مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هكذا عاش وأبدع .. وغنّى .. في ذكرى غياب صاحب « شجن» ..

في مثل هذا اليوم قبل ثلاث سنوات، رحل عن الدنيا الفنان الكبير عثمان حسين، صاحب العطاء الوافر والسيرة العطرة والعلاقات الواسعة والصلات الحميمة، في نهار ذلك اليوم الحزين فتحت السماء أبوابها المشرعة لاستقبال المشتاق إلى ربّه ، الذي أورثنا رحيله المؤلم جرحاً نازفاً في الفؤاد لم يمسحه الزمن ولن توقف تداعياته دورة الأيام.
السابع من يونيو «حزيران» عُرف في التاريخ، بأنه يوم النكسة للأمة العربية، تجرعت خلاله كؤوس الهزيمة التي لحقت عام 1967، إلى أن استعادت عافيتها وكبرياءها بعد نصرها المؤزر في عام 1973، ففي نفس التاريخ قبل أعوام ثلاثة انتكست راية الفن الأصيل برحيل الفراش الذي غاب عن الوجود بعد رحلة حفلت تفاصيلها وأيامها بالروائع والإبداعات، مضى أبو عفان للقاء ربه، وترك لنا من بعده اللوعة والألم وشلالات الحزن المقيم، فرحيل الفراش رحيل أمة تداعى بنيانها وتهاوت أركانها وتناثرت أوراقها، وسكن أرضها البوم ونعق فيها الغراب حزناً وألماً على رحيل فارس الساحة الذي غاب.
بدأ عثمان حسين مشواره الحافل بشيء من التميز المعهود، الذي وضعه منذ الوهلة الأولى في مصاف الكبار، مستفيداً من أشياء كثيرة توفرت له، أهمها وقوف شقيقه الأكبر طه حسين إلى جواره داعماً ومسانداً متخطياً حواجز الأسرة ونظرة المجتمع التي تلحق بالفنان أقذع الألفاظ جراء تفكيره فقط في دخول الساحة، ناهيك عن مزاولته فنون المهنة.. كان طه حسين بمثابة القدوة والمثل لأبي عفان، مارس غناء الحقيبة مع زميله محمد عبد السلام، فكان عثمان يعاونهما بين الفينة والأخرى في وظيفة الكورس «الشيال»، فاكتسب المنعة والقدرة والجرأة على مواجهة الجمهور خاصة بعد أن استعان به مطرب الجماهير عبد الحميد يوسف وضمه إلى فرقته عازفاً للعود بعد سفر عازفة الأساسي أحمد عثمان، فمكث عثمان إلى جواره عاماً كاملاً يستقي منه أسرار المهنة وأساليب الغناء إلى أن قدمه شقيقه طه حسين للشاعر المعروف محمد بشير عتيق دفعة واحدة، فكانت أغنية حارم وصلي مالك، هي أولى الأغنيات الخاصة التي امتلكها الفراش، وبدأ بها مشواره الطويل، فلما كان أبو عفان صادقاً مع نفسه وجمهوره أعاد الأغنية الأخرى لشاعرها وهي أغنية «هل تدري يا نعسان» التي غناها من قبل الحاج محمد أحمد سرور، فذهبت الأغنية ناحية أمير العود حسن عطية، فأصبحت من أشهر أغنياته.
البدايات
بدأ عثمان ممارسة الغناء في حي السجانة، مع ثلة من الأصدقاء، سعيد علي، محمد محجوب، عبد الرحيم القطر، علي محجوب، طوَّفوا جميعاً في أركان الساحة، واختاروا من فرائدها البديعة صنوفاً درجوا على ترديدها باستمرار من داخل منزل استأجروه ليمارسوا نشاطهم من داخله.
بدأ عثمان حسين في الظهور، وطفقت سيرته تملأ الأرجاء مردداً أغنيات الحاج عبد الحميد يوسف داخل مدينة السجانة، فشجعه أصدقاؤه للمضي قدماً على طريق الفن، كان منهم الشيخ آدم سابل، دكتور أحمد أبو الفتوح، علي عبد الحميد، عثمان عبد الحميد، أحمد عركي وغيرهم، فكان معجباً بأغنية أحمد المصطفى «يحلو الهوى لأهل الهوى.. لو كان لهواك هوّاي سيبني يا أملي الوحيد»، كانت أمنية عثمان حسين أن يدخل الإذاعة ويغني عبر أثيرها، فعندما أتيحت له الفرصة وجد نفسه أمام لجنة الأصوات التي كانت تضم الأفذاذ والعمالقة سعد الدين فوزي، محمد عبد الرحمن الخانجي، فوراوي وحلمي إبراهيم. وقف أمامهم مردداً أغنية عبد الحميد «أذكريني يا حمامة»، فأذهل الحاضرين بأدائه المتقن وصوته الساحر الجميل، فأذيعت الأغنية بصوته، بديلاً لإحدى اسطوانات كرومة التي تم سحبها لإفساح المجال للوافد الجديد، فطلبوا منه إنتاج أغنيات خاصة به حتى يخرج من دائرة التكرار والتقليد. فعمد شقيقه طه إلى «المرحومة» مجلة الإذاعة، فاختار من بين صفحاتها قصيدة للشاعر قرشي محمد حسين «اللقاء الأول» فلحنها عثمان وغناها عبر الإذاعة قبل أن يلتقي بشاعرها، فكانت سبباً للتعارف بينهما، لتثمر العلاقة عن أغنيات أخريات «خمرة العشاق» و«الفراش الحائر» التي قفزت بعثمان درجات إلى الأمام، ليتحكر بجهده إلى جوار العمالقة الكاشف، الفلاتية، أحمد المصطفى، حسين عطية، عثمان الشفيع، الحاج عبد الحميد يوسف.. وغيرهم، فتمت ترقيته مباشرة للدرجة الأولى دون المرور بالثانية وفاءً وعرفاناً بقدرته وبراعته في التأليف الموسيقي الذي أحاط به الأغنية.
منذ بداية دخوله حلبة المنافسة والغناء كان الفنان عثمان حسين ميالاً للحداثة وإدخال بعض التعابير والمعاني والمضامين الجديدة في أغنياته، فطفق يبحث هنا وهناك في أضابير الشعراء متجولاً في بساتينهم النضيرة لينتقي ما يوائم فكره، ويتفق مع منهجه ويرضي طموحه، فجاءت أغنياته كلها لوحات زاهية تحمل كل جديد في المعنى والفكرة والهدف، حتى الأغنيات الخفيفة التي كانت تعرف ب«الكسرة» كان رأيه فيها أن تحمل بين طياتها وأبياتها نفس المعاني والرؤى التي تضطلع بها الأغنيات الكبيرة، فقاده طموحه لعرض الفكرة على ابن السجانة الشاعر إسماعيل حسن، الذي تعاون معه في سلسلة من الأغنيات الخفيفة منها «حبيبي جفا»، «قلبي الحزين»، وعارفنه حبيبي» وغيرها.
أيام الزمن الجميل، كان هناك تواصل دائم بين الفنانين والشعراء تلتئم مجالسهم العامرة للمفاكرة والمناقشة وتداول الآراء حول الشعر والغناء، فكانت هناك علاقة قوية تربط الشاعر محمد بشير عتيق بعلي محمود التنقاري، الذي أبدى إعجابه بصوت عثمان حسين معبراً لصديقه عتيق عن مكنون رغبته في أن يغني له الفراش إحدى قصائده، فجمع بينهما عتيق ليظفر المستمعون بأغنيتين من كلماته هما، «كيف لا أعشق جمالك»، وأغنية «أنا بعشق أم درمان وحب الوطن إيمان واعظم رسالة»، وقد ظهرت هذه الأغنية مرادفة لأغنية حسن عطية «الخرطوم» للشاعر عبد الرحمن الريح، وقد وجدها عثمان منشورة بمجلة الإذاعة فلحنها وغناها ولكنه للأسف الشديد لم يسجلها للإذاعة السودانية، مثل بعض أغنياته الأخرى «لم أزل»، «أنا وحدي طول الليل».
في بداية حياته التحق عثمان حسين بزاوية الخليفة عبد الجبار محمد أبوبكر بديم التعايشة الذي ينتمي لطائفة الختمية، فكانوا يرددون أهازيج الطريقة، ولم يزد عمر عثمان عن ستة عشر عاماً، فكان حتى ساعة رحيله يهفو للإنشاد ويتعلق قلبه بمدائح أولاد حاج الماحي، وأوراد الختمية، خاصة تلك التي تقول: «صلوا عليّ صلوا عليّ، أهل الصفا المصطفى، صلوا عليه، وآله والصحب آل الوفاء»، وهي ما زالت من مدائح السادة الختمية التي ما فتئوا يرددونها في مناسباتهم المختلفة.
اللقاء الأول والقبلة السكرى
بعد أن عمد الفراش إلى تلحين أغنيته الثانية «اللقاء الأول» التي وجدها منشورة بمجلة الإذاعة، قدمها من خلال الإذاعة فسمعها قرشي محمد حسن وأعجب أيما إعجاب بصوت الفنان عثمان حسين الذي سيكون ملك الساحة بلا منازع، فتعرف عثمان حسين على الشاعر قرشي محمد حسن بواسطة صديقه الثاني «جبارة» الذي كانت له صلة بعثمان، فسعى لجمعهما وكان قرشي وقتها يعمل محرراً في جريدة «الأمة»، يقوم بين الفينة والأخرى بنشر قصائد الشاعر حسين بازرعة، وكان وقتها طالباً بمدرسة وادي سيدنا الثانوية، وفي إحدى المرات أقيمت مسابقة شعرية اشترك فيها بازرعة بقصيدته «القبلة السكرى» التي فازت بالجائزة الأولى، وكانت تحتوي على ثمانية وخمسين بيتاً، هذه القصيدة جعلها قرشي محمد حسن، مدخلاً مناسباً لتمديد حبال الوصل بين بازرعة وعثمان حسين، تم اختيار بعض أبيات القصيدة والدفع بها لعثمان حسين الذي لحنها وغناها وكان عمره وقتذاك تسعة عشر عاماً. ثم توالت ثنائيتهما المعروفة التي أتحفت الساحة برصائن الأعمال لتحدث وقتها انقلاباً واضحاً في مسار الأغنية السودانية.
استمرت رحلة الفنان الخالد عثمان حسين من نجاح إلى نجاح، فالتف حوله الشعراء الذين كانوا يرغبون في التعامل معه لتفرده واستحواذه على إعجاب الجماهير واحتلاله مكامن الإعجاب في قلوبهم، منهم اللواء عوض أحمد خليفة الذي اتسمت أغنياته بطابع الحزن، فكان أول تعاون بينهما أغنيته الشهيرة «عشرة الأيام» التي قدمها في ستينيات القرن الماضي، ثم جاءت الصلة قوية متجددة بالشاعر الدكتور السر دوليب، الذي غزا الساحة بلون جديد وأغنيات خفيفة بدأها بالتعامل مع الفنان عثمان الشفيع ب«اللون الخمري»، ثم امتدت علاقته بعثمان حسين في أغنيات التسامح والأمل في «ريدتنا ومحبتنا» و«مالي والهوى» و«مسامحك يا حبيبي» و«أنا وحدي طول الليل» و«ما بصدقكم»، «حبيبي فاكرك».. وغيرها من الأغنيات التي وضعت الفنان الخالد في مرتبة جديدة، كان طموح عثمان يقوده دوماً للبحث عن كل جديد، له مجموعة من الخاصة والأصفياء الذين يشيرون عليه دائماً بالقول الراجح والرأي السديد، بمساعدتهم في اختيار النصوص التي تلائم صوته وتوافق مزاجه، وتأتي منسجمة مع طريقة أدائه، مثل الأغنية الشهيرة «غرد الفجر» للشاعر عبد الرحمن عبد الله الحجازي، فعندما وجدها الإذاعي أبو عاقلة يوسف، أدرك بفطرته وحاسته أنها تصلح أن يؤديها الفراش، فدفع بها إليه فكانت أهزوجة لفتت أنظار المستمعين، وخصه صديقه الأديب عبد الله حامد الأمين برائعة التجاني يوسف بشير «محراب النيل» التي جعلت لأبي عفان مكانة خاصة بين أوساط المثقفين وعشاق الأدب الرصين، وخلال مشواره البديع جمعته الصدفة بالشاعر حميده أبو عشر وكانت أول مرة سمع فيها عثمان عندما وجده ذات يوم مشاركاً بالترديد مع عبد الحميد يوسف خلال بروفة أغنيته «غضبك جميل زي بسمتك»، فكانت العلاقة بين حميده وعبد الحميد علاقة فن ومهنة، فحميده أبو عشر كان يعمل نقاشاً ومطرب الجماهير كانت مهنته المقاولة والبناء، فقدم حميده للفراش أغنيته المعروفة «ظلموني الأحبة»، وكانت الوحيدة التي جمعت بين العملاقين.
أغنيات الفصحى
في بداية ظهور الفنان عثمان حسين كان الشاعر الدبلوماسي صلاح أحمد محمد صالح، موظفاً بالإذاعة السودانية، كتب ذات يوم مقالاً رصيناً عن الفنان الناشيء وقتها أبو عفان، تنبأ من خلاله بأنه سيملك زمام الساحة عما قريب، فبدأت العلاقة بينهما وسط مجموعة من المعجبين الذين أحاطوا بعثمان إحاطة السوار بالمعصم، منهم أبو عاقلة يوسف، خالد العجباني، أحمد عباس، عصمت يوسف وغيرهم، وذات يوم قدموا الدعوة لصديقهم الفنان لحضور فيلم «غزل البنات» للفنان محمد عبد الوهاب بسينما الوطنية، غنى خلاله عبد الوهاب أغنيته «ليه ليه» فالتفت صلاح أحمد ناحية صديقه عثمان حسين مخاطباً إياه «لماذا لا تقدمون أغنيات باللغة الفصحى مثل ما فعل عبد الوهاب؟».. فراقت الفكرة لعثمان وتسلم في الحال مطلع قصيدة صلاح أحمد «مات الهوى»، وشرع بالفعل في تلحينها، فقدم له الشاعر بقية الأبيات لاحقاً.
ثم كان لقاؤه بالشاعر محمد يوسف موسى بعد منتصف الستينيات بأغنية الدرب الأخضر، ثم تلتها مجموعة من الأغنيات الأخرى.. كان آخرها أغنية «الحب كده» التي سجلها أبو عفان للإذاعة رسمياً في عام 1990، وكان ذلك آخر تسجيل رسمي له مع الإذاعة، مما حدا بمدير الهيئة وقت ذاك الأستاذ صالح محمد صالح، أن يصدر قراره المعروف بترقية الفنان الكبير لمرتبة الرواد، وهي درجة رفيعة لم يحصل عليها إلا قلة معدودة من الفنانين، في عقد الخمسينيات كانت برامج الإذاعة السودانية ميداناً للتباري والتنافس بين الفنانين، فكان برنامج مطرب الأسبوع الذي يتم إعداده بمكتب الاتصال العام قبل الاستقلال، مقياساً حقيقياً لجماهيرية الفنان وشعبيته، كانت خطابات المستمعين تصل للفنان عثمان حسين بكميات كبيرة يقوم أبو عفان بفضها وتصنيفها ومن ثم تلبية الرغبات، يعاونه في ذلك رهط من الإذاعيين الذين يمثلون مجموعته أمثال صلاح أحمد، أبو عاقلة يوسف، خالد العجباني، حلمي إبراهيم، أحمد عباس والمخرج عثمان علي حسن «اللورد»، فيما كانت مجموعة الفنان حسن عطية تضم الأستاذ محمود أبو العزائم، عمر محمد عبد الله، ياسين معني، رحمي محمد سليمان وغيرهم.. وفي إحدى المرات وجد أبو عفان خطاباً وصله بالبوستة يحمل قصيدة جديدة فلحنها وغناها وكانت أغنية «من عيونك يا غزالي» للشاعر المقل عبد الرحمن البلك.
زيارة القاهرة الأولى
كان عثمان حسين أحد سفراء الأغنية السودانية الذين أفسحوا لها مجالاً في خارطة الغناء العربي والأفريقي، من خلال مشاركاته ورحلاته العديدة لعدد من الدول المختلفة، من أهم تلك الرحلات تلك التي زار فيها القاهرة لأول مرة في عام 1951، بدعوة من صحيفة الرأي العام التي تكفلت بكل مصاريف الرحلة من إعاشة وسكن، كانت الرأي العام تحرص على إقامة ندوتها الراتبة بمدينة شمبات بمنزل آدم سابل، وهي تضم نخبة من طلائع المثقفين، منهم محمد الخليفة طه الريفي، إسماعيل العتباني، محمد عبد الحليم العتباني، د. إبراهيم أنيس، ميخائيل بخيت وحسن نجيلة الذي كان متحمساً لقضايا الفن، فكتب ذات يوم على الصفحة الأولى مقالاً مطولاً عن «أبو عفان» وأغنية محراب النيل للتجاني يوسف بشير، فجاءت الدعوة لزيارة القاهرة التي التقى فيها بمجموعة من السودانيين هناك منصور أحمد الشيخ، توفيق أحمد البكري وغيرهما، فسعى أبو عفان عن طريقهما لزيارة إذاعة ركن السودان وسجل بعض أغنياته وأقام عدداً من الحفلات الساهرة بمسرح البسفور ومسرح رأس البر بمعاونة العازفين المصريين نصري عبد المنصف وأحمد فؤاد حسن والعازف السوداني المرحوم عز الدين علي حامد وكان وقتها مقيماً هناك، حيث قدم بعضاً من أغنياته «مات الهوى»، «الوكر المهجور»، «قلبي الحزين»، «ما بصدقكم» وأغنية «لم أزل» لشاعرها عتيق وهي من الأغاني التي لم تسجل لإذاعة أم درمان يقول فيها:
«لم أزل أنا يا جميلüü بخمور حبك أميل
في سواك مالي ميلüü قلبي أصبح ليك زميل
وانت شخصك عنيüü يبعد ألف ميل
في هواك أنا عمري طوعاًüü ينسجم ولي صحائف حبك قلبي صار سجل
وطرفي من حسنك وجل.. الخ»
لقاء المشاهير
وقد التقى أبو عفان خلال مشواره الحافل بعدد من الرؤساء والمشاهير، منهم الرئيس المصري محمد نجيب الذي تعود جذوره إلى السودان، والرئيس جمال عبد الناصر وهيلا سلاسي ومحمد سياد بري وغيرهم، أما أشهر رحلاته الفنية هي رحلته التي زار خلالها مدينة لندن عام 1961م، وهناك التقى بالمرحوم علي أبو سن وكان وقتها يعمل في الإذاعة البريطانية، فكتب له أغنية «على ضفاف التايمز» التي جاءت فكرتها من المذيع نعيم البصري، فلحنها عثمان وقام بتوزيعها أحد الخواجات، فسجلها لإذاعة لندن خصيصاً فدفعت له الإذاعة مائتي جنيه استرليني، وكان مبلغاً كبيراً في الوقت الذي كان فيه أجر الأغنية في الإذاعة السودانية خمساً وثلاثين جنيهاً، ومن بعض أبيات الأغنية:
«يا في ضفاف التايمز
أنا فيك حنيت للقاء السودان
في ضفاف التايمز أغصان بتميل وعيون ناعسات يضوي بيها النيل»
وقد عزفتها معه وسجلتها للإذاعة إحدى الفرق الإنجليزية.
كان الفنان عثمان حسين مولعاً وشغوفاً بمشاهدة الأفلام المصرية خاصة التي تحمل بعضاً من الأغاني العربية، ففي إحدى المرات شاهد فيلماً شارك فيه بالغناء الفنان فريد الأطرش الذي عرفت أغنياته بالشجن والحزن، غنى فريد أغنيته المعروفة «الدنيا حلوة واياك»، فأعجب بلحنها عثمان وأصبح يرددها ليطرب ذاته، ثم عقد العزم أن ينقل بعض تفاصيل اللحن إلى أغنية سودانية، فأبدى رغبته للشاعر جعفر حامد البشير الذي استجاب للرجاء وبادر بكتابة أغنية «أهواك» فلحنها أبو عفان وأصبح يرددها في حفلاته ولكنها لم تسجل للإذاعة مثل بعض الأغنيات الأخريات، وقد جاء فيها:
«أهواك يا ملاكüü يا حبيب متين القاك
يا حبيبي كفاي حرمانüü وكفاي في الحب نسيان
أفديك بالروح وأقولüü يا ظالم أنا إنسان
يا حبيبي أوحيت لي فنونüü ومنحت خيال وشجون
سأعيش بهواك مفتونüü أشواق وحنين وفنون».
وقد تم تسجيل الأغنية في اسطوانة بواسطة محمد ديمتري البازار، فذاع صيتها، فجاءت بعض الأغنيات الأخرى على نهجها وطريقة لحنها كأغنية يا «أستاذ».
في بداية خطواته الأولى على درب الفن، كان عثمان حسين يردد أغنيات الفنان حسين سليمان، فقد كان معجباً بطريقته في الأداء، خاصة أغنية «طيبة الأخلاق» التي كان حسن سليمان لا ينفك من ترديدها في كل المناسبات، ولما كانت الأغنية ذات طابع شعبي فقد انتشر أداؤها بين البنات في السجانة اللائي كنّ يرددنها في بيوت الأفراح، فقامت إحدى المعجبات بكتابة نصها الأصلي وسلمته لعثمان حسين الذي بدأ يغنيها بطريقته المتفردة، فلما سمعها منه حسن سليمان أبدى إعجابه الشديد بطريقة عثمان في أداء الأغنية، فأعلن في الحين تنازله من الأغنية وأهداها برمتها للفنان عثمان حسين، فأصبحت الأغنية من أشهر أغانيه، وقد دار حولها لغط كثير ونسب البعض كلماتها لإحدى البنات، إلا أن الفنان عثمان حسين ذكر في أكثر من محفل أن الفنان حسن سليمان الهاوي أخبره مؤخراً أن أغنية طيبة الأخلاق شاعرها الأصلي خضر حسن سعد، ليقطع الشك ويؤكد الحقيقة التي ضاعت سنوات.
حفلات تكريم
حظيّ الفنان عثمان حسين خلال رحلته الإبداعية بالعديد من حفلات ومهرجانات التكريم داخل السودان وخارجه، عرفاناً بدوره وتقديراً لجهده في تطوير الأغنية، فقد طوقت الأندية والروابط والمؤسسات عنقه بقلائد الفخر وأوسمة الإبداع ونياشين التميز، كان من أشهرها تكريمه بمدينة الرياض بالسعودية مع الراحل ذو النون بشرى، وتكريمه في القاهرة مع الأديب الراحل مفخرة السودان الطيب صالح. وفي السودان كان عثمان حسين يعتز ويفتخر بذاك المهرجان الجامع الذي أقامه اتحاد أبناء أوسلي بمنتجع ليالي أم درمان في سبتمبر 2003، فقد تقاطر المبدعون يتقدمهم الموسيقار محمد وردي ومحمد الأمين وعلي إبراهيم اللحو وحمد الريح وغيرهم. وكان لوجود الفنان التاج مصطفى نكهة خاصة، أضفت على الحفل بعداً وألقاً جميلاً، وكانت تلك الليلة هي آخر مناسبة عامة شرفها التاج مصطفى بالحضور قبل رحيله في 21/4/2004م.
يعتبر عثمان حسين من المولعين بالعلم دفعاً وتشجيعاً، فقد سعى مع بعض زملائه منذ سنوات بعيدة لضرورة الاهتمام بالموسيقى وتدريسها بطريقة علمية تعين أهل الفن للانطلاق للأمام، فقادوا حملة واسعة مع جريدة الأخبار ومؤسسها الشاعر رحمي محمد سليمان، لتبني الفكرة والترويج لها، حتى توج كفاحهم مؤخراً بقيام معهد الموسيقى الذي تطور في رسالته حتى أضحى الآن كلية قائمة بذاتها بجامعة السودان، فقد احتفت كلية الموسيقى بأبي عفان وردت إليه الفضل في إنشائها والدعوة الملحة لقيامها، فمنحته في عام 2004 درجة الماجستير الفخرية، لتأتي من بعدها وفي نفس العام جامعة النيلين التي أحاطت جيد العملاق بمنحه درجة الدكتوراة الفخرية، وقد كان يحز في نفسه كثيراً أن بعض المؤسسات والأفراد يمسكون عن مناداته بالدكتور، ولا يسبقون اسمه في المخاطبة والكتابة بحرف الدال، مثلما فعلوا مع الكثيرين، فالعذر لهم جميعاً فالدرجة العلمية الرفيعة تتشرف بالفراش عندما تقترن باسمه، ولكنها لا تضيف شيئاً لصاحب المجد الخالد والماضي التليد.
أخلاقه النبيلة
عُرف الفراش بين أترابه وزملائه بالتسامح والتصافي وألوان الوداد، فكل المعاني الجميلة التي حفلت بها أغنياته، كانت تمثل نهجه وأسلوبه في الحياة، كان هادئاً، خجولاً، يزينه الصمت والوقار، لم يعرف عنه خلال رحلة أيامه النيل من صديق أو التقليل من شأن زميل، فرغم الحملات الجائرة التي تعرض لها في بداية مشواره لم تخرجه عن طوره ولم تنسه خلقه القويم، كان رده على منتقديه دوماً بتقديم جديد الأعمال التي بهرت الساحة وشدت الأنظار.
كانت علاقته بزملائه مثالاً للإخاء الصادق والود النبيل، فعندما فرق هادم اللذات بين ثلاثي العاصمة «السني، أبو دية، الحويج» برحيل محمد الحويج في عام 1964، قرر السني وأبو دية هجر الساحة والخروج من معترك الغناء، فعمل عثمان على جمعهما من جديد وحثهما على مواصلة المشوار، فالحياة ماضية في مسيرتها لا يتوقف نبضها ولا حراكها برحيل أحد من الناس.. فعاد ثنائي العاصمة أكثر قوة وتماسكاً إلى أن رحل إبراهيم أبو دية قبل سنوات.
كانت العلاقة بين عثمان حسين ومحمد الحويج أكبر مما يتخيله العقل ويتصوره الإنسان، كان كل واحد منهما يمثل للآخر الملاذ الآمن الذي يهرع إليه كلما حاصرته الأيام وادلهمت عليه الخطوب، فأغلب أغنيات الفراش تم تلحينها ووضع لمساتها الأخيرة بمنزل الحويج بحي بانت بأم درمان، فذات يوم كانا أمام بوابة الإذاعة، فلمحا فتاتين تهمان بالدخول، فعرفا منهما أنهما تريدان الغناء في الإذاعة، وقد قدمتا من الأبيض لهذا الغرض، فسألهما عثمان حسين عن اسمهما فأجابتا «زينب وخديجة»، فاقترح عليهما اسماً فنياً «إنصاف وعفاف» سرعان ما عدله إلى الاسم الفني «ثنائي النغم» الذي عرفت به الفنانتان زينب خليفة وخديجة محمد.
غيرة وحفاوة
كان عثمان حسين حفياً بفنه.. غيوراً عليه، لا يجامل ولا يراوغ.. يعمد إلى رياض الشعر فينتقي أجودها.. فيغمسه في لحن الألحان الجاري في دواخله المترعة، فتخرج الأغنية بعد ذلك زاهية بهية تترجم الأحاسيس المرهفة وتعبر عن أشواق وأماني الغلابة والمتعبين.
إن فقدنا في عثمان لا يعوض، وخسارة ساحة الإبداع فيه كبيرة، ورغم أنه هجر الغناء منذ سنوات إلا أنه كان رمزاً من رموزها الذين يشار إليهم بالبنان.. زرته قبل رحيله بثلاثة أيام، وتناولت معه طعام الإفطار.. دارت تفاصيل الحديث المدهش حول رحلته ومدرسة السجانة الفنية التي رفدت الساحة بزمرة من المبدعين.. وقد أبدى لي وقتها إعجابه بأغنيات منى الخير خاصة أغنيتها «أنا لو نسيت الناس»، ثم ردد بعضاً من مقاطها وأنا أجالسه وأصغي إليه ما كنت أدري أنها الجلسة الأخيرة، فجاء حديثه عبر الهاتف مترعاً ندياً مع الصديق مصطفى أبو العزائم عن الراحل محمود أبو العزائم الذي سبقه لعالم الخلود بنحو أربعة وعشرين يوماً، فوعده أبو العزائم الصغير بأنه سيجمع أخوته لزيارته يوم الأحد في منزله، ويا لتصاريف القدر.. فقبل أن يأتي يوم الأحد بيوم واحد كان عثمان جسداً مسجى تحت التراب، وما زلت أذكر محادثته للفنان عثمان اليمني الذي قدم له واجب العزاء في وفاة والدته، فسعى اليمني للقائه في منزله رغم ظروف المرض، ولكنها أمنية لم تكتمل.
ما أحوجنا حقيقة لتلاوة كتاب عثمان حسين، فبعض صفحاته ما زالت بين الحنايا والضلوع عند بعض أصدقائه وخاصته «أبو زيد أحمد أبو زيد، عبدالله بخيت، اللواء عبد الحي محجوب، اللواء صلاح حسين، حسن علي عمر، عبد الفتاح الله جابو، السر دوليب، عوض أحمد خليفة، عمر الجزلي، عبد الله عربي، نصر الدين شلقامي، حسن عبد الحفيظ، د. إبراهيم دقش، نادر أحمد الشريف..» وغيرهم من خلان الوفاء ورفقاء الدرب الطويل، فقد كانوا رجالاً حول عثمان.
رحمك الله وأحسن إليك.. فقد كانت لك بيننا أيام فأمثالك لا يموتون يا عثمان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.