الحلقة الثانية من شهادتي للتاريخ (50) حول سلامة سد النهضة وأضراره البيئية .. بقلم: بروفيسور د. د. محمد الرشيد قريش*    هيئة محامي دارفور تنعي معلم الأجيال المربي محمد علي شين    أُمْ دُوْمَة- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التراثْ السوداني- الحَلَقةُ العَاشِرَة .. جمعُ وإعداد/ عادل سيد أحمد.    البنوك الاسلامية وديوان الزكاة .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق    عن ملفات سيئة الذكر البيئة!! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله    سر الختم هذا (مدهش) يا أماسا .. بقلم: كمال الهِدي    اعتداء دموي على المحامي د. عبد العظيم حسن بعد وقوفه في مسجد المنشية بعد خطبة الجمعة لاعتراضه على الخروج في مسيرة الزحف الأخضر قائلا: (المسيرة دي مفروض تكون مسيرة إعتذار للشعب السوداني)    البرهان يتعهد بدعم المرافق الرياضية بالبلاد    الصناعة والتجارة تكشف عن تعديل 5 من القوانين    تأجيل الاجتماع "الثاني" بين سلفاكير ومشار    وقفة احتجاجية لنقابة عمال الكهرباء    بلاغ ضد غندور بنيابة مكافحة الفساد    مرحبا بالمناضل عركى .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    حصار الأمكنة- السودان .. بقلم: درية شرف الدين    قصص قصيرة جدا ونص نثري(2) .. بقلم: د. حامد فضل الله/ برلين    البنك منهجه برمكى!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    كباشي يصل جوبا للانضمام لوفد التفاوض    البرهان: ثورة ديسمبر حقنت الدماء ووحدت البلاد    زيارة مرتقبة لوزير الزراعة الإثيوبي للسودان    الغربال لن يحجب حقيقتكم .. بقلم: كمال الهِدي    مزارعون بالجزيرة يطالبون باعلان الطوارئ لانقاذ الموسم الشتوي    مؤتمر (أصدقاء السودان) يتعهد بدعم الحكومة الانتقالية في أبريل    الهلال يستعيد توازنه بفوز خارج ملعبه على الشرطة القضارف    الكوز المُفاخر بإنجازاته .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    نظريه الأنماط المتعددة في تفسير الظواهر الغامضة .. بقلم: د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    (الحرية والتغيير) توصي رئيس الوزراء بإقالة وزير الزراعة    السودان: (الشعبي) يدعو لإسقاط الحكومة احتجاجا على اعتقال السنوسي    أمين الزكاة: الديوان عانى من إملاءات "السياسيين" في العهد السابق    المصري حمادة صديقي مدرباً للهلال    الحكم باعدام ثلاثة متهمين في قضية شقة شمبات    "سان جيرمان": 180 مليون يورو سعر نيمار    صعود فلكي للدولار مقابل الجنيه السوداني قبيل مؤتمر دولي لإنقاذ الاقتصاد    اتحاد إذاعات الدول العربية يكرم حمدوك    نحو منهج تعليمي يحترم عقول طُلابه (1): أسلمة المعرفة في مناهج التربية والتعليم في السودان .. بقلم: د. عثمان عابدين عثمان    حمدوك: عدد القوات السودانية العاملة في اليمن "تقلص من 15 ألفا إلى 5 آلاف"    مُقتطف من كِتابي ريحة الموج والنوارس- من جُزئين عن دار عزّة للنشر    الناتو وساعة اختبار التضامن: "النعجة السوداء" في قِمَّة لندن.. ماكرون وأردوغان بدلاً عن ترامب! .. تحليل سياسي: د. عصام محجوب الماحي    تشكيلية سودانية تفوز بجائزة "الأمير كلاوس"    اتفاق سوداني امريكي على رفع التمثيل الدبلوماسي    اتفاق بين الخرطوم وواشنطن على رفع التمثيل الدبلوماسي    العطا: المنظومة العسكرية متماسكة ومتعاونة        والي الخرطوم يتفقد ضحايا حريق مصنع "السيراميك"    مقتل 23 شخصا وإصابة أكثر من 130 في حريق شمال العاصمة السودانية    وفاة الفنان الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم    حريق هائل في المنطقة الصناعية بحري يؤدي لوقوع اصابات    تدشين الحملة الجزئية لاستئصال شلل الاطفال بمعسكر ابوشوك            مولد وراح على المريخ    الحل في البل    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مقالات: الحور الإسلامي المسيحي في عصر الرسالة

بقلم د. : أحمد المجتبى بانقا - أستاذ سوداني بالجامعة الإسلامية العالمية - ماليزيا
تعد القارة الإفريقية صاحبة السبق في احتضان باكورة الحوار[1] الإسلامي المسيحي، بما جرى على أرضها بين المهاجرين الأولين من المسلمين، والملك العادل النجاشي الذي يعد هو الأوحد من بين أقرانه من ملوك الأرض في حينه تقبلا لدعوة الإسلام، وفي هذا عظيم الشرف لتلك القارة التي انفردت فيما بينها من القارات بشرف القارة المسلمة. تتجلى تلك الصورة الجميلة عن الإسلام في وقت تشهد فيه قضايا الحوار الإسلامي مع الآخر تحديات معاصرة ساعدت بدورها في غياب وتغييب كثير من أدبليات الحوار الإسلامي والتعريف بروح الإسلام وكمال منهجه[2].
إن المتدبر في حيثيات الحوار الإسلامي المسيحي بعين الحاضر حري به أن يلتمس سماحة الإسلام وفطرية الدعوة الإسلامية التي أوجدت لشعوب القارة السمراء ضالتهم وأروت غليلهم الروحي فتشبعوا بأدبيات الإسلام وصاروا نموذجا يحتزى به على كثير من فترات التاريخ الإسلامي، وتمثل ذلك في قيام كثير من المملكات الإسلامية على بقاع شاسعة فوق القارة السمراء شرقا وشمالا وغربا وجنوبا. ولعل هذه الورقة تطرح من خلال هذه المقدمة قراءة معاصرة لحيثيات الحوار الاسلامي المسيحي الأول والذي تم على أرض إفريقية، ومن ثم بناء منظور يأخذ في حسبانه أصالة الماضي وقراءة المستقبل بإظهار معاني الإسلام الصحيحة في التخاطب مع الآخر للعبور بدعوة الله إلى ملايين الأفئدة الأفريقية عليه فإن محاور البحث تتأطر في الآتي:
المحور الأول: الهجرة إلى الحبشة الدوافع والملابسات: ستحاول الورقة من خلاله دراسة الظروف والملابسات التي جعلت من اختيار الحبشة أرضا لأول هجرة إسلامية[3]، هذا بدوره يتأطر بمدارسة الطبيعة التكوينية للمهاجرين الأولين وضرورة إمعان النظر في طبيعة الحوار وتداعياته.
المحور الثاني: الأبعاد الفكرية والسياسية في معطيات الحوار الإسلامي المسيحي الأول: وذلك بدراسة نقاط وأسس الحوار وهذا بالتالي يفرض علينا تحليل تلك الأفكار ومدارسة الرؤى من خلال نظرة تأصيلية معتمدة على القرآن الكريم، وصحيح السنة، وواقعية الأحداث التأريخية.
المحور الثالث: قراءة معاصرة في أدبيات الحوار الإسلامي المسيحي وأثره على الواقع الإفريقي: هذا المحور تدور رؤاه أساسا على اعتبار أن القارة الإفريقية أصبحت في الواقع المعاصر مسرح تحدي للوجود الإسلامي وذلك بما يواجهه من معوقات مادية وفكرية واجتماعية وسياسية ساعدت في كثير من الأحايين في تغييب أدبيات الإسلام وما يحمله من معاني ومنهجية سامية تسهم بدورها في السعادة البشرية عبر الزمان والمكان. وبالتالي فإن مدارسة الواقع واستشراف المستقبل يأخذ في طياته اعتبار تلك المؤثرات في مقابل المعطيات المساعدة ومن ثم الخروج بنتائج واقعية ملموسة تساعد بدورها في تفعيل الحوار الإسلامي مع الآخر، وفي هذا عظيم فائدة تسجل بأحرف من نور في سبيل خدمة الإسلام دينا ودولة .
المحور الأول: الهجرة إلى الحبشة الدوافع والملابسات:
إن المتبصر في تداعيات الهجرة إلى الحبشة لحري به أن يلتمس أسبابا جوهرية تصب جام جهدها وفكرها في سبيل التعريف بالدين الإسلامي وبتعاليمه والدعوة إليه بالحجة والبرهان، إن هذا الهدف هو الأساس من وراء الهجرة التي أوجبها الله تعالى على المؤمنين. وإن كان سبب الفرار من الواقع المؤلم والمجتمع القاسي الذي عايشه الصحابة في أرض الاجداد-مكة المباركة[4] من أظهر أسباب الهجرة إلا أن هذا السبب (الفرار) يعد فارغا من معناه إن خلا من التمسك بدين الله تعالى، ومحاولة إظهار تعاليمه وأدبياته وما يهدف إليه من دعوة. غيرأن هنالك ثمة أسبابٍ ودوافع استراتيجية تظهر من واقع الهجرة إلى الحبشة عند النظر إلى عدد المرات التي تمت فيها الهجرة إلى الحبشة والطبيعة التكوينية لشخصيات المهاجرين، إضافة لذلك عالمية الإسلام التي في حد ذاتها من أهم الأسباب الداعية للهجرة في سبيل الله تعالى.
السرد التاريخي
فالهجرة الأولى: تألفت من بضعة عشر من بين رجل وامرأة وهم عثمان بن عفان، وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وأبو حذيفة بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وأبو سبرة العامري، وسهلة بنت سهل إمرأة أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أبي أمية إمرأة أبي سلمة، وليلى بنت أبي حثمة إمرأة عامر بن ربيعة، قال ويقال بدله حاطب بن عمرو العامري فهؤلاء أول من هاجر إلى الحبشة[5].
أما الهجرة الثانية: فقد كان عدد المهاجرين فيها يزيد على الثمانين وهي الهجرة المعتبرة في مجريات الحوار الإسلامي المسيحي الأول، أورد الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن مسعود قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا.....فأتوا النجاشي وبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا قال: فأين هم؟ قالا: هم في أرضك فابعث إليهم فبعث إليهم فقال: جعفر أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه فسلم ولم يسجد فقالوا له مالك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد الا لله عز وجل قال: وما ذاك؟ قال: إن الله عز وجل بعث إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله عز وجل وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم. قال: ما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله عز وجل هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يفرضها ولد. قال: فرفع عودا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوي هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول الله فإنه الذي نجد في الإنجيل وأنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم انزلوا حيث شئتم والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرا وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له حين بلغه موته"[6]
من خلال هذا السرد الفائت تبين أن الهجرة للحبشة وقعت مرتين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكلا الهجرتين لم تفصل بينهما مدة زمنية طويلة إضافة لذلك فإن المهاجرين كان فيهم سادة القوم ووجهاء مكة كعثمان بن عفان وسيدتنا رقية بنت رسول الله صلى الله عليه آله وصحبه وسلم، وجعفربن أبي طالب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما. ومن ثم فإن هذه الهجرة امتد أمدها حتى العام السابع من الهجرة الكبرى للمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم. مما يعني أن المهاجرين أمضوا خمسة عشر عاما في أرض الحبشة فقد ثبت في الحديث لما قدم جعفر من الحبشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"[7].
أهداف الهجرة
إن إمعان النظر في وقائع الهجرة إلى الحبشة من خلال السرد الفائت مع الأخذ في الحسبان مدارسة الدوافع والملابسات المصاحبة للهجرة إلى الحبشة تبرز لنا أهدافاً واستراتيجيةً مرجوةً من تلك الهجرة المباركة تتمثل أبرز حيثياتها في:
تحقيق سنة الله في عباده (من المرسلين والمؤمنين):
الهجرة سنة كتبها الله تعالى لعباده من المرسلين والمؤمنين لتحقيق أهداف الدعوة إلى الله تعالى ولقد ثبت في صريح القرآن وصحيح السنة أن وقائع الهجرة على مر التاريخ البشري انطبقت على كثير من الدعاة إلى الله تعالى، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى على لسانه: {إِنِّيِ مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّيِ سَيَهْدِيْنِ}[8]، والهجرة كانت من أشهر أحوال المخالفين لقومهم في الدين حتى قيل إن لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان[9]، وهاجر موسى عليه السلام إلى مدين، وهاجر رسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ثم إلى المدينة التي نالت فضل السبق باحتضان أفضل من خُلِقَ عَلَى وَجْهِ البسيطة صلى الله عليه وسلم.
إن الهجرة والسياحة في الأرض كتبها الله تعالى على المؤمنين حتى يتمكنوا من الاستظهار على الأرض والتمكين لدين الله تعالى لتتحقق بذلك مبادئ التوحيد ومظاهر العبادة: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الْزَّبُوُرِ مِنْ بَعْدِ الْذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الْصَّالِحُونَ}[10]، وقال تعالى: {الذَّيْنَ إِنْ مَّكَنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الْصَّلَاةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوُفِ وَنَهَواْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُوُرِ}[11]، ونتيجة لهذا الجهد العظيم في سبيل الهجرة إلى الله تعالى جعلها الإسلام من أعلى مكاسب الإيمان وأضحت صفة مدح في الدين حتى قال عليه الصلاة والسلام (لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار)[12]، وعلى هذا تعد الهجرة والفرار بدين الله تعالى من أجل إظهاره والدعوة إليه من أعظم القربات عند الله تعالى
الفرار بدين الله تعالى من أرض الظلم والاضطهاد:
إن ماعايشه المسلمون الأوائل من واقع الظلم والاضطهاد البدني والنفسي جعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس لهم ملجأ آمنا وبيئة تقدس معاني الحرية والفكر، إن طبيعة هذا الفكر الإسلامي في سبيل تحقيق عالمية الرسالة وتكامل المنهج أضحى لا يعبأ بحدودٍ جغرافيةٍ ضيقةٍ قد تحد من مقدراته وأهدافه التي أوكل الله إلى أتباعه بها قيادة الأمة جمعاء وإخراجهم من ظلمات الشرك والعصيان إلى نور الإيمان. هذا المبدأ أولاه القرآن أهمية خاصة حيث أوجب فيه ضرورة الهجرة والفرار بدين الله تعالى: {إِنَّ الْذِّيْنَ تَوَفَاهُمُ الْمَلَآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهُِْم قَالُواْ فِيمَ كُنْتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَيِنَ فِي الْأَرْضِ قَالُوآ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيْهَا....}[13]، إن طبيعة الفكر الإسلامي في بحثها عن أرضية تحترم الإنسانية وتقدس حرية الفكر والمعتقد دليل على أثر ذلك الفكر على نفوس البشرية لما يميزه من عظيم فطرةٍ وما يتسم به من تكامل منهجٍ في شؤون الدنيا والدين. قال صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن كالغيث أينما حل نفع"[14]. ولقد تحقق معنى الحديث على أعلى مستوياته في واقع الهجرة إلى الحبشة فإسلام عظيم الحبشة النجاشي، وكثير من بطارقته وقساوسته الذين سطر لهم القرآن الكريم أروع موقف وأجمل صفات.
تحقيق الأمن والحرية في العبادة والدعوة:
بما أن الإسلام حاول بكافة السبل السلمية طرح فكره وإظهار قيمه، إلا أن روح العداء وعصبية قريش حال دون ذلك وهذا إن دل إنما يدل على آثار الوثنية البغيضة التي توارثتها قريش أبا عن جد وهي في أصلها تفتقر إلى مبادئ الرسالات السماوية، وفي ذات السياق إن تلك الوثنية أكبر العوائق في صد قريش عن قبول رسالة الإسلام قال الله تعالى على لسانهم {بَلْ قَالُوآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ لَمُهْتَدُونَ}[15]. فقد قضى الصحابة الكرام من السنين خمسا بين ظهراني قريش ورثوا فيها أطيافا من العذاب والتنكيل من سب وشتم، ومفاوضات فارغة من روح الفكر مليئة بالسخرية والتكبر، إلى حصار إقتصادي أكل على أثره المسلمون جلد الميتة وخبط الشجر. وفي واقع اختيارهم للحبشة[16] لم يكن عبثا بقدر ما كان هادفا في مقامه الأول إلى توفير أرض تحترم حق الإنسان في الأمن والمعتقد فكرا وعملا ودعوة. وهذا ما ينطبق في حينه على أرض الحبشة التي كانت تدين الله بالمسيحية السمحة التي تقر ببشرية المسيح ووحدانية الله تعالى. وهو في ذات السياق كان ذا أثر فعال في قبولهم دين الإسلام باعتباره الدين المتمم لعقائدهم وهو الموصى به من عند نبيهم المسيح عليه السلام قال تعالى: { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِيْنَ}[17]. إن ما يشهده الإسلام المعاصر من حروب استباقية شاملة ومتنوعة من غزو فكري ورمي بالارهاب والتطرف، وتشكيك في روح الإسلام، ورميه بدين العنف، ووسم رسوله الكريم بالداعي إلى العنف، والشهوانية، وهضم حقوق المواطنة لأكبر دليل على ما تحمله نفوس الأعداء من يأس وحيرة حيال القبول الملفت للنظر للإسلام في عقر ديار من يتمسحون بالنصرانية[18].
إن الحملات المضادة للإسلام لا تزيده إلا صلابة وشهرة وقبولا. فإن كان بالأمس يعد إلمام المجتمعات الغربية بتعاليم الدين الإسلامي ضعيفا وثقافتها به ضحلة فإن ما يشهده العالم من ترابط إعلامي وتكنلوجية كونية أظهر بصورة جلية ما يتعرض له المسلمون في عقر دارهم من حروب مفتعلة ومظالم مقصودة جعلت منهم أكثر رغبة في الوقوف على الحقيقة المجردة من خلال البحث عن الإسلام من مصادره الأصلية فكان لذلك أكبر أثر في انتشار الإسلام في المجتمعات الغربية ولله الحمد والمنة.
التعريف بوحدة العقيدة بين الأديان:
إن الإسلام في دعواه لأهل الكتاب أثبت فكرا تأصيليا دعى إليه كل المرسلين وهو إفراد الله تعالى بالألوهية في المعتقد والعبادة: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَّسُوُلٍ إِلَّا نُوُحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّآ أَنَا فَاعْبُدُونِ}[19]، وإذا أخذنا المسيحية على وجه الخصوص فإن إثبات مبدأ الوحدة العقائدية التي دعا إليها الإسلام في حواره مع أهل الكتاب يتطلب أولا نفي عقيدة التثليث التي حيكت خيوطها على يد بولس وشهدت ولادتها الكنيسة الاسكندرانية. إن عيسى كما جاء في انجيل برنابا دعا إلى وحدانية الله تعالى ولكن هذا الانجيل حورب من قبل دعاة التثليث، حيث شهدت عقيدة التوحيد في المسيحية حربا ادت إلى انتصار عقيدة التثليث والقول بالفداء مما استصعب على النصارى تقبل الإسلام. وأُدْخِلَتْ عقيدة التثليث على النصارى بعد أن غاب عن عقلهم المجرد فكرة عدم قبول أن يولد عيسى من غير أب وأقاموا على ذلك منطقا فلسفيا بأن الثلاثة تعني في أصلها الوحدانية، كل هذا هروبا من عقدة التصديق بالله تعالى الذي أراد من خلق عيسى عليه السلام آية في حد ذاتها، وفي هذا ابتلاء لهم وعلى لسانه عليه السلام إقرارٌ بالعبودية، وكان نطقه معجزة، كمعجزة خلقه، قال تعالى: " ...إني عبد الله ءاتني الكتاب وجعلني نبيا". لقد عمي عليهم أمر آدم وهو أعجب من أمر عيسى وفي ذات الوقت لا يؤمنون بتأليه آدم، . وهنالك ثمة شبهة جعلت منهم أن يتخذوا عيسى إلهًا تتعلق بإحياء عيسى للموتى فهذه المعجزة تحققت بإذن الله وقد سبقه إليها من المرسلين إبراهيم بإحياء أربعة من الطير، وموسى بإحياء صاحب البقرة. إن قضية التثليث وضعت لتقف حدا عائقا أمام قبول الإسلام وما ذالك إلا تعصبا باعتبار الإسلام جاء على يد غير إسرائيلية. هذا أكبر دافع لمحاربة الإسلام قبل ظهوره على أرض الواقع ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون .
التعريف بعلاقة الإسلام بالمسيحية السوية:
إن مفهوم الإسلام مفهوم شمل في تعاليمه وأهدافه ومراميه كل دين سماوي سلم من التحريف والتبديل. مما يدل على أن علاقة الإسلام بالمسيحية علاقة إتحاد في المصدر والأصول فكلاهما دين لله تعالى وقد انبنى على هذه العلاقة تماثل في المعتقد_ الدعوة للوحدانية قال تعالى: "ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين... _ وتشابه في بعض التشريعات فتحريم الخمر، والسفور، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأبقى الإسلام على حسن العلاقة بينه وبين أهل الكتاب فأجاز أكل زبائحهم، وأجاز الزواج بنسائهم دون غيرهم من المشركين وإن كان فيهم القول بتأليه المسيح، إضافة لذلك فهي دعوة صريحة لهم لتعريفهم بالإسلام الذي لوكان أنبيائهم أحياء ما وسعهم إلا اتباعه، فدعوة الرسل تجعل منهم أخوة في الإنسانية وأخوة في الإيمان وفوق هذا كله أخوة في الله توجب عليهم التناصر والتناصح في سبيل إعمار الأرض، قال صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء إخوة دينهم واحد وأمهاتهم شتى".
التعريف بمفهوم السماحة في الإسلام والمسيحية:
إن دين الإسلامي انبنى على مبدأ السماحة ونبذ العنف فالقرآن الكريم دل على السماحة في كثير من آياته وتوجيهاته قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِيْنَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الْدِّيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوُكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُُقْسِطُوآ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِيْنَ}[20] فالآية محكمة غير منسوخة كما أنها دعت إلى الصلة لأهل الكتاب بالمال، بل أمر بالسماحة في تقديم الدعوة الإسلامية فقال: {اْدْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنْ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيْلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}[21] وبهذه التوجيهات القرآنية بالتزام مبدأ السماحة ترجم النبي صلى الله عليه وسلم أسمى معاني السماحة مع أعداء الإسلام من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين حتى مدحه الله تعالى بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ}[22] وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"[23]، ولقد أكرم النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران من النصارى حيث صلوا في مسجده ولم يعنف عليهم ولم يمنعهم من ذلك. قال أحد الرهبان ويدعى ميشو في كتابه: رحلة إلى المشرق " من المؤسف ألا تقتبس الشعوب النصرانية من المسلمين التسامح الذي هو آية الإحسان بين الأمم واحترام عقائد الآخرين وعدم فرض أي معتقد عليهم بالقوة"[24] ، وتقول الدكترة زيفريد هونكة في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب: "ولعل أهم انتصارات العرب هو ما فوجئت به الشعوب من سماحتهم حتى إن الملك الفارسي(كيروس) قال: إن هؤلاء المنتصرين لا يأتون مخربين، فما يدعيه بعضهم من اتهامهم بالتعصب ما هو إلا أسطورة من نسج الخيال تكذبها آلاف الأدلة"[25]، وهذا ما كان عليه الرسول وأصحابه من الرحمة والسماحة والعفو عن المسيء واللين والتودد. أما السماحة في النصرانية فقد وصف الله تعالى أتباع عيسى عليه السلام بها فقال: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنْجِيْلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِيْنَ اْتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً اْبْتَدَعُوُهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمُ الَّا اْبْتِغَاء رِضْوَانِ اللهِ ...}[26] بل وصفهم القرآن بأنهم أقرب أهل الكتاب إلى الإسلام، وفي انجيل لوقا: "لماذا تنظر القذى في عين أخيك أما الخشبة في عينيك فلا تفطن لها؟ أو كيف تقدر أن تقول لأخيك: يا أخي دعني أخرج القذى الذي في عينك وانت لا تنظر الخشبة التي في عينك؟ يا مرائي أخرج أولا الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيدا أن تبصر جيدا أن تخرج الذى الذي في عين أخيك"[27].
إن هذه النقاط السالفة الذكر لهي من أظهر الدوافع والأسباب في واقعية الهجرة في الإسلام فإن كانت الهجرة هدفت لوجود أرضية تظهر الإسلام كدين سماوي خاتم ارتضاه الله تعالى للبشرية جمعاء أبيضها وأسودها عربيها وعجمها إنسها وجنها فإن إظهار معاني الإسلام الروحية والتعبدية وإظهار علاقته بالآخر وفرض تعاليمه بالحجة البينة لهي من أساسيات المبادئ التي تستحق أن تهاجر قبل هجرة حامليها. وبما أن الإسلام في طرحه كبديل وناسخ للديانات السالفة فإنه يحمل في جعبته أبعادا فكرية وسياسية مثلى وفاعلة في قضايا المجتمع وهذا ما يتناوله المحور التالي من البحث بإذن الله تعالى.
المحور الثاني :الأبعاد الفكرية والسياسية في معطيات الحوار الإسلامي المسيحي الأول
بالرغم من أن ظاهر الأمر من الهجرة هو إيجاد أرض تحمي المستضعفين من المسلمين وتحافظ على كيانهم العقدي بعيدا عن الفتن التي لا يستطيعون ردها فإن ثمة استفسارات وحوارات كان متوقع طرحها على الإسلام والمسلمين ماداموا متمسكين به وداعين إليه وهذا مما أثمن بشكل تلقائيٍ في دفع وقائع الحوار الأول بين المسيحية والإسلام. والإسلام وما يتميز به من رسالة شاملة، ودعوة وسطية، ورسالة خالدة ما خلد الدهر، ودينا خاتما للأديان، وفوق ذلك كله فطرية تتماشى مع جِبِلِيَّة البشر. أكسبته تلك الصفات إمكانية القبول حيثما حل وأينما وجد. إن دين الفطرة قام أساسا على مبدأ الحوار والدعوة بالحسنى باعتباره دينا واضح المعاني قوي الحجة يتماشى مع الفطرة البشرية بكافة أطيافها ومواقعها الزمانية منها والمكانية تظهر تلك المثل بصورة جلية في مدارسة الأبعاد الفكرية والسياسة لمعطيات الحوار والتي يمكننا تفصيلها في النقاط التالية:
البعد الفكري في محتويات الحوار الإسلامي المسيحي:
مظهر العقيدة في الحوار الإسلامي المسيحي-الدعوة إلى الإسلام وإقامة الحجة: فأول بعد فكري ناقشه الحوار هو مبدأ العقيدة الداعية لوحدانية الله تعالى وهي في مضمونها دعوة اشترك في تبليغها المرسلين من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وبالرغم من ذلك فإن ما شاب التوراة والإنجيل من تحريفات عقدية شوهت صورة التوحيد وعظمة من مقامتا البشر فإن الإسلام أولى قضية التوحيد أهمية استغرقت ما يربوا عن عقد من الزمان في تثبيت عقيدة التوحيد. وقد أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بمحاورة أهل الكتاب لتحقيق هذا الهدف العظيم قال تعالى: {قُلْ يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيَْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَاً أَرْبَاباً مِنْ دُوُنِ اللهِ}[28]. وضرب الصحابة مثلا عمليا في عقيدة التوحيد تمثل ذلك عندما أُمِرَ جعفر بالسجود لملك الحبشة فرفض بقوله إن ديننا ينهانا عن السجود لغير الله تعالى فهذه النقطة هي من أهم أسس العقيدة الإسلامية وفي ذات الوقت فيها تنبيه لملك الحبشة طالما أنه يدين بالمسيحية السمحة التي لم تشهد تحريفا أن يتقبل تلك الدعوة بصدر رحب بل ويدافع عنها بالرغم من أنه كان يُعَظَّمُ بالسجود من بين يديه وهذا من جراء فتنة الجاه التي قد تُبْعِد عن سماحة الدين وفرائض الله تعالى نقول هذا مع يقيننا بأن النجاشي كان قوله في عيسى بأنه عبد الله ورسوله ولا يؤمن بقضية التثليث التي انجرى خلفها نصارى الكنيسة الغربية، ولا قضية الفداء من أجل المذنبين.
إن قضية تأليه عليسى لدى النصارى كانت حاضرة الوجود حتى في حياته عليه الصلاة والسلام قال تعالى: {وَإذَ قَالَ اللهُ يَا عِيْسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَََأنْتَ قُلْتَ لِلْنَّاسِ أَتَّخِذُوُنِي وَأُمِيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُوُنِ اللهِ..}[29] إن أمر خلق عيسى معجزة حار في تصديقها كثير من النصارى مما أدى بهم للقول بتأليه. مع أن الله تعالى ضرب الله لهم مثلا بآدم خلقه الله من غير أب وأم وأمره أعجب من عيسى عليه السلام { إِنَّ مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون}[30] وبهذه الأية فالقرآن الكريم يبطل قضية التثليث ويعتبرها شركا يحتاج إلى تغيير مفاهيم معتنقيه. إضافة لذلك فإن الفلسفة والجدل الذي أثاره المسيحيون في دفاعهم عن عقيدة التثليث يعنون به إن الله واحد مثلث الأقانيم[31] ويضربون لذلك أمثلة بثلاثية الأشياء كالمساحة تشمل الطول والعرض والارتفاع، والزمن يمثل الماضي والحاضر والمستقبل. يخلص النصارى إلى تمثيل عيسى بالقرآن الكريم فهو كلام الله وأن عيسى كلمة الله ثم تجسدت في شخصية عيسى فجعلت منه إلله[32]. ولكن إذا كان المنطق المسيحي يقول ذلك فإن صفة الله الأذلية تجعل منه حاضر الوجود لا تأخذه سنة ولا نوم ولا موت ولا فناء يغير ولا يتغير وهذا غير واقع ولا مشاهد في حق عيسى عليه السلام فإن ظهور الإسلام في حد ذاته يعتبر ناسخا لشريعة عبد الله عيسى فكيف يؤله من يغيب ومن يفدي بنفسه البشرية بما أصابته من أخطاء ويصح في حقه الفناء. إضافة لذلك لا يخفى على أحد بأن فكرة التثليث والترانيم والفداء كانت ذات أثر على المعتقد المسيحي لكن مع ذلك وجد من النصارى من نادى بالتوحيد، وبشرية عيسى ولا يؤمن بفكرة الفداء ولقد بين القرآن ذلك كما أن واقع الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم شهد بذلك فهذا ورقة بن نوفل كان نصرانيا بشر بظهور الإسلام وفصل للنبي صلى الله عليه وسلم قضية الهجرة وتمنى أن لو يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام بقوله: " يا ليتني فيها جذعا يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك"[33]، إضافة لذلك ما قاله بحيرا الراهب في شأن الإسلام قبل البعثة، ثم إن إيمان النجاشي والقسيسين الذين مدحهم القرآن فالدعوة إلى توحيد الله تعالى دعوة كل الرسل عليهم الصلاة والسلام ولكن طول الأمد بين المسيحية والإسلام أدخل على الناس مفاسد في مقدساتهم فقضية التثليث والفداء قضية فكرية سياسية بالمقام الأول فالناظر في أسباب الإنحراف العقدي للمسيحية يجدها تنحصر في أمرين اثنين هما:
1. الاضطهاد والإبادة التي تعرض له المسيحيون على يد اليهود: إن ما يجمع اليهودية والمسيحية هو أن المسيحية حركة تصحيحية لليهود ولذلك سموا التوراة بالعهد القديم والانجيل بالعهد الجديد لكن مع هذه العلاقة فإن الديانة المسيحية التي يفترض أن تكون مصلحة لما فسد من دين لليهود أصبحت في ذاتها عرضة للتحريف والتبديل وذلك يرجع لسبب الضغوط الاضطهادات والإبادة التي مارسها اليهود ضد النصارى ومن ثم ادعاءهم بصلب المسيح عليه الصلاة والسلام افتراءً بينما الذي صلب في الحقيقة هو يهوزا الإسخريوطي المنافق، الذي وشى بعيسى عليه السلام، قال أحد علماء النصرانية الميسو ادورد سيوس في كتابه عقيدة المسلمين في بعض المسائل النصرانية: "إن القرآن ينفي قتل عيسى وصلبه، ويقول بأنه ألقي شبهه على غيره فغلط اليهود وظنوا أنهم قتلوه ....إنما قاله القرآن موجود عند طوائف نصرانية"[34]، وفكرة الصلب هذه من مقترعات بولس الذي على يديه ظهر التحريف الحقيقي للمسيحية السمحة، فهو الذي شرد وقتل النصارى ثم تبنى المذهب النصراني وصار يدافع عنه بقوة وأدخل إليه كثيرا من وثنيات اليونانيين وقطرسة الرومانيين فاصبحت النصرانية في حد ذاتها معتقد وثني ذا أهداف سياسية فكرية اقتصادية ذات طابع عالمي لذلك ما انفكت هذه الثلاثية المتمثلة في المسيحية والاستعمار والاستشراق أوجه مختلفة لعملة واحدة كانت فاعلة في تصدير الصليبية من حركة إصلاح خاصة بالشعب الإسرائيلي إلى حركة عالمية على ما يمر تفصيله في حيثيات المحور الثالث من هذه الدراسة.
2. اعتناق بعض اليهود للمسيحية: كان لاعتناق بعض اليهود للمسيحية عظيم الأثر في تحريفها، ومن أشهرهم في تاريخ المسيحية بولس الشهير ب(بولس القديس) وهذا اسمه الروماني أما اسمه العبراني الأصلي فهو (شاءول) ولد بعد مولد المسيح بقرابة عشر سنين، وختن في اليوم الثامن على طريقة اليهود، وكان مولده في طرطوس التي كانت تنتشر فيها بذلك الوقت الثقافة اليونانية ومدارسها الفلسفية. وكان أبوه يهودياً متعصباً على مذهب الفريسيين وكان من أتباع الدولة الرومانية. وهكذا نشأ بولس نشأة يهودية مشوبة بثقافة يونانية في الوقت الذي كان فيه مواطناً رومانياً. فشب يضطهد المسيحيين الأوائل اضطهاداً شديداً، ويتعقبهم ويلاحقهم ويقتلهم، ويبرر النصارى عداءه هذا لهم _ أنه كان يكفرهم بقولهم أن يسوع الناصري هو المسيح ابن الله_ ويذكرون حكاية انقلابه فجأة إلى النصرانية أنه كان متوجهاً إلى دمشق ليسجن المسيحيين الذين فيها .. إذ نور من السماء قد سطع حوله فسقط إلى الأرض وسمع هاتفاً يناديه يقول شاءول، شاءول، لم تضطهدني؟ فقال: من أنت؟ فأجابه الصوت: أنا يسوع الذي تضطهده!! . ويقولون أنه صار بعد ذلك من أنشط دعاة المسيحية وأنه رافق برنابا أحد أنشط أتباع المسيح مدة، ثم اختلف معه خلافاً شديداً وفارقه .......[35]
أما تاريخ التحريف في العقيدة النصرانية المنسوب لبولس فإن رسائله تدل على أنه انتحل العقيدة الكفرية التي تقول بأن المسيح هو ابن الله، قبل أن يكون ذلك قد عرف عند النصارى وانتشر. فيرى المؤرخون أنه هو الذي ابتدع هذه الطامة الكفرية ونادى بفكرة الناسوت واللاهوت، وهي فكرة فلسفية الأصل كان لفلسفة اليونان التي نشأ فيها بولس في ذلك الزمان أثراً في انتحالها؛ فادعى بأن للمسيح شقاً إلهياً وشقاً آخر إنسانياً. قال ابن القيم: "إن النصارى بعد المسيح، تأثروا بالفلسفة وركبوا ديناً بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام، وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوهم في النصرانية. فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسدة إلى عبادة الصور التي لا ظل لها، ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق، ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل إلى القول باتحاد الأب والابن والروح القدس...."[36]. وبهذا البعد الفكري الوثني الذي تبنته الكنيسة انتقلت وظيفة تأليه عيسى فحلت في البابوات والقسيسين والرهبان فتولدت على ذلك قضية صكوك الغفران ومن ثم استهان أتباع الكنيسة بالتشريعات الواردة في الأناجيل فأصبح أتباع الكنيسة يتعبدون بعقيدة بولس وانقطعت صلتهم بعيسى وبتعاليم الإنجيل.
ويعد بولس مؤسس المسيحية المحرفة من أشهر دعاة الأرجاء في تاريخ النصرانية؛ وقد كان ذلك من أكبر المعاول التي أفسد بها هذه الديانة، فكان كثير التركيز في رسائله على التقليل من قيمة العمل بشريعة موسى التي هي من شريعة عيسى عليهما السلام؛ كالختان، فقد دعا إلى إعفاء النصارى من أصحاب الأصول الوثنية منه بل وعدم لزومه مطلقاً، كما أباح أكل ما ذبح على الأوثان، وشرب الخمر، بل رأى دعاة العمل بأحكام الشريعة لعنوا جميعا يقول: إن المسيح أنقذنا من لعنة الشريعة، إذ صار لعنة لأجلنا، فالإيمان بالمسيح يكفي عن العمل بأحكام الشريعة، والشريعة لا تبرّ أحداً عند الله لأن البار بالإيمان يحيا [37]. وإذا ذكر العمل بالشريعة ذكره على سبيل التعجيز والتنفير كقوله في الرسالة نفسها: إن المسيح قد حررنا لنكون أحراراً؛ فاثبتوا إذاً ولا تعودوا إلى نير العبودية، فها أنا بولس أقول لكم إذا اختتنتم فلن يفيدكم المسيح شيئاً، وأشهد مرة أخرى لكل مختتن بأنه ملزم أن يعمل بالشريعة جمعاء، لقد انقطعتم عن المسيح يا أيها الذين يلتمسون البر من الشريعة وسقطتم عن النعمة. ولا غرابة في ذلك فإن الإرجاء بدعة يهودية ذكرها الله تعالى بقوله: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} فزعموا أنهم لن يدخلوا النار إلا أربعين يوماً مدة عبادتهم للعجل؛ فأصبح دين النصارى مقتبسا من ديانة اليهود التي تهون من شأن الكفر والشرك[38] .
نقول إذا لا مقارنة بين هذا العبث الفكري الذي طال المسيحية وبين قواعد العقيدة الإسلامية التي تستنير بها طرق الحق التي تبينت للنصارى من خلال أول حوار فكري جرت حيثياته على أرض الحبشة فها هو جعفر يعد تلك القواعد وكأنها درر مصنوة كلف الحفاظ عليها تحمل أعباء الهجرة لتتلى على النجاشي الذي ما وسعه إلا التسليم التام والانقياد الطوعي وهي تتمثل في كلمات الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب مقارنا فيها بين وثنية الجاهلية وروح الإسلام بقوله: "أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوى منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام- قال: فعدد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لن" إن تصديق النجاشي وإيمانه بالدين الإسلامي وتبني فكره الذي لخصه الصحابي الجليل جعفر لهو أكبر دليل على أن المسيحية كديانة سماوية تحمل أفكارا تتماشى مع الفكار الإسلامية وأن ما عدا ذلك يعد خارجا عن التشريعات الوحيية لدين المسيح وبالتالي فغن النصرانية افتقدت للادلة الفكرية التي تثبت صحة المعتقد المحرف ومن ثم أصبح هذا الفكر أكبر معول لضرب الحقيقة الفكرية والعودة بالبشرية لعهد الوثنية الفلسفية التي عفى عنها الزمان.
البعد السياسي في مجريات الحوار الإسلامي المسيحي:
إن السياسة ما انفكت أن تكون جزءً لا يتجزء من الدين الإسلامي فسياسة الناس وفق منهجية القرآن لهي من صميم الإيمان، والدعوة لفصل الدين عن السايسة دعوة إلى علمنة السياسة وجعلها بمنأ عن الدين الذي دلت خصائصه ومميزاته على شموليته ووسطيته وفطريته وخلوده صفات كمالية خص الله تعالى بها الإسلام عن غيره من الديانات. وهذا لا يعني بحال أن ليس للديانات الأخرى الحق السياسي كلا إن العناية بالسياسة هي من أفضل القربات عند الله تعالى ولكن للمسيحية دور رسالي محدد يتمثل في أنها حركة تصحيحية لفئة معينة من الناس ذات خصائص محدودة قال عيسى عليه الصلاة والسلام: "ما جئت إلا لخراف إسرائيل الضالة"[39] فهي رسالة ترتكز بالأساس على الجوانب الروحية والدعوة إلى العمل بالتوراة وهي تميل للصفح والعفو بدلا من العدل والمعاملة ولكن الأمر قد انقلب رأسا على عقب فقد شهدت المسيحية تحولات نقلتها من المهمة الخاصة باليهود إلى رسالة عالمية جاب خلالها النصارى أرجاء المعمورة شرقا وغربا وهذه النقلة لها أبعاد سياسية كان من أهمها انجاز الأغراض الاستعمارية في مناطق العالم الإسلامي لذلك فإن الكنيسة ربطت نفسها في ثلاثية بغيضة وهي الاستشراق والاستعمار والتبشير الكنسي كلها هادفة لتحقيق الأهداف الاستعمارية البغيضة وهذه الثلاث أوجه لعملة واحدة تتكامل أدوراها لتحيق تلك الأهداف وقد ركز الاستعمار جام جهده في القارة الإفريقية باعتبارها القارة المسلمة من بين قاراة العالم من جانب، ومن جانب آخر ما يميز هذه القارة من جهل وتخلف وفقر ومرض، وفي ذات الوقت تزخر تلك القارة بموارد طبيعية وفيرة من معادن بشتى أنواعها إلى خصوبة عالية في التربة وموارد مائية هائلة وموقع استراتيجي هام إضافة لذلك قوة استهلاكية ن الطراز الأول. لذلك فإن الديانة المسيحية ربطت نفسا بالاستشراق والاستعمار الغربي للاستفادة من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهلم جرا..... ولكي تتبين الأدوار السياسية للكنيسة فإن هذه الثلاثية تتبين أدوارها على النحو التالي:
فالاستشراق:
هو عني بالأحرى بالمحاربة الفكرية للإسلام وهو أسلوب اتبع بعد ان فشل التبشير المباشر في تنصير المسلمين وبعد أن منيت الحروب الصليبية بالفشل الزريع في مهمتها، فعمد الاستشراق لبث الشكوك ودس الشبهات في التراث الإسلامي لذا ركز جام جهده في سبيل معرفة التراث الإسلامي واللغة العربية وكانت من أهم مهام المستشرقين :
1. دراسة العدو دراسة مستفيضة ومن جميع الجانب لمعرفة عناص القوة والضعف.
2. وضع الخطط والوسائل للإجهاز على هذه الأمة .
3. التعرف على الطوائف والفرق والأحزاب في المجتمعات الإسلامية لإزكاء روح الفتنة بينها لتشتيت المة الإسلامية.
4. تحريف القيم في التراث الإسلامي لسلب الإنسان المسلم من شخصيته الحقيقية، فطعنوا في كثير من مسلمات الأمة وطرحوا قضايا تشريعية زعموا أنها تتعارض وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة.....
التبشير:
التبشير خطوة تلت الاستشراق وهي تُعْنَى بالأول بالتنفيذ لكل الدراسات الاستشراقية وهي تأتي بأساليب شعبية في شكل تقديم خدمات تمس صميم الشعوب فمن أهم المجالات التي طرقها التبشير هي:
1. المدارس: لتعليم الأطفال اللغات الاجنبية وصرف الأموال الباهظة عليهم من أجل الأخذ بعقوله وتحويلهم عن القيم الإسلامية، والتربية الإسلامية وغرس النزعة الأجنبية في أذهانهم عن طريق تمجيد الحضارة الغربية والتقدم الذي أحرزه الغرب في مجال العلوم والتكنلوجيا.
2. المستشفيات: بالمعالجة المجانية في غالب الأحيان وذلك لتحويل الناس عن أهدافهم الأساسية، وإعطائهم الإنطباع أن المسيحية وحدها تقوم بمثل هذه الأعمال المجانية وذلك خدمة للإنسانية، وهي تخفي في زواياها أهدافا تبشيرية بين الحين والأخر، وذلك عند الندوات والمؤتمرات في المدارس والمستشفيات والجامعات.
3. الجامعات: وهذا أيضا أسلوب له دور كبير في الترويج للحضارة الأوربية والقيم الغربية لنزع الشباب من تأييدها لأمتها إلى تأييد الأمم الغربية المتقدمة وزرع أفكارا استعمارية في أذهانهم والإيحاء لهم بفضل الحضارة الغربية على المجتمعات الإسلامية ويظهرون أن الإسلام هو سبب تخلف المسلمين.
بعد أن فقد التبشير الإقناع الفكري بالعقيدة المسيحية المحرفة باعتبارها تتعارض والفكر السليم إلا أن هذه الأساليب الخدمية ساعدت على نشرها في كثير من تجمعات الفقر والجهل والتخلف فكانت أفريقيا معنية بالأولى بالدعوة المسيحية فشهدت النصرانية في، والحق أن
الاستعمار:
كان الاستعمار قمة الأهداف التبشيرية بل ما قامت فكرة الاستشراق والتبشير إلا من أجل التمهيد لهذا العمل وكأنه قمة انتصار لديهم، وهو هدف مشترك لمركز القوى الثلاث الممثلة في السلطة الدينية أولا ، والسياسية ثانيا، وسلطة رأس المال ثالثا. وبعد ظهور ظاهرة الاستعمار التي روج لها المستشرقون وهيئاوا لها كل الأجواء، وبشر بظهورها المبشرون..تدعمت أكثر فأكثر الظاهرة الاستشراقية نفسها، وأرسلت جماهير غفيرة من المبشرين إلى التجمعات الإسلامية والدول الأخرى، في آسيا وأفريقيا بغرض استمرار الهيمنة والسيطرة على الشعوب سيما الإسلامية منها، ومن ناحية أخرى تحسين وجه الاستعمار من قبل المبشرين والمستشرقين، حتى صوروا هذه الظاهرة.. أنها لرفع مستوى حياة الدول والأفراد التي جاءها الاستعمار بل هي الوصي الرشيد على هذه الدول المتخلفة في عرفهم. فكانت النتائج سلبية بل أدت لتفاقم الوضاع في المجتمعات الإسلامية والعربية والمجتمعات النامية والفقيرة عامة فكان الاستعمار كابوسا على صدر المجتمعات ولم تتخلص منه إلا بعد تضحيات عظيمة . فبدل أن يجلبوا تعاليم المسيحية الداعية للمحبة والسلام وحب الأعداء والعلم والتقدم كرسوا للظلم والتسلط والمحاباة ففي المجال السياسي فانتزع القرار من أصحاب الشأن وفرضت الهيمنة الاستعمارية التي من خلالها نفست الأحقاد الصليبية التي لبثت في صدور اصحابها قرونا من الزمان فأذلت الأفراد كما أزلت الدزل والشعوب الإسلامية ونشرت في ربوع الأمة الرعب والظلم والخوف والتسلط..
فأصبح الحكم مقصورا في المركزية الاستعمارية مع مشاركة المختارين من قوى الظلم والاستغلال من عبدة المال والشهوات فأكثروا في الأرض الفساد وأزاحوا الحقيقة الإسلامية في الحكم وغيره فكانت المصالح بأيدي المستعمرين وتلامذتهم الذين تربوا على أكناف المستشرقين أصحاب الوثنية المادية، والطغيان الكهنوتي الذي رفضته أوربا فكان الفشل الذي حصدته الكنيسة في الإمبراطوريات الغربية ساعة انفصالها عن الدولة أرادت ان تعيد مجده في تلك الجيوب المستعمرة وهي حاملة معها أتعس التوجهات للتبشير بها في المجمعات الإسلامية وغير الإسلامية فالي لا تصله الفكار الصليبية المحرفة تصله السلطة الدينية المتعجرفة المنقولة من التوجهات الغربية والتسلط الكنسي، مما كان له كبير أثر في المجتماعت الإسلامية حين تفرقت أمما وأحزابا فدخلها الطغيان فأله افنسان أو المسؤل السياسي او الديني .
ولحق بالمجال السياسي المجال الثقافي والاقتصادي وهما يصبان في صالح الأهداف السياسية الاستعمارية التي عنيت بالمقام الول بالانتفاع من تلك الدول المستعمرة من كافة الوجوه وإمكانية الاستمرار من تلك الفوائد بإبقاء تلك الدول على ما هي عليه من تخلف وجهل وفقر وتفرق وحروب وهلم جرا.
المحور الثالث: قراءة معاصرة في أدبيات الحوار الإسلامي المسيحي وأثره على الواقع الإفريقي
إن القراءة المعاصرة في أدبيات الحوار الإسلامي المسيحي حري به أن يضع في الاعتبار الظروف الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية التي انبثق منها التكالب الأممي على مقدرات الأمة، وفرض واقعية الاستعمار الغربي والاستشراق والتبشير والتي تعد في ثلاثيتها وجوه لعملة واحدة فرضت واقعا فوقيا في قضايا الحوار الإسلامي المسيحي المعاصر لما تمر به الأمة الإسلامية من تخلف ورجعية وتبعية. إن ابراز قضايا الحوار المعاصر بين المسيحية والاسلام يفرض علينا إعادة النظر في التعريف بالمسببية المعاصرة. إن المسيحية المعاصرة من كاثوليك، وبروتستانت،وأرسوزكس، بالاضافة للانجيلية الامريكية وهذه تعد من أبرز مدارس المسيحية المعاصرة وإن كان هنالك الكثير من المدارس النصرانية التي تختلف فيما بينها في العديد من القضايا. وبما أن الغرب شهد تطورا اقتصاديا وطفرة صناعية وهيمنة عالمية في مجال التكنلوجية والاعلام الموجه، فإن هذا ساعد بدوره على اضمحلال بعض المدراس وازدهار بعضها الآخر، فعلى سبيل المثال تشهد الانجيلية الامريكية توسعا على حساب المسيحية الاوربية والسبب في ذلك ارتباط الكنيسة بقضايا الاقتصاد والسياسة مما كان له أثر في توجيه كثير من القضايا السياسية وغيرها. ونسبة لهذا التحول الفكري أصبحت أطراف الصراع الديني في القارة الأفريقيا هي الإسلام، المسيحية، والديانات التقليدية.
الحضور الإسلامي المسيحي في أفريقيا:
لقد تتبع الشيخ آية الله التسخيري مسيرة الإسلام والمسيحية في القارة الأفريقية وتتبع التحديات التي واجهت الوجود الإسلامي في القارة السمراء التي يعد دوخل الإسلام فيها سابقا الهجرة إلى المدينة المنورة من خلال الهجرة الأولى للمسلمين للحبشة، ثم السودان عام 31ه، وشهدت انغولا والكونغو إمارة إسلامية، وفي النصف الأول من القرن الأول الهجري عمّ الإسلام شمال أفريقيا ومن هناك دخل إلى عمقها، وأقيمت حكومات إسلامية من القرن الرابع حتى القرن السابع، وفي مالي أقيمت من القرن السابع حتى العاشر. وقامت امبراطورية كانم في القرن الحادي عشر واستمرت إلى القرن الرابع عشر وبعد ذلك انحصرت في احدى الولايات وهي (بورتا)، ومن ثم قامت أقطار إسلامية قوية في: كانو، زاريو، دارو، كامير، كادسينا. وبعد كانو قامت إمبراطورية(سنكهاي) الواقعة على بحر النيجر في مالي . ثم قامت نهضة إسلاميّة على يد الإمام (عثمان بن فودو) في القرن الثامن عشر استطاع إقامة دولة واسعة امتدت من كاندوا وآداما .
ولقد لعبت حركة التصوف دورا بارزا وتأثيرا واسعاً في المجتمع الإسلامي في افريقيا كالتيجانية والقادرية والسمانية ولختمية والشاذلية. وهي طرق ساعدت بدورها في إرساء الداب الإسلامية وكانت سدا منيعا في وجوه المبشرين، قامت، كما لعبت المؤسسات المدنية الإسلاميّة والمراكز الإسلاميّة أثر كبير كحركة الشباب المسلم في جنوب أفريقيا (دوربان)، ومنظمات الإغاثة الإسلاميّة في أنحاء افريقيا اليوم كرابطة العالم الإسلامي ونشاطات المؤسسات التي تهتم بأفريقيا في الكويت والخليج بالاضافة إلى المنظمات القائمة في الدول الإسلاميّة على الساحة الافريقية الأخرى كمنظمة الدعوة الإسلاميّة، والجامعات الإسلامية بأفريقا وعلى رأسها جامعة أفريقيا العالمية في السودان ورابطة الثقافة والعلاقات الإسلاميّة ..... ومما ساعد في نجاح عمل هذه المؤسسات طبيعة الإسلام المنسجمة مع الفطرة الإنسانية وتاريخه البعيد عن القهر والإجبار والظلم ومرونته في السماح للتقاليد التي لا تتنافى مع العقيدة والشريعة، وقد حوربت أخيراً واتهمت بالتهم الكثيرة كالإرهاب، ورغم ذلك فقد قامت بكثير من المشروعات الخيرية التي ساعدت في نشر الإسلام في ربوع البلاد الأفريقية.
أما المسيحية: فقد دخلت أفريقيا بواسطة المذهب القبطي اليعقوبي في الإسكندرية وانتقلت إلى الحبشة ثم إلى غيرها، ودخلت أفريقيا بشكل فاعل في أواخر القرن الخامس عشر، وكان الاستعمار قد طال حضوره مما وفر مجال عمل للتبشير وشجع على تجهيل المسلمين وفصلهم عن تراثهم العربي وكان مما عمله ايجاد طبقة مسيحية مثقفة في كلّ بلد كان لها الدور الكبير في تحقيق أهدافه حتى بعد الاستقلال قامت هذه الطبقة بتمرير مخططاته.
انتشر النفوذ المسيحي بشكل قوي جدا فبلغت المؤسسات التبشرية آلاف المؤسسات مدعومة بمليارات الدولارات بما تفوق في ميزانيتها ميزانية القارة الفريقية جمعاء[40] وها هو أحد دعامات الكنيسة البابا جان بول الثاني بالرغم مما دعا إليه من تقارب بين الأديان يقول "إن أفريقيا أرض خصبة يجب أن يتم استغلالها"[41]. وذكروا أن انتهاء القرن العشرين يعني انتهاء الإسلام جنوب خط الاستواء في أفريقيا وقد ساعد بعض الحكام المسلمين بتساهلهم أمام المد الكنسي من التمكين للصليبية فقاموا باستقبال البابوات وتمجيدهم ومدحهم والتساهل مع المتنصرين والمنصرين، بجانب البعثات التبشيرية لعبت الجامعات المسيحية كالجامعة المسيحية في اوغندا التي انشأت عام 1992 تحت اشراف الاسقفية، كما كان للمعسكرات والمجالس دورى في التبشير كمجلس افريقيا الذي يعمل على ايجاد العلاقة بين السود في اميركا وافريقيا وقد بدأ في السنغال وراح ينظم استراتيجيات حضوره في كلّ افريقيا وهكذا حضور المنظمات الاميركية والسويدية والالمانية المتنوعة من قبيل اللجان العونية ومراعاة الطفولة.
الحوار الإسلامي المسيحي المعاصر الواقع والمأمول:
بعد هذه الدراسة لمجريات الوجود الإسلامي المسيحي في إفريقيا من جانب، وما تمثله من نقاط التقاء وتباين من جانب آخر يتبين من خلال ذلك إن قضية الحوار من ناحية فكرية قضية بعيدة المنال للعديد من الأسباب والدوافع والأهداف والتي منها على سبيل المثال لا الحصر.
الأسباب :
1. تعد المسيحية في المنظور الإسلامي ديانة محرفة بما تعتقده من عقيدة الثالوث والفداء، فهي من الناحية الفكرية والاعتقادية ديانة شركية خرجت عن تعاليم المسيح عليه السلام وإن الجانب الفكري لهذه العقيدة يتعارض مع العقل السليم وبالتالي فإن الحوار معها يبنى أساسا على العودة لعقيدة المسيح وبيان أوجه الانحراف العقدي وذلك بالتقويم العملي لجميع الكتب المقدسة لدى النصارى والتي شابها التحريف والتبديل بل غلب على الاعتقاد بانها من حياكة اليهودي بولس.
2. يهدف المسيحيين أساسا من الحوار ليس الهداية بقدر ما هو تحقيق أهداف تخدم قضيتهم وتضمن الاعتراف الضمني بالمسيحية المعاصرة كديانة بعد أن شهدت احتضارا في المجتمعات الغربية التي اعتنقت المسيحية إكراها باعتبار أن الشعوب الغربية شعوب إلحادية لا تمت لأي دين من الديانات وإنما أرغمت على دخول المسيحية على يد الكنيسة الرومانية، والشاهد على ذلك أن اليانات كلها منشأها الشرق وليس الغرب لذا أصبح الغرب لا يبالي بعد الطفرة التكنلوجية التي تحققت بعد حصر واجبات الكنيسة في الروحانيات. وبعد ظهور الإسلام على أرض الأوربيين ما فتئوا أن ينالوا من علومه ويدخلوا في دين الله أفواجا الأمر الذي دعا الباب إلى الاعتراف بالإسلام كدين للموحدين وأن أتباع المسيحية والإسلام ينبغي أن يتعاونوا على نشل البشرية من الشركيات والإلحاد. وهو بهذه الدعوة اعترافا ضمنيا بالمسيحية كديانة
3. المسيحيون يرون أن المسلمين إيمانهم بعيسى إيمانا ناقصا حتى يعترفوا بألوهيته وصلبه وفداءه للبشرية وهم بذلك- المسلمون- في نظر النصارى شعوب كافرة ملحدة تستوجب النار إن لم تتب وتدعوا للثالوث.
الدوافع:
1. الدافع للحوار الإسلامي المسيحي في نظر الإسلام والمسلمين هو الدعوة لتوحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة والعمل على إقناع النصارى ببشرية عيسى وأن الله تعالى أرسله لبني إسرائيل لإصلاح ما أضاعوا من تعاليم دينهم .
2. دوافع النصارى من الحوار المعاصر هو اثنين:
أ. إثارة شبهات وإظهار تعارضها وحقوق الإنسان من نساء ورجال وأطفال، وهم الذين وضعوا تلك الحقوق تعسفا ومحاربة للإسلام فصار الحجاب والنقاب والجهاد والزواج في الإسلام قضايا تثير شبهات ضد حقوق البشر، وقد استثمرت الكنيسة هذه الدعاية أيما استثمار فهذا باب الفاتيكان يصف بمحمد بانه لم يأتي للبشرية بغير الشر، وقامت على إثر ذلك سب وشتم في كثير من ألأقطار الغربية، بل لقد بلغ التأثير مبلغا في كثير ممن ينتسبون للإسلام عددا وقلوبهم مع النصارى الذين هم في نظرهم أرباب الحضارات والإنسانية بم يقومون به من إعانات وغيرها. نعم في أحد المؤتمرات المعنية بالحوار الإسلامي المسيحي أثار بعض أرباب المسيحية انتقادات للإسلام كقتل المرتد عن دين الإسلام، وزواج المسلمة من أهل الكتاب ولقد جارى بعض المحاورين من المسلمين هؤلاء النصارى فأقروهم بأن زواج المسلمة من الكتابي كانت قضية فقهية لما كان يقوم به الرجل من الكفالة العائلية وبإمكان الفقخ الإسلامي المعاصر إعادة النظر في هذه القضية طالما ان المرأة أصبحت تلج المجال العملي من أورسه أبوبه.
ب. استغلال تلك الشبهات للترويج للنصرانية التي ما انتشرت إلا على أنقاض سب وشتم الإسلام والمسليمن ورميهم بفاحش القول والتقوقع والتخلف اقترحت آن كالتر وهي مسيحية يمينية متطرفة ذات سمعة واسعة في أعقاب هجمات 11/9 أنه "ينبغي علينا (نحن الأمريكيين) أن نغزو بلادهم (المسلمين) ونقتل قادتهم ونحولهم إلى المسيحية"[42].
الأهداف:
1. هدف الإسلام من خلال الحوارهو إثبات وحدانية الله تعالى وبشرية عيسى عليه السلام، ودحض عقيدة التثليث، وإبطال مفهوم الصليب، وتفنيد خلافة البابوات وأدوارهم في غفران الذنوب وفوق ذلك كله الدعوة لاعتناق الإسلام باعتباره الدين الموصى به من عند نبي النصارى عيسى بن مريم عليه السلام.
بينما هدف المسيحيون من خلال المحاورة للمسلمين تحقيق أهداف جمة كان من أهمها:
1. الفصل بين المسلمين وتعاليمهم الدينية وذلك من خلال ما يشهده الغرب الذي تنتمي إليه الكنيسة من تقدم وما اصاب العالم الثالث الذي يغلب عليه الطابع الإسلامي من تخلف وقهر وتسلط ووحشية مما يساعد بدوره في إلقاء مزيد من الفتن حول هذا الدين الحنيف الذي ما عرف للسيف سبيلا لولا أعداء الله تعالى الذين وقفوا أمام إرادة البشرية في حرية الاعتقاد.
2. التركيز على انتزاع أفريقيا من المسلمين وذلك بتقديم أحسن المساعدات مستغلين بذلك ما أصاب الأمة الأفريقية من أمية وفقر ومجاعة وأمراض فتاكة وتأثيرات إجتماعية وعدم استقرار سياسي وما إلى ذلك وتصوير المسيحية بأنها المنقذة للقارة الأفريقية .
ولقد ساعدت الوسائل الإعلامية الحديثة من زيادة التواصل فكريا بين أتباع المسيحية والإسلام مما أدى بدوره لقيام الكثير من المؤتمرات العلمية التي عني بعضها بالتقارب بين الأديان: إن ما يشهده العالمان الاسلامي والمسيحي على هذا الصعيد فرصة لتخطي استقطاب الماضي ووضعه جانبا من أجل حث المؤمنين المتعاونين والمتضامنين، على مواجهة الالحاد النظري منه والعملي والعلمنة بوصفها ايديولوجية شاملة. لذلك فهو يسعى لاستنهاض قيم دينية مشتركة بديلة عن التي تروّجها الثقافة الفرداية والاستهلاك العالمية، في مجالي الحياة العائلية والاجتماعية بوجه خاص"[43] .بينما بعضها معني بالدرجة الأولى لتصدير فكره وبث شبهاته والتشكيك في دين الإسلام وكان لهذا الاحتكاك الأثر الفاعل سلبا وإيجابا مما يجعلنا قبول مبدأ التقارب بين الأديان وفق منهجية بينة تلاحظ فيها الأساسيات وتعنى بقضايا التعايش السلمي بين الإسلام وغيره من الديانات، وعلى أن لا تنازل عن أساسيات الإسلام كالتوحيد، وبشرية عيسى، وبطلان القول بصلب المسيح، واليقين بتحريف الإنجيل ومسلمات الدين كقضايا الردة وزواج المسلمة من غير المسلم، وتعدد الزوجات، وتحليل الطلاق، ومفهوم الجهاد في الإسلام، كما أنه في ذات السياق لا يجيز هذا التقارب الاعتراف الضمني بصحة دين غير الإسلام لهيمنة هذا الكتاب على غيره من الرسالات السابقة وفي ذات الوقت نسخه لتلك الرسالات.
وعلى المسلم مهما عظم أمره وعلت مرتبته ان لا يركن لغير الحق فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون. والله تعالى أسأله التوفيق والسداد
الخاتمة
- تعد الهجرة إلى الله تعالى من أفضل القربات عند الله تعالى وذلك لما تحويه من تضحيات وحسبة في سبيل إرضاء الله تعالى ورفع الدين الإسلامي، وهذا ما انطبق بعينه على أول هجرة في الإسلام -للحبشة- فكانت ذات ابعاد دعوية في المقام الأول وذلك لما حوته من شخصيات مرموغة في المجتمع المكي كعثمان بن عفان، ورقية بنت رسول الله صلى اله عليه وسلم، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وجعفر بن أبي طالب.
- تعد القارة الأفريقية صاحبة السبق في احتضان باكورة الحوار الإسلامي المسيحي مما يبشر بمستقبل باهر للإسلام .
- إن الأبعاد الفكرية والسياسية للحوار الإسلامي المسيحي أظهرت ما تحويه تلك المسيحية من خرافات وتناقضات في صميم المعتقد متمثلة في الثالوث والصلب والفداء وصكوك الغفران تتعارض مع بديهيات الأفكار العقلية.
- يهدف النصارى من خلال الحوارات لكسب الشرعية التي تثبت صحة دينهم بعد ان أصيبت دعوتهم بالاحتضار في عقر دارها.
- إن القارة الأفريقية أرض خصبة للدعوة الإسلامية لكن ما تمتاز به هذه القارة من طبيعة جغرافية وتركيبة سكانية وواقع معاشي تحتاج لجهود مخلصة ومعرفة عميقة لتلك المركبات في المجتمع الأفريقي وهذا ما برز فيه المسيحيون واستطاعوا به تجييش الألاف المؤلفة من أهل أفريقيا لصالح صلبانهم .
التوصيات :
1. تفعيل دور الشعوب والدول الإسلاميّة والمنظمات والهيئات التابعة لها في دعم ومساعدة الفقراء والمعوذين.
2. إنشاء المزيد من الجامعات الإسلامية ذات المنهجية المتكاملة في المواد الدراسية النظرية منها و التطبيقية.
3. إصدار نشرة فصلية تهتم بشؤون الدعوة والمهتدين وتغطي انشطتها وتشكل حلقة وصل بينها وبين الدول والمجتمعات الإسلاميّة .
4. العمل على تأسيس مراكز معلومات شاملة لأوضاع المسلمين في أفريقيا يغطي تركيبتها الديمغرافية وتاريخها ومكانتها في دولها.
5. كشف مخططات التبشير الكنسي والعمل على دحض مفترياته وكشف أسراره وبيان فساد منهجه.
6. العمل بالخصوص على تشجيع دراسة اللغة العربية بين الجماهير الإسلاميّة وتوسعتها في افريقيا لربطهم بالثقافة الإسلاميّة ونشر الكتب المناسبة بينهم لتعريفهم بالفهم الإسلامي الصحيح.
المصادر والمراجع
الهوامش:
[1] الحوار من المُحاورةُ وهي مُراجَعة المنطق الكلام في المخاطبة ومنها حاوَرتُ فلاناً في المنطق وأَحَرْتُ إليه جوابا وما أحار بكلمة والاسم الحَوِير تقول سمعت حَوِيرَهما وحِوارَهما، والمَحْوَرةُ من المُحاوَرة كالمَشْوَرة من المُشاوَرة وهي مَفْعلة قال الشاعر: بحاجة ذي بثّ ومَحْوَرَةٍ له ... كَفَى رَجْعُها من قصّة المُتَكلّمِ، انظر: لسان العرب ج4، ص217 - كتاب العين، ج3، ص287 .
[2] الواقع أن الإسلام دعا أساسا بأن تكون لغة الحوار هي الأساس في طحر الفكر الإسلامي قال تعالى: "وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُوُنَ" التوبة آية(6). بل واقع الدعوة في مكة كان برمته متوقفاً على الحوار كلغة لنشر الدعوة الإسلامية. حتى الجهاد فإن في أصله بني على مقاومة الظلم والإضطهاد وذلك بنزول أول آية في إقرار الجهاد بقوله تعالى " أًذِنَ لِلَّذِيْنَ يُقَاتَلُوُنَ بِاأَنَّهُمْ ظُلِمُوُا..." الحج آية (39)إذا أمعنا النظر في تلك الغزوات فإن بدر وأحد والأحزاب كلها كانت غزوات من أجل الدفاع عن معتقدات الأمة وليس غزوات ترغم أحدا في تقبل منهج الإسلام وأكبر دليل على ذلك قوله تعالى:
[3] كانت الهجرة إلى الحبشة قد جمعت بين الشرفاء من قريش وعامة الرعية ولعل في ذلك ما يبين أن الهدف في حد ذاته لم يكن محصورا في الخروج من وطأة قريش وقساوتها بقدر ما هو التعريف بالإسلام، الدعوة إليه، ومما يؤيد ذلك تقبل النجاشي وكبار قساوسته لرسالة الإسلام بعد أن تبين له أنه الدين الخالص لله وقوله الشهير في عيسى بأنه عبد الله ورسوله. انظر: سيرة ابن هشام
[4] الا شك أن الفرار من ظلم المشركين كان من أظهر الأسباب التي ساعدت على شرعية الهجرة إلى الحبشة ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه-لما رأى المشركين يؤذونهم ولا يستطيع أن يكفهم عنهم: "لو خرجتم إلى الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا " سنن البيهقي الكبرى 9/9 باب الإذن بالهجرة ورواه الإمام احمد 4/259 .
[5] وقعت حيثيات الهجرة الأولى في رجب سنة خمس من المبعث، انظر فتح الباري - ابن حجر7/189.
[6] فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى، مسند أحمد بن حنبل 1/461، علق عليه شعيب الأرناؤوط بقوله ضعيف.
[7] المستدرك، الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، دار الكتب العلمية: بيروت، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ط1: 1990، ج2، ص681، قال الذهبي في التلخيص صحيح
[8] سورة العنكبوت أية (26).
[9] انظر التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج1، ص1798، الكتاب منزل على صفحات الانترنت بالرابط التالي: المكتبةالالكترونيةhttp://tafsir.org/books/open.php?cat=88&book=874
وانظر الكشاف، الزمخشري، ج1، ص951 .
[10] سورة الأنبياء (105).
[11] سورة الحج آية (41).
[12] صحيح البخاري، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ج3، ص1377 حديث رقم3568.
[13]. سورة النساء آية (97).
[14].
[15] سورة الزخرف آية (22)
[16] اختار لهم أرض الحبشة المسيحية، وآثرها على أرض الروم المسيحية، مع ما كان من ميله إليها في المنافسة بينها وبين أمة الفرس، لأن مسيحية الحبشة كانت مسحية شرقية خالصة لم تدنسها المطامع السياسية التي دنست مسيحية الروم الغربية فجعلتها تتبع سياسة تؤثر أن يبقى العرب على جاهليتهم، وتأخرهم، ويستغلوا من يمكنهم استغلاله منهم في حروبهم، ولا تتطلع نفوس من وقع تحت سيادتهم إلى التخلص من ذل هذه العبودية، والتمتع بنعيم الحرية، والإيمان بدين يوصلهم إلى هذه الأمنية العزيزة، وينشر بينهم وسائل الحضارة والثقافة، حتى يساووا فيهما غيرهم من الأمم. وكانت المسيحية الشرقية الحبشية البريئة من المطامع السياسية عند حسن ظن النبي صلى الله عليه وسلم بها، فقد جمع من آمن به وقال لهم حين اشتد الأذى عليهم: تفرقوا في الأرض، فإن الله سيجمعكم. فقالوا: إلى أين نذهب؟ قال: ههنا، وأشار بيده إلى أرض الحبشة وفي رواية أنه قال لهم: اخرجوا أي جهة أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم أحداً وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فلما وصلوا إلى أرض الحبشة نزلوا بخير دار، عند خير جار.
[17] سورة القصص آية (53).
[18] أوردت مجلة المسيحية اليوم أن الإسلام أسرع انتشارا من المسيحية فالإسلام ينتشر بنسبة1.9% سنويا بينما تنتشر المسيحية بنسبة 1.3% ويعتنق الإسلام سنويا ما بين 30,000 إلى 40,000 فرنسي و500,000أمريكي ) انظر كتاب حرب الأديان قادمة أم قائمة؟ الحسن السرات
[19] سورة الأنبياء آية (25).
[20] سورة الممتحنة آية (8).
[21] سورة النحل آية125).
[22] سورة القلم آية (4).
[23] مسند الإمام أحمدج2، ص382.
[24] انظر كتاب السماحة في الإسلام والمسيحية تأليف إبراهيم أحمد الوقفي، ص64
[25] نفس المرجع، ص65.
[26] سورة الحديد آية (27 ).
[27] نفس المصدر، ص 73.
[28] سورة آل عمران آية (64).
[29] سورة المائدة آية (116).
[30] سورة آل عمران آية (59).
[31] كلمة أقنوم هى صفة الله ليس ثلاثة او أثنين بل هو إله واحد ، فلننظر بتأمل للآقانيم الثلاثة، الله الآب كائن (من الكينونة) بذاته، الآبن هو عقل الله الناطق، وهو حى بروحة الذى هو الروح القدس إذن فهى صفات متحدة وهى الله الواحد الكامل، http://www.carm.org/arabic/Trinity.htm.
[32] أعلن الكتاب المقدس (الإنجيل) بأنّ الله في الحقيقة ثالوث، وبأن السيد المسيح هو الله فهو الأقنوم الثانى الأبن وهو المتجسد أيضاً ليتم الفداء، "في البدء كان الكلمة و الكلمة كان عند الله و كان الكلمة الله" (يوحنا 1:1)، "و الكلمة صار جسدا و حل بيننا و راينا مجده مجدا كما لوحيد من الاب مملوءا نعمة و حقا" (يوحنا 14:1)، "فانه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا" (الرسالة إلى كولوسى 2: 9) . http://www.carm.org/arabic/Trinity.htm
[33] مسند الإمام أحمد، ج6، ص223.
[34] انظر آفاق الحوار الإسلامي المسيحي، ص76.
[35] أعمال الرسل15/39،
[36] إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان، ابن قيم الجوزية، ج2، ص270.
[37] انظر رسالته إلى أهل غلاطية 2/16-17 و 3/10-13، على الرابط: http://www.thegrace.com/bible/gal.html
[38] وهكذا حرّف بولس ورقّع الديانة المسيحية ولفّق فيها الشيء الكثير، لدرجة أن عدداً من الباحثين - كما ذكر مايكل هارت صاحب كتاب المائة الأوائل - يرون أن مؤسس الديانة المسيحية بشكلها وتركيبتها الحالية هو بولس وليس المسيح ...!
[39] آفاق الحوار الإسلامي المسيحي، زيدان عبد الفتاح قعدان، ص85
[40] أورد التسخيري إحصائية تبينية لما تمارسه الكنيسة من نشاط على النحو التالي قال : "بلغ تمويل التبشير 320 مليار دولار....وان وسائل الاعلام المسيحية كسبت حوالى 8/ 9 مليار دولار وان هناك 82 مليون جهاز حاسوب لنشر المعلومات كما تم نشر حوالي 610/88 كتابا وأن هناك 24900 نشرة أسبوعية وأنه تم توزيع 53 مليون نسخة من الإنجيل وأن محطات الاذاعة والتلفزة التي تبلغ للمسيحية تصل إلى 2340 محطة وتصل كلفتها إلى 181 مليار دولار كلّ ذلك في عام 1991م. وقد نشرت مجلة تايم تقريراً عام 1980 ذكرت فيه إنه يوجد من بين 640 مليون افريقي 53 مليون مسيحي كاثوليكي يضاف إليه في كلّ سنة 6 ملايين ويتوقع ان يصل عددهم إلى 800 مليون حتّى نهاية القرن وهنا نشير إلى أنّ التقويم العالمي لعام 2002 يشير إلى تناقص عدد المسلمين في افريقيا إلى مستوى 000/556/323 مليون نسمة في حين يبلغ عدد المسيحيين 244/ 368 فهم أكثر. راجع http://www.altaghrib.net/003/text/07/index.htm
[41] راجع نفس الموقع.
[42] http://www.islamdaily.net/AR/Contents.aspx?AID=653
[43] http://www.akhawia.net/archive/index.php/t-40.ht مقال الدكتور طارق متري مسؤول العلاقات الاسلامية المسيحية في مجلس الكنائس العالمي تحت عنوان: الإسلام والمسيحية في فضاء القيم المشتركة
المصدر: ورقة قدمت في مؤتمر الإسلام في إفريقيا 2006م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.