رئيس قسم الاقتصاد فى جامعة السودان العالمية: الدعم السلعى تضرر منه المواطن    سد النهضة: الجامعة العربية قد تتخذ "إجراءات تدريجية" لدعم موقف مصر والسودان في خلافهما مع إثيوبيا    بنك السودان يرفع السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الأربعاء 16 يونيو 2021    اتحاد الخرطوم يلغي قرار تجميد الأنشطة    بنك السودان يرفع السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الأربعاء 16 يونيو 2021    حمدوك يؤكد استمرار دعم الكهرباء و الدواء و الدقيق    افتتاح مركز اللغة الفرنسية بجامعة الخرطوم    الإبقاء على استثناء إدخال السيارات لشريحة الخروج النهائي من المغتربين    مجلس الأمن يمدد ولاية بعثة يونيتامس في السودان    بعد طول غياب.. مشروع "حداف وود الفضل" يدخل دائرة الخدمة بالجزيرة    مؤتمر صحفي لأصحاب العمل حول الاجراءات الاقتصادية غداً    (157.755) طالباً وطالبة يجلسون لامتحانات الشهادة الثانوية بالخرطوم    مجلس المريخ: لم نفوض اي شخص للتفاوض بأسم النادي ونحذر من إستخدام إسم النادي للتفاوض مع بعض اللاعبين    مصر.. محمد رمضان يدفع ملايين الجنيهات بعد إنذار الحجز على أمواله    بهذه الطريقة تشغلون واتساب على أكثر من رقم    منتخب السودان يتلقى دعوة للمشاركة في بطولة كوسافا    أول ظهور لإريكسن بعد سقوطه المفزع: لن أستسلم    بمشاركة دبلوماسي عربي.. حمدوك يجتمع ب"جبريل" ووجدي وبيان للمالية حول الأموال    نتنياهو يرفض مغادرة المقر الرسمي لرئيس الوزراء.. بماذا علق بينيت؟    المراهنة على "الشبان".. سياسة جديدة في كتيبة "صقور الجديان"    اليونسكو تدعو لمساندة دمج الاطفال ذوي الاعاقة في التعليم العام    في تجربة هي الأولى من نوعها.. برنامج تلفزيوني جديد على الشاشة الزرقاء !!    قصة أغنية "قائد الأسطول"    بروفايل : صاحب البحر القديم الشاعر الراحل مصطفى سند !!    "السيسي" يدعو أمير قطر إلى زيارة مصر في أقرب فرصة    بعد تويوتا.. "جاغوار لاندروفر" تعد بسيارة "ديفندر" بمحرك هيدروجيني العام القادم    359 ألف مواطن تم تطعيمهم بولاية الخرطوم    تسريب إشعاعى يهدد العالم والسودان خارج منطقة الخطر    مصرية تضرب رجلًا ألحّ عليها في طلب الزواج بمفك في رأسه    البرهان يسجل هدفين في مرمى أكرم الهادي    محبة اسمها رشيد    تمديد التسجيل للمشاركة في جائزة البردة 2021 حتى 26 يوليو    الهلال يكسب تجربة ود نوباوي الودية برباعية    امرأة تنجب خمسة توائم بالقضارف    1.5 مليون دولار خسائر الباخرة المحترقة    تفاصيل مثيرة في محاكمة طلاب طب بتهمة الإتجار في المخدرات    ظهر كحالة خاصة استدعت ضرورة النظر إليها عن قرب: محمود عبد العزيز.. الفنان الذي كسر تقاليد الغناء حتى قالت طق!!    السعودية تشترط التحصين لدخول المراكز التجارية والمولات    رئيس الشعبة: رفع الدعم عن المحروقات كارثي وسيؤدي الى خروج المخابز عن الخدمة    الانفلاتات الأمنية تسيطر على أحياء بالأبيض وحالات سلب ونهب وضرب    السودان يعلن خطة لزيادة إنتاجه النفطى على 3 مراحل    كشف موعد عودة جهاز المريخ الفني    صحة الخرطوم تقر بفشلها في بروتوكول التباعُد الاجتماعي لمكافحة "كورونا"    الأمم المتّحدة: المجاعة تضرب 5 ملايين شخص في "بحيرة تشاد"    مقتل 10 إرهابيين في عمليات عسكرية شمالي بوركينا فاسو    ياسر عرمان يكتب إلى آخر الشّيوعيين ... سعدي يوسف    الصحة العالمية: انخفاض في إصابات كورونا عالميا.. والوفيات تتركز في إفريقيا    توقيف حارس مبنى بالأزهري بتهمة الاستحواذ على مياه الحي لغرض البيع    ندرة في حقن (الآيبركس) وارتفاع كبير في الأسعار    تأجيل محاكمة المتهمين بالتصرف في خط هيثرو    إعياء مفاجئ لوكيل نيابة يتسبب في تأجيل محاكمة الحاج عطا المنان    يوم (قيامة الخرطوم) المرعب (1)!    الاحتفال باليوم العالمي للطفل الافريقي    أربعاء الحلو وأخدان أمل هباني.. تدمير الإقتصاد والإعتقاد بالصدمة !!    وقعت فى الزنا ثم ندمت واستغفرت.. فماذا تفعل ليطمئن قلبها؟    هل يحق للمرأة التسجيل في الحج دون محرم مع عصبة من النساء ؟    من ثقب الباب باربيكيو الخفافيش!    "يجوز الترحم على الكافر".. مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السابق في مكة يثير جدلا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الرسالة في اليوم العالمي لحقوق الانسان راجعت دفاتري القديمة لأجول في متاهة حقوق الانسان في السودان وحدة السودان بين الممكن و المستحيل
نشر في السودان اليوم يوم 11 - 12 - 2014

في اليوم العالمي لحقوق الانسان راجعت دفاتري القديمة لأجول في متاهة حقوق الانسان في السودان
وحدة السودان بين الممكن و المستحيل
بقلم / ايليا أرومي كوكو
[email protected]
الفصل الاول ( الوحدة السودانية الجاذبة )
1 /الزعيم جون قرنق و الوحدة السودانية الجاذبة ...
2 / الزعيم جون قرنق و الوحدة السودانية الجاذبة ...
3 / النائب الاول سلفاكير ( وعامين من الغياب ... ماذا تبقي من السودان الجديد )
/ رسالةمفتوحتة الي (السيد / النائب الاول لرئيس الجمهورية / سلفاكير ميارديت )
مزيداً من الصبر لأجل الوطن ...
5 / السيده / ربيكا (و عامين من غياب الاسد ... )
6 / الدكتور / لام اكول أجاوين
هل يغرد خارج السرب ... ( 1 )
7 / الدكتور / لام اكول أجاوين
هل يغرد خارج السرب ... ( 2 )
8 / الدكتور / لام اكول أجاوين
هل يغرد خارج السرب ... ( 3 )
9 / الدكتور / لام اكول أجاوين
هل يغرد خارج السرب ... ( 4 )
10 / أليو أجانق
هل يقتلون الحقيقة أيضاً ؟
الفصل الثاني ( جبال النوبة او جنوب كردفان )
11 / هل حقاً أدار الجنوبين ظهرهم
لرفاقهم النوبة .. ؟
12 / جنوب كردفان
و غياب الارادة السياسية
13 / جبال النوبة بين
مد الحكومة و جزر الحركة الشعبية
14 / جبال النوبة و التعايش في ظل
الحرية و الحق و السلام
15 / جبال النوبة ورؤية الضوء في نهاية النفق ..
16 / جنوب كردفان و المهددات الامنية ..
الفصل الثالث (السودان و المتناقضات )
17 / السودان الانتخابات السودانية القادمة
و محور عبد الرحيم حمدي
دنقلا سنار كردفان
18 / السودان يوافق بدخول القوات الدولية
19 / الحركة الشعبية و المؤتمر الوطني
لمن تدق الطبول الحرب.!!
20 /يجب ان لا تنهار حكومة الوحدة الوطنية السودانية
21 / النخبة و الصفوة السودانية تحتفل
بالذكري الثامنة لتصدير النفط السوداني
23 / العلم السوداني
لا يزال يرفرف عالياً في جنوبنا الحبيب
23 الكهنة والشعب في ميانمار و ثورتهم الصفراء.. !
الفصل الرابع ( موضيع ساسيه مختلفه )
24 / لهجمات الحادي عشر من سبتمبر2001 م
25 / البابا يوحنا بولس الثاني رجل حوار الاديان
26 / الاستحقاق الرئاسي اللبناني .. ؟
اللفصل الخامس ( قصص قصيره وشعر )
27 / يوم في حياة أمرأة من جبال النوبة ..
28 / الملكية العمرية
29 / سودري مدينتي
30 / مصرع كلالو بالطرنقع
31 / قصة الميلاد العجيب
32 / ميدان مصطفي محمود
33 / هيبان ( قصيده نثريه )
34 /التحدي ( شعر )
الفصل السادس ( بعض المشاركات في البي بي سي العربيه )
وحدة السودان
بين الممكن و المستحيل
لقد بدأ السودانيين الحديث عن انفصال جنوب السودان مبكراً .. كأن السودانين يهيئون انفسهم من الان للانفصال و يمرنون أنفسهم للتعايش معه .. و اليوم صار اكثر المتفاءلين يرددون قائلين انفصال و عيش في سلام أفضل من وحدة و حرب و قتال .. أن الجميع سئم الحرب و لا احد يريدن او يتنمي للسودان حرباً جديداً بين الشمال و الجنوب .. اذ بات الجميع مقتنعين بعدم جدواها و مدركين لفداحتها .. ان السودانين بحاجة الي مراجعة مواقفهم و التفكير في أمر هذا الوطن بأفق أرحب .. و العمل بجدية لتحقيق الوحدة السودانية الجاذبة .. تلك الوحدة التي عمل ناضل و كافح من أجلها جون قرنق .. فما هي الوحدة السودانية الجاذبة بحسب ...
الزعيم جون قرنق
و الوحدة السودانية الجاذبة ... 1
********
احياءاً لذكري رحيل الدكتور جون قرنق الاولي اضاءت الحركة الشعبية التحرير السودان الشموع باستاد المريخ بأدرمان ... و كان الاحتفال الذكري الاول و اضاءة شموع المحبة لفتتهً بارعة جداً .. و قد حققت الحركة خلالها و اعادت بعض جسور التواصل بين الجنوب و الشمال ... تلك التي خربت في يومي الاثنين و الثلاثاء الاسودين من بعد رحيل الزعيم التاريخي ... و رمزت الشموع الي الامل الذي ما زال للشعب السوداني يعشم فيه رغم التداعيات ... كما رمزت االمحبة الي امكانية نسيان الماضي بالتسامح و المغفرة الي المستقبل المشترك ...
و جاءت الذكري الثانية بعكس الاولي تماماً .. كان الحضور أقل و كان الحماسة باردةً و كان الشعار فارغ من الدلالات الرمزية للذكري بالرغم من المضمون الذي حمله .. زراعة مليون شجرة في الخرطوم ليس بالعمل السهل .. و هو جهد مقدرستنال منها الحركة الشعبية الثناء من والي الخرطوم و الذين سيتظللون بظلها ... جاءت الذكري الثانية فاترة جداً كالفتور الذي اصاب الشريكين في حكومة الوحدة الوطنية ... فالشركاء و بعد عامين فقط من عمر حكومة الوحدة الوطنية صاروا اكثر تباعداً و اخلافاً ... بعد عامين من غياب الزعيم و القائد الدكتور جون قرنق عادت الخرطوم الي عادتها القديمة تضيق بالاخرين و لا تحتمل الاخر ... و كنت أخشي علي الحركة الشعبية شريكة المؤتمر الوطني ان تقيم احتفالات الذكري الثانية في جوبا عاصمة جنوب السودان عوضاً عن الخرطوم عاصمة السودان ...
كما ان اعتكاف و اعتصام النائب الاول لرئيس الجمهورية بجوبا لا ينبي بخير ابداً ... لان المكان و المقرالرئيسي لعمل النائب الاول لرئيس الجمهورية سلفاكير ميارديت هو القصر الجمهوري بجوار مكتب السيد رئيس الجمهورية عمر حسن احمد البشير ... و مهما عظم الخلاف و اشتد الاختلاف فأن قرب المسافة و ليس بعدها هي الافضل لبحث الحلول و تقريب وجهات النظر ... ان وجد النائب الاول المتواصل في جوبا لا يطمئن الكثيرين من الحادبين علي وحدة السودان ابداً .. كما انها تشجع و تحفز الذين يعملون ضد جاذبية الوحدة ليل نهار ... كما ان هذا البعد الدائم قد اسهم كثيراً جداً في شل و تراجع مشروع السودان الجديد ... لان مكان انطلاقة و ادارة مشروع السودان الجديد هو الخرطوم و ليس جوبا .... و لا نريد للسيد حاكم الجنوب ان يهمل العمل الكبير الذي ينتظره في ولايات الجنوب و هو عمل يتطلب وجوده شبه المستمر ... و ذلك لان ولايات الجنوب كانت الاكثر ضرراً في الحرب خلال الاكثر من عشرين عام .. فهل سيوفق السيد النائب الاول في ترتيب الاولويات و جدولة الاقامة بين الخرطوم و جوبا .. لان وجوده في الخرطوم هو واحد من متطلبات الوحدة الجاذبة و السودان الجديد .. و الوحدة و السودان الجديد هي خلاصة الكفاح و النضال الذي خاضه الدكتور جون قرنق الذي تحتفل الحركة الشعبية لتحرير السودان بذكري رحيله الثاني.. السودان الجديد هو السودان الذي يمتد من حلفا الي نمولي و من الجنينة الي طوكر ... هذا هو السودان الجديد الذي نأمل من النائب الاول لرئيس الجمهورية ان يضعه في حدقات عيونه و ان يعمل علي جعله واقعاً مهما كانت التحديات ... في نري السيد سلفا كير قريباً وهو يدشن لهذا السودان الجديد بكسر الحاجز و القيام بزيارات الي كل ولايات السودان الشمالية كنائب اول لرئيس الجمهورية و مرشح الحركة الشعبية لرئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة كما أعلن عن ذلك بندينة كادقلي مؤخراً ... نأمل ذلك و كلنا أمل في ان لا يتراجع مشروع السودان الجديد الي ما وراء خط 1 / 1/ 1956م ميلاديه ................
لقد اختلف الناس كثيراً حول شخصية الدكتور جون قرنق ديميبور أتيم في اوقات مختلفة .. كما اختلف معه اقرب الاقربين اليه من قادة اركانه ... فقد تركه البعض من الرفاق ليتحالفوا مع خصومه الي الابد .. كما تركه أخرين حيناً من الدهر و لكنهم عادوا اليه بعد حين .. و ليس ببعيد عن المتابع للحركة الشعبية لتحرير السودان و قائدها الدكتور جون قرنق كثرة الا ختلافات بل و الانشقاقات التي لازمت حركته منذ بزوغ فجرها الباكر.. و من اشهرها اختلافه مع القائد كاربينو كوانين الذي يعد من أبرز المؤسسين للحركة الشعبية علي الاطلاق .. فهو القائد الاول الذي قاد الحركة اولاً في توريت .. و حتي لا نذهب بعيداً فاحدث الاختلافات في مشوار الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق هي الاختلاف الاخير اثناء المفاوضات التي قادها اولاً القائد سلفا ... و من ثم امسك الزعيم بنفسه ملف تلك المفاوضات ... و قد الاختلاف بينه و نائبه سلفاكير ميارديت .. و هو الاختلاف الاخطر في عمر الحركة المناضلة من حيث التوقيت و الفرصة التي كان ينتظرها الخصوم بفارق الصبر .. كان المناويين للحركة الشعبية يقومون بتسريبها و نقلها اولاً بأول و من وقت لاخر لشق صف الحركة الشعبية من اعلي قمة هرمها و من ثم اضعاف موقفها في المفاوضات .. و تلك كانت هي الاختلافات التي تمناها خصوم الحركة الشعبية لتحرير السودان و بنوا عليها استراتيجياتهم في التفاوض و الحوار.. و هي الاسترانيجية القائمة علي تحقيق ا لانتصار المبدئي علي الحركة بأختراق صوفها الداخلية و من ثم تفكيكها و هدم بنيانها و دك حصونها المنيعة و من خلال هز و قوائمها و اعمدتها الصلبة ..
هذا الرجل الذي اختلف معه الموالين هو نفسه الرجل الذي تحالف معه ألد الاعداء و أشرس الخصوم علي الاطلاق من حيث الطرح النظري و الفكري .. و الا فما هو التفسير المنطقي لتوقيعه لمذكرة التفاهم مع الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابي ... و الترابي معروف ب،ه عراب ثورة الانقاذ الوطني و هو صاحب مشروع البرنامج الاسلامي الحضاري في السودان ... و هو البرنامج الذي يستهدف بالدرجة الاولي مشروع السودان الجديد الذي يتبناه الحركة الشعبية و ينادي بها قائدها الدكتور جون قرنق .. لقد قام الشيخ الترابي من خلال المشروع الحضاري بتجنيدو عسكرة كل الشعب السوداني حتي المسيحين منهم .. و شكل منهم ألوية الجهاد المقاتلة لمحاربة الحركة الشعبية لتحرير السودان و تحقيق النصر للاسلام و المسلمين و الانقضاض علي المسيحية و المسيحين ولو بالمسيحين انفسهم .. عمل الترابي و جماعته علي ابراز و اظهار الحرب في السودان علي انها حرب ديني بين المسلمين و المسيحين مدغدغاً بذلك العواطف الدينية لتدعيم مشروعه الحضاري .. و بالرغم من قناعة السودانين جميعاً بأن الحرب السودانية ليست بحرب دينية او عرقية و قبليه او اي اسم مذهب و طائفي اخر .. بالرغم من علم الجميع بان الحرب في السودان هو حرب علي الظلم و الاستعلاء الطبقي و سيادة المركز علي الاطراف السودانية الاخري...
اخرين كثيرين كانوا مع الرجل جون قرنق و اختلفوا معه لدرجة الخصومة و الافتراق و من ثم انقلبوا عليه حرباً و اقتتالاً مقوين صفوف خصومه و اعدائه .. و لكن غالبيتهم أدركوا في نهاية مطافهم بأنهم كانوا في عجلة من أمرهم و قرارهم فعادوا اليه بعد ان تأكدوا من النهايات الحزينة بأنفسهم .. و كل من تفاوضوا معه احترموه و اشادوا به و قدروا اطروحاته و قضاياه و مطالبه الشرعية التي ظل يحارب لاجلها و يقاتل .. و قد اشاد به السيد/ عمر حسن احمد البشير عندما التقي به في يوغندا .. كما اشاد به الاستاذ علي عثمان محمد طه بعد ان جلس اليه لايام امتدت الي الشهور .. و قد اثمر التقارب بين الرجلين ليس فقط بأتفاق نيفاشا بل توطدت الي صداقات اسرية حميمة .. و كل من جلس اليه اقتنع به و اراده شريكاً قوياً لبرنامجه و قد سبقهم في ذلك جميعا السيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي و مرشد الطائفة الختمية .. و كل يذكر اتفاقية اديس ابابا للسلام الذي وقعه قرنق و الميرغي في العام 1988م .. و قد و قف الشعب السوداني كله مع هذا الاتفاق عندما رفضه الجبهة الاسلامية بقيادة الترابي الامين العام للجبهة الاسلامية القومية ... بينما استخف بها و احتفرها صهره الصادق المهدي رئيس الوزراء في الديمقراطية الثالثة و الاخيرة في السودان ...
و قد رأينا جميعنا و بأم أعيننا كيف كانت أمال الشعب السوداني معلقة بهذا الرجل عندما تقاطروا و تسابقوا الي استقباله في الساحة الخضراء في قلب الخرطوم عاصمة السودان ... كما شهدنا كلنا و عشنا معاً مدي الحزني و الاسي الذي وصل درجته بالعض الي الهستيريا وفقدنا السيطرة الي حد الجنوح و الجنون ساعة اذاعة و اعلان خبر رحيله المفاجيئ .. كان الكثيرين يرون فيه شخصياً المخلص و المنقذ للحالة السودانية الراهنة و بالغ البعض في توقعاتهم اذ صوروا شخصيته في مخيلتهم و اعطوه صورة صاحب العصا السحرية و انتظروا لحظة مجيئة و رفع العصا لتحل جميع مشاكل السودان الشائكة و المزمنة .... جعله البعض مهدي السودان المنتظر الذي يأتي بعد كل مئة عام ليصلح حال البلاد و يقوم أمر العباد بعد ان فسدها السلطان و سيسها بالظلم و الطغيان ..
و كما حزن الكثيرين من السودانيين بموت جون قرنق و رحيله فهناك البعض من الذين فرحوا بهذا الموت و سرهم غيابه عن الساحة لتخلو لهم ... هناك من عبروا عن فرحتهم بأطلاق الاعيرة النارية في الهواء تعبيراً عن بهجتهم و سرورهم .. و يبقي دائماً ان لكل قاعدة شواذ فلنحسبهم شواذاً و هم كذلك لان الموت الذي هو نهاية كل حي لا يعقل ان يشمت فيه بأي حال من الاحوال ...
فحتي الذين كانوا يبدون سخطهم علي الرجل و لم يجدوا له العذر او المبررالكافي للتمرد و خوض الحرب بتلك الشراسة تغيرت نظرتهم له و عنه تماماً منذ الوهلة الاولي عندما وطئت قدميه أرض مطار الخرطوم الدولي ..و نذكر جميعنا ما خاض الالة الاعلامية السودانية في السابق من حربً عشواء ضد الرجل فأظهره التلفزيون القومي السوداني سفاكاً و مصاصاً للدماء و قاتلاً للابرياء و الاطفال ... و هكذا دأب كل الاعلامي السوداني الرسمي و الغير رسمي عكس هذا النمط و النظرة السلبية عن الرجل .. الا انها جميعها أي الاعلام تغيرت بمجيئه و ها هي تصوره لنا و تتباهي به بطلاً من ابطال السلام و ابناً من ابناء السودان البارين الشرفاء ... هذه هي الصورة الجديدة و الايجابية التي ستنطبع في ذهن و قلب الشعب السوداني عن شخصية الدكتور جون فرنق ديمبيور أتيم .. و قد رشحه البعض لنيل جائزة نوبل للسلام ... و هو يستحقها عن جدارة و بأمتياز لو لا رحيله المبكر .. لان من أهم شروط نيل هذه الجائزة هو ان يكون المرشح لها علي قيد الحياة ...
دعك من نوبل و جائزته لان التاريخ الدولي و العالمي سطر بأحرف من النور في سجل دور قرنق حرباً و سلماً .. و قد دخل قرنق سجل الرجال العظماء من الذين سطروا بدمائهم أسمي معاني الشجاعة و النضال و الكفاح لنصرة قضايا الشعوب المستضعفه علي مر العصور ليس في السودان فقط بل كل افريقيا و سائر بلدان العالم التي تتشابه فيها الانظمة الظالمة .. سيدون اسم الزعيم جون قرنق في تلك القائمة التي تحتوي علي اسماء المهاتما غاندي و مانديلا و لوثر كيج و عمر المختار و بن بيلا و الكثرين من شرفاء العالم القديم و المعاصر الذين لا يسعهم هذا المجال لكنهم خالدين في قلوب شعبهم بما قدموا و وهبوبوا لاوطانهم و شعوبهم للعالم اجمع ...........
الزعيم جون قرنق
و الوحدة السودانية الجاذبة ... 2
***************
بقلم / ايليا أرومي كوكو
كان الحلم بالسودان الجديد حلماً حلواً جميلاً عشعش في خاطر الفتي الابنوسي منذ صباه الباكر ... و كان السودان الجديد فكرة تنمو و تكبر في مخيلة ابن الدينكا كما كان ينمو هو روحاً و جسداً و بدنا ... و قتها كان السودان في بداية فجر الاستقلال .. لم يكن استقلال السودان الذي تم انذاك هو الاستقلال الذي حلم به السواد الاعظم من الشعب السوداني ... كما لم يكن استقلال 1 / 1/ 1956 م بحجم الطموحات و التطلعات و الامنيات الكبيرة لدي اغلب الشعب السوداني و بالاخص الاطراف البعيد التي لم تذق طعم هذا الاستقلال كما لم تحس به ... لم يجد صبي الدينكا في هذا الاستقلال ما سيحقق أماله العراض ... و قتها و هو في طفولته الباكرة كان الاستعمار لم يزل يجثم بثقله و رعونته علي صدر الشعب السوداني ... و كانت حركات التحرر في افريقيا و اسيا في اوج ثوراتها تنادي شعوبها لمناهضة الاستعمار و الثورة ضد الرجل الابيض الذي استعبدهم و هيمن علي اوطانهم و استغل موارد بلادهم لصالحه ....
كان جيمي كنياتا في كينيا ، و باتريس لوممبا في غرب افريقيا ، و المعلم العظيم جوليوس نايريري في تنجانيقا و تنزانيا بشرق افريقيا .. كما كان اديب افريقيا الشاعر الكبير الرصين صاحب كلمة الحرية في افريقيا ستغور بالسنغال .. ايام الابطال الكبار جمال عبد الناصر في شمال افريقيا بمصرفي ذلك العهد الاول كان نهرو و غاندي بالهند العظيمة و باندوق [اندنوسيا التي تغني بها فنان السودان الكبير عبد الكريم الكابلي اغنيته الشهيرة اسيا و افريقيا .. و كانت باندوق نقطة الانطلاقة الاولي لدول عدم الانحياز و من هناك انطلقت الشرارة الاولي لحركات التحريرالتي اشعلها ثوار كثر في اسياء و افريقيا لا يسع المجال لذكرهم و تضيق بهم هذه المساحة كما ان الذاكرة الضعيفة تخونني في هذه العجالة و ذكر اسماءهم و الثورات التي قاموا بها .. لكنهم جميعاً توحدوا في الاهداف العليا و الغايات العظمي و كانت الحرية هدف غالي ... و كان جلاء المستعمر عن الارض و الوطن غاية نبيلة و قد تحقق لهم جميعا ان يروا و يقطفوا ثمار الحرية و الاستقلال في اوطانهم ليسعدوا بثمار كفاحهم ....
علي درب هولاء الابطال سلك و سار قائدنا و علي نهج هولاء الكبار العظماء ثبت اقدامه و علي أرض الحرية التي ساروا مشت اقدامه .... فرسم للوطن مستقبلاً من وحي فكره المستنير و رؤيته الثاقبة ... عبد الطريق القويم ليسير فيه الشعب بثات و ثقة و يقين لا يعرف الخضوع و اللين او الانكسار ... خاض لاجل ذلك الحروب بعزيمة قوية لانه كان يؤمن بأن بلوغ الغايات العظمي لا تتم بدون التضحيات الشجاعة و الاستبسالات التي لا تقهر يهزم . ..و كان صنديداً جسوراً و فارساً شهماً .. قهر الذات الانانية في نفسه ، و قتل شهوة النفس العمارة بالسوء في حياته كأنسان .. اعدم لذة الراحة الوقتية التي كانت تنتابه من وقت لاخر كما قاوم الاغراءات و المكاسب الشخصية التي قدمت له كثيراً فأسكت بذلك و اخرس كل الالسن التي كانت تطالبه بالخضوع و الاستسلام قبيل الوصول الي المرامي الكبري... كان يرفض كل انصاف الحلول التي طرحت و قدمت له فصبر و ثابرة حتي تتحقق له و لكل الشعب السوداني السلام الكامل الحقيقي الذي يقوم علي التنمية المتوازنة و القسمة العادلة للموارد و السلطة ...
كان يقفز علي كل العثرات التي توضع امامه .. و كان يعبر كل الموانع و المتاريس و الحواجز التي تقابله قي طريق النصر .. تمكن من صعود كل الجبال الشوامخ و استطاع بمهارته ان يتسلقها جميعاً .. و لان الحلم بالسودان الجديد الذي ولد معه كان ينمو و يكبر بداخله لم تكن كل جبال الدنيا الطبيعية و البشرية بقادرة علي ان تعطله او توقفه دون الوصول مبتغاه .. و ا ن راهن البعض علي جبال الاماتونج فان رهانهم حتماً هو رهان خاسر لا ن حقيقة السودان الجديد قد قطع شوطاً بعيداً جداً في مداه النظري و الفكري و ها هو يتقدم المدي التطبيقي و التنفيذي .... و رغم كل شي سيصمود السودان الجديد متحدياً كل الصعاب و العثرات التي توضع في طريق التنفيذ ... ان رؤيتة و نظريته الفكرية بالنسبة للسودان الجديد قد تجاوز كل المراحل المرتبطه بشخصيته الفريدة الي فكر الجماعة و ايمانها به كمبدأ و هذا ما لا تستطيع كل الكوارث الطبعية العوامل البشرية من محوها او تعطيلها ......
لم تكن كل المرارت و الدغائن و الاحقاد بقادرة علي هز شعرة واحدة من خصلات العزيمة و الاصرار و الارادة الصلبة التي عرفت فيه ... كما لم تكن للاعاصير و العواصف الهوجاء قدرة علي كسر البناء المتين الذي بناءه بساعديه القويتين و تخطيط فكره السليم الحكيم .... و ليس للتأمر من قوة الفاعلية لتعطيل مسيرة مشروع السودان الجديد ...
و بقدرة الله التي لا تقهر و بعزيمة الرجال الابطال التي لا تلين استطاع ربان سفينتنا الماهر ان يصل بها الي بر الامان .. استطاع بتفوق و اقتدار و مهارة سيظل خصومه يحسدونه عليها كل عمرهم ما بقوا احيا علي الارض .... فبالرغم من الامواج العاتية و الانواء القاسية التي تقاذفت سفينة السودان الجديد بل قاربت في مرات كثيرة من تحطيمها و تدميرها و تحويلها الي ركام .... و بالرغم من جبال الجليد المتحركة في قلب المحيط الذي سلكه سفينة السودان الجديد و كل الصدمات المهولة التي هزت شراعها الا ان ايمان القائد و الربان بالوصول الي شاطيئ السلامة و الامان فاق العقل و الخيال ... و تلك هي الايمان التي تمكن بها من خوض كل البحار و المحيطات و جبال الجيلد الي المرسي و الميناء البر و الي شاطيئ الامان ..
فهيهات لطائر الشؤم ان تكون قد نالت من الحلم بالسودان الجديد شيئاً ... لان الحلم لم يبق بعد حلماً .. فقد صار الحلم واقعاً و حقيقة لا تخطئها الاعين .. صار الحلم الذي حبلي به وولد في احراش جنوب سوداننا الحبيب عند ميلاد بطلنا واقعاً و حقيقة تمشي بأرجلها بين الناس ... صارت البشارة الاولي التي زفت بميلاد صبيي الدينكا فأل جميل و أضحت صرخاته الاولي في لحظة خروجه من رحمه امه بمثابة نباءاً لاعلان عهد جديد لسودان جديد لم يزل في المهد صبياً .. و غدت زغاريد نساء الدينكا امهات ربيكا لحن بطولياً ستردد جبال الاماتونج الشماء صدي سمقونيتها الخالدة بطول الحياة ... و صدي هذا اللحن الشجي ستتغني به الصبايا الحسنوات كلما عزفت موسيقي النصر السرمدي ترنيمة ابدية تخلد هذا البطل الهمام و تذكر الاجيال بالسودان الجديد ...
قيا ايها الحلم الجميل كبف صرت فينا واقعاً معاشاً ... و يا حلم الاجداد و الاباء الشرفاء يا حلم كل الذين ساروا علي درب النضال و الكفاح يا ايها الحلم الذي سطره الشهداء بدمائهم كيف صرت حقيقة بين البشر تسير بين العالمين ... ايها التاريخ المكتوب و المنقوش علي جدار الزمن بدماء الابناء الشهداء ستظل رمزاً للكفاح و النضال ليقراءك الاجيال القادمة جيلاً من بعد جيل ... ويا ايها الحاضر المسربل بالكأبة و الاحزان و المأسي يا ايام الالام و الدموع و الاحزان الباقية ، ها هو القدر قد سطر للسودان ...
فجر المسرة و الافراح سوف لم نستطيع ان نعيشها من بعد تراجيديا الحروب و الدماء و الدموع ... فيا ايتها الايام السود متي ترحلين عن السودان فلم نعد نطيقك ابداً ...
ان فجر سوداننا الجديد جاء شاء البغاة الحاقدين ام ابوا ها هو فجر سوداننا الجديد قد أطل علي ارض وطننا رضي القدر بذلك ام رفض ....فها هو المستقبل المشرق بالامال الواعد بالنماء و الرخاء و الازدهار يدق علي ابواب بلادي فلا تدعوا عدوا الخير ان يغلق ابواب الغد في وجوهكم ... لا تدعوا لصوص الاحلام ان يسرقوا البمسة من شفاه الاطفال الحالمين بأعياد السلام في كل ارجاء الوطن الكبير...
ان كل الجبال العالية التي كانت تقف في طريق السلام ازيلت .. عندما زرع شهيدنا شجرة الحب و السلام في الساحة الخضراء بقدومه .. كان حضور الشعب السوداني الكثيف بكل الوان طيفه الي هناك استفناءاً و بيعة للسلام و ترحيباً بمقدم السودان الجديد .. كما كان احتشاد الجمهور المنقطع النظير الذي قدر بسته مليون فرد من الذين خرجوا لاستقبال رجل السلام العظيم خير دليل يعبر عن الحب الكبير و العشق للسلام و قائد السلام .. كل شي كان جميلاً منسقاً و مدهشاً ... فأسر الزعيم الصمت لان الموقف و المشهد كان افصح و ابلغ من كل بلاغة و بيان .. و عندما خاطب الزعيم شعبه بلغة الوجدان كان الشعب راضياً و فرحاً و ممتناً بالقائد الجسور ..
لوح القائد للشعب بكلتا يديه فحلقت روحه لتعانق افئدة الحاضرين و المشاهدين .. فهل كان قائدنا يعلم بأنه في لحظة من لحظات الاستقبال و الوداع معاً .. هل كان يقول في صمت شكراً جزيلاً لمن احبهم و اخلص و تفاني في اخلاص الحب و الود لهم .. واعداً بتقديم باقي العمر مهراً لهذا الحب الخالد لشعب يستحق الحب حتي الموت لان من الحب ما قتل ...
لقد سعي القائد لاجل احبائه السعي الحسن ... عمل لاجلهم و قد اكمل العمل و اتمه ، أتم القائد كل العمل الذي خطط له بدقة و باقتدار و امتياز يحسد عليه ....... أحضر القائد الوديعة و الامانة العظيمة و سلمها للشعب لحظة تكريمهم له و لحظة وداعه لهم .. فبينما كل الشعب يستقبل بلهفة و شوق كان القائد ويودع الشعب الوداع الاخير و كانم وداعه وداع الواثق بنهاية المرحلة ز الرحلة معاً .... كانت الامانة التي سلمها القائد للشعب حلماً جميلاً ها هو قد جسدها امامهم واقعاً و حقيقةً .. كان الناس يحلمون بالحرية و العدل و المساواة بينهم بلا تميز بين عرق او دين او ثقافة او قبيله و عشيرة ... كان حلمهم هو العيش و الحياة بكرامة و عزة في وطنهم الواحد المتحد ... و الحياة الكريمة في الوطن كان لحماً لكثيرين و قد وجدوا في مشروع السودان الجديد كل الاماني و المضامين و القيم ... معني و مفهوم ان يكون الكل اسوياء و انداد و شركاء في هذا السودان الجديد من غير منَِ و لا اذي ..
و قد استلم الشعب الوديعة كاملة غير منقوصة من يدي القائد العظيم .. فأستراح بذلك القائد من عبء حمل الامانة علي اكتافه لاكثر من اثنين و عشرين عاماً قضاها في الحل و الترحال لاجلهم ... اثنين و عشرين سنة لم يسترح فيها القائد سوي اثنين و عشرين يوماً قضاها في القصر الجمهوري بالخرطوم ... و كانت تلك الاثنين و العشرين يوم هي الايام الاخيرة له هنا في الارض و التي اشرنا اليها بأنها هي الايام التي استراح فيها .. و كانت راحته هي الراحة المعروفة عندنا في السودان براحة بخيت ... و راحة بخيت في المثل الشعبي السوداني هو راحة يعطي لصاحبها بأضافة العمل و الاعباء لانهم عندما ارادوا الراحة لبخيت جعلوا فتالاً للحبال ... في الايام الاولي القليلة التي مكث فيها في القصر الجمهوري داعبه ذات يوم المشير عمر البشير بعد ان راه منهمكاً في عمله يستقبل هذا و يودع ذاك .. وفود تدخل اليه و اخري تنتظر دورها و القائمة طويلة ... داعب البشير نائبه الاول قائلاً ان العمل في القصر الجمهوري أصعب من العمل في الغابة .... فرد عليه النائب الاول قرنق بروحه المرحة قائلاً فلماذا لا نستبدل المواقع أبقي انا في القصر و تذهب انت الي الغابة ... و لكنه عندما عاد عودته الاخيرة الي الغابة ابتلعته الغابة التي ألفها و سبر اغورها لاكثر من اثنين و عشرين عاماً ... ابتلعته الغابة و اخفته في جوفها لانها كانت تخاف عليه من ان يبتلعه القصر ....
ورجع الاسد الي الغابة و سوف لن يعود ايضاً الي القصر الجمهوري ... لم يعد الضرغام الي الغابة هذه المرة حباً و عشقاً للعرين .. و سوف لن يرجع الي القصر ليس لانه كره حياة القصور بسبب الممل و الرتابة او التعب و الكلل ... سوف لن يعود الزعيم البطل الي القصر مرة ثانية .. ذلك لانه ذاهب الي غابة ليست كغابات الجنوب التي لا ننكر سحر طبيعتها و روعة جمالها .. و الانسان في الغابات الجميلة قد لا يخشي او يخاف علي حياته من ان يفترسه وحش كاسر كما يخاف و هو يقطن القصور الرياسية التي لا تخلو من الغدر و المكر و الخيانة و سحق الارواح و سحلها ... فحياة القصور فيها ايضاً الحذر و الخوف و التوجس لا نها محاطة بالاغتيالات و الانقلابات و التصفيات الجسدية و مؤامرات افظع و افتك من مؤامرات الغابات ...
ذهب قائدنا الي الغابة الابدية حيث ترقد الذئاب الخاطفة بجوار الحملان الوديعة دون ان تخدشها او تمسها بسوء او تصيبها بأذي ... ذهب زعيمنا الي تلك القصور التي لا يهاب فيها ساكنوها من غدر الخلان و الاصحاب لا تربص الخصوم و الاعداء ... و هناك في تلك القصور ستستريح روحه راحتها الابدية في انتظار يوم الرب الذي سيقول له عند مجيئه ادخل الي الراحة الابدية ايها العبد الصالح الامين البار ... كنت اميناً في القليل فأقيمك علي الكثير ..
ان تلك الايام القليلة التي قضاها الزعيم في القصر كانت كما اسلفنا هي ايامه الختامية و كالعارف بالنهاية التي كانت تنتظره في رحلته الاخيرة ... فقد قضي تلك الايام في عمل دؤب متواصل كما تعمل النمل في وقت الحصاد .. لا بل عمل بنشاط و اجتهاد و همة كما تعمل ملكة النحل في الربيع ... و قد انجز القائد كل المهام التي كانت تتطلب وجوده و قف القائد علي كل التفاصيل النهائية كما اراد لها ان تكون ... وضع النقاط علي كل الحروف .. و عندما غادر القصر كان يدرك بأن ما فعله خلال تلك الفترة القليلة بالقصر كافي جداً حتي يسير علي خطاها الناس من بعده .. ( فطوبي لصانعي السلام لانهم ابناء الله يدعون ) فالسلام الذي أرسي قواعدها الدكتور جون قرنق ديمبيور هو السلام الموصوف بالقول الالهي ( سلام الله الذي يفوق كل عقل ) و هذا السلام هو السلام الذي يحفظ بلادنا و وطننا السودان من كل شر و شبه شر من الان و الي الابد .. سلام الله الذي يربط البشر في وحدة اساسها المحبة و العدالة .. الوحدة التي سيحرسها التنمية الشاملة و الازدهار و العمران في كل السودان ..
الابيض
31 / 8 / 2005م
النائب الاول سلفاكير
وعامين من الغياب ... ماذا تبقي من السودان الجديد
********************
عندما دخل الدكتور جون قرنق الي القصر الجمهوري لاول مرة نائباً اولاً لرئيس الجمهوريه بحسب اتفاقية نيفاشا التي أعطت النائب الاول من الصلاحيات الكاملة و القوة الناقذة كتلك التي توازي صلاحيات و قوة نفوذ رئيس الجمهورية .. دخل السيد جون فرنق الي دهاليز القصر الجمهوري و قوة الاتفاقية التي فاوض فيها و عمل علي تحرير نصوصها و من ثم التوقيع عليها .. دخل الي القصر الجمهوري و تلك القوة تأزره و تسانده و تقف من خلفه و امامه و فوقه ... و بجلوسه علي كرسي النائب الاول بالقصر الجمهوري ملئ الرجل الكرسي وزاد وفاض واتخذ المكان و اوجد فيه لوناً و مذاقاً و رائحة جديداً ... اذ دب روح التغيير في القصر الجمهوري كما دب في جسد السياسة السودانية نشاط و همة لم تكن مألوفة من قبل .. هبت في كل الشارع السوداني رياح التغيير الحقيقة اذ تنسم الشعب هواء اً سينعش كاهل الانسان السوداني اقتصادياً و اجتماعيا و سياسياً .. تفأل الجميع بأن تغيراً و خيراً سيحلان علي السودان ... و ان سنين القحط و الفقر و العوز ستغادر السودان سريعاً بلا رجعه ...
و أتت الرياح كما قلنا بما لا يشتهي الشعب السوداني اذ رحل ألامل سريعاً و لا يزال السنين المرة تجثم فوق صدر الشعب السوداني ... دخل السيد جون قرنق القصر الجمهور بالهتافات و الافراح و البشريات تغمر كل القلوب الظمي و العطشي التي التغير الايجابي .. رحل سريعاً و فرح الاستقبال لا يزال حاراً و حاضراً .. ليدوي في كل رب بلادناالسودان صوت البكاء و النوح و العويل و الاحزان من جديد ... كأن القدر كان واقفاً لنا بالمرصاد ليمد يد و يخطف الامل من بين ايدينا ....
و قد رثيت فقيدنا العظيم عبر السطور كما رثاه الكثيرين شعراً و ونثرا و كم من كتب و مقالات كتبت فيه تذكر بما قدم لشعبه .. و كم هي المنتديات و الندوات التي اقيمت علي مستوي دول العالم المحبة للسلام و للشعب السوداني و لشخصية جون قرنق الفريدة العظيمة النادرة .. و لم يغب الامل كله برحيل جون قرنق و موته و في يوم التشييع حدقنا بعيونا و دققنا النظر جيداً في خليفته .. و قد جمعنا ما تبقي لنا من أمال و أماني و اشواق و القيناها جميعاً علي عاتق الرجل الذي وثق فيه الدكتور جون قرنق و اختاره رفاقه من قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان لينوب عنهم في شغل مكان قائدهم التاريخي .. و السطور ادناه هي بعض أمالي و أماني الكثيرين سطرتها بيراعي في يوم تشييع الراحل جون قرنق تعبيراً عن ما كنت أرجوه في النائب الاول لرئيس السودان ..
الفريق الاول/ سلفا كير ميارديت
*********
بقلم / ايليا أرومي كوكو
في جولته الاخيرة الي جنوب السودان كان القائد جون قرنق حريصأ علي ترتيب كل شي . او بالاحري كان مجتهداً في العمل لترتيب البيت الجنوبي من الداخل . و قد رأيناه و شاهدناه يتكلم كما يتكلم الرجل الحكيم الذي يرقد علي فراش الموت .. فالعظماء او الحمكاء لا يموتون كسائر بني البشر .. و قد شهد السيد ياسرسيعد عرمان عن موت جون قرنق الغير عادي بقوله ( لقد مات جون قرنق كما يموت الابطال في الاساطير الاغريقية ) فالابطال في الاساطير الرومانية كانوا يعدون العدة لانتقالهم و رحيلهم و موتهم ... أنهم يحسبون للموت الف حساب ، يجهزون قبورهم في المكان الذي يرونه مناسباً و يصممون توابتهم بالمواصفات الي يرونها بأنفسهم .. و يجهزون كذلك كل ما يلزمهم من المقتنيات .. و استطيع ان اقول بان قرنق مات كما يموت الرجال الكبار من حكماء افريقيا ... فالحكيم الافريقي الكبير لا يموت هكذا بالصدفه كسائر الناس العاديين بل يستشعر الموت و دنو الاجل بالحاسة السابعة ان جاز لي ان أسمي الاحساس بالموت الحاسة السابعة .. و عندما يحس الكهل الافريقي بدنو الاجل فهو يدعو أهل بيته من الابناء و الاقارب و الاصحاب الفربين و البعيدين .. و يحرص البعيدين و بالحضور و يخفون بالمجيئ مسرعين الي حيث كبيرهم الراقد ... يفعل ذلك و الروح تصارع الجسد و الجميع يلتفون حوله حرصاً لسماع كلامه ووصاياه الاخيرة و في ذلك المحضر يختار الرجل خليفته من بين الحاضرين حتي يكون الجميع شهوداً علي انتقال زعامة القبيلة و العشيرة و الاسرة ..فيعطي الجميع البيعة و يمين الولاء للخليفة الجديد ... يحرص الزعماء علي توجيه النصائح و اعطاء الوصايا الاخيرة شفاهة و علي مسمع الجميع .. فهم بذلك يطمئنون علي كل شيئ قبيل الرحيل ، و عندما يتفوهون بوصاياهم الاخيرة من الوصايا يسلمون الروح الي باريها و يرقدون بسلام و ينضمون الي الاباء و الاجداد .. و هذا هو سر كرنفالات الفرح و الابتهاج والاناشد و الغناء واللعب و الرقص عند الاقارقة عندما يموت كبارهم ...
لقد أعد القائد جون قرنق نائبه سلفاكير ميارديت اعداداً كاملاً لتولي المهام الصعبة و قيادة سفينة الحركة الشعبية لتحرير السودان من بعده لا قدر الله .. بل حرص الزعيم جون قرنق علي توزيع المهام و المسئوليات علي رجاله بدقة فائقة .. و قد سهل هذا كثيراً في شغلهم السريع للفراغ الكبير الذي تركه و خلفه بموته و رحيله المفاجيئ .. و الايام وحدها هي التي ستكذب الذين يشككون في قدرة سلفاكير علي شغل و ملئ الكراسي التي شغرت بعد رحيل جون قرنق .. و علي سلفاكير ان يثبت للجميع بأنه ليس فقط رجل الحركة الشعبية لتحرير السودان في المرحلة القادمة.. بل بل لن يثبت بأن رجل دولة من الدرجة الاولي قادر علي قيادتها في أي مرحلة من المراحل متي أقتضت الضرورة لذلك .. و المرحلة القادمة هي المرحلة التي ستتخلي فيها الحركة الشعبية لتحرير عن السلاح و خوض المعارك و الحروب في الاحراش و الغابات الي مرحلة السلام و البناء و التعمير ... المرحلة القادمة هي المرحلة التي سيتحول فيها سلفا رجل الامن و الاستخبارات الي رجل الطرح الفكري بالحوار الموضوعي المقرون بالحجة .. هي المرحلة التي سيكون فيها سلفا كير رجل السياسة المتطلع الي قيادة كل الشعب السوداني دولة السلام و الحرية و الوحدة و الديقراطية .. و ستتحول الحركة الشعبية بقيادة سلفا كير من حركة جنوبية متمردة مقاتلة الي حزب سياسي كبيريعد نفسه و يبني ذاته و قدراته للاستحقاق الذي سيتم عبر صناديق الانتخابات التي ستقام بعد ثلاث او اربعة اعوام من الان بمشيئة الرب ..........
و امام سلفاكير تحديات كثيرة و صعبة جداً .. فامامه توحيد الصف الجنوبي عبر اكمال الحوار الجنوبي الجنوبي . و هذا هو أحدي أعتي التحديات الحقيقة التي واجهت الزعيم جون قرنق و استعصت عليه و هو في القصر الجمهوري نائباً اول لرئيس السودان .. و التحدي الكبير الاخر هو التحدي الذي طفح الي السطح برعونة عقب اعلان نبأ استشهاد الزعيم جون قرنق انه تحدي وحدة السودان و انفصاله .. لان يومي الاثنين و الثلاثاء الاول و الثاني من اغسطس أب هذين اليومين الاسودين و ضعتا السودان كلة أمام تحدي الوحدة ام الانفصال .. ان الشرخ الخطير الذي حدث في النسيج الاجتماعي السوداني جنوباً و شمالاً اعاد الي الاذهان سؤلاً كبيراً .. هذا السؤال كان الجميع يحبذ تجنبه و تركه او تحاشيه و عدم الخوض فيه قدر الامكان .. طفح الس السطح قبل موعد طرحه في الاستفتاء الذي سيتم بعد سته اعوام .. و هو الاستفتاء الذي سيحدد و يقرر فيه الاخوة في الجنوب وحدة السودان و انفصاله .. خلطت احداث الاثنين و الثلاثاء الاوراق كلها و جعلت الجميع في محك اسمه امكانيةو قدرة الشعب السوداني في العيش معاً كشعب واحد في وطن واحد هو هذا الوطن السودان بتاريخه و جغرافيته .. السودان الماضي و الحاضر و المستقبل في وحد ة مصير لارض و التراب و البشر ...
أن سلفاكير هو رجل المرحلة القادمة و قد رأينا كيف تسارعت الفصائل الجنوبية المختلفة نحوه راكضة و مهرولة للنرحيب به .. لقد شاهدنا الفرحة بل الضحكة علي اسارير قائد قوات جنوب السودان اللواء باولينو ماتيب في لقائه الاول بسلفاكير عقب انتقال جون قرنق ... و رغم اختلاف الكثيرين حول القائد باولينو و الاسلوب التي يتبعها في فرض النفوذ و القوة التي توازي سلطات الدولة الرسمية و هيبتها . ذلك من خلال النحاكم الخاصة التي يتحكم فيها وسط الجنوبيين و التي يمتد الي ظهور الاخرين من غير الجنوبيين في احيان كثيرة .. لقد وضع القائد ماتيب كرة الحوار الجنوبي الجنوبي في مرمي النائب الاول سلفا . و كلنا يشهد بأن هذا الامر بالامس القريب كان من المستحيلات الاربعة مع الزعيم الكبير جون قرنق فقد كانت الخلافات و المساحة التي تفصل بين الرجلين قرنق و ماتيب شاسعة جداً ... هذه الخلافات ان تتلاشي تماماً بين ماتيب و سلفا منذ اللقاء الاول .. علي سلفا استثمار الوضع الجديد لدحض و تكذيب الفكرة و الفهم المتأصل في الذهن و العقل الباطني الشمالي الذي يقول باستحالة اتفاق الجنوبيين فيما بينهم .. هذه الفرضية المغذية بالمثل الذي يقول فرق تسد هي التي تغذي القبلية و عصبيتها في جنوب السودان و تعمل جاهدة علي تكريسها و ديمومتها في كل ارجاء السودان و اطرافة علي وجه الخصوص ..
سيكون علي طاولة النائب الاول للرئيس و حاكم جنوب السودان برنامج عمل كبير بأنتظاره حتي يبت فيها فور جلوسه علي كرسيه بالقصر الجمهوري . لان جماهير الشعب السوداني من الذين بنوا أمالهم علي البرنامج الذي طرحته الحركة الشعبية من خلال منفستو السودان الجديد .. هذه الجماهير الجائعة سوف لن تنتظر طويلاً لانها بشوق عارم بل قل ان الجماهير في عجلة من أمرها لرؤية تلك الامال واقعاً في كسرة الخبز اليومي و في الداء و التعليم .. و علي سلفا كير الاسراع بترجمة النصوص المتفق عليها مع المؤتمر الوطني علي أرض الواقع .. و لا يعقل ان تظل تلك الاتفاقيات حبر علي ورق حبيسة الادراج و الدواليب الديوانية ... و في مقدمة تلك النصوص فك شفرة الفقر و العوز و الحرمان في السودان ...
لقد بدأ البعض بالمنادة و المطالبة بأن تعيد الحركة الشعبية النظر في طرحها الخاص بالسودان الجديد .. هؤلاء هم الذين فرحوابرحيل الزعيم جون قرنق لانهم كانوا يظنون بأن الحركة الشعبية لتحرير السودان ستنهار و تزول بمجرد رحيل و موت جون قرنق رجل الحركة الشعبية لتحرير السودان الاول ناسين بذلك و متناسيين أن الحركة الشعبية لتحرير السودان مؤسسة و منظمة قائمة علي هيكل و بنيان تنظيمي قوي و متين ..و قد غاب ظنهم لان سلفاكير و رفاقه الشجعان تمكنوا من رص صفوفهم و اعادة الامور الي نصابها و تمكنوا من السير قدماً .. تمكن الرفاق من الامساك بزمام الامور السير قدماً و بسرعة في ذات الطريق الذي كانوا يسيرون فيه برفقة زعيمهم التاريخي البطل .. و بقاء الحركة الشعبية مرهون بعدم التراجع عن طرحها الخاص بالسودان الجديد ..
أن الشعب السوداني في انتظار نقل المدن الي الريف و القري ، و بالتأكيد هذه كانت اولوية من اولويات الراحل قرنق و يبقي الي خليفته ان يتعهدها بالرعاية المتابعة الخاصة و الشخصية و بنفس الجدية و الحماسة في التنفيذو الانزال الي الارض عملاً ملموساً ...
ان اهل السودان في دارفور و الشرق ينتظرون دور الحركة الشعبية في حل مشاكلهم .. و هي أي مشكلة غرب السودان و شرقه هي نفس المشاكل التي عاني منها جنوب السودان و حارب و قاتل بسببها الحركة الشعبية لتحرير السودان طيلة العشرين سنة الماضية .. الظلم و التهميش و سيطرة المركز و سطوته و اليد الحديدية التي مارسها منذ الاستقلال علي كل الاطراف السودانية بالسواء ... و ما يطمئن أهل دارفور و شرق السودان هو تصريحات النائب الاول لرئيس السودان سلفاكير ميارديت عندما صرح بأن للحركة طرح لحل المعضلتين الباقيتين في شرق و غرب السودان .. أن الجميع يأملون ان لا يطول الوقت الذي سيجتمع فيه الحركة الشعبية مع شريكها المؤتمر الوطني لحل تلك المشاكل العالقة و حسمها .. و سيظل سلام السودان سلاماً ناقصاً حتي ينعم دارفور و شرق السودان بهذا السلام الذي تحقق للجنوب .. و سوف لن تكون هنالك تنمية حقيقة في الجنوب و باقي السودان و الحرب مشتعلة و مستعرة في الغرب و الشرق . و سيظل السودان علي صفيح ساخن حتي تحل تلك الحروب القائمة حلاً تفاوضياً كاملاً ...ز
و ها هي قيادة سفينة السودان الجديد قد انتقلت تلقائياً الي يد ربانها الماهر سلفاكير ميارديت الذي نتمني له كل التوفيق و السداد من الله العلي القدير وصولاً الي بر السلام و شأطيئ الامان لكل السودان ... و بر السلام هو ان ينعم كل السودان بالسلام الشامل بعد تحقيق العدالة و المساواة بين الجميع في الحقوق .. بعد الاطمئنان علي أي بقعة من أرض السودان الكبير المقدر بالمليون ميل مربع ... و بعد وقف صوت كل رصاصة او طلقة تصرخ بالظلم .. و شاطي الامان هو ان يشهد السودان التنمية و العمران و الازدهار و التقدم ... شاطي الامان يعني أن يصير السودان واحداً بعد السته سنوات و هو العمر المقدر لذهاب الجنوبين الي صناديق الاستفتاء لتقرير مصير السودان وحدة او انفصالاً ..
و هذا هو التحدي الكبير كما اسلفنا و علي عاتق السيد / النائب الاول سلفاكير ميارديت و شركاءه في الحكم البشير و طه العمل الجاد لاجل وحدة السودان .. و يقع علي عاتق كل الشعب السوداني في الشمال و الجنوب غي الشرق و الغرب و الوسط العمل سوياً لجعل وحدة السودان وحدة جاذبة للجميع ... و يجب علي الحكومة المتمثلة في المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية لتحرير السودان خلق تلك الارضية الصالحة لجاذبية الوحدة السودانية .. و ذلك بالتزامهما بالاتفاق المبرم بينهما و تنفيذها بنداً بتداً مصداقاً لكلمة الرئيس عمر حسن احمد البشير في مدينة جوبا في يوم تشييع الشهيد الدكتور جون قرنق ديميبور .. كما يقع سلفاكير ميارديت الوفاء بماو تعهد به في خطابه لاحقاً ... و علي القائد سلفاكير الالتزام بالعمل الجاد و المخلص لجعل شعار الحركة الشعبية لتحرير السودان ( السودان الجديد ) حقيقة وواقعاً ..
الابيض
31 / 8 / 2005م
رسالة مفتوحتة الي
السيد / النائب الاول لرئيس الجمهورية / سلفاكير ميارديت
مزيداً من الصبر لأجل الوطن ...
**********************************
بقلم / ايليا أرومي كوكو
سيدي النائب الاول لرئيس الجمهورية لاشك ان هناك صعوبات جمة قابلتكم وتقفت في طريقكم و انتم تنفذون اتفاقية السلام الشامل علي أرض الواقع .. و لاشك ايضاً انكم في خلال السنتين الماضيتين من عمر حكومة الوحدة الوطنية و الشراكة التي تجمع بينكم و المؤتمر الوطني قد تمكنتم من انجاز الكثير من بنود اتفاقية السلام .. و بالتأكيد ان ما تم و تحقق عمل و مكاسب و مكتسبات للطرفين و للسودان ليس بالامر الساهل البسيط الذي يمكن الايستهانة به ابداً ..أن الاتفاقية تكتنفها العثرات و لكنها ماضية في طريقها نحو تحقيق أهدافها الكبري و رغم كل التبأطوء و التماطل و التسويف و ربما بعض المعاكسات و المشاكسات و احياناً و الخروقات و التصادمات .. و لكن يمكن بأي حال من الاحوال يلقي باللوم و الاتهام كله علي المؤتمر الوطني كما لايمكن تيبرأة ساحة الحركة الشعبية تماماً من بعض الانات ...
و ليس هذا مجالاً للمحاكمة و التبرئة و لكنها فرصة للمراجعة و التقييم و من ثم اخذ المبادرة للمضي قدماً نحو تنفيذ بنود اتفاقية نيقاشا للسلام في السودان...
و التباطوء او التعنت و المراوغة ليست اسباباً كافية ابداً تجعل أي من الطرفين ان يفكر مجرد التفكير ناهيك عن التصريح بفض الشراكة او الخروج منها ... انكم بذلك تعطون من تسمونهم بال ( قلة فاعلة و مؤثرة ) انكم تعطونهم علي كأس من ذهب فرصة الانقضاض علي السودان كله و ادخاله في النفق المظلم الذي لايمكن التنبوء بما سيحدث فيه من فوضي عارمه و السودان في غني عن الدخول الي المجهول ... فلا تعطوا لتلك القلة مهما كانت فاعلة او مؤثرة لا تعطوهم الفرصة لتحقيق بغيتهم في تدمير السودان او ارجاعه الي المربع الاول أي ما قبل نيفاشا .. فنيفاشا التي رسمت خارطة الطريق للمأذق السوداني كله و لا يمكن مراهنته بأي فئة مؤثرة هنا او هناك مهما كان قوة تأثيرها فالاتفاقية واضحة و صريحة جداً و لا مجال فيها لآي فئة ان تخترقها او ان تنال منها مثقال زرة ...
سيدي النائب الاول ان بنود السلام الموقعة بينكم و المؤتمر الوطني هي مرتبطة بالجداول و الفترات الزمنية و محكومة ومقيدة وواجبة التنفيذ و علي الطرفين الالتزام بما جاء بمسودة الاتفاقية نصاً وروحاً كما تقولون ... و مع هذا كله فأن أي تأخير زمني او محاولة للتراجع او التملص من أي طرف من الاطراف لا يعني ابداً وصول الاتفاقية الي الطريق المسدود ... فهل كنتم تتوقعون بأن طريق السلام سيكون ممهداً و سالكاً و مفروشاً بالورد و الزهر و الحرير كما يقولون ... دعك من تنفيذ الاتفاقية علي أرض الواقع و ما تصحبه من مشاكل و عثرات .. كم استغرق التفاوض من مدة حتي وصل الي النهاية التي وقعت فيها هذا الاتفاق الناضج ؟ فبين العام 1983م الي العام 2005م كانت هنالك الكثير من المبادرات و احياناً الاتفاقيات... تبادل رجال كثيرين الكراسي و المواقع في التفاوض و جابت المشكلة السودانية الكثير من مدن و عواصم العالم .. كانت كلها مراحل للتبلور و الاسباك و الانضاج لاخراج طبق نيفاشا بشكلة الذي تم التوافق فيه بينكم لانتشال السودان من دوامة و دورة الحروب و الاقتتال ...
سيدي النائب الاول لرئيس الجمهورية ان المشكلات العالقة التي ترون انكم وصلتم فيها الي الطريق المسدود ... و المتمثلة في مشكلة أبيي و ترسيم الحدود و انسحاب الجيوش شمالاً و جنوباً ... هذه المشكلات قد نتفق في انها مشاكل كبيرة جداً .. و لكنها يا سيدي لايمكن ان تصل بكم الي مرحلة البوح والاعلان بفض الشراكة او بالاعلان بالعودة الي الحرب من جديد ... قد تكون هذه واحد من الاساليب او الوسائل التي تلجأون اليها للضغط علي شريككم في الحكم المؤتمر الوطني لتليين مواقفه ، و لكن هل تسمح بأن اقول لك بأنها مناورات غير جيدة بحق الوطن و هي خصم علي كل مستقبل السودان ... فأنتم بذلك تشجعون الانفصالين من الجانبيين حتي يتحقق مأربهم قبل المدة التي حددتها الاتفاقية .. فالعام 2011 م لا يزال علي بعد اربعة اعوام و قد مضي من عمر الاتفاقية عامين فقط ... ان السنوات التي امامكم تحتاج الي وفقتك و صبركم و صمودكم و مثابرتكم فلماذا العجلة التي نخشي ان يكون نتائجها هو حصاد الندم و صفق الاكف حيث لا ينفع ..!
السيد النائب الاول ان ملف مشكلة دارفور هو ملفكم الذي يتطلب وقفتكم الجادة لحلها فكيف ستمسكون بهذا الملف بعد تفضية الشراكة ... ان التزامكم الادبي تجاه أهل دارفور و مشكلتهم تلزمكم بمزيد من الصبر و قوة التحمل و نكران بعض الذات الجنوبية ... كما ان مشكلة السودان كله هو ايضاً من مسئوليتكم لانكم النائب الاول لرئيس السودان و صلاحيتكم في نصوص اتفاقية السلام هي صلاحيات كاملة تعادل صلاحيات السيد رئيس الجمهورية المشير/ عمر احمد حسن البشير ... فلا يجوز ابداً ان تقول وانت النائب الاول( اننا لا نزال مواطنين من الدرجة الرابعة ) نعم ان الاحباط موجود و لكن يجب ان لا تستسلم لها حتي تصل بك الي مرحلة اليأس و التشأم و ربما القنوط و الجحود .
السيد النائب الاول لرئيس السودان نذكرك بأن كل الاطراف السودانية لا تزال بأنتظاركم ... المهمشين في الشمال البعيد كما كان الراحل جون قرنق يحب ان يسميها ... شرق السودان جبال النوبة و الانقسنا وسط المهمش ايضاً كردفان كلها ملفات بأنتظاركم بتصفحها .. كلهم كانوا بأنتظار زيارتك لهم في مناطقهم لتبث فيهم روح السودان الجديد الذي ظل جون قرنق سلفك ينادي به حتي الرمق الاخير ..
السيد النائب الاول لقد استبشر الجميع خيراً عندما صرح السيد / ياسر سعيد عرمان رئيس قطاع الشمال بأنك ستزور كل الولايات الشمالية بعد عيد الفطر المبارك ... ان الجميع بأنتظارك علي أحر من الجمر فقط لتذكرهم بأن السودان الجديد لم يمت مع الدكتور جون قرنق .. الجميع تواقين لسماع شيئاً منك عن الوحدة الجاذبة و أمكانيته و لو للأربعة اعوام القادمة ... كما انهم بحاجة الي سماع من فمك ما قاله وظل يكرره بالتأكيد السيد / رئيس الجمهورية ان لا عودة مرة ثانية الي الحرب .. انها امنيات متواضعة جداً و هي مقدور عليك فعلها حتي يطمأن الجميع في هذا الاجواء السودانية الملبدة بأنعدام الثقة بين الشريكين و بالتالي فأن هذه تنعكس علي كل الشعب السوداني بأساً و حزن و يأس ...
السيد النائب الاول لرئيس الجمهورية / سلفاكير ميارديت نرجو و نأمل ان تكون التغييرات الاخير التي احدثتموها في حكومتكم حكومة جنوب السودان . ان تكون لصالح مجمل مشكلة السودان و حكومة الوحدة الوطنية و لصالح الشراكة بينكم و المؤتمر الوطني ... ما نأمله هو ان يكون فترة أقامتكم بالقصر الجمهوري اطول نسبياً من الفترة الماضية التي كانت جلها بجوبا عاصمتكم ... و لاشك ان ترتيبات المرحلة ماضية كانت تتطلب وجودكم لاطول فترة ممكنه ... و ما لا شك فيه ايضاً هو ان بعدكم عن الخرطوم و عن القصر الجمهوري هو السبب الاول و الرئيسي الذي يجعل ( القلة الفاعلة المؤثرة ) في المؤتمر الوطني اجعلها طول غيابكم عن موقع التشاور و اتخاذ القرار تجربة محاولة اللعب بذيلكم فهل تعطوهم الفرصة لنيل مأربهم بهذه السهولة ..
دمتم سيدي النائب الاول لرئيس الجمهورية و دام السودان في وحدة وسلام و استقرار و نماء و ازدهار ...
و المجد لله في الاعالي و علي الارض السلام و بالناس المسرة ..
ايليا أرومي كوكو
الابيض
6 / 10 / 2007م
السيده / ربيكا
و عامين من غياب الاسد ...
*************
بقلم / ايليا أرومي كوكو
كان رحيل الدكتور جون قرنق رحيلاً مفاجئاً و استثنائياً لانه جاء في الوقت الذي تعلقت به قلوب كل الشعب السوداني .. و كان صدمة كبيرة لجميع الذين كانوا يتطلعون الي التغيير في الحياة و السياسة السودانية ... و كانت الصدمة الكبري ، هي صدمة كل المهمشين في السودان من الغبش المتطلعين الي الحياة الكريمة الشريفة الحياة الافضل .. و لكن الرياح أتت بما لم يكن في الحسبان فخابت كل الظنون و دخل الشعب السوداني في دوامة من الحزن و اليأس و فقدان الأمل الكبير الذي كان ينتظره بشوق حار ..
و في تلك الايام العصيبة ايام الحادث المشؤم أطلت السيدة ربيكا بصلابة تهدي الخواطر و تعزي الشعب في الفقد الجلل .. وقد تعزي الشعب السوداني كثيراً و هو يشاهد و يستمع الي المرأة الحديدية ماما ربيكا و هي تهزم احزانها الخاصة وتتغلب علي الدموعها بشجاعة و بسالة نادرة وجودها حتي عند الرجال الابطال .. اجتازت ربيكا و هي تمسك الشعب السوداني بيدها اليمني لتعبر به بحور الاحزان و اليأس و الانهزام الانكسار.. قالت ربيكا وقتها بأن الحادث هو نتيجة لقضاء الله و قدره و طلبت من شعبها الصبر و الصمود و تخطي المرحلة بنفس روح العزيمة و الاصرار التي تحلي بها الراحل ...
و ها هي المرأة ربيكا ذاتها و بعد عامين من الرحيل تطل من جديد هذه المرة ليس من جوبا و لكن من نيروبي و من خلال شاشة التلفزيون الكيني لتقول من هناك بأن زوجها مات مقتولاً و ليس قضاءاً و قدرا .. ها هي ربيكا ترفع التهمة عن الطبيعة و الاحوال المناخية السيئة و تأكد بأنهما بريئتان من دم زوجها برائة الذب من دم أبن يعقوب ... و للمكان و الزمان الذين اختارتهما ربيكا بعناية أهمية كبري في الخطوات التي ستسلكها اللبوة ربيكا في سبيل قاتل الاسد قرنق..
فيا تري ماذا ستفعل اللبوة في مقبل الايام ؟
دعنا ان لا نسبق الاحداث فالايام وحدها كفيلة بأظهار الحقائق و نبش القبور لتوضيح الامور و تبين الغموض .
و بمناسبة الذكري الثانية لرحيل الزعيم التاريخي للحركة الشعبية لتحرير السودان و التصريحات الاخيرة التي ادلت بها ماما ربيكا في نيروبي .. فالذاكرة تعود بالمرء الي تلك اللحظات المشحونة بالعواطف الجياشة عندما كانت ماما ربيكا ملهمة للكثيرين بكارزميتها .. فقد عبر الكثيرين شعراً و نثراً عن شخصية ماما ربيكا المرأة الحديدية .. وعلي ما اذكر فقد كونت الحركة الشعبية لتحرير السودان لجنة لجمع كل الكتابات الشعرية و النثرية التي كتبت عن ماما ربيكا لطباعتها في كتاب تكريماً لهذه المرأة الزوجة و الام الشجاعة القوية الصابرة و تقديراً لثباتها و قوة مواقفها ..
و قد حفزتني ماما ربيكا و قتها لأكتب عنها و عن زوجها القائد الدكتور/ جون قرنق دميبور . هذا الرجل الرقم الكبير الذي ضاع ليضيع معه كل الحسابات التي بناها عليه الشعب السوداني بكل طيفه ..
و هذا هذا ما كتبته عن ماما ربيكا و هي وقفتها الصلبة امام التابوت لتلقي النظرة الاخيرة علي جثمان زوجها بساحة الكنيسة الاسقفية بجوبا قبيل مواراته الثري في التلة المقام عليها مبني المجلس التشريعي لحكومة جنوب السودان حيث يرقد الاسد في سلام هناك ...
المرأة الحديدة
( ربيكا )
علم ينا يا ربيكا كيف يكون الثبات و الصمود عند المصائب و المحن
علمينا يا ربيكا كيف يكون حبس الدموع في لحظة الاسي و الوهن
كنت يا ربيكا شمعتنا المضيئة لما صار الدنيا في عيونا ضلمه
كنت لبلادنا العزاء و الرجاء لما حل في وطنا الخير الفجيعه
لما راح بطل السلام كنا فاقدين الامل و رحنا في دنيا الضياع
جئت أنت يا ربيكا جبت للناس اليقين جئت أنت رجعت للناس الأمل
لما قلت الناس بموتوا بس بيبقي أفكارهم الحية باقية ما بتفوت معاهم
لما قلت قرنق مات و يبقي السلام الجابو لينا ذكري حيه ما بتموت
يا ربيكا علمينا كيف يكون الصبر فينا لما نفقد شخصيتنا العبقريه
يا ربيكا علمينا لذة الحلم الجميل بكره يكبر يبقي واقع و حقيقة
*****
و لان وراء كل رجل عظيم أمرأة . فقد كانت ربيكا هي نلك المرأة العظيمة التي وقفت بجوار هذا الرجل العظيم في كل الظروف الصعبة التي عاشوها معاً .. و بلا أدني فأن لمأزوتها لزوجها الدور الكبير في القياد و توجيه دفة الامور حرباً و سلماً.. جاءت كلمة المرأة السودانية الحديدية ربيكا عقيلة الراحل شهيدنا جون قرنق ، كلمة المرأة الزوجة الثكلي المرأة الجريحة القلب و الفؤاد .. المرأة المكسورة الخاطر .. كلمة المرأة الام الحنونة الحزينة التي تحمل في أحضانها كل احزان أسرتها التي فقدت الاب و العائل .. كلمة ربيكا حواء السودان التي ناضلت و جاهدت لأجل انصاف قضية المرأة السودانية و المرأة الافريقية و كل نساء العالم الثالث من اللآئي تتشابه قضاياهن قضية المرأة السودانية ...
ربيكا قرنق القوية الصلبة وقفت في يوم النكبة السودانية الكبري تعزي جميع السودانيين في يوم مصابهم الكبير .. فاستطاعت ان تتفوق علي نفسها و ذاتها في يوم اعلان نبأ رحيل زوجها ... استطاعت أن تتسامي علي جراحاتها و تعلو علي احزانها الشخصية و العائلية .. قدرت ربيكا المرأة المناضلة أن تحبس دموعها لتمسح بيديها الحنونتين كل احزان السودانين .. استطاعت أن توجه رسالتها القوية تحرض فيه كل افراد شعبها و تدعوهم بالصبر و المثابرة .. و قد وجدنا جميعنا في كلمتها العزاء و السلوي .. كانت رسالة الام ربيكا في يوم وداعها الاخير لزوجها رسالة للشعب السوداني بنصرة قضية السلام السوداني و عدم التراجع عن مواصلة المشوار الذي سلكه الدكتور جون قرنق .. طالبت ربيكا الحكومة و الحركة الشعبية علي حد سواء بأن يكونوا عند عهدهم للراحل و السير في خط الاتفاقية التي وقعوها في نيفاشا بنيروبي كينيا .. حيث ان اتفاقية السلام السودانية ليست بأتفاقية قرنق او البشير و لكنها ملك لكل الشعب السوداني .. و طالبتهم بعدم التراخي في تنفيذ بنودها بل بالتقدم في تنفيذها بنداً بنداً .. و أكدت بأن زوجها سيرقد في سلام طالما الجميع سيسيرون قدما و تحقيق ما أتفق عليه بلا نكوص للعهود او تراجع عن المواثيق ..
تكلمت ربيكا عن زوجها الذي يرقد أمامها قائلة :- أنني فخورة و معتزة جداً بهذا الرجل الجاثم امامي الان جثة . كنت فخورة به و هو حي يمشي بين الناس بهيبة و جلال و سأظل فخورة به و هو ميت لأنني أعلم علم اليقين بأن الرجال العظماء لايموتون .. نعم أن أرواحهم تفارق ابدانهم كسائر بني البشر و يبقي الفرق بينهم و سائر الناس هو ان الرجال الزعماء العظماء العلماء المفكرين هم من الذين يصنعون التاريخ و يقررون في مصير شعوبهم بأفكارهم الجليلة و دأبهبهم و صبرهم .. و أحسب أن جون قرنق كان واحداً من هؤلاء الرجال الافذاذ الذين سيخلدهم التاريخ ... ان افكار جون قرنق سيتبقي حية بين شعبه تتحدث عنه و تخبر الاجيال عن كفاحة لأجلهم ... ستبقي المباديئ و القيم الجميلة التي ناضل لأجلها قرنق باقية ما بقيت الذاكرة الانسانية حية متقدة ... لقد مات قرنق الرجل المفكر الحكيم و ستبقي افكاره لتثري حياة الشعب السوداني .. ستبقي المبادئ و القيم التي عاش لأجلها البلسم الشافي لجراح المغلوبين و المهمشين في بلادي .. و هي التي ستبني عليها العدالة بين الناس برد حقوقهم المسلوبة و تحقيق الكفاية في المعيشة الكريمة لكل السودانيين علي حد سواء .. حارب قرنق الرجل و الزوج و الاب حتي تنعم المرأة بحقوقها كاملة غير منقوصة فينعم الاطفال بالصحة و العافية و العلم و العيش الكريم ...
فأن جاز لي أن أذهب بعيداً الي ما وراء الكلمات القوية الواضحة المعزية التي خاطبت بها ربيكا الشعب السوداني الذي تابع خطابها بحرص و اهتمام كبيرين كما تابع لحظات مراسم تشيع الراحل جون قرنق بمدينة جوبا لحظة بلحظه .. فأنني استطيع أن أقرأ من خلال كلماتها الموجهة الي كل من السيد / عمر حسن احمد البشير رئيس الجمهورية و السيد نائبة الاول الفريق سلفا كير ميارديت خلف الدكتور / جون فرنق دميبيور.. تكلمت و هي تشير اليهما بيدها اليمني قائلة :- يجب عليكم بأن تعطوا الاولوية القصوي لقضايا المرأة السودانية .. لانها أي المرأة تشكل العمود الفقري في هيكل بناء السودان الجديد الذي نادي به قرنق .. فجون قرنق لم يسقط من برنامجه قضايا الامومة و الطفولة بل كانت دائما في صلب افكاره و حاضرة بقوة في الاجندة التي ظل يكافح لآجل تحقيقها و أرساء قواعدها المتينة ... فالسودان الجديد سوف لن يكتب له كتاب في الحياة و البقاء و الاطفال لا يذهبون الي الندارس و لا يجدون الرعاية الصحية الكاملة الشافية ..
و سيظل السودان هو نفسه السودان القديم رجل افريقيا المريض حتي يتم نقل المدن الي الريف .. و نظرية قرنق القائمة علي تمدين الريف تقوم علي فلسفة بسيطة جداً .. و الفلسفة هو ان يكون في كل الريف السوداني مقومات الحياة الانسانية الاساسية .. ان يتم توفير المياه الصالحة للشرب في كل قرية و ضاحية و فريق .. و ان يكون في الريف مستشفيات و عيادات صحية يوجد بداخلها الاطباء و يتوفر فيها الدواء و العلاج .. أن ينعم تلاميذ المدارس في اطراف السودان بالتعليم الحكومي المنتظم المستقر معلماً و كتاباً و فصول الدراسة و الواسائل الخاصة بالعملية التعليمية و التربوية .. ان تتوفر للاجيال القادمة البيئة المناسبة للتعلم . و ان تصل الخدمات الاساسية الاخري الي كل الريف السوداني الكهرباء و الطرق المعبدة و وسائل الانتاج المختلفة المدعومة من الدولة ... و السودان الجديد لابد ان يعمل جاهداً حتي تتحقق هذه المكاسب للريف و ينعم بلادنا بالسلام و الاستقرار ..
و عندما تقول ربيكا بالصوت العالي القوي بمحاربة الفساد لان زوجها الراحل كان لا يحب الفساد بل يكره و يبغضه .. عندما تقول ربيكا بأن قرنق كان من المحاربين الشجعان للفساد فأنها أي ربيكا تضرب وتراً حساساً جداً ان لم تكن قد لمست و تحسست الورم الخبيث .. انها بكل شجاعة تذكر الحلفاء و الخلفاء بأن الفساد هو أس البلاء.. البلاء الذي يعاني منه كل البلدان النامية و السودان غير مستثني من هذا الداء العضال الذي يعطل نماء و تقدمالدول التي أصيبت به .. الفساد هو سوس الاقتصاد الذي ينخر في عافية و مقدارات الامم الاقتصادية و الانمائية و تفشلها و تقعدها عن التقدم و الازدهار .... و الدول الفاشلة هي تلك الدول التي تنتشر فيها الفساد (( حيث تذهب كل خيرات البلاد و مواردها الي جيوب فئة معينة من الناس بينما يبقي السواد الاعظم من الشعب تحت خط الفقر .. و عندما تقول الدراسات و البحوث بأن اكثر من 96% من الشعب السوداني هم تحت خط الفقر فأن مسئولية الحكومة القادمة التي تتحالف فيها المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية لتحرير السودان ستكون مسئولية كبيرة جداً حتي يتمكنوا من ردم الهوة السحيقة التي تفصل بين أل 4% من الذين يتنعمون و يترفهون بكل شيئ و ال 96% من الذين يسفون الترب .. و أحداث يوم الاثنين ليست ببعيدة عن الاذهان ... فتلك الاحداث لم تكن بين الجنوبين المسيحيين و الشماليين المسلمين كما ذهب الكثيرون زوراً و بهتاناً و أفكاً ليجافوا الحقيقة الواضحة .. و كل الذين ذهبوا الي هذا القول هم مكابرون ارادوا فقط صب الزيت علي نار الفتنة .. و أنني اصدق قول من حللوا تلك الاحداث و حصروها في الابعاد الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية .. أن تلك الاحداث التي وصفها البعض بثورة المحرومين و غضب الجياع . هي في الحقيقة انتفاضة الفقراء من الشماسة و المشردين الذين أهملتهم الدولة السودانية ردهاً من الزمان ..و الجوع كافر كما يقولون . و ليت الذي بأيديهم مفاتيح الحل و الربط يعملون علي محاربته .. و يقول الصحابي الجليل علي بن ابي طالب لو كان الفقر رجلاً لقتلته . و الفقر في هذا العصر هم رجال كثيرين بطلهم الفساد فمن يقتله حتي يتراجع خط الفقر و ينهزم . فلماذا لا تحارب الحكومة السودانية ظواهر الجوع و الفقر و الحرمان حتي تتفادي نتائجها الوخيمة حاضراً و مستقبلاً ..
كما ذكرت السيدة / ربيكا في كلمتها المجتمع الدولي بدعم الاتفاقية و الالتزام بالوقوف مع السلام لانهم أي المجتمع الدولي اساس في تحقيقه و هم شركاء في استدامته بالسند المادي و المعنوي و بالمتابعة و الاستمرار في حث الاطراف للسير قدماً ... فقد كان للمجتمع الدولي اليد الطويلة في تحقيق السلام و توقيع الاتفاقية ذلك من خلال الضغوط التي مورست علي كلا الطرفين و حملهم علي تقديم التنازلات الكبير و التراجع عن بعض الثوابت لاجل السلام .. طلبت ربيكا من المجتمع الدولي الوفاء بالوعود التي قطعتها علي نفسها في مؤتمر اسلو بالنرويج لدعم مسيرة السلام و التنمية في السودان .. و ذلك لان السلام في السودان سوف لن يتحقق بدون هذا الدعم الدولي المادي .. و قد شاهد العالم أجمع الكرم الحاتمي الفياض الذي تكرمت به الدول و منظمات الامم المتحدة للسودان في أسلو .. و الان و بعد مضي أكثر من ثماني أشهر من توقيع اتفاقية السلام السودانية لا يزال الشعب السوداني في جنوب السودان و جبال النوبة و النيل الازرق و كل الاطراف السودانية المهمشة ينتظرون قطف ثمار الاتفاقية تنمية علي ارض الواقع في مناطقهم و رخاء ينعكس في بدن الشعب و عافيته بعد معاناته مع الحروب الممتدة ...
علي الحكومة السودانية القادمة ان تبادر و ان لا تنتظر الامم المتحدة و منظماتها المختلفة .. علي حكومة الوحدة الوطنية القادمة ان تحكم علي الفقر في السودان بالاعدام ، و عليها بتنفيذ هذا الحكم فوراً ... عليها بمحاربة الجوع بالوفرة الحقيقة و ليس بما يسمي سنابل الخير التي لا خير فيها ..و عليها بأزالة أفة الحرمان و ان تعيد للانسان السوداني كرامته المهانة ... بهذا فقط تكرم حكومةالوحدة الوطنية الرجل قرنق لا ن هذا هو أقل القليل الذي كان يطمح الي تحقيقه بعد نضال دام لعقدين من الزمان ... هذا هو النهج الذي خطه بالكفاح و رسمه أحرفاً مضيئة بدمه ... فدم جون فرنق سوف لن يذهب هدراً و لكنه سيصير ماءاً يروي الحقول و خبزاً يشبع الجياع ... سيكون لبناً للاطفال الصغار من المحرومين المشردين في كل الريف السوداني و مدنه ... هذه هي الكلمات التي قرأتها ما وراء سطور خطاب المرأة الحديدية ربيكا قرنق في يوم النشيع المهيب بساحة الكنيسة الاسقفية بمدينة جوبا عاصمة جنوب السودان و عروسة الجنوب ... و فد حرصت ربيكا أيضاً علي تقديم نجلها الاكبر في كلمة وجيزة . مذكرة الحضور بأن للاسد اشبال كأنها تريد ان تقول لهم ان قرنق الاب قد مات و لكن الساحة السودانية سوف لن تخلو من الذين سيحملون أسم قرنق ...
ايليا أرومي كوكو
الابيض
31 / 8 / 2005 م
ملحوظة :-
( هذه عودة بالذاكرة الي ما خطة قلمي في يوم تشيع الراحل الدكتور الدكتور جون قرنق.. عن المرأة القوية ربيكا و قد اسميتها وقتها كما الكثيرين بالمرأة الحديدية .. و قفت وقتها ربيكاوقفتها الشهيرة بجوار الشعب السوداني المنكوب و استطاعت تعزيه و تعبر به تلك المرحلة ... فهل ستجد الست ربيكا اليوم من يقف معها كشفاً لحقيقة موت زوجها .. أن اللبوة ستعيش في مقبل الايام اسواء ايام حياتها ان لم يقف بجوارها رجال شجعان مستعدين لمواجهة الحقيقة المرة ... حقيقة الذين كانوا يقفون وراء مصرع و قتل الاسد .. )
24 / 8 / 2007 م
الدكتور / لام اكول أجاوين
هل يغرد خارج السرب ... ( 1 )
******************
بقلم / ايليا أرومي كوكو
لقد ظل السيد/ وزير خارجية السودان في حكومة الوحدة الوطنية السيد لام اكول اجاوين طيلة العامين الماضين من عمر حكومة الشراكة بين المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية لتحرير السودان .. ظل الرجل مكان جدل لا ينقطع فالحركة الشعبية و هي الجهة التي افرزته لهذا المنصب غير راضية عنه بالمطلق بل هي تتوجس منه و تشتم فيه رائحة المؤتمر الوطني كما تري في رأسه طاقية المؤتمرالوطني و ليس برنيطة الحركة الشعبية .. فعند كل همس عن تغير في وزراء حكومة الوحدة الوطنية الاتحادية يتبوأ الرجل قائمة وزراء الحركة الشعبية الذين سيغادرون مواقعهم غير مأسوف عليه .. كما ان الرجل ظل يشكل اهم اجندة مجالس الحركة الشعبية الدورية في جوبا التي تناقش فيها ادائها العام و اداء وزرائها الاتحاديين و اداء حكومة الجنوب .. فهو دائما محل جدال و نقاش حاد وشد و جذب بين الرفاق في برلمان الجنوب .. هذا من جانب اما في الجانب الاخر او في الاتجاه المعاكس ( المؤتمر الوطني ) فللرجل حظ كبير و مكانتة عظيمة تصل الي حد المدح و الاطراء و الاشادة و هو يوصف في كثير من الاحيان بالتميز في الاداء ضمن سائر الوزراء الاتحاديين .. و قد تكون هذه واحدة من مشاكل الرجل مع الجهة التي ينتسب اليها او مشاكلة مع الذين يتطلعون الي الموقع الذي يحتله الرجل بدون استحقاق حسب وجهة نظرهم ...
لست ادري كم مرة تململ الدكتور الراحل / جون قرنق في قبره حيث يرقد بسلام .. و لا اعرف عدد المرات التي صفق فيها بكلتا يديه ضارباً كفاً بكف مندهشاً و هو يتابع من هناك مجريات الاحداث السياسية في الساحة السودانية التي خلت من كارزميته بعد غيبته الابدية .. تلك الساحة التي ظل الرجل يشغلها و يشكل في ابعادها المحور و المركز لاكثر من عقدين من الزمان .. و لان هناك هوة عميقة جداً تفصلنا عن الرجل الراحل المقيم ... فنحن الاحياء اكثر عجزاً من الاموات الاخيار من الذين تعلقت أمالهم بحياتهم ليتبدد احلامهم بموته المأساوي ...و هؤلاء الرجال النادرين من امثال الدكتور جون قرنق يموتون و بدفنهم تندفن معهم خفاياهم و اسرارهم ... أنهم يأخذون معهم كل المفاتيح فتكون ابوابهم جميعها موصدة بأحكام تقف دونهم و الاشقياء المعذبين في الارض ..
و لانه ليس بمقدورنا الذهاب الي هناك لمقابلة الدكتور جزن قرنق و محاورته لاستطلاع رأيه عن اتفاقية السلام التي وقعها في نيروبي قبل عام كامل من الزمان ... تلك الاتفاقية التي شهدها العالم بأسره . و حضر مراسم توقيعها أعلي الهيئات الدولية و منظماتها المختلفة متمثلة في الشخصيات العالمية الرفيعة المستويات كما شرفها بالحضور المهيب عظماء افريقيا و قاداتها و جالات دولها الكبار ... و كل الوان الطيف السوداني القبلي و الجهوي و الديني و الطائفي من صوفي اسلامي و ارثودكسي و بروتستاني ... خف الجميع و تقاطروا الي نيروبي ليشهدوا لحظة توقيع الاتفاقية حضوراً بشحمهم و لحمهم ... هؤلاء هم الذين مكنتهم ظروفهم من الذهاب الي نيروبي ... كما شارك جميع السودانين و بالاخص الناس الغبش من المهمشين و المغلوبين علي امرهم شاركوا في متابعة حفل توقيع اتفاقية السلام عبر الفضائيات العالمية و عبر التلفزيون السوداني و راديو هنا أم درمان ... و اخرين شاركوا بتلقي الاخبار سماعاً من الشارع السوداني الذي يتحدي كل وسائل الاعلام المرئية و المسموعة و المقروءة في نقل الاخبار و سرعة نشرها .. الشارع السوداني المشهور بالشراهة في التعاطي مع الاحداث و تحليلها و نقدها بخياله الخصب مع اضافة بعضاً من الشمار و البهار من التوم و الفلفل و هذه كافيه لجعل طازجة حتي لو كان شائعة تحمل في طيأنها الكوارث .. فقد قال الشارع السوداني العريض في يوم من الايام بأن جون فرنق سيموت او سيقتل او يغتال في ظروف تشابه ظروف موت كل من الشهداء الزبير محمد صالح و رفاقه و ايضاً موت العقيد شمس الدين و رفاقه .. او ستكون موته كموت الكثيرن من الذين لا يعرفهم الشارع السوداني و لكن تنسب اسباب موتهم الي مجهول . و سيبقي موت الكثيرين من السودانيين مجهولاً حتي الي ما شاء الله.
أما عن رأي الراحل المقيم الدكتور / جون قرنق ( الاسد الذي ترك العرين و فارق حياة الغابات و الاحراش بلا رجعة رأي الرجل الذي ترك القصر دون ان يستريح فيه لو قليلاً ) لو سألنا الرجل جون قرنق عن رأيه في شخصية ضيفنا عبر هذا المقال الدكتور / لام اكول أجاوين . و لان هذا صار مستحيلاً لعوامل الزمن و المكان .. فلسنا في حاجة الي أرهاق الخيال و ارهاق الفكر و الذهن كثيراً لان في استطاعتنا تكليف انفسنا فقط ببعض مشقات السفرلبضعة ايام او اسابيع قلائل قد تمتدد الي اكثر من ذلك بقدر ما تسمح به البيروقرطية و الروتين الخاصة بتحديدالمواعيد الرسمية في عاصمة الجنوب جوبا و السماح لنا بمقابلة ماما ربيكا .. و ماما ربيكا كما كان يحلو للبعض منا ان يسميها في ايام محنتها و ايام الشدة التي علمتنا فيها كيف تكون الصلابة و الصمود و الصبر عند الشدئد و الكرب و الاحن .. فقد وصفت ماما ربيكا زوجها و هو جسد هامد مسجي امامها بلا نفس و بدون روح بالاسد الذي تهابه و يخاف منه كل حيوانات الغابة الاليفة من و الوحشية .. و ماما ربيكا التي اطلقت علي نفسها كناية باللبوة زوجة الاسد .. فقد ارادت بذلك ان تقطع الطريق امام بعض سكان الغابة من الذين لاحت في وجوههم علامات و اسارير الفرح ، تلك العلامات كشفت ما في دواخلهم من الفرح و الانشراح التي صعبت عليهم كتمانها بموت الاسد .. لان ربيكا قالت كل شي في يوم تشيع و دفن الاسد فقد كفتنا مشقة السفر الي جوبا و تكاليفها الباهظة و وفرت علينا مصاريف المبيت في فنادق جوبا لانها تعرف و تقدر ظروفنا جيداً .. قالت ماما ربيكا اليوم اذا رأيتم الاسد الجاسم امامي في رقدته الاخيرة فلا تفرحوا و لا تبتهجوا بخلو الغابة لكم ... و عليكم ان تنتظروا لبعض الوقت لتروا ماذاستفعل اللبوة .... !!
فهل كان الدكتور لام اول اجاوين سليل رث الشلك واحداً من الذين بانت علي ثغورهم الابتسامة و انفرجت في وجوههم علامات الفرح البائنة في اجواء الاحزان و الدموع و البكاء و النحيب التي عمت وقتها القري و الحضر .. فعندما نعي الناعي نبأ موت القائد السوداني المخضرم و الزعيم الافريقي الكبير بكاه الكثيرين من اعماق قلوبهم كما فرح بموته الكثيرين ايضاً . فالدكتور لام اكول الذي كان محاضراً في علوم الكيمياء بكلية الهندسة جامعة الخرطوم في منتصف ثمانينات القرن الماضي كان ايضاً واحدأً من الذين سطع نجمهم في عالم السياسة السودانية في عهد الديمقراطية الثالثة ... فبجانب المحاضرات الكيميائية التي كان يأمها طلاب الهندسة كان الدكتور يحاضر ايضاً في السياسة السودانية في منتديات الجامعات السودانية . تلك الجامعات التي كانت لا تتعدي في عددها اصابع اليد الواحد كماً كما كانت تنافس الجامعات العالمية نوعاً .. ( جامعة الخرطوم في زمانها و عهدها و جامعة ام درمان الاسلامية و جامعة القاهرة فرع الخرطوم بالاضافة الي جامعة الجزيرة و جامعة جوبا ) و كانت الجبهة الاسلامية في أوج نضارتها و هي في المعارضة تخرج الناس الي الشوارع و تسيرهم في مسيراتها و مواكبها المليونية تحت شعار انا السودان ... و كانت الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان ايضاً في قمة انتصاراتها تغزو المدن و القري و تحتلها و بالتأكيد لا يزال الكثيرين يتذكرون قيسان و الكرمك و اخواتها من كاجو كاجي و يأي و غيرها ... و كانت الساحات تعلو بنداءات الجهاد من خلال الجبهة الاسلامية المعارضة في تلكم الايام الخوالي ...
و في خضم تلك الاجواء المستعرة بالنيران في جنوب السودان و النيل الازرق و جبال النوبة فقد الكلام السياسي المعسول معناه كما فقد الذين يتكلمون بالسياسة لمعانهم و بريقهم .. لان الجدل السياسي في السودان كان قد انتهي الي ما يشبه الجدل البيزنطي كما يقولون .. و تعرض الدكتور لام اكول في شخصه الي بعض المضايقات التي انتهت بالاتهامات و الاستجوابات و السين و الجيم التي اوصلتهالي المخافر و ما ورائها ... فتسلل الدكتور في يوم من تلك الايام السودانية الملتهبة او قل تسلل في ليلة من ليالي الخرطوم المظلمة بكثرة انقطاعات التيار الكهربائي .. تسلل الدكتور خفية من ردهات القاعات الدراسية و دهاليز كلية الهندسة تاركاً ورائه المنتديات السياسية التي صارت كلام سياسه و بالتالي كلام جرايد ترك فضلء الخرطوم السياسي ورائه حيث ساحات المعارك بالالفاظ السياسية التي يتداولها الطلاب و من يحاضرونهم في اركان النقاش الجامعية و الميادين العامة في الاحياء الشعبية الائية في الحاج يوسف و أم بده ...
ذهب الدكتور الشاب الي غابات جنوب السودان و دخل الادغال و الاحراش الاستوائية .. و هناك حيث يتجاور الانسان و هو قابع في مسكنه مع الوحوش الضارية و يقيم البني ادم داخل جدران بيته مع الثعابين السامة القاتلة .. الي هناك وصل استاذنا الكبير المحاضر بأعرق الجامعات السودانية و اشهرها علي نطاق افريقيا و العالم العربي .. وصل و كان يحمل بين جوانحه طموحاته الكبيرة و يخفي في اعماق باطنه اطماع لا يمكن سبر غورها كما كانت في نفسه شهوة لا تقاوم تغذية رغبة مندفعة الي الصعود السريع الي أعلي قمة الهرم القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان .. و لان منفستو الحركة الشعبية و لائحة تنظيمها هي في الاصل عسكرية بحته و بالتالي تخضع في تقيمها للافراد المنتسبين اليها بحسب الاقدمية العسكرية قبل النظر الي الشهادات الجاميعة .. كما ان تأكيد الولاء و الانتماء الي الحركة الشعبية يتطلب فترة زمنية للتقييم و التمحيص و الاختبارو شي من غسل الدماغ ... و لان تنظيم الحركة الشعبية لتحرير السودان لا يختلف و لا يشذ كثيراً في تركيبته عن القاعدة السائدة في جميع التنظيمات السودانية الحزبية و الطائفية و الحركية التي تؤمن ايماناً منقطع النظير بقيادة الرجل الواحد فهي دائماً لا تحتمل طموحات المنافسين الجدد بل تعمل علي قمع كل طموحاتها و اطماعها في مهدها .. و لماذا نذهب بعيداً و لنا في المشير عمر احمد حسن البشير و شيخه حسن عبدالله الترابي نموذجاً في تصادم يعبر تعبيراً بليغاً عن صراع الاجيال و تصادمها في شتي النواحي القيادية في السودان .. فقد صرح البشير عند اشتدد الصراع بينه و شيخه صرح قائلاً ( ان مركب الانقاذ لا يمكن الابحار بها الي شاطي الامان برأسين ) و قد تغدي الحوار بشيخه قبل ان تغرق المركب بكلايهما .. ذلك لانه و مجموعة فريقه كانوا من التلاميذ النجباء فقد تعلم الدرس جيداً عندما ارسله الشيخ الي القصر و ذهب هو الي السجن في الثلاثين من يونيو العام 1989 م و تلك حكاية أخري ..
و مركب الحركة الشعبية لتحرير السودان لم تكن في يوم من الايام اكثر اتساعاً من سفينة ثورة الانقاذ الوطني حتي يسمح بتنافس شخصين علي دفة قيادتها ... و بالتالي لم تكن تحتمل قائدين في آن واحد منذ تاريخ نشأتها الاولي في العام 1983م .. فأبن رث الشلك المفطور علي نزعة حب السلطة والقيادة اراد القفز بالزانة قفزة واحدة تجلسه علي عرش الحركة الشعبية لتحرير السودان و قد كان هذا من المستحيلات لدي زعامة الحركة الشعبية التقليدية . و لان قمة الزعامة في الحركة الشعبية لتحرير السودان كانت عصية جداً علي كل من حاول التطاول عليها او سولت لهم رغباتهم بمجرد التفكير فيها .. و كل الذين ارادوها جهراً اخذتهم قبل ان ينالوا منها او يصلوا الي عتباتها .. و قد يسأل البعض في خجل و استحياء عن المصير الذي انتهي اليه القادة الاوائل من الضباط و صف ا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.