الدولار يبلغ رقما قياسيا جديدا في السودان مسجلا 77 جنيها    رفع جلسات التفاوض بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة لشهر    مجلس الوزراء يُوجِّه بترشيد الإنفاق الحكومي    البرهان إلى (سوتشي) للمشاركة بالقمة الروسية الإفريقية    (الترويكا) تدعو أطراف جنوب السودان إلى الالتزام بموعد تكوين الحكومة    هوامش على دفتر ثورة أكتوبر .. بقلم: عبدالله علقم    مينا مُوحد السعرين!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    تاور: الوثيقة الدستورية تمثل المرجعية للفترة الانتقالية    “قوى التغيير” تعلن عن برنامج لإسقاط والي نهر النيل    "دائرة الأبالسة" تفوز بجائزة الطيب صالح    تراجع كبير في أسعار مواد البناء بسوق السجانة    لماذا شنت تركيا عملية في سوريا؟    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    مُتطرف يقتحم جناح محمود محمد طه بمعرض الكتاب الدولي ويُمزق الكتب    رئيس وزراء السودان: الحكومة الانتقالية تواجه عقبات وعوائق (متعمدة)    حديقة العشاق- توفيق صالح جبريل والكابلي .. بقلم: عبدالله الشقليني    كرتلة عائشة الفلاتية: من يكسب الساعة الجوفيال: محمد عبد الله الريح .. بقلم: د. عبدالله علي إبراهيم    استئناف عمليات الملاحة النهرية بين السودان ودولة جنوب السودان    الشرطة: وفاة مواطن تعرض للضرب أثناء التحري    موضي الهاجري .. ذاكرة اليمن الباذخة .. بقلم: عواطف عبداللطيف    جمارك مطار الخرطوم تضبط ذهباً مُهرباً داخل "علبة دواء" وحذاء سيدة    ولاء البوشي تعلن فتح بلاغٍ في نيابة الفساد ضد عدد من المؤسسات    السلامة على الطرق في السودان .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي    وزير الخارجية الألماني: الغزو التركي لشمال سوريا لا يتوافق مع القانون الدولي    موسكو تدعو واشنطن وأنقرة للتعاون لرفع مستوى الأمن في سوريا    الرئيس الإيراني يهاجم السعودية وإسرائيل        واشنطن تفكر بنقل الرؤوس النووية من قاعدة إنجرليك التركية    إضراب لتجار نيالا بسبب الضرائب    السعودية تطرق أبواب قطاع النفط والكهرباء بالسودان    ابرز عناوين الصحف الرياضية المحلية الصادرة اليوم الاثنين 21 أكتوبر 2019م    مؤتمر صحفي مهم للجنة المنتخبات ظهر الْيَوْم    طبيب المريخ : كشفنا خالي من الإصابات باستثناء الغربال    عبد العزيز بركة ساكن : معرض الخرطوم للكتاب… هل من جديد؟    تاور: الولاة العسكريون عبروا بالبلاد لبر الأمان    "السيادي" يدعو للصبر على الحكومة الانتقالية    تدوين بلاغات في تجاوزات بالمدينة الرياضية    لا هلال ولا مريخ ولا منتخب يستحق .. بقلم: كمال الهِدي    "ستموت فى العشرين" يشارك في أيام "قرطاج"    من الإصدارات الجديدة في معرض الخرطوم: كتاب الترابي والصوفية في السودان:    هيئة علماء "الفسوة"! .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    قتلى في تشيلي والاحتجاجات تتحدى الطوارئ    محاكمة البشير.. ما خفي أعظم    مهران ماهر : البرنامج الإسعافي للحكومة الانتقالية (منكر) ويجب مقاومته    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    في ضرورة تفعيل آليات مكافحه الغلاء .. بقلم: د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    مصادر: توقف بث قناة (الشروق) على نايل سات    وفاة وإصابة (50) في حادث مروري جنوب الأبيض    وفاة 21 شخصاً وجرح 29 في حادث مروري جنوب الأبيض    حجي جابر يفوز بجائزة كتارا للرواية    إصابات ب"حمى الوادي المتصدع"في نهر النيل    لجان مقاومة: وفاة 8 أشخاص بحمى الشيكونغونيا بكسلا    بيان هام من قوات الدعم السريع يوضح أسباب ودواعى تواجدها في الولايات والخرطوم حتى الان    ايقاف المذيعة...!        استهداف 80 ألفاً بالتحصين ضد الكوليرا بالنيل الأزرق    حملة للتطعيم ضد الحمى الصفراء بالشمالية بالثلاثاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ملخص مساهمة الدكتورة ميادة سوار الدهب في منتدي الدوحة
نشر في سودانيات يوم 06 - 10 - 2012


( حريات )
ملخص مساهمة الدكتورة ميادة سوار الدهب رئيسة الحزب الديمقراطي الليبرالي في منتدى الدوحة التفاكري الثاني حول الأزمة السودانية – ديسمبر 2012
.....................
الديمقراطية والنظام الدستوري
الديمقراطية :
نرى إن الخروج من الأزمة السودانية نموذج دولة المواطنة الديمقراطية والذي يعني إن السودان ينبغي إن يحكم علي أساس ديمقراطي، قائم على التعددية السياسية و الثقافية والدينية، كخيار أمثل لتداول السلطة سلمياً. ويعمل على ترسيخ الممارسة الديمقراطية داخل كافة قوى المجتمع، ولا يتأتى هذا إلا بقيام مؤسسات ديمقراطية مكتملة، وقيامها على المبادئ الحاكمة التالية:
تقوم الدولة السودانية كجمهورية دستورية برلمانية، قائمة علي الفصل بين السلطات، والتداول الديمقراطي والسلمي للسلطة، ومبدأ الانتخاب العام، وضمان حقوق الفرد والمواطن، على ان يكون الشعب هو مصدر السلطات، وحقوق المواطن الفرد في الحياة والحرية والخصوصية والتملك والتطور حقوق أساسية تعلو علي حقوق المجتمع والدولة.
يقوم النظام القانوني للدولة السودانية علي المباديء العلمانية وفصل الدين عن الدولة، فالعلمانية لا تنفصل عن الديمقراطية بل هي لحمتها وسداها، وينهل التشريع القانوني من التراث القانوني السوداني الديمقراطي، وفي اتفاق تام مع المواثيق الدولية لحماية حقوق الإنسان والمواطن.
تمارس السلطة في السودان عن طريق الشعب عبر المؤسسات الدستورية، وتمارس سلطة السيادة عن طريق مجلس الرئاسة، ويمارس السلطة التنفيذية مجلس الوزراء الفيدرالي والحكومات الإقليمية، كما تمارس السلطة التشريعية عن طريق البرلمان الفيدرالي والبرلمانات الإقليمية، وتمارس الأجهزة القضائية السلطة القضائية في استقلال وحيدة عن السلطة التنفيذية..
لا يمكن أن تكتمل الديمقراطية دون الإصلاح المؤسسي والديمقراطي العميق في الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني؛ بحيث تكون مرجعيتها ديمقراطية لا شمولية؛ وبحيث تفصل الطائفة عن الحزب؛ والحزب عن الدولة؛ وبحيث تكون الأحزاب مدارس للممارسة الديمقراطية.
الدستور:
الدستور هو القانون الأساسي الذي يؤكد ويحمى قيمة المواطن ، كما هو الذي يكفل حقوق الأقليات العرفية والدينية ويضمن المساواة الكاملة أمام القانون وحق الممارسة الديمقراطية والحقوق السياسية، وقبل ذلك كله هو الذي يضمن حق الفرد في الحياة وحقه في التملك والعيش الكريم.
ولأن الدستور يكفل الحقوق الأساسية ويصون الحريات لكل أفراد الشعب السوداني بأطيافه المختلفة، لذا يكون من المحتم أن تكون صياغته مؤدية لهذا الغرض، وهذا بطبيعة الحال لا يتأتى إلا بوضع دستور يربط الناس بعقد المواطنة ويساويهم أمامه على اختلاف أديانهم ثقافاتهم وعاداتهم وأصلهم الاجتماعي ونوعهم الخ، بالفعل لا بالقول.
عليه وفقا لهذه الرؤية فأن الدستور الدائم والمتراضي عليه يفترض أن يقر:
إن دولة السودان دولة ديمقراطية برلمانية لا مركزية السيادة فيها للشعب والحكم فيها للقانون والمؤسسات المنتخبة.
يساوي الدستور بين المواطنين في كافة الحقوق والواجبات ويحرم الدستور اي تمييز ايأ كان نوعه أو شكله بين الرجال والنساء ويحرم أيضا التمييز بين الأقاليم المختلفة ويكفل الدستور الحماية الكاملة للحريات الشخصية للأفراد .
يكفل الدستور كل الحقوق الأساسية من حقوق سياسية واجتماعية وثقافية للمواطنين كما يكفل حقوق الأفراد والجماعات في التطور وحماية ثقافاتها وتطويرها.
يكفل الدستور للأفراد حرية العمل الاقتصادي في كل أوجه المجالات الاقتصادية والمالية وفقاً للقوانين التي تنظم شكل تلك الأعمال ، ينص الدستور صراحة على أن اقتصاد الدولة اقتصاد حر ولكنه أيضا ينص أن هناك هدفا اجتماعيا للاقتصاد.
يضمن الدستور حرية العمل السياسي والنشاط المدني للمواطنين ويمنع إنشاء وتكوين الأحزاب والمنظمات التي تتبنى شعارات الشمولية أو تجعل من العنف وسيلة من وسائل التغيير. كما يحرم أيضا قيام وإنشاء الأحزاب والمنظمات التي تطرح شعارات تقوم على التفرقة الدينية أو العنصرية أو تعمل على إزكاء روح العداء بين طبقات المجتمع وفئاته المختلفة.
يحرم الدستور الرق والسخرة والعمل غير المأجور والتجنيد الاجبارى ويجعل من الالتحاق بالقوات المسلحة حقا طوعياً اختيارياً لكل المواطنين السودانيين من نساء ورجال .
التشارك في الموارد والسلطة:
قضية التخلف والحاجة للتنمية المتوازنة والشاملة:
إن مشكلة السودان الأساسية هي في التخلف الاقتصادي وعدم استغلال الموارد المتاحة بالشكل الأقصى؛ لذلك يجب ان يكون تحقيق النمو الاقتصادي العالي واستغلال الموارد المتاحة هو أولى خطوات التشارك فيها؛ حيث لا يمكن تقسيم القليل وغير المستغل .. إذن القصة ليست فقط في اقتسام الثروة والموارد بل هي في تطوير الثروة والموارد في المقام الأول.
كما ان التنمية لا يمكن أن تكون محصورة مركزيا أو مدفوعة ربحيا فقط؛ كما كان تاريخيا في السودان وكما هو جار الآن؛ وإنما أن تقوم على مفهوم التنمية المتوازنة والشاملة ، وفي مقدمتها التنمية البشرية والاستثمار في المهارات. ويجب ويمكن للقيادة الراشدة أن تدمج آليات السوق مع سياسات تكفل العدالة الاجتماعية لأهل السودان ، أي تبني منهج “إقتصاد السوق الاجتماعي"، بما يشكل القاعدة الأساسية للاستقرار السياسي والسلام الشامل والدائم في السودان.
التنمية المتوازنة والمستدامة:
غياب التنمية المتوازنة والمستدامة سبب رئيسي في تفجر الصراعات الأهلية وتأخر السودان، لذا يجب العمل على تجسير الهوة بين الأقاليم المختلفة وبين القطاعين الحديث والتقليدي على أن تكون أولويات الموازنات المالية السنوية موجهة للتنمية والخدمات، مع اعتماد تكامل التخطيط القومي القاعدي والإقليمي والمحلي المرتكز على المشاركة الحقيقية للقواعد الشعبية كأداة أساسية لتحقيق التنمية المتوازنة والعادلة داخل كل ولاية، وبين الأقاليم المختلفة؛ وكذلك اتخاذ إجراءات تعزيزية لمصلحة المناطق والقطاعات الاجتماعية الأقل تنمية، مع التركيز على الاهتمام بالمناطق المتأثرة بالحرب وإعادة تأهيلها.
ونحتاج لتعزيز التنمية المتوازنة بتنفيذ خطط علمية لتنمية قدرات العنصر البشري، وذلك من خلال دعم مراكز التنمية البشرية في المناطق المختلفة ورفع كفاءة الأداء والتدريب، والاستفادة من عودة الخبراء والكوادر السودانية المنتشرة في العالم على أسس عادلة تضمن حقوقهم، مع ممارسة السياسات التفضيلية الضرائبية والمصرفية لتطوير الأقاليم والمناطق الأقل نموا.
تأهيل البنيات الأساسية:
في إطار قيام تنمية متوزانة يجب القيام بدراسات شاملة للبنيات التحتية القومية، تشمل الطرق والجسور وخطوط السكك الحديدية، ومرافق ومواعين النقل النهري والموانئ البحرية وآليات تشغيلها وإدارتها، والخزانات وقنوات الري العملاقة، ومحطات توليد الكهرباء مختلفة الأنواع. تهدف تلك الدراسات إلى وضع خطط لمواكبة احتياجات التنمية، ولتحديد الأسبقيات الإستراتيجية لترميم القائم من تلك البنيات وتشييد وإقامة مرافق جديدة للبنية الأساسية تقود السودان لمستقبل اقتصادي وتنموي أمثل.
في هذا الإطار نؤكد على أهمية إشراك مواطني المناطق المقام عليها هذه المشاريع في إجراء دراسات الجدوى وإقامة المشاريع التنموية أينما وجدت وفي ضمان حقوقهم من عوائدها وذلك قبل إجازتها وبدء التنفيذ فيها. كما يجب إجراء دراسات متأنية للتأكد من الجدوى التنموية للمشاريع المطروحة حاليا بوضع الأضرار الواقعة على الأهالي من جراء أقامتها في عين الاعتبار.
إستراتيجية إزالة الفقر:
هناك ضرورة لتبني إستراتيجية قومية لإزالة الفقر من خلال الاعتراف بأبعاده الاجتماعية، ومسبباته الاقتصادية، والتصدي لتطويقه ومعالجة جذور مسبباته عبر خطط تنموية واجتماعية ملائمة.
في هذا الإطار يجب أن تعمل السياسات الاقتصادية والتنموية على توجيه نصيب مقدر من الموارد والاستثمار للانحياز نحو القطاعات الفقيرة في المجتمع، وهذا يتطلب التوسع في الخدمات المصرفية لتمويل صغار المنتجين، وإقراض الأسر المنتجة في المناطق الريفية. وأن يتم ضمن العمل على وضع الخطوط العامة لتلك الاستراتيجية القومية وآليات تطبيقها.
الهامش والمركز
السودان كدولة مترامية الأطراف وكمكون اجتماعي- سياسي لعبت العلاقات القديمة والنهج الكولنيالي دورا أساسيا في تكوينه؛ تميز بالانقسام إلى هوامش ومركز. هذا التهميش يأخذ أشكالا متعددة فمنه التهميش السياسي (في شكل إبعاد قطاعات واسعة من المواطنين من مراكز القيادة) ومنه تهميش اجتماعي ومنه تهميش ثقافي ومنه تهميش عرقي الخ .
إن الحل الأساسي لقضية التهميش هو حل مؤسسي؛ وذلك بإقامة عقد سياسي جديد تقوم عليه الدولة السودانية؛ وابتدار خطط جبارة لتنمية الريف وتقليل الفوارق بين الأقاليم؛ وكذلك في إعادة تعريف الهويات السودانية المتعددة وإعادة الاعتبار الثقافي وتجاوز نهج التفوق الثقافي والعرقي المهيمن على النخب السياسية السودانية في أغلبيتها العظمى.
:هذا يقود لضرورة بناء الدولة السودانية على أساس لا مركزي واتخاذ الفيدرالية نظاما للحكم في السودان (Federal states) ، وتضمين ذلك في الدستور، ذلك أن تجارب الدولة المركزية السودانية قد أثبتت فشلها وأدت بالبلاد إلى الحرب والتشرذم، وكانت أحدى أدوات الإقصاء والتهميش للمواطنين.
وتشكل قضية تنمية الريف واحدة من وسائل القضاء على التهميش، في إطار تحقيق العدالة بين مواطني السودان وتثوير العلاقات الاجتماعية في البلاد وتمكين المواطنين من ألامساك بمصيرهم وتغيير واقعهم.في هذا الإطار تقترح الخطوات التالية لتحقيق التنمية الريفية. في هذا الصدد لا بد من إعداد استراتيجية متكاملة للتنمية الريفية تُكمِّل وتُفصِّل الخطوط العامة المطروحة في هذه الرؤية.
كما تشكل قضايا إعادة الاعتبار الثقافي أداة كبرى في إطار القضاء على التهميش، ونقصد بإعادة الاعتبار الثقافي الاعتراف الكامل والحقيقي بالمكون الأفريقي في الثقافات السودانية ؛ وإعادة الاعتبار للثقافات المحلية واحترامها وتطويرها والتعامل معها كعوامل غنى ووحدة لا عوامل فرقة ؛ وترك “الدغمسة" التي تقوم على فرض مكون ثقافي واحد على الشعوب السودانية؛ ومحاربة منهج المركزية العرقية والعنصرية الاجتماعية الثقافية السائد في مؤسسات الإعلام والثقافة السودانية الرسمية.
البديل والمساومة التاريخية
لا يكون البديل إلا مؤسسياً وبرامجياً؛ والبديل ليس شخصا أو حزبا أو تنظيما أو مجموعة تنظيمات حتى ، لأن السؤال الحقيقي ليس هو من يحكم السودان؛ بل كيف يحكم السودان؟ لهذا فإن البديل هو نهج جديد في التعاطي مع الأزمة السودانية؛ يركز على أسس الفشل التاريخية؛ التي ليس فشل نظام الإنقاذ إلا حلقة من حلقاتها؛ ونظام الإنقاذ لا يشكل إلا الوجه المتطرف لأحادية وفشل الدولة السودانية في التعامل مع مواطنيها.
بهذا المعنى لا يمكن أن تشكل القوى القديمة بديلا عن الأزمة ؛ لأنها أولا أحدى القوى التي تسببت في الأزمة السودانية ؛ ولأنها ثانيا لا تملك أي منهج مغاير لحكم السودان؛ ولأنها ثالثا عاجزة لأسباب بنيوية عن تقديم الأفكار الجديدة التي تشكل قوام البديل ( الإرث الطائفي أو القيود والارتهانات الأيدلوجية القديمة)
برنامج البديل في هذه اللحظة يتكون ويتبلور؛ وتلعب قصب السبق فيه القوى الثورية في الريف (مشروع السودان الجديد) والقوى الديمقراطية الحديثة في الحضر (المشروع الديمقراطي الليبرالي) وقوى الشباب والنساء الناهضة ( المطالبة بتغيير جذري في العلاقات الاجتماعية) وقوى المثقفين والتكنوقراط (والتي يمكن ان تشكل المساندة الفكرية والعلمية لتفصيل المشاريع البديلة في شكل مشاريع وبرامج تنفيذية وتقوم بقسط في تنزيلها على الأرض) .
في نفس الوقت تتشكل قوى البديل اجتماعيا ؛ وفي مقابل القوى القديمة التي تمترست حول وثيقة البديل الديمقراطي (التي رفضت المشاركة في السلطة لغير الموقعين عليها) ؛ تتناثر القوى الجديدة في تنظيمات مختلفة ؛ من بينها الجبهة الثورية السودانية (تحالف كاودا) والقوى الديمقراطية الحديثة ( اكبر تجمع لها هو تجمع القوى الديمقراطية الحديثة “توحد" الذي أتشرف أن أكون في قيادته) ؛ والقوى والحركات الشبابية المختلفة ؛ زائدا قطاعات المهنيين والمثقفين والتكنوقراط التي أشرت إليها؛ وأخيرا القوى الشبابية المتمردة في معسكر الحكم نفسه؛ إذا أفصحت عن نفسها وقطعت الحبل السري مع نظامها وخرجت عليه.
من جهة ثانية هناك بديل اسؤا يمكن أن يخرج وهو الحركات السلفية والمتطرفة المختلفة التي نشأت تحت حضن النظام ويمكن أن تخرج عليه أو تحاول فرض نفسها؛ ويمكن أن نعد اكبر ممثليها منبر السلام العادل للطيب مصطفى، ولكنه قطعا ليس أخطرها (هناك معلومات عن رفع علم القاعدة على السفارة الألمانية بعد حرقها في الأسبوع الماضي) .
هذا يفترض القيام بمصالحة تاريخية أو مساومة تاريخية تنقذ السودان من البدائل الاسؤا ومن الانهيار والتمزق؛ كما اقترح قبل أكثر من 13 عاماً الدكتور أبكر ادم إسماعيل؛ ونحن نرى هذه المساومة التاريخية في شكل حلف برامجي وسياسي بين الحركات الثورية في الريف والحركات الشبابية والديمقراطية في المدن؛ مع إمكانية إن تنضم لها قطاعات من القوى القديمة ومن العناصر المتمردة على النظام؛ بعد أن تصلح من نفسها وتثبت فعلا جاهزيتها للتغيير وإدراكها لحتميته وتقبلها لأستحقاقاته . إذ أن الثقة معدومة حاليا في تلك القوى القديمة وفي المنشقين عن النظام.
الانتفاضة والثورة المسلحة
هناك في اللحظة الحالية خمسة سيناريوهات تكتيكية للتعامل مع أزمة الحكم في السودان :
1. سيناريو النظام (بناء وتوطيد دولة الانقاذ3 العربية الاسلامية): وهو ما عبر عنه الرئيس البشير بترك الدغمسة وبناء الدولة الإسلامية والدستور الإسلامي؛ وهو طريق مسدود لا يؤدي إلا إلى الكارثة وتكرار انفصال الجنوب في دارفور وفي المناطق الثلاثة الخ ؛ وذلك في ظل اشتداد ازمة النظام الاقتصادية والسياسية وعدم قدرته على تقديم أي حلول سياسية جذرية تفترض تنازلات كبيرة منه للقوى الاجتماعية والسياسية المناهضة له.
2. سيناريو التغيير في إطار النظام – التفاوض والمساومة ( القوى التقليدية وبعض الحركات المسلحة) : وهو ما يبدو انه سيناريو القيادات الطائفية (الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني) وكذلك بعض الحركات مثل حركة التجاني السيسي التي وقعت اتفاق الدوحة مع النظام؛ كما يحاول النظام جر الحركة الشعبية إليه في المحاورات الجارية بينهما- هذا السيناريو في رأينا مصيره الفشل وذلك لسببين: الأول هو تعنت النظام وعدم قدرته على تقديم أي تنازلات حقيقية للقوى المخاصمة له؛ ثانيا ضعف القوى الرئيسية التي تطرح هذا السيناريو من الطرف المعارض (القيادات الطائفية) وعدم وجود أدوات ضغط حقيقية في يدها ؛ ثالثا : لوجود قوى أخرى حقيقية لها وجود على الأرض (الحركات المسلحة والقوى الشبابية ) لا يمكن تجاهلها ولا يمكن أن تتم التسوية دونها؛ وهذه القوى لا تقبل بالسقوف المنخفضة للتفاوض والحلول التي يطرحها النظام .
3. سيناريو الإسقاط العسكري (الحركة الشعبية – جنوب كردفان وبعض حركات دارفور): هذا السيناريو حتى الآن فاشل؛ وهو يمكن أن يضعف النظام اقتصاديا وعسكريا ولكنه عالي التكلفة الاجتماعية ؛ كما انه غير قابل للتحقق عسكريا فقط؛ وليس من المتوقع أن يتم وصول هذه القوى إلى الخرطوم عسكريا إلا إذا تم انهيار داخل النظام أو انقسام في داخله أو انفجرت انتفاضة جماهيرية حققت انتصارات في مدن المركز الرئيسية .
4. سيناريو الانتفاضة الشعبية الجماهيرية (القوى الديمقراطية والشبابية وبعض حركات الهامش المدنية) : هذا السيناريو تمت تجربته في 30 يناير 2011 (وحتى مارس 2011) وفي هذا العام في شهري يونيو ويوليو – ويبدو هذا السيناريو الأقل تكلفة اجتماعية ؛ كما إن الأزمة الاقتصادية المتصاعدة يمكن ان تلعب دورا في نجاحه .. في الوقت الحالي يبدو ان القوى التي تتبناه اضعف من ان تذهب به الى الأمام؛ ولكن تعنت النظام وممارساته الانتقامية تجاه هذه القوى قد تجعلها تواصل السير في هذا الطريق في ظل أي ظروف مهيأة وإذا توفر لها الدعم السياسي الكافي من بقية المعسكرات السياسية .
5. سيناريوهات عشوائية: (انقلاب داخل النظام؛ تفكك النظام؛ التدخل الأجنبي؛ حرب جديدة مع دولة الجنوب؛ حرب شاملة في المناطق الثلاثة ودارفور ومع دولة الجنوب): هذه سيناريوهات يمكن أن يفرضها الوضع السياسي المتأزم والانقسامات داخل النظام وأي استفزازات يمكن أن تقوم بها عناصر متفلتة تفرض منطقها على الأحداث – إن الاعتداءات على السفارات الأجنبية والتوترات مع الدولة الجنوب يمكن أن تفتح بابا للتدخل الأجنبي أو عودة الحرب مع دولة الجنوب؛ كما أن استمرار الحرب مع تحالف كاودا يمكن أن يؤدي لتوسيع نطاق الحرب الى مناطق جديدة. ويظل استمرار الأزمة السياسية هو القمقم الذي يمكن إن تخرج منه كل العفاريت .
إن الملتقى الحالي يطرح طريقا لتحقيق الإجماع الوطني ومحاولة الوصول إلى تسوية تاريخية يكون النظام الحالي جزءا منها . إننا نعتقد إن أي حل لا يقوم على تصفية وتفكيك النظام تماما لا يمكن أن يكون له أي مشروعية أخلاقية أو سياسية؛ ويتجاهل الأسباب الرئيسية للأزمة ومداخل حلها؛ كما انه يظل اقل من الحد الأدنى لمطالب قوى التغيير المختلفة ؛ السلمية منها والعسكرية .
لذلك سيكون السيناريو الأفضل بالنسبة لنا هو سيناريو التغيير الجماهيري السلمي ؛ وهو سيناريو يفترض اصطفافا جديدا للقوى وتغييرا كبيرا في توازنها ؛ وهو أمر لن يتم دون قيام شروط داخلية وخارجية متنوعة تسهم في دعم وإسناد الفعل الجماهيري وتؤدي في المحصلة إلى هزيمة النظام وتفكيكه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.