مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    الأمل عطبرة يودع الممتاز رسميا رغم التعادل أمام المريخ    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غرباً باتجاه الشرق


[email protected]
-----------------------------
(1)
قبل سنوات التقى إعلامي عربي طريد العدالة الأمريكية، الدكتور أيمن الظواهري، في مجاهل أفغانستان، وحاوره. من الكلمات التي وردت على لسان الظواهري، ثم علقت بذهني، عبارة يقول فيها الإرهابي العالمي - أو المجاهد الكبير - حسبما يكون موقفك: (أحس أحياناً بأنني عشت في هذه الدنيا أكثر مما ينبغي)! ومثل الظواهري أصبح ينتابني مؤخراً ذات الإحساس، بأنني عشت في هذه الدنيا أكثر من اللازم. يبدو لي أن مثل هذا الإحساس يغمر المرء في حالات معينة. منها أن تعيد أحداث الحياة نفسها أمام ناظريه، فتتكرر ذات المشاهد والوقائع، بتفصيلاتها وجزئياتها، لكأنه يشاهد فيلما سينمائياً، ثم يعود ليشاهد ذات الفيلم السينمائي مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وهكذا!
(2)
عندما كنت في مدارج المرحلة المتوسطة، في مدينة عطبرة، كانت أفلام السينما تمثل شيئاً محورياً في حياتي، وحياة لداتي من الصبيان. ولكن هناك شيء واحد اختلفت فيه أنا عن غالب أصحابي. وهو أنني لا أشاهد الفيلم الواحد مرتين. بينما كانت عادة مشاهدة الفيلم عدة مرات رائجة، تكاد تكون الأصل، وعداها الاستثناء. أذكر أن بعض زملاء المدرسة المتوسطة خلال السبعينات كانوا يشاهدون الأفلام الهندية الشهيرة مثل "جانوار"، و"تسري منزل"، و"سانجاي"، ويلعب دور البطولة فيها جميعاً الممثل شامي كابور، نحواً من عشرين مرة. وكان زميلي الطالب كمال شاويش، شقيق الفنان المعروف أحمد شاويش، يحفظ جميع أغنيات فيلم "جانوار"، وبصفة خاصة أغنية "ميري محبة"، ويغنيها باللغة الهندية، بصوت جميل ومؤثر، تماماً مثل مؤديها الهندي، وربما أفضل منه! الفيلم الوحيد الذي شاهدته مرتين في حياتي كلها هو فيلم "ذهب مع الريح"، عن الرواية الشهيرة لمارغريت ميتشل، وهو الفيلم الذي احتل المرتبة الرابعة في قائمة أكاديمية السينما الأمريكية لأفضل أفلام القرن العشرين. وقد كان هناك سبب قوي لمشاهدتي ذلك الفيلم مرتين، ليس هذا أوان تفصيله.
(3)
معايشة الحدث الواحد أكثر من مرة تخلف عندي شعوراً مريراً بالضيق والملل. ذات الشيء بالنسبة لأفلام السينما، ينطبق عندي على الحادثات والوقائع السياسية الكبرى التي عاصرتها على امتداد حياتي. فإذا تكررت الحادثات والوقائع وتكررت معايشتي لها طالني الهم والغم من فوري، وأصابني الكدر والضجر وبلغا من نفسي كل مبلغ. ويخيل اليّ، والله تعالى أعلم، أن الدكتور أيمن الظواهري كان يشير الى شيء من ذلك عندما قال بأنه يشعر أحياناً بأنه عاش في هذه الدنيا أكثر مما ينبغي. وقد كان الرجل يتحدث وهو يبدي ضيقه من أن القضايا التي تواجهها أمة الإسلام ما تنفك تراوح مكانها عبر العصور والحقب، وإنه يحس بأن القضايا المطروحة لا تتجدد وإنما تدور في مدارها كحجر الرحى.
(4)
قرأت صباح اليوم خبراً أبرزته عدة صحف مصرية محتواه أن ثمانية أحزاب وأربع عشرة حركة سياسية اجتمعت على تنظيم تظاهرة مليونية يوم الجمعة الثامن من يوليو بميدان التحرير بالقاهرة، للمطالبة ب(تطهير) الجهاز التنفيذي للدولة، وعلى رأسه وزارة الداخلية، من (المفسدين) وفلول (الثورة المضادة). وعن الثورة المضادة وفلولها في مصر حدّث ولا حرج. ثوار مصر لا يكفون عن الدعوة الى إعمال سيف التطهير وسرعة التنفيذ لمطلب إقالة فلول الثورة المضادة من أجهزة الدولة والخدمة العامة والقوات النظامية!
(5)
لم أكن على شيء من الوعي عندما اندلعت ثورة أكتوبر 1964م في السودان. ولكنني حضرت بالتأكيد جانباً من "فيلم" التطهير" وعزل فلول الثورة المضادة. كيف لا، ونشيد الفنان محمد وردي، ما يزال صداه يجلجل في الآذان: (هتف الشعب من أعماقه.. التطهير واجب وطني). وهو الشعار الشهير الذي كان اليسار السوداني قد أطلقه في الشارع فصار حداءً في شفاه الجماهير. وقد قرأت في وقت لاحق مذكرات الأستاذ شوقي ملاسي، ووقفت على جانب من أهوال معركة "التطهير" عقب أكتوبر 1964م، وتنقية صفوف الثورة من فلول العناصر المضادة. وفهمت من المذكرات أن فيلم التطهير لم يكن من إنتاج وإخراج الشيوعيين وحدهم، كما وقر في أذهاننا ردحاً من الزمان. بل إن جماعة الإخوان المسلمين التي يحدثنا التاريخ أن لقائدها الدكتور حسن الترابي باعٌ طويل في صناعة الانتفاضة الأكتوبرية، كانت لها يدٌ طولى في عزل كثيرين وفصلهم من وظائفهم تحت دعاوى حماية الثورة. وما هي إلا أعوام قلائل حتى ذهبت السَّكرة وجاءت الفكرة، فعضَّ الثوار على أصابعهم، وندموا الندامة الكبرى، إذ تبين لهم أن صنيعهم الأهوج بتسريح بعض قادة وكوادر الخدمة المدنية والنظامية قد أفقد البلاد في واقع الأمر نفراً من أكفأ وأفضل وأكرم القادة والكادرات!
(6)
وعندما اندلعت (ثورة مايو الظافرة) كتب الله لأهل السودان أن يدخلوا مرة أخرى الى "دار الخيالة"، وهو اسم صالة عرض الأفلام السينمائية في الفصحى العربية. وقد عرف السودانيون شعار التطهير ونداءات عزل فلول الثورة المضادة عند مطالع العهد المايوي في أفضل وأدق صوره، شعاراً وممارسة. ومن الحق أن العصبية المايوية في مواجهة "فلول الثورة المضادة" كانت ناصلة من كل عقل، منفلتة عن كل عقال. وليس أدل على ذلك من طبيعة الشعارات الهوجاء والهتافات الشيطانية التي كانت تأتينا هادرة من حناجر الجماهير: (لا تهاون بل بالهاون). والهاون - أعزك الله - مدفع عرفته الجيوش عهدذاك، يقال إنه من أكثر المدافع هتكاً وفتكاً!
وقد كانت مايو عند حسن ظن جماهيرها بها، فضربت الخدمة المدنية والقوات النظامية ب"الهاون". كان أهل اليسار آنذاك هم أصحاب الشعار ومهندسو التطبيق بغير جدال، فأفرغت الخدمة المدنية والقوات المسلحة والقوات النظامية تحت رايات التطهير وعزل فلول الثورة المضادة. كانت الأسماء تذاع تباعاً من إذاعة أم درمان، تسبقها وتعقبها المارشات العسكرية. وأذكر انني سمعت بنفسي - والأسرة كلها تتحلق حول المذياع - أسماء أحد أخوالي، وأسماء بعض كبار موظفي السكة الحديد ممن كان والدي يعرفهم ويقدرهم حق قدرهم بحكم زمالته إياهم. وأذكر أيضاً أنني كنت أُجهد عقلي، وأنا في تلك السن الباكرة، بكثير من التفكر والتأمل حول معنى ومغزى أن يكون فلان أو علان، من هؤلاء الذين تعرفت على أسمائهم في قوائم التطهير، واحداً من "فلول" الثورة المضادة. من هم هؤلاء الفلول؟ وكيف يكون الإنسان فلولاً، أو قل واحداً من الفلول؟! وقدّرت بيني وبين نفسي أن هناك نمطاً بعينه من النشاط الإنساني، يجعل من بعض الناس "فلولا". ولا بد أن يكون ذلك النشاط مما تجري فعالياته في السر، كتعاطي الكحول، أو تدخين الحشيش، أو مراودة النساء سيئات السمعة عن أنفسهن!
كان المغفور له محجوب الماحي، من معارف والدي، وأحد قيادات مصلحة السكة الحديد، واحداً من هؤلاء الفلول الذين أطاح بهم سيف التطهير السياسي المايوي. عرفت في مرحلة لاحقة أن من آيات "فلولية" عمنا محجوب أنه كان من قيادات الحزب الاتحادي الديمقراطي في عطبرة. وعندما انتقلت للإقامة بحي المنشية بالخرطوم في بداية التسعينات كان المرحوم جاراً لي. وكنت في بعض الأحيان أوصله بسيارتي الى داخل المدينة. وفي الطريق كان يهرج في أذني هرجاً، يحمل على نظام العصبة المنقذة بعنف لا هوادة فيه. وكنت أقول له: يا عم محجوب، ألا يكفيك انك كنت من فلول الثورة المضادة في مايو. تريد الآن أن تكون من فلول الثورة المضادة في يونيو أيضاً؟! رحم الله عمنا محجوب وأثابه الجنة عن حبه للسودان وشعبه، ذلك الحب الذي ملك عليه نفسه من أقطارها، فما استطاع من أسر السياسة فكاكاً.
(7)
بيد أن الذي لا خلاف عليه هو أن اوسكار التطهير وإزاحة "فلول الثورة المضادة" في تاريخ السودان يذهب بغير جدال الى العصبة المنقذة، ونظامها الذي فرضته على الشعب صبيحة الثلاثين من يونيو 1989م. وقد كتب الله عليّ أن أكون حاضراً ومشاهداً لذلك الفيلم "الهندي" الإسلاموي وأنا أتوهط مقعداً وثيراً في المقصورة التي كنا نطلق عليها في دور السينما "اللوج". كانت القوائم تأتي في أوراق فلوسكاب، يأتي بها أشخاص مختلفون الى مكتب وزير الرئاسة الحديدي المقدم (آنذاك) الطيب إبراهيم محمد خير. من بين هؤلاء كان الدكتور عوض الجاز، ولم يكن في أول الأمر قد تولى الوزارة واستقوى بألقابها ) لعله من علم الكافة في يوم الناس هذا ان المغفور له مجذوب الخليفة كان هو الشخص الذي اسندت له العصبة المنقذة مهمة الاشراف علي وضع و انفاذ مشروع اخلاء الخدمة المدنية من فلول الثورة المضادة واحلال كوادر الجبهة الاسلامية مكانهم، برغم انه قضي الشهر الاول من حكم الانقاذ حبيسا علي ذات نسق الحبس الترابي الاحترازي الماكر). كانت القوائم تذهب بعد ذاك الى مكتب المشرف الإداري مختار علي مختار، فيجلس هو وموظفوه ليطبعوها على الطابعات، وينسخون عشرات النسخ بعد ذلك على آلات الرونيو. ثم يقومون بإرسالها على جناح السرعة الى الوحدات الحكومية المعنية.
كنت في كل مرة أطلب لنفسي نسخة، ثم أجلس لأطالع الأسماء: يا سلام! يا سلام؟؟ معقول؟ هذا اسم ابن عمتي السفير عبد المجيد علي حسن، وهذا اسم زوجة خالي، الدكتورة ماجدة محمد أحمد علي، وتلك أسماء أقربائي الآخرين فلان وعلان. يا للعجب. لم أكن أعلم أنني أنتمي الى أسرة مكتظة الى هذا الحد بفلول الثورة المضادة. بعد أشهر قليلة عرفت أنني أنا نفسي، خلافاً لما ظننت، أنتمي أيضاً ودون وعيٍ مني ل(فلول) الثورة المضادة، وذلك عندما تسلمت بيدي قرار رئيس مجلس قيادة الثورة رقم 1341 لسنة 1990م الذي عزلني من موقعي الوظيفي برئاسة مجلس الوزراء!
وكنت قد كتبت في أكتوبر 2007م مقالاً بعنوان: (مفصولون لوجه الله: تأملات في فقه التمكين)، تطرقت فيه الى قضية تصفية "الثورات" في السودان لأعدائها المفترضين، فى اطار مساعيها لحماية وتوطيد الانجازات الثورية. وعندما وصلت متسلسلاً عبر تجارب التاريخ السوداني الى تجربة العصبة المنقذة في ممارسة "التطهير" والإطاحة ب"فلول الثورة المضادة"، عقب انقلاب 1989 كتبت: ((غير أن فكرة إحالة موظفي الدولة للصالح العام شهدت في عهد الإنقاذ تطوراً نوعياً مذهلاً من وجهة التنظير، وتفاحشاً كمياً طاغياً على صعيد التطبيق. ذلك أن العصبة المنقذة أتت الى السلطة بنظرية فقهية متكاملة هي نظرية التمكين (والذين إن مکّناهم في الأرض...). وهي نظرية ثقيلة ذات حمولة دينية عالية. فلأول مرة في تاريخ السودان أصبح الفصل للصالح العام عبادة يتقرب بها الحاكمون الى الله زلفى، وقد كانت قبل ذلك صراعاً على حرث الدنيا وعصبيات السياسة. ومن أبرز ملامح التمكين، نظراً وتطبيقاً، أنها تتصف بالشمول النطاقي حيث إن مجال سريانها، بخلاف كل تجارب الماضي، لا يقتصر على أجهزة الخدمة العامة والقوات النظامية، بل تتسع مظلتها أفقياً لتغطي كل الأصعدة والمناشط المعاشية وغير المعاشية للأفراد والجماعات من اقتصاد وتجارة وثقافة ورياضة وتنظيم أهلي.
واستثناءً من العديد من أجندة الثورة المنقذة التي اتَّسمت في بداياتها بالضبابية والتغبيش المتعمد، فقد كان الوضوح المطلق صفة لازمة لفقه التمكين فقد جاءت إشاراتها ونذاراتها مع شعاع الفجر. وكان أصرح تعبير عنها هو ما جاء على لسان أحد القيادات التاريخية للحركة الإسلامية (الأستاذ أحمد عبد الرحمن محمد) حيث أدلى بتصريح لصحيفة (ظلال) في أول بدايات عهد الإنقاذ جعلت منه الصحيفة مانشيتها الرئيسي: (التمكين العسكري والمدني لا يكفي، لا بد من التمكين الاقتصادي)! وفي التطبيق فقد اتَّسق الإخلاء المنظم لأجهزة وهياكل الخدمة المدنية والقوات النظامية من ساكنيها من فلول الثورة المضادة، وإحلال سكان جدد، من كوادر الجبهة الإسلامية مكانهم، بهدف السيطرة على مالية الدولة ووسائل الإعلام وأجهزة الخدمات ومؤسسات القمع المادي، مع الإجلاء الممنهج لكبار التجار ورجال الأعمال من مواقعهم الاقتصادية والتجارية بغرض تمكين عناصر الكيان السياسي الإسلامي الحاكم من السيطرة على مفاتيح التجارة الداخلية والخارجية)).
(8)
وأنا اليوم أشفق على المحروسة وأهلها من النداءات المتشنجة التي تلح على تطبيق شعار التطهير، وتطالب بغير هوادة بعزل فلول الثورة المضادة وإزاحتها من مواقعها المكتسبة في الحياة العامة. أكثر ما في الأمر خطراً ومدعاة للقلق هو أن كل فريق من فرق الثورة يملك اليوم ويشهر قوائم عريضة بأسماء المظنون بانتمائهم الى معسكر فلول الثورة المضادة، والمتعاونين افتراضاً مع أجهزة الأمن المباركي. ونحن نعلم أن هذه الفرق الثائرة قد انشطرت وتشظت حتى بلغ عددها نحواً من سبعين فرقة، يحمل معظمها أسماء من شاكلة: "ائتلاف" الثورة، و"تحالف" الثورة، و"تجمع" الثورة.. الخ! ولو أخذ المجلس الأعلى للقوات المسلحة بهذه القوائم وأنفذ مطالب الثوار بشأنها لما بقيَ في أجهزة الدولة وميادين الحياة العامة الا وجه ربك.
يعيد المشهد كله الى ذاكرتي أحداث ما بعد انتفاضة السادس من أبريل 1985م، حين تكاثرت القوائم التي أعدتها الجماعات المختلفة مشتملةً على أسماء فلول المايويين والمتعاونين مع جهاز أمن النظام السابق. فكنت تقرأ مئات الأسماء تدخل وتخرج من هذه القوائم كل يوم. والجماعات التي تصدر هذه القوائم ترابط في قلب دار أساتذة جامعة الخرطوم وأمامه ومن حوله، تطالب حكومة الانتفاضة التي لم يكن قد تم تأليفها بعد، بالفعل السريع الناجز، والتحرك الفوري لضرب فلول النظام المدحور، وتنقية صفوف الحياة العامة من شرورهم. وبقدر ما أشاعت تلك الجماعات الثائرة من قلق وتوجس في مبتدأ أمرها في نفوس الحادبين وأهل النهى، فقد انتهى أمرها في خاتمة المطاف الى أن أصبحت بين الناس هزوءاً، بعد أن استبان أمرها فإذا بها، هي ومطالبها الهوجاء، وأفعالها الشنعاء عبثٌ محض، وخطلٌ ما بعده خطل.
(9)
من أطرف ذكريات أيام الهياج الثوري تلك، أن جماعة ثائرة أصدرت، تفضلاً منها، قائمةً بأسماء الصحافيين من فلول المتعاونين مع جهاز الأمن المايوي، وجمعت في تلك القائمة الشامي والمغربي، والهندي والصيني، وحشدت كل اسم خطر لها أن تحشده. حملت القائمة، ضمن عشرات آخرين، اسم الصحافي المعروف أحمد البلال الطيب، وقد جاء اسمه مسبوقاً برتبة العميد. كما حملت أيضاً اسم الصحافي المخضرم نورالدين مدني بعد ان تكرمت عليه برتبة المقدم. وذلك مع أن المعروف أن المدنيين المتعاونين مع أجهزة الأمن لا ينالون رتباً، إذ إن الرتب ينالها فقط الضباط النظاميون.
ما علينا. ما يهمنا هو رد فعل الصحافي المخضرم نورالدين مدني. الذي غضب غضباً شديداً وثار ثورة مضرية. ولكن غضبته وثورته لم تكن ذات صلة بمبدأ اتهامه بالتعاون مع أجهزة الأمن، وإنما كان هاجسه الوحيد هو رتبة المقدم التي منحت له، في وقت ظهر فيه اسم أحمد البلال الطيب برتبة العميد. كتب نورالدين مقالاً ضافياً تناول فيه بالعرض خبراته العريضة التي تؤازرها سنوات خدمته في مجال الخدمة الاجتماعية والعمل الصحافي، ومؤهلاته العلمية الرفيعة. وقارنها بمؤهلات وخبرات وسنوات خدمة رصيفه أحمد البلال الطيب. ثم عبر بأقوى الكلمات عن احتجاجه الشديد واستنكاره لكون الجماعة الثائرة وضعت البلال في رتبة العميد بينما وضعته هو في رتبة المقدم. وطالب بتخفيض صاحبه، وترفيعه هو الى الدرجة اللائقة. وأعلن أنه لا يمانع بعد ذلك من أن ينشر اسمه كمتعاون مع جميع الأجهزة الأمنية والاستخبارية في العالم!
(10)
الذي يقرأ القوائم السوداء التي ما فتئت تصدرها جماعات ائتلاف الثورة والمجموعات الشبابية الثائرة في مصر هذه الأيام، مشتملة على أسماء عدد من الشخصيات العامة من مختلف القطاعات السياسية والثقافية والفنية يحس بأن التاريخ الذي شاهدناه وعايشنا فصوله هنا فى سودان الثورات والانتفاضات، يعيد نفسه هناك في مصر المحروسة، صفحةً صفحة، وسطراً سطرا. وان ذات الافلام الاستعراضية التراجيكوميدية التي شاهدناها قبل ربع قرن، يعاد عرضها هذه الأيام في دار خيالة ميدان التحرير بالقاهرة!
نصوص خارج السياق
(يا أبا الأبطال كيف تجهل السُلاف؟ تقول العرب إن السُلاف هو أول ما يعصر من العنب، أو الذي يسيل منه قبل أن يُعصر، لذا سُلاف الخمر هو أولها والجيّد منها، وسالِفة الحصان هي ما تقدّم من عنقه بحسب لسان العرب. والسُلاف في معناها العام تعني خُلاصة الشيء وعُصارته وزبدته. هذا عن الأشياء القابلة للعصر. كذلك يجوز الاستخدام المعنوي الذي لا يخلو من شاعرية، كما جاء في رائعة الشاعر السوداني عثمان خالد "يا سُلافة الفن ولهفة البتمنّى/ يا هدية من الله والله بدي الجنة" التي صدحت بها بلابل السودان زمن الزمن زين. فسُلافة الفن هي خُلاصته كله. الحقيقة أنا فكرة الاسم جاتني وأنا بسمع في سلافة الفن دي ذاتها، اخترت سُلاف بدلاً عن سُلافة لأنه نادر في أوساط الأهل والمعارف، والندرة فيما علمت من المعايير المستحبّة في تخيّر الأسماء. لكن لمن بحثت في قوقل عن معنى الكلمة عثرت على سلاف السورية التي تعنيها، على كل حال أنا خياري جاء مستقلاً عنها.
أنا كنت داير أسمّي البت دي على اسم والدتي الحاجة بنونة أبو العاص محمد على وفاءً وعرفاناً بٍإسهامها الكبير في مسيرتنا الحياتية والتعليمية. فقد نشأنا في وسط قروي متراخٍ وقليل الحماس تجاه التعليم، لكن بفضلها وفضل مثابرتها وتنازلاتها الكثيرة عن مطامع النسوان السودانيات، مكّنت الحاج صديق من اٍرسالنا جميعاً للجامعات ولدين وأربع بنات بتعليم جامعي وما فوقه. المهم يا زول الحاجة شكرتني على هذه المبادرة والتقدير لكنها ردته وطلبت مني بحزم أن أسمي البنت على "اسم ناس زمنها" كما قالت. هذا عهدنا بها ثقيلة عن المغنم وخفيفة عند المغرم. قرار الحاجة هذا نزل برداً وسلاماً على كثير من الأصدقاء الحداثيين الذي طلبوا هذا المطلب من قبل وعاندتهم. بالنسبة لمبادرتكم الكريمة، أنت وصديقنا محمد عثمان إبراهيم، بتسجيل المولودة سلاف وضمها الى قطاع الأطفال في حزبكم، حزب الزبادي والجنبري، فمبروكة عليكم يا أخي. تتربى في عز الزبادي والجمبري الوطني إن شاء الله. كفاية علينا نحن من ملاواة الحكومات. تمنياتي لصغيرتي سُلاف وكل بنات وأبناء جيلها بحياة كريمة في وطن شامخ وعزيز وتحت ظل حكومات رشيدة تدخر للناس أشياء أفضل من الفقر والبمبان والقنابل).
مجتزأ من رسالة إلكترونية ضمن مراسلات خاصة مع الصديق الأستاذ أبوبكر صديق محمد صالح، طالب الدكتوراه بجامعة استوكهولم بالسويد، الذي رزقه الله مؤخراً بمولودة جميلة، جعلها الله قرة لأعين والديها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.