وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    عبد الله يونس.. الصورة الناطقة..!!    الأهلي الأبيض يبدع ويمتع ويكسب الهلال بثلاثية    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خصائص الفن عند البنا - بقلم عصام تليمه

لقد امتازت تجربة البنا والفن ، والفن بوجه عام عند البنا بعدة خصائص تبيّن ملامح هذا المشروع الفني ، وتبيّن الميزات التي امتاز بها ، وهي بإجمال :
1 فن ملتزم :
فقد امتاز الفن عند البنا بأنه فن ينطلق في دائرة الالتزام ، ولا يُحيد عنها ، فله أخلاقيات ومبادئ يسير في إطارها ، فلا يُستدرج لمحرم حتى ولو كان مما يُعجب الجمهور ويجذبه ، كما في كثير من وسائل الفن غير المنضبط بضوابط الشرع ، ولذلك لما هاجم أحد المتدينين مسرحية عن ( الذبيح إسماعيل ) عليه السلام ، وأشاع أنهم أتوا محرّماً في ذلك ، ومثّلوا شخصية جبريل عليه السلام ، ولم يكن البنا قد شاهد المسرحية ، فأوقفها البنا إلى أن يتبيّن من ذلك جيداً ، وقال : نتوقف سداً للذريعة .
2 فن منفتح :
كما امتازت تجربة البنا في الفن بالانفتاح ، سواء في الانفتاح من حيث تكوين الفرقة ، أو من حيث عرض الموضوعات ، فلم يُصر على أن يكون أعضاء الفرقة من تنظيم جماعة الإخوان فقط ، أو من المسلمين فقط ، بل رأينا عدداً من فرقته ليست له علاقة تنظيمية بالإخوان ، واستعان بالعنصر النسائي أيضاً ، واستعان بغير المسلمين في العمل المسرحي والدعاية .
وكان منفتحاً في موضوعاته التي تناولها وأدّها ، فلم يقف موقف التضييق من قضايا يجد فيها الإسلاميون اليوم حرجاً شديداً في طرحها ، بل إنكاراً ، فرأينا أول مسرحية للإخوان يقدمونها على مسرحهم ( جميل بثينة ) وهي مسرحية رومانسية تتكلم عن الحب العذري العفيف .
3 فن واقعي :
فهو فن لم يحلّق بالناس في أجواء خيالية لا تمت إلى واقعهم بصلة ، فلم يأتش لهم بقصص أو مسرحيات بعيدة عن واقعهم ، وإن استلهم معظمه من التاريخ الإسلامي والعربي ، فعالج قضايا الحب والعروبة والوطنية ، من خلال المسرحيات التي قدمها مسرح الإخوان المسلمين .
4 فن يجمع بين الأصالة والمعاصرة :
فهو يجمع بين أصالة الفكر والمنطلق ، وبين معاصرة الوسائل والأدوات ، لم يقف عند حدود القديم ، مهملاً الحديث ومستجداته ، فيكون بذلك خطاباً محنطاً جُلب لزمان لا يصلح له .
عوامل نجاح تجربة البنا في الفن
لقد حالف النجاح تجربة البنا في الفن ، لعدة عوامل ساعدت على هذا النجاح ، ينبغي دراستها :
1 اعتماده على مبدأ إنسانية الفن :
من أولة العوامل التي ساعدت على نجاح تجربة الإمام البنا في الفن ، أنه تبنى مبدأ هاماً في تناول الفن والتعامل معه ، وهو مبدأ اعتماد إنسانية الفن في الحكم على الفن من حيث إسلاميته ، وهو ما تبناه نظرياً وكتابة فيما بعد الأستاذ محمد قطب حفظه الله ولكن في مجال الأدب ، فتبنى مبدأ إنسانية الأدب ، وقد سبقه إلى ذلك الأستاذ البنا في الفن ، فتبنى المبدأ عملياً ، ويبدو أنه ساقه إلى ذلك تنظير علمي ، وإن لم يترجم إلى كتابة في كتابات الأستاذ البنا ، فقد حاولت البحث في كل تراث الإمام البنا المجموع منه وغير المجموع كي أعثر على نص في هذا المقام فلم أجد ، ولكني وجدته في تطبيقه العملي في تجربته ، وأعني بأن الإمام البنا تبنى مبدأ إنسانية الفن ، أي أنه وضع أهدافاً للفن الإسلامي ، وأن هذا الهدف إذا تحقق ولو على يد من لا يؤمنون بقضية الفن الإسلامي أن نعتبر هذا الفن معبّراً عن الفن الإسلامي .
وقد تأملت في هذا التوجه عند الأستاذ البنا ، فألفيته منهجاً إسلامياً بلا شك ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم على المبادئ والمفاهيم والثقافات من حيث أهدافها ونفعها ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن شعر أمية بن أبي الصلت الشاعر الذي مات كافراً : " آمن شعره ، وكفر قلبه " .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثم أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل . وكاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلم " .
قال الإمام المناوي : ( وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم ، لكنه لو يوّفق بالإسلام مع قرب مشربه ) .
وعن الشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنه قال : " ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال : هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيئاً ؟ قلت : نعم ، قال : هيه . فأنشدته بيتاً ، فقال : هيه . ثم أنشدته بيتاً . فقال : هيه . حتى أنشدته مائة بيت . قال : إن كاد ليسلم " .
قال الإمام النووي : ( مقصود الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم استحسن شعر أمية واستزاد من إنشاده ، لِما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث ، ففيه جواز إنشاد الشعر الذي لا فحش فيه وسماعه ، سواء شعر الجاهلية وغيرهم ) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم حكم على شعره بالإسلام ، وإن لم يؤمن قلبه ، وكان يستنشد صحابته ويستزيدهم من شعره ، رغم كفر الرجل .
كما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامية مبدأ وهدف حلف الفضول الذي عُقد في بيت عبد الله بن جدعان ، قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ، وهو حلف لنصرة المظلوم ، فقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : " لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت " .
2 تبنّيه فقه التيسير :
كما ساعد الإمام البنا في تجربته الفنية أنه تبنى فقه التيسير في قضايا الفن ، فإن فقه التيسير كفيل باستمرارية الفن ، أما فقه التشدد فلا يمكن أن ينشأ فن في ظلاله أبداً ، وأحب أن أوضح أمراً مهماً هنا حتى لا نفهم قضية التيسير عند البنا خطأ ، وهو : أن ما أعنيه بالتيسير هنا عند البنا : ليس التهاون أو التفريط ، أو التساهل والتجاوز لأوامر الله ونصوص شريعته ، فما يعقل أن يفعل ذلك البنا ولا عالم يخشى الله سبحانه وتعالى ، وإنما الذي أعنيه بالتيسير : هو الميل في الفتاوى والآراء إلى الأيسر ، وذلك يكون إذا كانت المسألة محل رأي واجتهاد واختلاف ، أو كان فيها نص محتمل ، وإذا تساوت أدلة الجواز والمنع ، وهو في ذلك لا يخالف الشريعة ، بل هو ملتزم بروحها ونصها ومقاصدها ، وهو ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه والمسلمين جميعاً فقال : " يسّروا ولا تُعسّروا ، وبشّروا ولا تُنفّروا " . وهو منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي " ما خُيّر بين امرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً " .
كما يعضد ذلك أيضاً عدة أحاديث منها : قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه " .
وقوله : " إن الله يحب أن تؤتى رخصه ، كما يكره أن تؤتى معصيته " .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يحب أن تُقبل رخصه كما يحب أن تؤتى فريضته "
وسار الصحابة والتابعون على هذا النهج النبوي ، يقول ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما : إن الله يحب أن تؤتى مياسره ، كما يحب أن تؤتى عزائمه .
وقال إبراهيم التيمي : إن الله يحب أن تؤتى مياسره ، كما يحب أن تطاع عزائمه .
وقال عطاء : إذا تنازعك أمران فاحمل المسلمين على أيسرهما
وقال الشعبي : ما خُيّر رجل بين أمرين فاختار أيسرهما ، إلا كان ذلك أحبهما إلى الله تعالى .
فالبنا لم يكن بِدْعاً أن تبنى فقه التيسير في قضية الفن ، وذلك لتسيير عجلة الفن ، فلو أن البنا مثلاً وقف عند قضايا الفن متبنياً الرأي الأشد في القضية المطروحة لما أنشأ فناً ولما اقترب منه سواء منشئاً أو حتى مشاهداً له ، فلو استعرضنا القضايا المثارة فقهياً في مسألة الفن وتبنّينا فيها قضية التشديد بديلاً عن التيسير ، فلَكَم أن تتخيلوا أنه لا فن أساساً ، وهذه بعض القضايا المثارة في الفن من حيث وسائله : استخدام الآلات الموسيقية ، فسنرى فتاوى تبرز عندئذ بحكم استخدام الآلات الموسيقية ، وأنها محرّمة ، ثم إذا كانت هذه الآلات حلالاً ، أو كان منها ما هو حلال شرعاً ، فمن يستخدم هذه الآلات ؟ إنهم لا يُجيزون ذلك إلا للمرأة ، ثم يتفرع عن ذلك قضية أخرى : لمن تضرب المرأة بالدف أو آلة الموسيقى التي تباح عندهم ؟ إنها لا بد من استخدامها ذلك لسيدها ، أو لزوجها ومحارمها فقط ، حيث إنهم لا يُجيزون للرجل استخدام ضرب الدف ، فضلاً عن الآلات التي يُحرمون استخدامها بداية .
ثم الانتقال إلى قضية ثانية ، وهي : من يعمل بالفن وما حكمه ؟ إن العمل بالفن عند الرأي المتشدد فيه حرج شرعي ، وهو أنه خارم للمروءة ، وبذا تسقط شهادة من يعمل بالفن ، وتجرح في عدالة شخصيته .
ثم تأتي قضية شرعية ثالثة تُثار ، حتى لو أجاز القائلون بالنهي عن استخدام الآلات ، والعمل بالفن ، فهم يثيرون قضية أخرى ، وهي : لو كان العمل بالفن جائزاً فلا يجوز أن يكون الفن مهنة يأخذ عليها الإنسان أجراً .
ثم إن اشتراك المرأة في الفن لا يجوز ، لأنه اختلاط ، والاختلاط مذموم ومحرم شرعاً ، غير مفرقين بين ما هو من باب الاشتراك الجائز وبين ما هو محرم لما يجلبه من مفاسد خلقية . وكذلك فإن صوت المرأة عورة ، فلا ينبغي لها أن تبرز صوتها ، فضلاً عن أنها تمثّل أو تغني .
وهكذا عدة قضايا فقهية تثار ، لو أن البنا وقف عند هذا الجدل الطويل الذي لا يقتنع فريق برأي الفريق الآخر ، لما تحرك تجاه العمل ، ولما ظهرت لعمله ثمرة ، بل إن الإمام البنا رحمه الله تخطى كل هذا بتبنيه فقه التيسير في الفن ، والأخذ بأيسر الآراء في ذلك .
3 عامل بيئي :
والحق إن أهم عامل ساعد البنا في ذلك هو طبيعة المجتمع المصري آنذاك ، ولم يكن في عهده من يشوّش على مسيرته الفنية تشويشاً يعيقه بصورة شديدة كما هو الآن ، فأكبر الأمور التي ممكن تحدث وقتها أن يهاجمه كاتب في مقال وينتهي عند هذا الحد ، وليس كما نرى الآن تجهّز ترسانة علمية من الكتب والمقالات والمجلات والمنشورات والفضائيات ضد من يخالف بعض التوجهات في رأي فقهي ، فلو قارنا ذلك مثلاً في حياة البنا الدعوية بفتوى واحدة للشيخ يوسف القرضاوي الذي قامت الدنيا وما قعدت لرأي ذكره يجيز فيه عمل المرأة بالتمثيل الذي وضع له شروطاً تضبط الأمر ، كأن يكون اشتراكها ضرورياً ، وأن تظهر بلباس الإسلام ، ولا تضع المساحيق ، وأن يراعي المخرج والمصوّر عدم إبراز مفاتنها والتركيز عليها في التصوير ، فقام عدد من كتّاب الدعوة السلفية بمخالفته ومهاجمته كتابةً ، بل ومن كتّاب الإخوان كذلك ، وأفردت مجلة ( المجتمع ) الكويتية أعداداً لذلك .
فالبيئة العلمية والدعوية في عهد الأستاذ البنا نراها قد سبقت سبقاً هاماً في التطور الفكري ، بدأ هذا التطور في الانحسار فيما بعد ، فمثلاً مما تستهجنه الساحة العلمية والدعوية الكتابة عن الأحياء ، والإشادة بجهودهم ، ومدحهم والثناء عليهم بما يستحقون ، ولكن على عهد البنا كانت البيئة تسمح بذلك وتتقبله ، كما رأينا من كتابات كتبت عن البنا في حياته ، ككتاب ( روح وريحان ) للأستاذ أحمد أنس الحجاجي ، وكتابة الأستاذ محب الدين الخطيب عن البنا في مجلة ( الفتح ) مقالاً كاملاً عنه بمناسبة مرور عشرين عاماً على دعوة الإخوان ، وكتابته كذلك يشيد بالكاتبين الشابين : الأستاذ محمد الغزالي والأستاذ سيد قطب .
هذا نموذج أردت أن أضربه لأبين للقارئ كيف كانت بيئة البنا ومناخه العلمي آنذاك من العوامل المساعدة لذلك ، وهو ما انتفى عن طبيعة المناخ العلمي والدعوي فيما بعد .
كما أن الزمن وقتها كان يسمح بالفن الملتزم ، ولا يرى حرجاً من ذلك ، كما رأينا من وضع البنا برنامجاً لأي ضيف يأتي مصر من الخارج أو يصحب الضيف إلى الأوبرا ، وقد حكى ذلك عنه أحد سكرتاريته الحاج محمود أو رية ، وقد ذكر أنهم ذهبوا مرة بأحد الضيوف ، ولم يجدوا عدداً من التذاكر يكفي لدخول الجميع ، فطلب منهم الأستاذ البنا أن يدخلوا ويصحبوا معهم الضيف ، وانتظرهم في مكان آخر إلى نهاية العرض .
كما كان يذهب للأوبرا في هذا الوقت أيضاً عدد من علماء الأزهر المبجلين ، وكانوا يقيمون علاقات بالفنانين من أصحاب الفن المحتشم ، كالشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الذي ذهب إلى الأوبرا وحضر فيها بعض الاحتفاليات ، والغريب أن الشيخ المراغي ذهب للأوبرا في الثلاثينات من القرن الماضي ، ولم ينتقد هذا الصنيع أحد من علماء عصره ، ثم جاءت مرحلة الثمانينات لتكتب مجلة ( التوحيد ) التي تصدر عن جماعة أنصار السنة بمصر لتنبش في ماضي الرجل كاتبة هجوماً حاداً عليه ، جاعلة عنوان المقال : عمائم في الأوبرا !!! ما اضطر ابنه الدكتور إسماعيل المراغي أن يكتب توضيحاً في الفرق بين أوبرا الماضي وأوبرا الحاضر ، وأن أوبرا الماضي كانت تراعي البيئة والالتزام فيها ، فكانت تقدم فناً غير مسفٍّ .
وهناك أيضاً الشيخ مصطفى عبد الرزاق شيخ الأزهر ، المعروف بعلاقته بالفنانين ، وعلى رأسهم محمد عبد الوهاب وأم كلثوم .
كما كان بين الفنانين من يحمل لقب شيخ ، ويباهي به ، ولا يجد حرجاً فيه ، ولا تستنكف الطبقة الفنية من ذلك ، ولا تلفظه وترفضه ، كالشيخ سلامة حجازي ، والشيخ زكريا أحمد ، والشيخ إمام عيسى ، إلى آخر مطرب من طبقة المشايخ الشيخ سيد مكاوي .
هذه البيئة وهذا المناخ لا شك كان له عامل كبير في نجاح تجربة البنا رحمه الله في الفن .
4 اعتماده على المختصين :
وقد ساعد البنا في نجاح تجربته الفنية ، أنه ارتكز بشكل أساسي على المختصين في هذا الفن ، فقد اعتمد على مختصين في كل شق فني ، بداية بالكتابة المسرحية ، فلم يأتِ بأي كاتب هاوٍ للكتابة الأدبية ، بل كتب معظم مسرحيات مسرح الإخوان آنذاك الأستاذ عبد الرحمن البنا شقيق الأستاذ البنا ، وهو أديب مطبوع ، وكاتب مسرحي معروف بهذا التوجّه .
كما اعتمد البنا على مختصين في أداء المسرحيات الفنية ، فقد رأينا أعضاء فرقته فيما بعد من عمالقة الفن العربي ، وقد ذكرنا عدداً كبيراً من أسمائهم من قبل .
بل حتى في دعايته للمسرحيات ، كان الأستاذ البنا يعتمد في ذلك على المختصين ، ويقوم بالدعاية الكافية لذلك ، التي تجلب الجمهور لمشاهدة فن فرقته .
5 تبني قضية الفن جماعياً :
ومن عوامل نجاح تجربة البنا فنياً أنه تبنى قضية الفن ، وجعل منها قضية أولاها اهتماماً ورعاية وعناية ، فقد كان الأستاذ البنا رغم أنه أوكل إدارة أمر الفرقة المسرحية لأخيه الأستاذ عبد الرحمن البنا ، إلا إنه دعا لإنشاء فرق في معظم شعب الإخوان ، وتمرين طلاب الثانوية والجامعة على التمثيل المسرحي ، بل كان البنا يحضر بنفسه البروفات والإعداد للمسرحيات ، ويولي ذلك اهتماماً كبيراً . وكان العمل الفني عند البنا أشبه ما يكون بالعمل المؤسسي والمختص ، لا من باب الهواية ، أو على هامش الحياة . وهذا هو الفارق بين مسرح البنا ومسرح الإسلاميين بعد البنا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.