "لقد وليت عليكم ولست بخيركم".. فالحاكم لا يتميز عن سائر المواطنين إلا من حيث جسامة المسؤولية التي يفرضها منصبه (الولاية)، ولكنه متساوٍ معهم في الحقوق العامة.
2- "فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني" وهو إرساء لمبدأ المراقبة والمحاسبة لأراء الحكام..
3- "أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم" وفي ذلك إقرار للمرجعية الدستورية في الاحتكام بين الرئيس والمرؤوس، وهي طاعة الله تعالى من خلال طاعة أمر ونهيه، كتاباً وسنةً..
وذلك من حيث أن الشورى أمر رباني وعمل إيماني وقد اقتضتها أمانة الاستخلاف الأرض التي هي حق لكل فرد، ولذلك تصير المشاركة في السلطة بالقول أو بالعمل حقاً لكل فرد، ولكل مجموعة.. وهو ما يعير عنه القرآن بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}..
وهكذا فإن التأصيل هو تفتح معرفي وسلوكي على المستقبل، وليس مجرد إنكفاء جامد على الماضي، فالرجوع إلى الأصول، وعلى رأسها القرآن الكريم، هو رجوع إلى قيمة التفكر والتدبر، ومن ذلك منهج البحث العلمي الذي دعا إليه القرآن الكريم، بمثل قوله تعالى {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق}.. والسير (البحث) والنظر (العلمي) هما دعوة مباشرة للبحث العلمي المسدد بمقاصد الدين.. وهو بحث حتى في نشأة الخلق، ناهيك عن المعارف والخبرات الضرورية لأداء أمانة الاستخلاف في الأرض..
هذا وعلى الله قصد السبيل؛؛؛
([1] ) مختار الصحاح للإمام عبد القادر الرازي، و المعجم العربي الميسر، لاروس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم..
([2] ) كتاب الشورى- مراجعات في الثقافة والسياسة ، أ.د. أحمد علي الإمام.(1425 ه، 2004م)
([3] ) كتاب التأصيل 1422ه - 2001م.
([4] ) تحت الطبع، ونشر منه شيء بعنوان: الأسرة المسلمة حصن المجتمع الراشد (كتاب التأصيل 1425ه - 2004م)..
([5] ) كتاب التأصيل (المصدر السابق ) .
([6]) كتاب التأصيل (المصدر السابق )..
([7] ) تحت الطبع..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.