إنشاء مجلس القضاء العالي هو السبيل لإصلاح السلطة القضائية وليس المفوضيات غير الآمنة .. بقلم: د. أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب    الفساد يحاصرنا ويلجأ لنيابة المعلوماتية!! .. بقلم: حيدر احمد خير الله    الفاصلة بين اليسار العربي واليمين فقدت .. بقلم: جورج ديوب    لاهاااااي؟ .. وغوانتنامو كمان (1/2) !! .. بقلم: لبنى أحمد حسين    اكتشافات فنية مدهشة جدا .. بقلم: أحمد الخميسي    في حضرة المرحوم عبد الله ود ضمرة: (قصيدة من الذاكرة) .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    حِنِيْن جَرَسْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ العُشْرُوُنْ،جَمْعُ وإِعدَادُ عَادِل سِيد أَحمَد.    متى يعاد الطلاب السودانيين العالقين فى الصين الى أرض الوطن؟ .. بقلم: موسى بشرى محمود على    من تاريخ الخدمات الصحية بالسودان في العشرين عاما الأولى من الحكم الثنائي (1/2) .. بيرسي اف. مارتن .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي    هجوم على مذيع ....!    الأسد: معارك إدلب وريف حلب مستمرة بغض النظر عن الفقاعات الفارغة الآتية من الشمال    اقتصاديون: 96٪ من العملة خارج النظام المصرفي    العراق يمنع الصينيين من مغادرة أراضيه بسبب "كورونا"    السراج يتهم أجهزة مخابرات أجنبية بالسعي ل"إجهاض" ثورة فبراير    مصر تكشف حقيقة وجود إصابة ثانية بفيروس"كورونا"    (الكهرباء) تعلن عن برمجة قطوعات جديدة    ﻭﻓﺪﺍ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻭﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﻳﺔ ﻳﻘﻄﻌﺎﻥ ﺍﺷﻮﺍﻃﺎ ﻣﻘﺪﺭﺓ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻓﻲ ﻣﺴﺎﺭ ﺩﺍﺭﻓﻮﺭ    ابرز عناوين الصحف السياسيه الصادرة اليوم الثلاثاء 18 فبراير 2020م    رونالدو يتصدر المشهد قبل انطلاقة الدور ال 16 من دوري الأبطال    تلفزيون السودان ينقل مباريات كأس العرب    الهلال: ليس لجمال سالم حقوق على النادي ليتمرد    وصول النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي إلي مدينة جوبا    التطبيع المطروح الآن عنصري وإمبريالي .. بقلم: الامام الصادق المهدي    رفع الدعم هو الدعم الحقيقي (2/2) .. بقلم: د. الصاوي يوسف    عبقرية إبراهيم البدوي: تحويل الدعم من السلع إلى الغلابا!! .. بقلم: عيسى إبراهيم    د . محمد شيخون أنسب رجل لتولي وزارة المالية في المرحلة الراهنة .. بقلم: الطيب الزين    القبض على لص متلبساً بسرقة تاجر بالخرطوم    رأى لى ورأيكم لكم!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    مقتل شاب بعد تبادل الطعنات مع آخر في صف الخبز    الصاغة يهددون بالخروج من صادر الذهب    صاحب محل افراح يقاضى حزب الامة بسبب خيمة الاعتصام    كوريا تطلق سراح جميع مواطنيها العائدين من ووهان بعد أسبوعين من الحجر عليهم    البرهان بين مقايضة المنافع ودبلوماسية الابتزاز .. بقلم: السفير/ جمال محمد ابراهيم    المريخ يضرب الهلال الفاشر برباعية    لماذا يَرفُضُ الإمام الصادق المهديّ التَّطبيع مع إسرائيل؟ .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    مواجهة مثيرة للتعويض بين المريخ والهلال الفاشر    "مانيس" هزَّ شجرة المصنَّفات: هل ننتقل من الوصاية إلى المسؤولية؟! .. بقلم: عيسى إبراهيم    التغذية الصحية للطفل - ما بين المجاملة والإهمال والإخفاق .. بقلم: د. حسن حميدة – ألمانيا    شرطة تضبط شبكة لتصنيع المتفجرات بشرق النيل    ارتباط الرأسمالية بالصهيونية: فى تلازم الدعوة الى السيادة الوطنية ومقاومة الصهيونية والرأسمالية .. بقلم: د. صبري محمد خليل    زيادة نسبة الوفيات بحوادث مرورية 12%    لجان مقاومة الكلاكلة تضبط عربة نفايات تابعة لمحلية جبل أولياء ممتلئة بالمستندات    أمير تاج السر : تغيير العناوين الإبداعية    إعفاء (16) قيادياً في هيئة (التلفزيون والإذاعة) السودانية    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    الهلال يستقبل اللاعب العراقي عماد محسن    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    النجم الساحلي يعلن غياب "الشيخاوي" عن مباراة الهلال    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حوار مع الدكتور محمد وقيع الله أحمد حول السلفية والغرب والسودان والمستقبل (الحلقات الكاملة)


أجرى الحوار: وليد الطيب ود.معتز أحد مصطفى
جلست إلى الدكتور محمد وقيع الله، الأكاديمي السوداني والأستاذ بالجامعات الأمريكية، لمحاورته في مجموعة قضايا تتعلق بالعمل الإسلامي في السودان والغرب والفكر الإسلامي المعاصر، فالدكتور محمد وقيع الله، يجمع بين المعاصرة الطويلة لعملية الدعوة الإسلام البصيرة الهادئة في الغرب، ومراقبة تطورها بعين ناقدة .
وقد أهلته إحدى دراساته في هذا المجال للفوز بالجائزة المرموقة جائزة صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة، وكان عنوان دراسته (الإسلام في المناهج الدراسية الغربية: عرض ونقد) وقد قرر فيها أن الإسلام يحقق تقدما مطردا يوما بعد يوم في الأقطار الغربية، وفي مجالات الفكر الإسلامي انتج وقيع الله عشرات البحوث والكتب ونشرت له المئات من المقالات في أكبر المجلات العربية والأجنبية، ولعله من أكثر السودانيين إنتاجاً، وفوق ذلك فهو صاحب رؤية متوازنة ونفس تعادلت أطرافها.
نال الدكتور محمد وقيع الله درجة البكلاريوس في العلوم السياسية من جامعة أم درمان الإسلامية، ثم نال درجة الماجستير في السياسة المقارنة من جامعة أوهايو، والدكتوراه من جامعة المسسيبي متخصصا في العلاقات الدولية، وكان تركيزه في دراساته العليا على الشؤون الصينية.
وقد دار هذا اللقاء في داره بضاحية (الصحافة) بالخرطوم.
الحلقة الأولي
من مقولات الحلقة الأولى
* ظلت القيادة الفكرية والسياسية للحركة الإسلامية السودانية تخشى من تشجيع حركة الفكر لأنها تحذر من قيام تشققات واتجاهات متعارضة داخل الحركة الاسلامية؛ ولذا غلبت هدف الوحدة السياسية على البعد الفكري والنظري !
* لم يخرج مثقفو الحركة الإسلامية السودانية من حسن الترابي كما يخرج النيل من بحيرة تانا!!
* على إسلاميي السودان أن يكفوا عن لغوهم ومزاعمهم أن الحكومة والمؤتمر الوطني قد سلباها القياد، وعليهم أن يدركوا أن الحركة الإسلامية الحقيقية هي الحكومة وجيشها وقوات أمنها لا هم!
بداية الحوار
أشكر الاخوة في موقع السودان الإسلامي، هذه المؤسسة الإعلامية الرائدة التي نعول على عطائها الكثير على هذه السانحة الطيبة التي اتاحتها لي، وأبدأ فأقول حقاً إن الحركة الاسلامية عامة، والحركة الاسلامية السودانية بخاصة، لا تعتني بالفكر العناية اللازمة. والسبب في ذلك، ودعني أركز على الحركة الاسلامية السودانية خاصة، انها حركة عملية " براغماتية " أكثر منها نظرية، وكانت حققت بعض أهدافها الكبيرة اعتباطا بدون عناية تذكر بالفكر والدراسة ورأت بعد ذلك أنه لا داعي للفكر والدراسة. ثم تبين فيما بعد أن القيادة السياسية للحركة الإسلامية السودانية كانت تخشى من تشجيع حركة الفكر لأنها كانت تحذر قيام تشققات واتجاهات متمردة ومتعارضة داخل الحركة؛ فغلبت هدف الوحدة السياسية على البعد الفكري والنظري.
بالنسبة لي ولأفراد من أصدقائي الخلص كانت البيئة التي عشنا فيها ذاخرة بالكتب وكان الأخوة الكرام الذين هم أكبر منا سناً يتعهدونا بالتوجيه والرعاية، وقد نشأنا زمرة من الشباب المسلم في المدرسة المتوسطة والثانوية، وكنا نتعهد بعضنا ونتخير أطايب الكتب لبعضنا البعض، ونتناقش حول محتوياتها بحرية وأريحية بلا تزمت تنظيمي حزبي، كنا نعيش مع بعضنا البعض بل كنا ندرس في فصل دراسي واحد. هذه الصحبة في تلك السن الغضة جعلت حياتنا تأملية الطابع وجعلت لقاءاتنا أشبه بالمنتدى الفكري. لعل هذا هو السبب الاساسي في اتجاهنا لحياة العلم والفكر.
صحيح هو خطأ. ولكن لعل المقصود كان أيضا هدفا ساميا ، ودعنا نفترض حسن النية في أمر القائمين على الحركة الإسلامية السودانية. إن الشخص الذي كان قائماعلى قيادة الحركة كان سياسيا كبيرا ماهرا وكان عمله منصبا حول قيام الدولة الاسلامية، ولم يكن مشغولا حتى بما يتبع ذلك من أمر تسيير الدولة الإسلامية، إنما كان مشغولا بأمر انشائها وحمايتها فقط، و لم يكن يريد لأتباعه وأنصاره أن ينشغلوا بالفكر أو بالمسائل العقدية كما في الحركات الأخرى التي لاتنشغل بالواقع ولا بالعمل البناء، بل بالتنظير الفكري والتنظير الفكري فقط. وهكذا فكأنما هناك إفراط عند أؤلئك في التنظير و كان هنا إفراط في اهماله واستغراق مطلق في العمل السياسي اليومي.
لا لست ممن يقول بذاك، كنت أتحدث فيما مضى عن توجهات الحركة الإسلامية حسب رؤية قائدها السابق. والآن أعتقد أن الحركة الإسلامية التي تقودها الدولة الانقاذية في السودان هي حركة واسعة المدى وحركة تحول اجتماعي بمعناه الواسع، وهي الان تؤسس مجتمعا اسلاميا من كافة النواحي ثقافة وأدبا وسلوكا، وتبذل محاولات جادة تشمل تأسيس اقتصاد اسلامي وبنوك اسلامية، وتجري محاولات لا بأس بها لأسلمة المناهج التربوية والإعلامية. وعموما أعتقد أن المشروع الانقاذي الاسلامي مشروع قوي وناجح وفاعل .
الذي يدرك دواخل الأمور يعرف لا محالة أن الدولة الإنقاذية تقود الحركة الإسلامية. فهي أقوى من الحركة الإسلامية، وهي تؤدي من وظائف الحركة الإسلامية حتى على المستوى التربوي أكثر مما تؤديه الحركة الإسلامية. ومن ناحية عامة يمكن أن أقول باطمئنان إن الحركة الإسلامية لا سلطان لها على الإنقاذ، ولا يوجد لديها خيار إلا أن تقوم بدعم الإنقاذ. هذا هو خيارها الوحيد ولذا فإن على منظري الحركة الإسلامية الصغار أن يكفوا عن لغوهم ومزاعمهم أن الحكومة والمؤتمر الوطني قد سلباها القياد، وعليهم أن يدركوا أن الحركة الإسلامية الحقيقية هي الحكومة وجيشها وقوات أمنها لا هم.
صحيح إن الهدف المثالي لم يتحقق ولن يتحقق بكامله كما نريد ويريد الناس، ومن المحقق أن أكثر أحلامنا لن تحقق كما نروم، ولكن ما تحقق منها كان كثيرا بفضل الله ،من ناحيتي أحاول أن أكون واقعيا دائما وأحاول أن أتفاءل وأنظر إلى الجانب المليء من الكوب بأكثر مما أنظرالى الجانب الفارغ منه لأن هذا الجانب كان فارغا من قديم، وكان فارغا في الحقيقة منذ قرون فهيهات ان يمتلئ بين غمضة عين وانتباهها. هذا النظر الواقعي المتفائل الذي أقوِّم به اداء الإسلاميين في السودان، أتعامل به مع أداء الحركات الاسلامية الأخرى في العالم، وارى أن جميع الحركات الإسلامية العالمية ما عدا تلك المتطرفة والموتورة تحقق انجازات جيدة في خدمة المسلمين وتكفكف من نزعة تعاليها عليهم.
أي عمل إسلامي إصلاحي سلمي منظم يرمي إلى تحديث العالم الإسلامي وإلحاقه بالعصر الحديث من دون ما استسلام لمقولاته المنافية للإسلام.
من جوانب النقد التي قد تكون مصيبة وعادلة عندما توجه إلى الحركة الاسلامية السودانية والمشروع الإنقاذي الذي تبلور عنها؛ انها لم تعط الجانب الثقافي حظه من الاهتمام والرعاية، وهي ما تزال كذلك في إهمالها لهذا الجانب. ومن خلال حواري مع بعض المسئوليين الذين التقيتهم - وهم قلائل - تبين لي إنهم يكّنون نوعا من الاحتقار للعمل الدراسي الفكري، ويعتقدون انهم قادرون على تحقيق أهدافهم بغير تحصيل كبير في العلم وبدون الاستعانة بمراكز ابحاث متخصصة. وقد حاولت أن أتكلم مع بعض هؤلاء حول ضرورة الاهتمام بانتاج الكتاب وتوزيعه ومكأفاة المؤلفين والعلماء وإنشاء المكتبات العامة وغير ذلك من الجوانب المهمة والضرورية للنهضة، ولكن عندما كنت أتكلم مع هؤلاء كانوا لا يكادون ينصتون لما أقول وكأن هذه الاشياء هامشية وغير مهمة! وذلك رغم أن الدعوة الاسلامية قائمة كلهاعلى الكلمة والفكرة والمحتوى القيمي والفكري. هذا جانب ضعف كبير في تجربة الإسلاميين في السودان وسنظل نتكلم عنه مهما تضايقوا منا أو ضايقونا بالمكائد الحزبية الوضيعة التي برع فيها بعضهم بدون مبرر. وفي العموم فما لم تنتج الساحة الفكرية السودانية أعمالا فكرية حقيقية ويتم نشر هذه الأعمال فستكون هنالك فجوة كبيرة في العمل الإسلامي في السودان.
نعم. وأظنها تجليات خطيرة لابد من تداركها عاجلاً. إن تربية النشء تربية إسلامية علمية نظامية ينبغي أن تكون إحدى الأولويات المقدمة في دولة الإنقاذ. ولكن من واقع النظر إلى البند المخصص من ميزانية الدولة للتعليم يتضح أن الدولة لا تضع التعليم العام ضمن أولوياتها الأولى. فما يصرف على التعليم لا يزيد على 3% من ميزانية الدولة. وهذه مسألة لا تشرف حكومة الإنقاذ لأنها من أقل النسب في العالم إن لم أقلها على الإطلاق!
لا أريد أن أبالغ في الحديث عن الجانب الفكري النظري ولا عن الجوانب السلبية بما يغض بقدر الإنجازات الإيجابية الضخمة التي حققتها الحركة الإسلامية السودانية. لقد كانت هذه الحركة حركة إسلامية متكاملة الي حد مقبول. وكانت تنشد بمجاهداتها إقامة دولة إسلامية صحيحة، وكان شبابها الورع الماجد يجاهد عن وعي وبصيرة وإخلاص. وأعتقد أن الله جلَّ شأنه قد بوأهم نصرا عزيزا كريما أكثر مما أسبغ على بقية من الحركات الاسلامية الأخرى في العالم، وذلك لما اشتملوا عليه من دأب لا يفتر ومن تحرر من لوثات الحزبية والطائفية وتقديس القيادات مهما كان وزنها. وهكذا فعلى قدر جهدهم واخلاصهم وتحررهم من الطائفية قد اسبغ الله تعالى عليهم حمايته ونجاهم من بطش القوى الخارجية وتآمر القوى الداخلية ، ونسأل الله تعالى العافية للجميع.
هذا الاخ ذكر انه استعار هذا التشبيه من نجيب محفوظ القائل إنه ورفاقه القصاص خرجوا من من عباءة توفيق الحكيم كما خرج النيل من بحيرة تانا. وهؤلاء القوم القصاص ليس لنا فيهم قدوة حسنة على الإطلاق. وأي مفكر من مفكري الحركة الاسلامية السودانية أفضل من الناحية الفكرية من نجيب محفوظ، كما أن حسن الترابي أفضل من الناحية الفكرية كثيراً من توفيق الحكيم. وهذا المثال المروي بلا تدبر عن نجيب محفوط مغلوط من الناحية العلمية، فطلاب المدارس الإبتدائية يعلمون ان نهر النيل لا يخرج من بحيرة بحيرة تانا وحدها، وانما من بحيرتين عظيمتين ومن روافد متعددة. ومن دون النظر الى هذا التشبيه الفاسد اقول إن الحركة الاسلامية السودانية التي اعرفها وبالذات في شقها المثقف كانت حركة حرة واسعة الافق لا تتعصب لمفكر بعينه ولا تحصر نفسها في قراءته وتلقى التوجيه من لدنه. وقد كان مثقفو الحركة الإسلامية السودانية يقرأون لطائفة واسعة من العلماء العالميين كالمودودي، والندوي، والعقاد، ومحمد إقبال، ومالك بن نبي، ومحمد أسد، والبهي الخولى، ومحمد الغزالي، وسيد قطب، ومحمد قطب، وسعيد رمضان، ومصطفى السباعي، ومحمد ابوزهرة، وفتحي عثمان، ويوسف القرضاوي، وسعيد حوى، ومحمد جلال كشك وغيرهم. وهؤلاء كلهم كتبوا قبل أن يكتب حسن الترابي بزمان طويل، وقد قرأ مثقفو الحركة الاسلامية السودانية كتاباتهم قبل ان يقرأوا كتابات الترابي التي بدات تظهر في السبعينيات. وأنا واثق ان حسن الترابي وهو مفكر حر لا يرضيه ان يقال عنه انه كان منبع الفكر الوحيد في الحركة الاسلامية، واذكر انه كان ينصح الاسلاميين السودانيين في الثمانينيات ان ينوعوا قراءاتهم والا يقرأوا لكاتب الواحد اكثر من كتابين اثنين لأن الكاتب في العادة يكرر نفسه بعد الكتاب الثاني. هذا هو رأي حسن الترابي. والذي يمكن قوله بغض النظر عن صحة رأيه هذا او خطئه إنه رأي غير طائفي، وإن صاحبه لم يكن يسعى لكي يصبح المفكر الوحيد في الحركة الإسلامية، او كاتب متنها الاكبر، أو لكي يصبح مثقفو الحركة الاحرار شراحا لهذا المتن، كما زعم له الكاتب الذي أشرت إليه في السؤال، فما هكذا تنشأ حركات التجديد الفكري في التاريخ.
لقد أخذت من الحركة الإسلامية ما يكفيني ويزيد، اخذت منها الهداية، والتهذيب، والثقافة، وصحبة الأخيار من زبدة البشر الموجودين على سطح الأرض، ولا أريد أن أخذ منها شيئاً اكثر من هذه النعم الطيبات المسداة، وأرجو ان أكون من الآن والى حين الممات في طور العطاء لا أخذ المزيد.
الحمد لله لم أضع أيامي في أمريكا سدى فقد قرأت وكتبت الشيئ الكثير ولي من المولفات الجديدة ما لا أرضى أن يكون لي بها حمر النعم، ولله المنة والحمد.
معلوماتي لا تزال قليلة. وعندما كنت في امريكا كنت قلقا من احتمالات انفجار التيار السلفي او جزء منه في شكل حركات متطرفة متمردة، ولكني رأيت الوضع في السودان كما بدا لمراقب عادي مثلي مطمئنا. وكأنما بدا لي سلفيو السودان في صورة أعقل من رصفائهم في أرجاء الدنيا الأخرى، فقد كفوا إلا قليلا منهم عن مناوشة الصوفية وعن التركيز المفرط على قضايا الخلاف القديم. وتغاضى الصوفية العقلاء بدورهم عن إثارة المعارك الكلامية اللاهبة مع السلفيين وتسامحوا معهم الى حد طيب. وكمثال لذلك قد رأيت في المسجد القريب من دارنا بالصحافة مسجدا للطريقة التيجانية معلقة عليه اعلانات متعددة لنشاطات دعوية سلفية، فهذا مما لم يكن يحدث في الماضي وكان دونه خرط القتاد، ولعله يصلح الآن أن يكون مؤشرا لنضج دعاة الإسلام من مختلف المشارب والمنطلقات. وإلا يكن مؤشرا للنضج فعسى أن يكون داعيا ومرشدا إليه ومعيناً على تحقيقه.
لا هذا ولا ذاك ، فأنا كنت بعيدا عن الوطن طوال عهد الإنقاذ. ولم تكن للحركة الاسلامية السودانية فروع أو منظمات في أمريكا ، بالاضافة إلى أنني كنت أقيم في ولاية أمريكية قصية بعيدة عن العاصمة قبل انتقالي للعاصمة مؤخرا، ولأسباب عملية لم يكن لي دور في العمل السياسي التنظميى. وبُعدي عن العمل الإسلامي في السودان هو تقصير وليس تعالياً على العمل الإسلامي ولا ينطوي على موقف احتجاج أو إدانة للحركة الإسلامية كما يفعل بعض المقصرين الذين يحلو لهم أن يغطوا على تقصيرهم بذم الحركة وانتقاصها. ومن ناحية أخرى أحب أن يكون دوري دوما في الجانب الثقافي وحده بعيدا عن أي ارتباط تنظيمي وقد ظللت على ذلك منذ أن كنت في الحادية عشر من العمر.
أعتقد أن المشروع في السودان لم يصل الي طريق مسدود، وإنما انفتح أمامه الطريق حتى نهاية بعيدة أرجو أن يصل إليها بسلام، وأعتقد أن ولاة الأمور في السودان واعين جداً بأدوارهم ويؤدون معظمها عن نضج وبصيرة ويحققون نجاحات كبيرة لا سيما على الصعيد الاقتصادي وصعيد ضبط الشارع والسلوك العام بقيم الإسلام، وأعتقد أن الاخلاق مستواها ارتفع جدا في السودان، ولا أتفق مع الذين يقول أن الاخلاق انهارت، أو أن التعليم انهار، وأن كل شيئ ينهار، بالعكس أرى أن كل شيء يمضي نحو الافضل. ومن ينظر إلى الشارع السوداني الآن لا يرى مناظر التسكع ومناظر السكارى ومناظر الذين يعاكسون البنات وهي مناظر كانت سائدة في الماضي. وقد ازداد إقبال الناس على الصلاة في المساجد، وأصبحت الصلاة سنية صحيحة خالية من البدع التي كانت تشوبها في الماضي، واصبح القرآن يقرأ بالتجويد باصوات شجية ما كنا نسمع مثلها بالأمس، وكثر عدد من يحفظون القرآن وغدا خطباء الجمعة يقدمون دروساً مفيدة للسامعين، والكثير منهم علماء شرعيون لا مجرد أئمة موظفين يقرأون من الورق التالف، إن الحكام قد أفلحوا دون أدنى شك في تمهيد جو إسلامي معافى في السودان، وحموا مجهودات الدعوة الإسلامية من أن يتطاول عليه العلمانيون المفسدون. والأمر يتطلب سنوات طويلة حتى يتحقق أكثر المأمول ، خلاصة القول إن المشروع الإنقاذي في السودان لم يصل الي طريق مسدود ولكنه يطرق أبواب الخير والصلاح وهي تنفتح أمامه تباعاً بحمد الله.
هذه الحلقة الثانية من هذا الحوار العميق الجامع، ومن أبرز مقولات هذه الحلقة:
(هنالك عشرة أسباب ساهمت في تحسن صورة الإسلام في المناهج الغربية) (لو تسنى لك مشاهدة حوار بين شاب مسلم نشأ في الغرب مع آخر نشأ في الشرق، للاحظت بوضوح اختلاف العقلتين، وغالباً ما تجد الذي نشأ في الغرب أكثر نضجاً ومنهجية ومنطقية والشرقي يجيد الخطب الحماسية!) (ارتفاع سؤال الهوية في السودان خلال العشر سنوات الأخيرة إنما هو مسألة متكلفة ومؤامرة مدبرة ليس إلا!) (يتحرك الشيوعيون من أجل تفكيك الأرضية التي يقوم عليها المشروع الإسلامي ولذا يشجعون الحركات الإثنية!). وإلى الحوار:
* بعض مفكري الحركة الاسلامية العالمية يقولون إن هناك تيار إسلامياً قادماً من الغرب ينبغي أن يُحسب حسابه. بحكم معايشتك الطويلة لأحوال المسلمين في الغرب هل ترى أن هناك تيارأ حقيقيأً واضح القسمات والملامح؟! وهل تتوقع أن يكون لهذا التيار مستقبلاً باهراً في دفع المسيرة الإسلامية ؟
المسلمون الذين ذهبوا الي الغرب " ودعني أتحدث عن أمريكا خاصة " في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين انقرضوا قبل أن يخلفوا أثراً إسلامياً كبيراً وفشلوا في تربية أبنائهم تربية إسلامية صحيحة لذا ذاب هؤلاء الأبناء في المجتمع وضاعت حتى أسماء هؤلا في السجل العام، أما الذين ذهبوا الي هناك في سبعينيات القرن الميلادي الماضي فقد تمكن الكثيرون منهم من المحافظة على دينهم وعلى أبنائهم، وربوهم تربية إسلامية قويمة. هؤلاء الابناء نشأوا مسلمين رغم أنهم لم يعرفوا الشرق، وشبوا مسلمين بذائقة غربية، ولا أمانع من القول إن هنالك (إسلام غربي) أو (إسلام أمريكي)، ليس بالمعني الذي أشار إليه سيد قطب، وإنما بمعني أن هؤلاء أناس مسلمون ثقافتهم أمريكية وأذواقهم أمريكية وبيئتهم التي نشاؤوا فيها أمريكية، وهم يأخذون الإسلام حسب هذه الذائقة، ويصدرون عنه وعن خلفيتهم الأمريكية التي لا تتعارض مع الإسلام.
وإذا تركنا أمر الشعارات جانباً ونظرنا إلى الأمر نظرة واقعية فهذا هو الواقع المشاهد في كل الدنيا، فالمسلم الصيني يختلف في ذوقه وسلوكه عن المسلم الأمريكي وعن المسلم العربي والمسلم النيجيري والمسلم الهندي والمسلم في اندونيسيا. وهذا ما أقصده بالذائقة الغربية أو الأمريكية للإسلام. وقد عاصرت هذا الجيل الجديد وساهمت في تعليمه- إلى حد ما - في المدارس والجامعات الأمريكية، وهم يمثلون بشارة كبيرة للعالم الإسلامي، وهي أجيال واعية مسلحة بالعلم، ولهم قدرة فذة على التخاطب مع الأمريكيين بطريقة عفوية طليقة مؤثرة ستشعرهم آجلاً أن الإسلام ليس غريباً عنهم وأنه ليس ديناً سيئاً أو تعيساً كما تصوره لهم الأفلام وأجهزة الإعلام. وفي المستقبل يمكن لهؤلاء الأبناء الأبرار أن يساعدوا في حل مشاكل العالم الاسلامي، ودعم قضاياه والتبشير بدين الإسلام في ديار الغرب. لكن من ناحية عامة لا يمكن أن نقول إن الإسلام سيأتي من الغرب كما يقول بعض المفرطون في التفاؤل، فالإسلام لابد ان يأتي من العالم الإسلامي، ومن البلاد التي تتحدث اللغة العربية بشكل خاص.
* في بحثك الذي نلت به جائزة صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة، بعنوان (الإسلام في المناهج الدراسية الغربية: عرض ونقد)، قلت إن وضع الإسلام في المناهج الغربية آخذ في التحسن والتطور. ما هي الأسباب والعوامل التي ساهمت في تأكيد هذه الوضعية المتقدمة؟
هنالك عشرة أسباب ساهمت في تحسن صورة الإسلام في المناهج الغربية هي:أولاً :النقد الكثيف الذي وجه لتراث حركة الإستشرق والتبشير التي كانت تمارس طمس الوجه الإسلامي الوضيء، وإدورد سعيد وتلاميذه ساهموا مساهمة فعالة وخدموا الإسلام والمسلمين في هذا المضمار ورغم أن إدورد سعيد من النصارى ومن أقطاب اليسار الجديد إلا أنه مثقف شريف وبطل من أبطال الفكر وهو من أكثر من دافعوا عن الإسلام في الغرب في العصر الحديث. ثانياً: قيام الجهات التعليمية بإصدار موجهات جديدة تلزم مؤلفي الكتب الدراسية ومنتجبها- وهي شركات خاصة - بالنظر إلى الأديان كما ينظر إليها أهلها، وألا يتجنوا عليها او يفسروها تفسيرا لا يوافق عليه أهلها، هذا القرار ينطبق على جميع الأديان، لكن استفاد المسلمون منه خاصة فائدة كبيرة لأنهم هم المستهدفون في المناهج بالتزوير والتزييف والطمس. ثالثاً: قيام بعض المسلمين الواعين بالضغط السلبي بمعنى استنكار ما يرد من أخطاء حول الإسلام في المناهج التعليمية وهذا الضغط يجبر الشركات التي تنتج الكتب المدرسية والمؤلفين الذين يقوموا بوضعها لمراعاة مشاعر المسلمين. رابعاً: مطالبة بعض المؤسسات العامة المهمة ومن بينها مجلس الأمن القومي الأمريكي بشطب بعض المفردات التي تسيء للأقليات العرقية والدينية من المناهج الدراسية حفاظا على الأمن في البلاد الأمريكية ، وقد استفاد المسلمون من هذا التوجيه لأن بعض المفردات كانت تسخر من العرب والمسلمين وتسخف معتقداتهم وعاداتهم. خامساً: ظهور ترجمات بلغات غربية للكتب الإسلامية التراثية المهمة كتفسير ابن كثير ، وتاريخ الطبري، ، وكتاب السيرة النبوية لابن هشام، وإحياء علوم الدين للغزالي وغير ذلك. وهذه المؤلفات أصبحت الآن متاحة في اللغات الغربية وخاصة اللغة الإنجليزية، والمؤلف الغربي الذي يريد أن يكتب عن الإسلام أصبح يستشير أمثال هذه الكتب ويرجع إليها بدلا من أن يقتصر على الكتب الإستشراقية والتنصيرية القديمة. سادساً: ظهور أدبيات إسلامية متقدمة بأقلام إسلامية غربية. وهؤلاء يكتبون اللغة الإنجليزية والفرنسية وغيرها من اللغات الغربية كما يكتبها أهلها، وهذا أمر طيب، فالترجمات التي كان يعول عليها سابقاً بعضها ممل ومضجر ولا يؤدي غرضه لأنه يصطدم الذائقة الغربية بنشاز أخيلته وتراكيبه. هذه الكتب المسطورة بأقلام إسلامية غربية أصبحت متاحة الآن واحيانا تدرس في المدارس والجامعات ولها أثر إيجابي. سابعاً: تطوع بعض المسلمين والمسلمات منهم بالذات، بتدريس ما يتصل بالاسلام والمسلمين والشرق الأوسط في المدارس، وترحب المدارس بهذا التطوع للقيام بهذا الدور وقيام هؤلاء الأمهات بهذا الدور أسهم في تصحيح صورة الإسلام في المدارس على الا يتبع نهجاً دعوياً أو تبشيرياً مباشراً. ثامناً: قيام بعض الشخصيات الغربية الكبيرة بنقد ظاهرة تعمد بعض الأقلام الغربية تشويه الإسلام ومن هؤلاء الأمير تشارلز البريطاني، وقد دفع نقدهم الأقلام الغربية إلي بعض الإعتدال عند تناولها لشؤون الإسلام والمسلمين. تاسعاً: الإسهام الإيجابي بتقديم البدائل حييث قام بعض المسلمين ببعض المبادرات للإصلاح العملي بانجاز مفردات تعليمية بديلة تحل محل مفردات أخرى في النهج الدراسي فيما يتعلق بالإسلام. عاشراً: تكاثر عدد الطلاب المسلمين بالصفوف الدراسية ببعض الأقطار الغربية، بما يبلغ أحياناً عشرين بالمائة من عدد طلاب الصف. وقد تحدَّر هؤلاء الطلاب من آباء لهم نصيب جيد من التعليم الإسلامي وتمكنوا بالتالي من أن يزودوا أبناءهم بالقدر الضروري من المعارف الإسلامية ويحصنوهم من احتملات التلاشي ويحفزوهم للتصدي لما يقال عن الإسلام من الزيف والبهتان.
* هل هنالك كتاب مسلمون غربيون لهم إسهام في إنتاج أطروحات ذات شأن في الفكر الإسلامي المعاصر وفي الإجابة على تحديات العصر من المنظور الإسلامي؟
هنالك طائفتان من الغربيين الذين يكتبون عن الإسلام الآن. وهذا الكلام قد يصطدم البعض ولكن أرجو أن يصبروا ليتفهموه قبل أن يندفعوا للاعتراض عليه. أولاً: هنالك مستشرقون عميقو الفكر وشرفاء الضمير وهم يثيرون أسئلة ضخمة في الفكر الإسلامي ويدفعون المسلمين دفعاً للتفكير فيها والإجتهاد في الإجابة عليها، من بين هؤلاء المفكرين الكبار جون اسبيزيتو، وإيفون حداد، وجون فول، وجين سميث وغيرهم. وهؤلاء يساعدون المسلمين أحيانا على التفتح على المسائل الحيويية العصرية ويشحذون اذهانهم للبحث عن حلول لها واستنباط إجابات لها من خلال مرجعيات إسلامية. ثانياً: هنالك كتاب غربيون أسلموا ، فهؤلاء أنتجوا كتابات متقدمة جدا في الفكر السياسي والاجتماعي الإسلامي منهم سيدي محمد أسد، رحمه الله ، وشيختي مريم جميلة، حغظها الله، وحمزة يوسف، وجويفرى لانغ، ومارتن لنغز، وإنجريد واتسون أعزهم الله. وهنالك كتاب آخرون من أمثالهم، وهؤلاء أنتجوا كتابات متقدمة في الفكر الإسلامي ولهم شعبية كبيرة في أوساط الشباب المسلم هناك، وكتاباتهم تختلف عن الكتابات الإسلامية التقليدية المملوءة بالعبارات العاطفية التي ينتشي بها الشباب المسلم في الشرق، ولو تسنى لك مشاهدة حوار بين شاب مسلم نشأ في الغرب مع آخر نشأ في الغرب، للحظت بوضوح اختلاف العقليتين، وغالبا ما تجد الذي نشأ في الغرب أكثر نضجاً ومنهجية ومنطقية، والشرقي أكثر تمكناً وانطلاقاً من النزعة الحماسية.
* هل للمفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي إسهام إيجابي كبير في هذه المسيرة؟
لا أعتقد أن له إسهام إيجابي كبير، فاتجاهه صوفي وإشتراكي، هذا مع التقدير الكامل لشجاعته ودفاعه عن قضايا العالم الإسلامي.
* للدكتور طارق رمضان آراء أثارت ضجة في العالم الغربي مؤخرا وهو مثال( للمسلم المستغرب) إن صح التعبير، وهذه الأفكار لا تجد قبول بين علمائتا في المشرق الإسلامي، فهل الظاهرة الإسلامية الغربية ومناهجها تنتج مفكرين على هذه الشاكلة؟
لم ألم إلماما كافياً بأفكار طارق سعيد رمضان، ولكن الذي أعلمه أنه مستوعب بشكل ممتاز للفلسفة الأوروبية ويعرف أن الذهنية الغربية تكونت عنها، ولذا فهو يصوغ القضايا الإسلامية صياغة فلسفية على الترتيب الأوروبي، أي أنه يخاطب الغربيين بلسانهم " الفكري". وأعرف عن طارق سعيد أنه جريء جدا في طرح أفكاره، ولكن هذه الأفكار مخصوصة بالبيئة التي اطلقت فيها، حيث يراد بها معالجة مشكلات تواجه المسلمين في الغرب، ولا يريد طارق أن تطبق أفكاره في مصر أو اليمن أو السودان إنما هو في أوربا. ويتفاعل مع هذه الأفكار وصاحبها الشباب في أوربا وأمريكا وقد بعض طلابي معجبين جداً بأفكاره ويسألونني نفس هذا السؤال الذي سألتنيه ولكن لم يدفعني ذلك للوقوف على أفكار طارق بالتفصيل وعسى أن أفعل ذلك ذات يوم.
* تكتنف حياة المسلمين في الغرب مجموعة مشاكل يعبر عنها أحياناً بمشكلة الاندماج وأحياناً أخرى بأزمة الهوية الوطنية الغربية القائمة وضرورة قبولها. والآن أصبحت التخوم الإسلامية كالسودان والبلدان التي بها أقليات دينية كبري مثل لبنان تعاني من طرح البعض لقضية الهوية الوطنية، و أصبحت الهوية التاريخية القديمة المتأصلة جيداً في تلك البلدان محل تشكيك. فالسودان على سبيل المثال أصبحت هويته محل سؤال حاد: هل هي هوية عربية إسلامية ؟ أم هي إفريقية؟ أم هي شيء بين هذا وذاك؟! وهنا يطرح مفهوم المواطنة الذي يكتفي بتقرير الحقوق والواجبات كحل لأزمة الهوية في هذه الأقطار. كيف ترى هذه القضايا؟
لو أخذنا السودان خصوصاً نرى أن ارتفاع سؤال الهوية فيه بشكل حاد ومفاجئ خلال العشر سنوات الأخيرة يجيئ كمسألة متكلفة ومتعمدة ومؤامرة مدبرة ليس إلا، إن سؤال الهوية ليس سؤالاً ملحاً على أذهان عامة الناس ولا يحس الإنسان السوداني بأزمة هوية أو إنشطار بين الإفريقية والعروبة، إنما يحس بأنه منسجم مع نفسه ومع الآخرين في البيئة السودانية؛ فهو يتكلم بنفس اللسان العربي المبين، ويعتقد بنفس المعتقدات الدينية القويمة، ويرعى ويوقر نفس العادات الاجتماعية الشريفة. إن السودانيين متقاربون جداً في تشكيلهم النفسي والاجتماعي، وإذا رأيتهم في أي مكان في السودان أو في خارجه تعرفهم على الفور؛ وتجدهم منسجمين مع بعضهم بصورة أكبر من انسجام أفراد الشعوب الأخرى مع بعضهم البعض. هذا هو الأمر الموجود على أرض الواقع. ولكن مع ذلك فقد مَرَدت بعض الأقلام المغرضة على تناول موضوع الهوية وكأنه موضوع ملح، وصوروا السودانيين وكأنهم أمة لا هوية لها، أو كأن أفراد الشعب السوداني شعروا بهذه المشكلة أو سئموا من هويتهم الحالية وفوضوا هؤلاء المثقفين المولعين بالبحث النظري لتلفيق هوية جديدة لهذا الشعب!
كل ذلك لم يحدث بحمد الله . ولذلك أرى أن الطرق على هذا الأمر بصورة متكررة مسألة متكلفة، ومع ذلك فأتوقع أن يستمر هؤلاء المثقفون في إثارة هذه المسألة البيزنطية وفي الجدل البارد حولها لعشر أو عشرين سنة قادمة، ثم تصبح هذه القضية بائرة فاسدة لا معنى لها، إذ من الصعب أن يتمكن هؤلاء من اقناع الشعب السوداني بأنه شعب لا هوية له، وأنه استمر يعيش بلا هوية حتى اكتشف له سؤال الهوية هؤلاء الأفراد من المثقفين المنخلعين لأسباب نفسية خاصة بهم عن هويتهم القومية. وهذا النوع من الأشخاص هم من يسمسيهم صديقنا البروفسور عبد الله علي ابراهيم بالخلعاء أي الذين خلعوا رداءهم القومي الأصيل وانخلعوا من هويتهم الوطنية التي نشأوا عليها وأخذوا يفتشون عن هوية جديدة.
إن موضوع الهوية قد يثار بشكل مشروع في بلاد فيها انقسامات طائفية حادة وعميقة كالبوسنة والعراق ولبنان، فلبنان عللى سبيل المثال بها سبع عشر طائفة دينية ، أما نحن في السودان فنحن بحمد الله تعالى مسلمون على مذهب سيدنا مالك رضي الله عنه، ، ومعنا جماعات من أصحاب الأديان الأخرى، وليس بيننا وبينهم مشاكل على أساس الدين، وحرية الدين مكفولة لهم إلى أقصى حد، وليس لنا عقدة في هذا المجال، ولسنا متعصبين ضد التزام الناس بأديانهم ما داموا يمارسون تدينهم في نطاق القانون ولا يسيئون لدين الإسلام.
* لكن مع ذلك يقال إن مسألة الهوية أشدّ إلحاحاً في السودان منها في لبنان. صحيح إنه لا يوجد في السودان ذلك العدد من الطوائف الدينية النشطة في لبنان، ولكن لدينا أقلية دينية نصرانية من شعب جنوب السودان ذي الجذور العرقية غير العربية، فأصبحت القضية حادة التفاصيل: إذ تحالف العرق مع الدين، في المكون الإسلامي العربي الغالب في السودان في مواجهة الغير، فالصراع حول هوية السودان أصبح صراعاً عرقياً دينياً كما أظهر ذلك استطلاع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لطلاب جامعة الخرطوم حول هوية السودان، فكيف نتعامل مع هذا التتعدد الديني العرقي؟
بالنسبة لاستطلاع "بي بي سي"، أنا لا أبريء جهات إعلامية معينة في إثارة مثل هذه القضية وقد تكون "بي بي سي" منها، لماذا تجري هذا الإستطلاع في السودان فقط ولم تجره في أي بلد آخر ؟ إن هذا قد يكون أمراً مقصوداً لغرض سبئ. والإحصائيات لا تعطي الحقيقة دائماً لأن الإنسان يستطيع توجيه هذه الإحصائيات كما يريد . ماذا يعني أن يقول 10% من الطلاب إنهم نصارى؟ هل سيغير هذا من حقيقة السودان الذي عاش طويلا بهويته دون انقسام ؟ إن البعض يقول إن الثقافة الأفريقية محجمة ومهمشة فما هي الثقافة الأفريقية المحجمة والمهمشة في نظرهم؟ حين أراد البعض إبراز الثقافة الإفريقية الذين يتظاهرون بالدفاع عنها قاموا بعرض عينات من المريسة "وهي من أصناف الخمور البلدية الرخيصة" في معرض ثقافي بجامعة الخرطوم. هل هذه هي الثقافة الإفريقية؟ أعتقد أنها ليس كذلك . فالثقافة الإفريقية تحتوي على قيم وأخلاق سامية رائعة قريبة جدا من الفطرة الإنسانية البريئة ومما يحتويه الدين الإسلامي من القيم الأخلاقية. وقد شمل الإسلام بظلاله الوارفة الثقافة الإفريقية الأصيلة في السودان وفي دول إفريقية أخرى وأثر فيها وتأثر بأعرافها وتقاليدها الكريمة ، وطرح الثقافة الإفريقية من قبل بعض العلمانيين في مواجهة الإسلام الآن يمثل مزايدة رخيصة مغرضة. والغريب أنه ليس لدعاة "الإفريقانية" بهذا الشكل أي تعريف واضح لها ، بل إنك لا ترى لهؤلاء الدعاة المشبوهين أي اهتمام بجمع تراث الثقافة الإفريقية ودراسته وترويجه. وهذا دليل على عدم إخلاصهم للثقافة الإفريقية ابتداء وانهم إنما يستغلونها لمآرب أخرى. وهذا الأمر ينطبق على مطالبة بعض المثقفين من هذه الشاكلة بإحياء بعض اللغات المحلية الضعيفة التي تتكلم بها مجموعة قليلة من القبائل ، فهم لا يريدون إحيائها إلا من اجل محاربة اللغة العربية الفصحى في السودان.
* من ضمن التأسيس النظري الذي تنبني عليه المطالبة بإعادة تعريف هوية السودان ياتي القول بأن الصورة النمطية التي عُرف بها السودان إنما جاءت وفق رؤية المجموعة العربية الإسلامية التي تنتشر في وسط السودان وشماله، وأن المكونات الأخرى يجب أن تطالب بأن تستصحب في تعريف هوية السودان الآن؟ فما تعليقكم؟
هذه طبيعة الأشياء. في أي ناحية في الدنيا هناك مركز وهناك أطراف، وهناك شيئ بينهما، هذا ينطبق على كل البلاد ، هذه قوانين طبيعية بل هي سنة الله تبارك وتعالى في خلقه" " يخلق ما يشاء ويختار". فهو سبحانه وتعالى يعطي الأشياء بقدر، فالأقاليم كالأفراد لا تتساوي في الغني والثروة، ولا في العلم والثقافة ولا في عدد السكان ولا في المناخ.
لقد كان حظ شمال السودان أنه منطقة حضارة كبرى ازدهرت منذ أكثر من سبعة آلاف عام ، ومما اكتشف حديثاً أن هؤلاء الناس من شمال السودان كانوا قد اكتشفوا أمريكا قبل أن يكتشفها كريستوفر كولومبوس. وقد ازدهرت الحضارة في شمال السودان لأنه يقع في وادي النيل، وكل الحضارات الكبيرة القديمة إنما ازدهرت في الواحات وأودية الأنهار، وإذا لاحظت أن كلمة ثقافة باللغات الأوروبية ‘Culture' آتية من كلمة زراعة Agriculture لأدركت خلاصة المسألة .
فهكذا شاء الله تعالى لشمال السودان أن يستمتع بهذا الموقع وبهذه الخاصة الحضارية وشرفه بأن يكون بوابة الإسلام والعروبة إلى السودان. هذه أشياء لم تصنعها الحكومات ، وبلاد العالم كلها فيها هذا النوع من التفاوت الذي على الناس أن يقبلوا به كقدر من أقدار الله ويسعوا لتطوير حياتهم على أساسه. فمثلا الولايات المتحدة الأمريكية وهي أكبر بلاد العالم من حيث التقدم العلمي والإمكانات بها هذا التفاوت ، أنا شخصياً عشت في أنحاء مختلفة منها لأكثر من عشرين عاماً، وقد عشت في ولاية أوهايو، وهي رابع أغنى ولاية، وعشت في المسسببي وهي أفقر الولايات الأمريكية الخمسين، وأقمت في الوسط في ميزوري ، وفي الشرق في فيرجينيا وهى من أغنى الضواحي. ، ومرة رجعت إلى المسسببي في مناسبة من المناسبات فشعرت بالفارق االسحيق بينها وبين فيرجينيا حتى أنني شعرت في لحظة من اللحظات وكأنني في قريتيا "كلي" في شمال السودان. فالتفاوت الطبيعي موجود بين الولايات هناك ، فالناس يعترفون بهذا الأمر ويتعايشون معه ويحاولون ردم الهوة بالوسائل السياسية السلمية لا بالعنف. هذا وارجو ألا يفسر أحد من المتربصين من طوائف المثقفين المتبطلين ما قلته عن شمال السودان تفسيرا عنصريا، فأنا شخص ليس لي ولاء إلا للإسلام وحسب. وولائي للأرض يأتي من أنها أرض الإسلام. وبالتالي فولائي لشمال السودان وغربه وشرقه سواء.
* قات إنك ترى أن إثارة مسألة هوية السودان الآن مؤامرة مدبرة. فمن هو المتآمر ذو التدبير؟
المتأمر هو الحزب الشيوعي السوداني. فهو الذي يقود هذا التدبير . الحزب الشيوعي وامتدادته التنظيمية المختلفة تحمل في قلبها حقداً شديداً على الإسلام وعلى الحركة الإسلامية في السودان ، وخاصة بعد أن تمكنت من حكم السودان وتنزيل مشروعها إلى الواقع، وقامت بحرمان الحزب الشيوعي والقوى الحانقة على المشروع الإسلامي من التنفذ في هذا البلد المسلم، قادة هذا التآمر يفكرون بعمق ويتحركون من أجل تفكيك القاعدة التي يقوم عليها المشروع الإسلامي في السودان ولذلك هم يشجعون الحركات الإثنية والعرقية المتطرفة، ويدخل في هذا الباب حديثهم المكرور عن الهامش والمهمشين، ويتحالف الشيوعيون السودانيون والمصريون مع الحركة المتمردة في جنوب السودان، ويساندون جبهة الشرق ومعظم كوادر جبهة الشرق شيوعيين باعتراف قيادات الحزب الشيوعي، ومعظم الشماليين الذي في الحركة الشعبية الجنوبية هم شيوعيون. وحركات دارفور مثل حركة عبدالواحد محمد نور يقوم على قيادتها وتوجيهها منسلخون شيوعيون أو شيوعيون مندسون في هذه الحركات. وهذه الحركات العنصرية المتمردة قامت على تأسيس نظري شبه أكاديمي توفر عليه أساتذة يساريون وعملاء استخبارات في بعض الجامعات الإسكندنافية والأمريكية والإفريقية. بل كانوا يعملون من داخل الأوكار العلمية بجامعة الخرطوم . وأخيرا أقاموا مؤتمراً مشبوهاً عن التنوع الإثني والثقافي في السودان، وكأن هناك مشكلة أثنية وثقافية في السودان ، وهذا المؤتمر أقامته جهة الكل يعرف أنه الواجهة الثقافية للحزب الشيوعي السوداني الذي يقود مؤامرة تفكيك السودان . إن الحزب الشيوعي لم يندثر ولم يتحطم كما يظن البعض ، وكما تظن حكومة الخرطوم ، وهذا الحزب ما يزال في نظري ذا فاعلية كبيرة وناشط جداً في أداء دوره في تخريب البنى التي قام عليها السودان.
* لكن هذا الكلام يتناقض تماماً مع الآيدلوجية الشيوعية، فهي آيدلوجية لا تؤمن بالأعراق والأديان، ولكن تؤمن بنظرية ذات طابع أممي تتناقض مع هذا السلوك؟
هذا الكلام سليم، ولكن الشيوعيين السودانيين لا يعرفون الشيوعية النظرية معرفة كبيرة ، هؤلاء الرجال هم مجرد مناضلون تنظيميون حزبيون لا غير . ترى ماذا يعرف شخص مثل التيجاني الطيب عن الماركسية؟! إنه لا يستطيع أن يتحدث لمدة ساعة واحدة عن الفكر الماركسي، ولكنه يستطيع أن يتكلم الساعات العديدة عن نضالات الحزب الشيوعي وتاريخه الأثيم . وقد أنفق هذا الرجل وأمثاله من ديناصورات الحزب أكثر من خمسين سنة في تنفيذ مؤامرات الحزب الشيوعي وكلها مؤامرات ضارة وقد استفحل شرها أخيراً حينما استهدفت صميم البنية العضلية لهذا البلد المسلم.
إن كلامك عن الماركسية كنظرية صحيح. فالماركسية لاتؤمن بالتناقض العرقي أو الثقافي وإنما تؤمن بالتناقض الاقتصادي الطبقي، وكانت "يوتوبيا" ماركس تتحدث عن أنماط الانتاج المتناقضة التي تنتج نظماً اقتصادية متناقضة لا تزال تتطور وتتناقض ويفني بعضها بعضاً إلى أن يساق الجنس البشري إلى نعيم الشيوعية وبها تنتهي دورات التاريخ البشري. ولم يكن ماركس ولا زميله إنجلز يهتمان بمسائل الثقافة والإثنيات واللغات والأديان والفن والقانون، ويعدان أمثال هذه التجليات بمثابة بنيان علوي هش منبثق عن البنية التحتية الصلبة وهي البنية الإقتصادية يتغير بتغيرها ويزول بزوالها. هذه هي الماركسية وهي لا تنفع في السودان. ولذلك يستخدم الشيوعيون السودانيون ما يدعونه بالتناقض، او بتسميتهم الملطفة، التباين الإثني والثقافي لتحطيم الدولة السودانية الإسلامية الإنقاذية التي يعادونها من صميم قلوبهم ، فهم لا يستطيعون فعل ذلك إذا تسللوا عن طريق العمال لأن العمال تسللوا من أيديهم، والطبقة العاملة أصبحت طبقة صغيرة في السودان وغير منظمة كما كانت فيما مضى، ولذا فشلوا في هذا المضمار فشلاً ذريعاً، والشيوعيون الآن لا يتحدثون عن العمال قط في أدبياتهم وهذا أمر ملاحظ، ومعظم قيادات الحزب الشيوعي السوداني ممثلون في سلوكهم وأنماط عيشهم لطبقتي البرجوازية الصغيرة والكبيرة، ولهم مطامع في استلاب السلطة من أجل تضخيم ثرواتهم، وطريقهم إلى ذلك هو تفجير نظام الإنقاذ المنيع المستعصي باستخدام الحركات العنصرية الوبيلة ضده. إنهم يريدون تحطيم النظام ولو حطموا معه الوطن فهو مجرد عمل تخريبي غير منضبط ولا مستهد بأي فكرة أوآلية ماركسية.
* لمصلحة من يريدون تحطيم النظام؟
ليس لمصلحة أحد، فهم مثل حسن الترابي الذي يسعى لتحطيم الوطن بلا أدنى موجب!
* هل لأمريكا يد في دعم هذه التوجهات التي قد تخدم مشروع الشيوعيين في السودان؟
نعم أمريكا تشجع ذلك . فالسياسيون الأمريكيون وصناع القرار في الولايات المتحدة أذكياء ومتخصصون ولهم مراكز بحث متقدمة ويمكن أن يستغلوا أي شخص يمكن أن يخدم مشروعهم في المنطقة المعنية سواء شعر ذلك الشخص أم لم يشعر ، ومن قديم نبه الكاتب الإسلامي الكبير وعميد المفكرين السياسيين الإسلاميين محمد جلال كشك إلى أن المخابرات الأمريكية دائماً ما تجند الشيوعيين وتستخدمهم لتحطيم المقومات الإسلامية وتفكيك العالم الإسلامي ، حتى إذا تفكك العالم الإسلامي سهل على أمريكا اجتياحه بعذ ذلك. اقرأوا لمحمد جلال كشك كتبه التي تتضمن هذا المعنى من مثل: (الماركسية والغزو الفكري)، و(الغزو الفكري)، و(أخطر من النكسة)، و (ودخلت الخيل الأزهر) فهي تساعد كثيراً في فهم هذه الظواهر.
الحلقة الثالية
هذه الحلقة الثالثة من هذا الحوار العميق الجامع، ومن أبرز مقولات هذه الحلقة:
(ليست هناك أزمة جمود فكري، فهناك مفكرون إسلاميون معاصرون كبار قدموا أفكاراً أكثر نضجاً وتوازناً مما أنتج سيد قطب، ولكن لم يجدوا رواجاً كما وجد سيد قطب) (مما ينطبق على الحركات الإسلامية بشكل عام أنه كلما نبغ في الحركة مفكر أو صاحب رؤية خاصة وفكر ناضج ومتحرر من أسر التنظيم عملت الحركة على تحجيمه وحصاره فإما ان يترك التفكير وإبداع الأفكار أو يغادر أروقة الحركة!) (إن تنظيرات بعض الكتاب حول ثنائية الأصالة والمعاصرة لا تستهويني وأرى فيها الكثير من الافتعال ومبارحة الحقيقة) (ابن تيمية مفكر عظيم ورجل لكل العصور، ولكن الكثيرين ممن يتعلقون باهدابه اليوم لا يتبعون ابن تيمية المفكر، و لا يفهمونه فهماً صحيحاً بل لم يقرأوه كتاباته العظيمة، واكتفوا بالتعلق ببعض الشعارات المستلَّة من أفكاره.) (إذا كنا لا نؤمن بإلزامية الشورى فإننا سنقيم لحظتها دولة الطغاة المتدينين الذين يذبحون الناس باسم الدين !)
* ما لاحظته من تمايز بين المسلم الغربي وأخيه الشرقي، بدأ مع رواد الإصلاح الإسلامي كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. ومحمد رشيد رضا، الذين حاولوا أن يطوروا العقل الإسلامي. كيف تنظر اليوم إلى هذه المدرسة القديمة؟ وكيف تقوِّم إنجازاتها؟
أعتقد أن جمال الدين الأفغاني كان أعظم شخصية في تاريخ الحركة الإسلامية وهو أعظم من حسن البنا نفسه، فهو الذي أيقظ – بعد عون الله تعالى – العالم الإسلامي من سباته العميق المطبق، وللرائد أجره وفضله الكبير، وجمال الدين كان يحمل في قلبه أمالاً واعتقادات راسخة في إمكانية نهضة المسلمين والعالم الإسلامي، ولم يكن لمعاصريه هذه النظرة البعيدة المدى وهذه الآمال الكبار. لم يكن جمال الدين الأفغاني عالماً كما لم يكن مؤلفاً عبقرياً، وإنما كان صاحب بصيرة وحماسة وإخلاص ودأب دائب في عمله ، ولقد جاهد في هذا السبيل إلى أن توفاه الله تعالى . أما بالنسبة للإمام النهضوي الأكبر الإمام محمد عبده ، فأنا أحب تراثه التربوي جداً وأخالف الإسلاميين في نظرتهم إليه ، فهم ينظرون لسلبيات محمد عبده فقط، صحيح إنه أخطأ في بعض تفسيراته وتعبيراته للعقيدة انطلاقاً من الرؤية الأشعرية القديمة، ولكن بعض عباراته يمكن إعادة تأويلها لتنسجم مع عقائد السلف التي هي الأصح طبعاً. وقد روى الشيخ رشيد رضا أن محمد عبده عندما اطلع على كتاب (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب أبدى اتفاقه مع كل ما جاء فيه وقال إنه لا يختلف معه في شيئ . عموماً كانت إيجابيات محمد عبده كانت أكبر من سلبياته ، فالإمام عبده حاول أن يركز العمل السياسي الثائر لجمال الدين في مدرسة تربوية تكوينية متأنية، وأنتج بذلك كوادر ضخمة للعمل الإسلامي أعظمهما بلا شك المرشد الكبير الإمام محمد رشيد رضا صاحب مدرسة المنار، الذي خرج من عباءته أكثر المصلحين الكبار، من أمثال حسن البنا في مصر، وعبدالحميد باديس في الجزائر، والشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي في نجد، وأعتقد أن جهود محمد رشيد رضا أدت إلى تقريب الفكر الإسلامي الحديث من السنة النبوية . وباستثناء الإمام السعدي في نجد يمكن القول إن محمد رشيد رضا كان أقرب الإصلاحيين المعاصرين إلى السنة النبوية، ومحمد رشيد انتج ثقافة دعوية إسلامية كان يمكن أن تحدث تأثيرا كبيراً لو أضيف لها الخط السياسي لجمال الدين الأفغاني.
* هل يمكن اعتبار الحركة الإسلامية المعاصرة وعلى رأسها حركة الإخوان في مصر امتداداً لهذا التيار؟ وهل استطاعت تطوير أفكار هذا التيار وصياغة برامج تستجيب للواقع أو تصنعه كما فعلت أفكار الرواد اذين تحدثت عنهم ؟
حركة الإخوان في مصر هي امتداد لهذا للتيار، وقد استفاد البنا من تجربة المفكرين السابقين وانتفعت الحركة الإخوانية من حركة التعليم التي انتشرت في مصر، وانتشرت في الجامعات والمدارس ولقيت قبولاً واسعاً في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي ولازالت تجد قبولاً إلا أنها جمدت فكرياً وسياسياً بعد عهد الهضيبي وبعد الضربات الهائلة التي منيت بها، وكادت أن تتحول إلى طائفة وأصيبت بداء الولع بالتنظيم والتعالي بالتراث الجهادي والفكري للأخوان وهذه سلبية لن تندفع الحركة إلى لأمام مالم تتخلص منها.
* يرى بعض المفكرين أن الفكر الإسلامي قد وصل في سيره الصاعد إلى القمة مع الأستاذ سيد قطب ثم بدأت مرحلة الجمود، وأن الكتابات المعاصرة عبارة عن شروح للمتون التي كتبها الرواد. فهل ترى أن العمل اللإسلامي يعيش أزمة جمود فكري كما يقول هؤلاء ؟ وهل خلو الساحة من مفكر إسلامي من العيار الثقيل كسيد قطب تجسيد لهذه الأزمة؟
لا . ليست هناك أزمة جمود فكري، فهناك مفكرون إسلاميون معاصرون كبار قدموا أفكاراً أكثر نضجاً وتوازناً مما انتج سيد قطب، ولكن لم يجدوا رواجاً كما وجد سيد قطب، وسيد قطب مفكر كبير وإنسان أخلص حياته كلها للفكر والدين حتى مضى إلى ربه شهيداً، فالألق الفكري الذي وجده سيد قطب لم يجده أي مفكر آخر وربما لن يجده مفكر آخر إلى عهد بعيد. الآن نشأ فكر إسلامي متقدم خارج الحركة الإسلامية ، ويبدو أن الفكر الناضج ينشأ الآن خارج حركة الإخوان وخارج نطاق الحركات الإسلامية الأخرى . وهذا ينطبق على الحركة الإسلامية السودانية بوضعية أسوأ فهي تعيش في حالة جدب فكري مريع، فلا هي تنتج فكراً ولا الوسط السوداني الخامل من حولها ينتج فكراً يعتد به. ومما ينطبق على الحركات الإسلامية بشكل عام أنه كلما نبغ فيها مفكر أو صاحب رؤية متقدمة، عملت الحركة على تحجيمه وحصاره ، فإما أن يترك التفكير وإبداع الأفكار أو يغادر أروقة الحركة. وهكذا ترى أن أكثر من يهتمون بالدراسة والبحث هم المطرودون من الحركات الإسلامية أو الذين اعتزلوها طوعاً بدون مشاكل.
* كيف نستطيع أن نردم الهوة بين الفكر الإسلامي الناضج المنتج خارج الحركة الإسلامية، وبين التنظيم الفاعل الذي يقود المجتمع عملياً ؟ وكيف نستطيع أن نقيم جسراً قوياً يصل بين الطرفين ؟
هذا شأن الأفراد الذين يوفقهم الله تعالى لكي يستلهموا مزاج الحركة الإسلامية ويستوعبوا تراث الفكر المنتج خارجها. ولا أظن أن الحركة الإسلامية تشجع أنصارها على الإستمداد من فكر تولد خارجها، فقادة الحركات الإسلامية إلا من رحم الله يميلون إلى الطائفية حتى في الفكر وتربية الأتباع على أن يكونوا أطفالاً باستمرار ، فنضج أفراد الحركات الإسلامية قد يكون عند هؤلاء القادة خطراً يحدق بهم ، ولذلك تراهم يحذرون أتباعهم من القراءة لمفكرين بعينهم لا يختلفون كثيراً مع الحركات الإسلامية ومشكلتهم فقط أنهم لا ينصاعون لأوامر قادة الحركات الإسلامية بصورة أوتوماتيكية.
* العرب ما يزالون يعيشون سؤال معالجة ثنائية التراث والمعاصرة وينادون بضرورة حسمها، ألا تظن أن هذه الثنائية تنطوى على أزمة الأمة العربية والإسلامية، بمعنى أن الأمة العربية ماتزال تعاني من التية وهي أمة مقترحة ولم تتكون بعد وما برحت في طور الاختيار ما بين الحياة في التراث أو الحياة في العصر الحديث؟
لا أتفق معكم في توجيه هذا الإتهام إلى الأمة الإسلامية وإلى الفكر الإسلامي ، فالأمة الإسلامية كانت موجودة من قبل وجود الحركات الإسلامية ولن تندثر باندثارها بل ستظل حية تتعامل مع واقعها وتتعلق بالمثال الإسلامي الذي أراده الله تعالى لها. فالأمة تعيش الآن في العصر الحديث وتتواءم مع تراثها بشكل جيد . والإسلام يغرس هذا السلوك في الإنسان فالذي يقرأ القرآن يفكر تفكيراً حياتياً وعصرياً لأن القرآن نفسه نزل منجماً وتنزل ليلامس الأحداث ويلفت النظر للواقع المعاش ولمشاهد الطبيعة وغيرها. والإنسان الذي يقرأ القرآن وحديث الرسول صلى الله وعليه وسلم يحس أن هذه النصوص القوية تشده إلى الواقع الذي يحياه وتشده للمثال الأعلى في الوقت نفسه.
إن تنظيرات بعض الكتاب حول ثنائية الأصالة والمعاصرة لا تستهويني وأرى فيها الكثير من الافتعال ومبارحة الحقيقة، هذا الأشياء قد تصح لو قيلت عن المجتمعات الغربية لأنها تنفصل عن تراثها إذا أرادت أن تعيش العصر الحديث. وهناك تقاس تقدمية الإنسان بقدر انفصاله عن ماضيه ولو كان قريباً. وبشكل عام فالإنسان الغربي إذا أراد أن يعيش العصر الحديث يتحتم عليه أن ينسى الدين وأوامره أو ألا يتعامل معه بجدية. هذه الثنائية الإنشطارية الحادة موجودة في الغرب، أما في العالم الإسلامي فقد تكون هنالك بعض المظاهر لهذه المشكلة ولكن ليس بهذه الصورة المتطرفة . إذا تأملنا أحوال العيش وأنماط التمدن في العالم الإسلامي نرى فيها احتراما كبيراً متأصلاً للإسلام ، ولا نرى معركة كبرى للتقاليد كما كان يقول محمد قطب ، إن المعاصرة في العالم الإسلامي لا تسحق الأصالة، ولا تسحق الأصالة محاولات المعاصرة والتحديث. هذا ما حيث الواقع ، أما من الناحية النظرية فكثير من الكتابات الإسلامية الحديثة ولا سيما الحركية؛ فيها نبض وحرارة المعاصرة ، وفيها الأخذ الوافي من التراث والأخذ المعقول من فقه الواقع وفيها معالجات قد لاتكون بالسمو والنضج المطلوب ولكنها تنشيء نوعاً من المعادلة الجيدة في هذا الأمر. ولذلك فعلينا ألا نطيل اللت والعجن في مأزق ثنائية الأصالة والمعاصرة الذي نصبه في ساحة الفكر والأدب بعض المثقفين اليساريين.
* المفكر المغربي محمد عابد الجابري قال إن الأمة لم تستطع حتى الآن أن تندرج في تراثها وتستوعبه وتصطلح معه إلى مدى يمكنها من الانفتاح على الواقع المعاصر بصورة خالية من التوتر، ويرى أن الأمة لم تنجز مشروعاً فكرياً يحقق هذا المطلب بعد، ما رأيك في هذه المقولة؟
الجابري بماركسيته وعلمانيته الشاطحة عندما يتحدث عن الأصالة فهو يتحدث عن فكر غير إسلامي، فكر بعيد عن فكر أهل السنة والجماعة، فكر غير فكر عامة المسلمين وجمهور الأمة، فهو يتحدث عن عقلانية ابن رشد الشاطحة، وابن لم يكن شاطحاً في كل شيء، ولكن الجابري يريد عقلانية ابن رشد الشاطحة التي تنفي بعض العقائد الإسلامية المسلم بها، والإمام الغزالي عندما كفر الفلاسفة ومنهم ابن رشد كان مستنداً إلى أمثال أقوالهم المنافية للعقيدة السلفية الصحيحة. والآن يريد الجابري من الأمة الإسلامية أن تلتزم بهذه الآراء المنحرفة تحديداً فإن لم تلتزم بها فهي عند محمد عابد الجابري أمة غير عقلانية.
ومن ناحية أخرى يريد محمد عابد الجابري أن يبعث فكر المعتزلة من جديد. وفكر المعتزلة فيه سلبيات وفيه إيجابيات، وإيجابياته أكثر، لأن المعتزلة كانوا يجاهدون ضد الغزو الفكري اليوناني والفارسي وضد الوثنية. ولهم شطحات، ولكنهم مع ذلك كانوا يجاهدون من أجل الحفاظ على الوجود الفكري والعقدي الإسلامي كما تصوروه، وبعد ذلك قام ربيبهم الإمام أبو الحسن الأشعري بكفكفة تطرفهم ورد الأمة إلى بعض الإعتدال. ثم أتى شيخ الإسلام الإمام الأكبر تقي الدين ابن تيمية الحراني وقاد الأمة الإسلامية إلى النهج السوي: نهج أهل السنة والجماعة. والآن فإن الأمة المسلمة تقترب رويداً رويداً من السنة النبوية ومن نهج السلف الراشد، وهذا ما لا يرضي العلماني المتطرف محمد عابد الجابري، ولهذا تراني اختلف جذرياً مع نظرته إلى هذه الأمور، فالأمة سائرة على الجادة وتقترب من منهج الوسطية الراشد.
* ما هي أبرز معالم فكر ابن تيمية بنظرك؟
ابن تيمية مفكر عظيم ورجل لكل العصور، ولكن الكثيرين ممن يتعلقون باهدابه اليوم لا يتبعون ابن تيمية المفكر، و لا يفهمونه فهماً صحيحاً بل لم يقرأوه كتاباته العظيمة، واكتفوا بالتعلق ببعض الشعارات المستلَّة من أفكاره. وأكثر ما يرزأ به الفكر هو هذا الضرب من الشعارات الصماء. ومن عجب فإن ابن تيمية كان أكثر العلماء تعمقاً في المسائل وأكثرهم قدرة على التنظير العالي ، ولكن بعض أتباعه قرروا تحويل ذلك كله إلى شعارات وأفكار تبسطية متعصبة. وترى هؤلاء الناس فتعرف أنهم من أزهد الناس في القراءة ومن أشدهم ضحالة في التفكير، فذا أمر عجب أن تنجب مدرسة عقلية فذة لم يشهد لها التاريخ الإنساني مثيلاً ثانياً كالمدرسة التيمية تلاميذ غير نجب كهؤلاء . وهذا الأمر يمكن ملاحظته أيضاً في بعض تلاميذ مفكر نافذ كسيد قطب حولوا أفكاره هو الآخر إلى شعارات صاخبة واندفعوا بها في تيار التطرف والتكفير العنف .
ولقد كنت أحذر طلابي كثيراً عندما أدرسهم الإسلاميات في الجامعة من متابعة الشعارات الغوغائية وأحذرهم من فهم الإسلام فهم شعاراتياَ حزبياً أو تنظيميأ، لأن هذا مما يضر بقضية الفكر والدعوة في الصميم.
وإذا عدنا للحديث عن ابن تيمية فهو رجل ضخم يفهم الإسلام فهماً كلياً وقد اهتدى الي تصحيح العقيدة الإسلامية في فترة حرجة من تاريخ الفكر تعرضت فيها لتحديات فلسفية من الداخل والخارج، وقام ابن تيمية بإنشاء المواءمة المنهجية بين صحيح المنقول وصريح المعقول، وكتب مئات الكتب في هذه القضية، وهاجم المنطق اليوناني لأن المنطق اليوناني منطق نظري مثالي ولا يؤسس واقعاً عملياً، وصاغ منطقاً قائماً على ما قال الله وقال رسوله. إن ابن تيمية مفكر رائد ومما هو غير معروف عن هذا الرجل أنه كان يعرف أربعة لغات: هي الكردية "وهو كردي تركي في الأصل"، واللغة اللاتينية وقرأ بها الفلسفة اليونانية واللاهوت النصراني، واللغة العبرية التي كان يفهمها فقط وقرأ بها التوراة في أصلها العبري ، هذا بالإضافة إلىاللغة العربية التي كان يجيدها أفضل من سيبوية وانتصر عليه في نحوها! لذا فعلى أتباع ابن تيمية الحقيقيين أن يجاروه في هذه النواحي الامتيازية، لأن تعلم اللغات يوسع التصورات والمدارك ويفتح آفاقاً جديدة للتعلم. وبإجادته لهذه اللغات وإحسانه العلم بها صار ابن تيمية مفكراً ضخماً استوعب تراث الأفكار العالمية الذي كان سائداً في عصره والعصور التي سبقته، ونقله نقلاً صحيحاً أميناً غير متحيز ولا متجانف لإثم، وكان رحمه الله شديد التوازن رغم الحدة التي قد تعتريه في النقد، ولكنه كان عادلاً منصفاً. ومن الناحية التعبدية كان صاحب أذواق ومواجد وكرامات شهد بها خادمه إبراهيم الذي كتب كتيباً لطيفاً عن سيرة ابن تيمية، و شهد بها أخوه زين الدين الذي دخل السجن معه متطوعاً وكان يتهيبه كثيراً وقال له بعض زوار السجن إنك لا تعامل أخاك كما يعامل الأخ أخاه، فأجابهم ولكني أرى من أحواله ومقاماته ما لا ترون! ومن الناحية الاجتماعية لم يعاشر ابن تيمية الناس في شؤون البيع والشراء والكراء والتسابق في احتياز متاع الغرور الآفل، لقد كانت حياته أشبه بعمل الأنبياء من شدة الاقتداء. وما أحسن أن يكون استلهام الدعاة اليوم لابن تيمية على هذا النحو من الشمول وليس بإجتزاء لبعض مواقفه وآرائه الخلافية.
* يرى كثير من المفكرين المعاصرين أن اعتماد منهج أهل السنة والجماعة بصورته التاريخية وتعميمه باعتباره المصدر الوحيد السليم للتعامل مع الإسلام قد يحرمنا من خير كثير نحن في أمس الحاجة إليه. إن أئمة أهل السنة أدانوا المنطق وأدانوا أشياء كثيرة باعتبارها أموراً تمس العقيدة وتجانب فهم الدين الصحيح. ونحن نعيش الآن في العصر الحديث وهو عصر المنهجية والبحث عن الأصول الكلية، وهذا يحتاج لعقل فلسفي. وهنا يقال إن منهج أهل السنة يحرم الأمة من كل ذلك. فما رأيكم؟
منهج أهل السنة والجماعة لا يحرم الأمة من التفكير العقلي، فالعقل والعلم من نعم الله تعالى التي ورد ذكرها مئات المرات في القرآن الكريم. وتطبيقياً كان أئمة منهج أهل السنة والجماعة من كبار العقلانيين والمنطقيين. ابن تيمية نفسه كان فيلسوفا بارعاً وكان منطقياً غاية في رصانة المنطق، وهذا هو الذي أدى لرجحان منهجه وانتصاره لمنهج أهل السنة والجماعة على أهل البدعة. لقد كان يقف ضد الفلسفة اليونانية وليس ضد الفلسفة ككل. والأمر الذي كان يرفضه هو اتخاذ الفلسفة ونظريات المعرفة الحًدْسيَّة الإشراقية، والعقلية، والمادية والسلطوية بديلاً عن الوحي. لقد انتقد ابن تيمية المنطق اليوناني والمنطق الأرسطي بالذات، وألف كتاباً من مجلدات عديدة بعنوان ( درء تعارض العقل والنقل) لأنه اعتقد، وهو على حق، أن المنطق اليوناني قائم على مقدمات فاسدة لا تتفق مع منهج القرآن، ولا يمكن لهذه المقدمات ولا لنتائجها أن تنشيء واقعاً عملياً صالحا في الأرض، وحتى من الناحية النظرية المحضة فيمكن أن يصل بك هذا المنطق اليوناني إلى نوع من السفسطة وإلى نمط تفكير اليوتوبي الأفلاطوني المثالي. وعموماً ابن تيمية لم يكن ضد الفلسفة ككل ولم يكن ضد العقل كماهو ، وعندما قال إن المنطق لا يحتاج إليه الجاهل كما لا يحتاجه العالم فقد كان يشير إلى المنطق اليوناني الصوري.
وابن تيمية كان واحداً من أئمة المدرسة السنية، وأهل السنة والجماعة لا ينحصر وجودهم في منهج ابن تيمية ومدرسته، فهنالك في المغرب الإسلامي كان الإمام الشاطبي الذي أنشأ كتابه العظيم " الإعتصام " وكتاب الآخر "الموافقات"، وقد اتبع فيهما منهجاً علمياً رصيناً حرر به القضايا الأصولية والمسائل الشرعية، وفكر أهل السنة والجماعة لايعادي العقل ومعظم العلماء الكبار الذين كان لهم إنتاج علمي كبير كالإمام الشافعي الذي ربما كان ربما أعظم عقل أنجبته الحضارة الإنسانية، وهو الذي كتب كتابي " الرسالة" و" الأم " بمنطق تحليلي عقلي ملتزم بضوابط الشرع ولكنه جرئ في الاعتداد بالاكتشافات التي يهدي إليها العقل، لقد كان الإمام الشافعي يكتشف الأدلة لمشروعية بعض آليات الاستنباط الفقهي، كما اكتشف الدليل على مشروعية القياس وقصة ذلك معروفة لطلاب العلم. وعموماً لا أعتقد أن أئمة الإسلام الكبار كالشافعي أو غيره كانوا يعادون العقل . إنما هذه بدعة جديدة أتى بها بعض السلفيين الجامدين المحدَثين، ولو قررنا أن نتبع السلف الصالح فلنتبعهم في منهجهم الكلي الذي كان يحترم العقل ضمن مصادر المعرفة الأخرى التي على رأسها الوحي.
* بعد تعاظم دور الحركات الاسلامية في الحياة، ووصول بعضها إلى السلكة واقتراب البعض الآخر، فإن هذه الحركات تواجه بأن الدولة الحديثة هي دولة قومية تقوم على أصول علمانية. كيف يستطيع الإسلاميون أن يتجاوزوا هذا المأزق وكيف يمكن أن يقيموا دولة إسلامية في هذا الوعاء الذي صممه الخصوم؟!
هذا سؤال كبير يدل على وعي عميق لدى السائل بحقائق الأمور في العالم الإسلامي، صحيح أن الحركات الإسلامية مواجهة بمشروع الدولة القومية أو القطرية الحديثة المصمم تصميماً علمانياً، ولكن من الخير للحركات الإسلامية ألا تقاوم هذا الواقع المفروض المستقر منذ زمان طويل لأن مقاومته تنتج ضرراً أكبر منه. وهنا أعني بدقة موضوع الحدود السياسية لأقطار العالم الإسلامي، ولا أعني المحتوى الدستوري والقانوني والقيمي لمسائل الحكم. والمأمول ألا تنطلق الحركات الإسلامية من تفكير سخيف وتظن أنها قادرة ضربة لازب وبقرار تصدره مجموعاتها الصغيرة أن توحد العالم الإسلامي كله بين عشية وضحاها وتقيم دولة الخلافة الراشدة. هذه أحلام بعيدة عن الواقع والتحقيق، ولابد للإسلاميين أن يتعاملوا مع الواقع كما هو، ولابد لهم أن يتعهدوا بأن يحترموا الحدود الجغرافية والسياسية رغم أننا ورثناها من المستعمر، ذلك أننا إذا أردنا أن نمزق هذه الحدود فإننا سنفتتح سلسلة مريعة من الحروب التي تسفك الدماء المسلمة العزيزة ونثير النعرات القومية بين المسلمين وهذا إفساد كبير في الأرض ولكي نتجنبه علينا أن نتقبل هذا الواقع المفروض علينا وأن نتعامل معه بحكمة وحصافة وجدية نحقق بها مقاصد الشريعة بعيداً عن المزايدة بالشعارات .
إن مشاكل الإسلاميين مع السلطة والعمل السياسي هي أكبر من طاقتهم للأسف الشديد. أكثر الإسلاميين السياسيين لا يفكرون تفكيراً عميقاً متزناً، ويربون أتباعهم ليكونوا عفويين وعاطفيين مثلهم. فأكثر الشباب المسلم لا يهتم بالفكر السياسي ولا يدرس العلوم السياسية ولا الاقتصاد ولا الاجتماع ولا الفلسفة ، وإنما يدرس هؤلاء العلوم المهنية الضيقة كالهندسة والصيدلة والطب وإدارة الأعمال، وإهمال الإسلاميين لدراسة العلوم النظرية لا يساعدهم على تحقيق حلمهم بإنشاء دولة إسلامية عصرية، فمثل هذه الدولة لا تقام بالعواطف، ولا بالنوايا الحسنة، ولا بالحماسة، ولا بالمظاهرات، ولا بالإستشهاد، ولا حتى بمجرد الاخلاص. إنما تقام بهذا كله وبالعلم العميق الناضج. وهذا العصر هو عصر المؤسسات وليس عصر الزعامات الفردية، ولا عصر الاندفاع الأعمي. لابد أن تدرس الحركات الإسلامية المؤسسات الحديثة وتعمل على أسلمتها، فإننا قد لا نستطيع إنشاء مؤسسات جديدة، فالمسلمون الأوائل أخذوا المؤسسات التي آلت إليهم كمؤسسة الديوان التي أخذوها من الفرس وغيرهم وطورها تطويراً كبيراً، وأعطوها الروح الإسلامي. ونحن الآن نتعامل مع مؤسسات غربية معقدة كالبنوك، والمدارس، والجيوش، والمؤسسات الإعلامية، ومؤسسات البيروقراطية الحكومية، وهذه كلها مستعارة من مؤسسات الحضارة الغربية، ولا تصلح لنا ما لم نفم بأسلمتها. ولذلك لا بد لنا ونحن نتعامل مع هذه المؤسسات أن نبحث عن صيغة تمحو الأثر التغريبي العلماني في فلسفتها وفي طرق تسييرها كي نقربها بالتدريج من النموذج الإسلامي المبتغى، هذا هم كبير من هموم دولة الإسلام المستقبلية ولكن الدعاة المتسرعون لا يفكرون في هذا ويظنون أنهم بإخلاصهم وحده قادرون على إنشاء طولة إسلامية متكاملة. بعض الحركات الإسلامية السطحية كمجموعة طالبان اكتفت بإلغاء كثير من المؤسسات ذات الصيغة التغريبية، وإلغاء المؤسسات لا يحل الإشكال، إنما لابد ان نعيد صياغة هذه المؤسسات بما يتفق مع الإسلام.
* الدولة الوطنية أو المعاصرة تستدعي مجموعة من المفاهيم منها مفهوم "المواطنة" وإعلائها وعاءاً جامعاً باعتبار أن الجامع هو الوطن وليس الدين. وهنالك غير ذلك من المفاهيم المستدعاة، وهي مفاهيم كأنها معلقة في سلسلة إذا جذبت طرفاً منها جاءتك بقية الأطراف. كيف نتعامل مع هذا الواقع الجديد؟ وهل يكفينا أن نستدعي نحن أيضاً المفاهيم الإسلامية التي خلفها الأسلاف كالماوردي في منظومة السياسة الشرعية وما شابه ذلك؟ عموماً كيف يمكن أن يحل هذا الاشكال؟
الحل السهل، يمكن أن يشار في المواثيق والواجبات الدستورية إلى أن المواطنة هي الأساس في الحقوق الواجبات للمسلمين وغيرهم في الوطن. وهذا له أصل إسلامي كما تشير إلى ذلك "وثيقة المدنية" التي عقدها رسول الله صلى الله عليبه وسلم للموادعة مع قبائل المدينة المختلفة بما فيها قبائل يهود. والإسلام دعا للهجرة وقال إن من لا يهاجر إلى المدينة لا ينال حق المواطنة كما ينبغي، إذن فكل من هو موجود في الدولة الإسلامية بشكل دائم غير طارئ فهو مواطن فيها، فالولاء للدولة المسلمة ولاء إقليمي. والمعادلة بهذا الشكل تكون سهلة ومقبولة لجميع الأطراف، ويكفي أن ينص في الدستور على أن المواطنة هي الأصل في الحقوق والواجبات. إما المفاهيم والأفكار السياسية بما فيها هذا المفهوم نفسه حول المواطنة كما لاحظنا، فهي نابعة جميعاً من الإسلام، إن لسائر الناس الحق فى أن يشكلوا تنظيماتهم ومؤسساتهم ولهم الحرية في إبداء آرائهم حتى لو أرادوا أن ينتقدوا الإسلام، وطالما ان الأغلبية مسلمة وحريصة على الإسلام فلن يستطيع المواطنون غير المسلمين وهم مجرد أقلية أن ينالوا من الإسلام ولامن المسلمين. ومن ناحية عامة ينبغي ألا نفترض أن هذه الأقليات الدينية معادية بالضرورة للإسلام والمسلمين. فهذا أمر غير حتمي ومن واجب المسلمين أن يعاملوا هؤلاء بالقسط والبر والحسنى ويكسبوا ولاءهم لصالح الإسلام والمسلمين. ومن الأفضل ألا ندع متطرفينا ينزلقون في كوارث الاستعداء الطائفي ويزجوا البلاد في أُتون الفتن الدينية. إننا إذا لم نحترم الأقليات الدينية ونعطيها هذا الحق فإن البديل في البلدان التي فيها أعداد معتبرة من هذه الأقليات هو الفتن الداخلية والشجار بين مكونات الوطن.
* أليس تضمين "المواطنة" في دساتيرنا الوطنية كأساس للحقوق والواجبات، مخالف لمبادىء الإسلام، باعتبار أنها تجعل لغير المسلم الحق وتمنحه الفرصة لحكم المسلمين، تبعاً لقول الله تعالى: "وما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً" ؟! ثم إن المراهنة على الشعوب لا تكون دائما صحيحة، فأحيانا لا يكون وعي الشعوب بالمستوى الذي يؤهلها لكي تكون فيصلاً في الأمور، كما قال سيد قطب رحمه الله، وقد صدقت نيجيريا ذات الأغلبية المسلمة ظنه حين انتخبت حاكماً نصرانياًً هو "أبوسانجو" في وجود مرشحين مسلمين؟
تضمين المواطنة في الدساتير الوطنية لا يخالف الإسلام، لأن المسلمين إذا كانوا مسلمين حقاً لا يمكن أن ينتخبوا نصرانياً. وتجربة نيجيريا لا تصلح دليلا، لأن الصراع في نيجيريا لم يكن بين الحركة الإسلامية والزعيم النصراني، وإنما بين رجلين علمانيين هما إبراهيم بابنجيدا وإليسون أباسانجو، وهذا الأخير لم تكن له أهداف دينية ولم يكن يسعى لإقامة دولة نصرانية في نيجيريا ولا لمحاربة الإسلام هناك. ومؤخراً انتخبت نيجرياً حاكماً مسلماً علمانياً هو خير من النصراني بلا ريب بحكم نطقه بالشهادتين، ولكن من حيث الأداء السياسي ومن حيث فائدته للمسلمين فقد يكون خير منه الحاكم النصراني!
* قد لا تكون عند أباسانجو وأضرابه هذه الأهداف التي ذكرتها ولكنهم مرتمون في أحضان الغرب ويعادون العمل الإسلامي!
أحيانا يكون الحكام المسلمون أكثر إرتماءً في أحضان الغرب وأكثر معاداة للدين من الحكام من أمثال أباسانجو ومن السياسيين النصارى في العالم الإسلامي! وقد شهدنا حكومات في دول إسلامية كبرى تحارب مظاهر إسلامية لا تهددها في شيئ كظاهرة الحجاب. ولمواجهة أي مؤامرات من قبل الدول الغربية من المهم أن تؤسس الحركات الإسلامية واقعاً متيناً في أوطانها تلتف حولها الجماهير وتحميه بحيث لا تستطيع أي قوة غربية معادية أن تزيله بالتآمر أو حتى باستخدام القوة. لذلك على الحركات الإسلامية أن تمد جسور الصداقة مع الأقليات الدينية، وقبل ذلك مع شعوبها، وألا تثير الفتن الطائفية مع غير المسلمين، ولا القضايا الخلافية مع المسلمين.
* وقبل أن نغادر دار الدكتور محمد وقيع الله سألناه عن الشورى في الحركات الإسلامية، فقال:
فقه الشورى يعاني من مشكلة ضخمة جداً في الحركات الإسلامية، فأكثرها لا يعترف بالشورى والذي يعترف منها بالشورى لا يعترف بإلزاميتها. وعموماً لا أرى ثمة مبرر لإقامة دولة إسلامية إذا كنا لا نؤمن بإلزامية الشورى، لأننا سنقيم لحظتها دولة الطغاة المتدينين الذين يذبحون الناس باسم الدين. إن من الخير للحركات الإسلامية إذا كانت لا تؤمن بالشورى وإلزاميتها أن تنصرف عن العمل السياسي إلى العمل الخيري والدعوي غير المرتبط بأي بعد سياسي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.