البرهان يتلقى اتصالاً هاتفياً من محمد بن زايد    الكاف يعلن عن حكم مواجهة مصر والسودان    توقيف شبكة إجرامية تنشط في سرقة السيارات بمنطقة الكدرو    لعبة الكلمات على الإنترنت "ووردل" تجتاح الولايات المتحدة    إغلاق شوارع بالخرطوم ودعوات لعصيان مدني والاتحاد الأوروبي يدعو السلطات للتهدئة    والي الجزيرة المكلف يدشن توزيع السماد بمخازن اكثار اليوريا    الدولار يواصل الإرتفاع بقوة مقابل الجنيه السوداني في السوق الموازي    البرهان يشكل لجنة تقصي حقائق بشأن أحداث 17 يناير    محكمة التحكيم الرياضي توجه ضربة قاضية لكمال شداد وحسن برقو    قرار باستمرار امتحانات الفترة الأولى و مقترح لتمديد الإجازة    جه يكحلها عماها    تراجعٌ في أسعار الخضروات بالأسواق    الدولار.. رحلة صعود مفاجئة    شركة تطلب موظفاً مقابل 917 درهماً في الساعة .. بهذه الشروط الغريبة!    السعودية تستضيف مؤتمر اصدقاء السودان    حيدر المكاشفي يكتب: مليونية الحوت وأبو السيد    ما كفارة وحكم الزوج كثير الحلف بالطلاق؟    تجار المحاصيل بالجزيرة يشتكون من ضعف القوة الشرائية    ازدحام أمام بوابات الكهرباء بعد إلغاء تعرفة الزيادة    بكم نقطة صوت السودان لصالح محمد صلاح لجائزة أفضل لاعب؟    الاتحاد الأوروبي: الاستخدام المشوه للقوة والعنف ضد المدنيين يضع السودان على طريق خطير    ضبط شبكة إجرامية تعمل في طباعة وتوزيع العملة    بعد "الشمس الاصطناعية".. الصين بصدد تطوير "قمر اصطناعي" مضاد للجاذبية    حمو بيكا: سأغير اسمي لهذا السبب    المَكتَب المُوحّد للأطبّاء يُعلن الانْسِحاب من المُسْتشفَيَات النظاميّة والإضراب عن الحالات الباردة ل(3) أيام    وزارة الداخلية: الشرطة تعاملت مع تظاهرات 17 يناير بأقل قدر من القوة القانونية    تسريبات هاتف "سامسونغ" المرتقب.. ميزة شحن سريع وكاميرا قوية    التخطيط العمراني بالجزيرة تشيد بدور الإعلام وتدعو للشراكة والتعاون    تأجيل موعد قرعة الدوري الممتاز    صلاح الدين عووضة يكتب : الأيام!!    مدير شرطة ولاية الجزيرة يلتقي مجلس إدارة نادي الأهلي مدني    مدير الاستخبارات الأمريكية يلتقي بالرئيس الأوكراني    إدانة امراة بالاستيلاء على ملايين الجنيهات عبر شركة وهمية    تفاصيل مُثيرة في محاكمة (7) طلاب جامعيين بتُهمة الإتجار وتعاطي المخدرات    بيع عينات ترويجية للدواء في الأسواق مسؤولية مَن؟!    "منهولات" صرف صحي بدون أغطية.. خَطرٌ مَاثلٌ!!    استيراد السُّكّر في جوالات زنة 25 كيلو.. بوادر أزمة في الأفق!!    صقور الجديان تعود إلى ياوندي وتتحفّز للفراعنة    مواصفات "غالاكسي تاب اس 8".. وموعد إصداره    أين المعجزة فى أن نهزم مصر ؟    دعم من مصرف الإدخار لمركز الفاشر لعلاج الأورام    القائم بالأعمال بسفارة السودان ببودابست يلتقي نائب وزير الدولة بالمجر    وكيل بوزارة الثقافة والإعلام يتفقد هيئة البث الإذاعي والتلفزيوني    لتجميل وجه الخرطوم .. (هيا) للنظافة تعيد شعار (خليك دسيس وأجدع في الكيس)    توضيح من الكرملين حول الوجود العسكري الروسي قرب أوكرانيا    في الذكرى التاسعة لرحيل الأسطورة محمود عبد العزيز….أبقوا الصمود    تسع سنوات من الغياب 17 يناير عند ذاكرة (الحوت) مواكب (الثورة) لا تعرف التراجع    نجوم لا تأفل الشجن الأليم    مكاسب مفاجئة.. ثروات "أغنى 10 رجال أعمال بالعالم" تتضاعف في الجائحة!    شمال كردفان:ضبط كوابل نحاسية مسروقة خاصة بشركات البترول    آمال عباس تكتب : وقفاتٌ مُهمّةٌ ..صرير الأقلام.. ودوِّي المدافع (3)    أسرار بابكر تعود للسودان والغناء    الحوامل ولقاح كورونا.. دراسة طبية تكشف المخاطر والفوائد    سناء حمد: اللهم نسألك الجنة مع ابي ..فنحن لم نشبع منه    5 عادات سحرية في الصباح تجعل يومك أفضل    عبد الله مسار يكتب : من وحي القرآن الكريم (كهيعص عند المحبين)    طه مدثر يكتب: لا يلدغ المؤمن من جحر العسكر مرتين    حيدر المكاشفي يكتب: الانتخابات المبكرة..قميص عثمان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ذكرى اربعينية وردي مقالات كتبت قبل الرحيل
نشر في آخر لحظة يوم 28 - 04 - 2012

هذه محاولة أخرى ألجها باحثا عن مكامن الإبداع فى بعض أغنياتنا التى ظلت وستظل تمثل علامات فارقة فى مسيرة الغناء والموسقى منذ منتصف القرن العشرين الماضى وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
ولما كان الإبداع نعمة نادرة يخص بها الله وحده قلة من عباده ولأن المبدع نفسه إنسان تتجاذبه نوازع القلق والتأمل وتجذبه إليها عوامل ومغريات شتى تتأرجح وتتفاعل بين إرادة الفعل و الهروب منها وبين بواطن الوعى واللاوعى بالأحاسيس والأزمات والإنفعالات التى لايدركها إلا المبدع نفسه ولا يفهمها إلا قلة قليلة وعمر الدوش وبدون ألقاب كان واحدا نادرا ومن أبرز وأميزشعراء جيلنا فى السودان خلال الثلاثة عقود الأخيرة وإن لم يكن يحمل طبلا يُسَوِّق به أشعاره صباح مساء فى وسائل الإعلام المنتدى واهتبال فرص الظهور فى كل حين ولا أذكر مطلقا أنه كان طيلة معرفتنا به ميالا للأضواء وضجيج الشهرة وصخبها التى عشقها وأدمنها كثير من الشعراء الأقل منه قامة فى الشعر والثقافة وفنون الدراما والمسرح ووجودا إنسانى ومع ذلك كانت أشعاره تتسلل إلينا دون أن ندرى أودون أن يدرى هو ... الدوش نادرا ما كان يقرأ لنا أشعاره إلا من حفاظ شعره وحفظته وما كان ينشربين الحين والحين ومع ذلك توجناه عرفانا واعترافا على إمارة الشعر وما كان يتخيلها ولا كان يحسب نفسه أحد رعايا هذه الإمارة لأنه فقط كان يحلم بعالم مختلف أكده بقوله :
أنا بحلم إنى فى أكوان بترحل من مراسيها
ثم أن عمر الدوش الإنسان إنشغل بعمر الدوش الفنان ثم ما لبثا أن إندمجا فى كيان واحد لا فكاك منه حتى بالموت فاجتمع بذلك الصقيع بالهجير أو فلنقل إلتقت إرادة الحياة مع قلق المبدع وتمرده فكان أن إنفتحت عليهما كوات من الضوء الباهر وبوابات من الزمهرير الأليم فلم تستطع روح الدوش الشفيفة المعذبة إلا أن تتسامى عن جراحاتها وترتقى بها مفعمة بالتفاؤل وذلك بالخروج من قمقم الذات منطلقا إلى مدارات جديدة فى مجرة عالمه الحقيقى الذى ما برح يحلم ويبشر به ....
قليلون جدا فهموا حقيقة إنسانية عمرالدوش وعبقريته وآخرون كثر صمتوا عنه وفى دواخلهم كانوا لا يرون فيه إلا إنسانا تائها أضاع نفسه ثم ضيعته الحياة ...
هؤلاء ظلموا أنفسهم أولا وأخيرأ وقبل كل شئ .... لأن الزمن لم يمكنهم من أن يغتالوا عمر الطيب الدوش المبدع ولأن العظماء لا يظلمهم التاريخ ... فهم دائماعظماء الإنسانية فكيف إذا كانوا هم مبدعيها.
الدوش كان مقلا فى الكتابة ولكنه كتب شعرا ونثرا وألف للمسرح فانبهر به المسرح وإدهش الناس ، ثم أن الدوش كتب فى النقد فأسرج به قناديل من صحو وصدق الرؤيا
لأجل بعث ثقافة جديدة وفن جديد ..... وحياة جديدة .
أمامى قصيدة الدوش (بناديها) ... قرأتها وقرأتها ثم قرأتها للمرة الثالثة وأخذت أستجمع بعضا من ذاكرة الأيام (أين كنا ؟ أين أصبحنا ؟ وكيفَ ؟ ) ....
والدوش يبتدر الموقف بكلمة واحدة صادقة ومدوية :
"بناديها" .... ثم ماذا بعد يا عمرالدوش ؟
"وبعزم كل زول يرتاح على ضحكة عيون فيها" .... و ... "بناديها"
هكذا قدم لنا عمر الدوش القضية ....قضيتنا كلنا معا .... بوعى أوبلا وعى
الدوش يناديها إذن ...... لماذا .... ولمن ؟
يناديها لنا لنرتاح من ظنوننا وعذاباتنا ويأسنا لنرتمى فى حضنها الدفئ ونهنأ سعادة وحرية فوق رموشها الوثيرة الأثيرة ثم ننثنى لنغازل النجوم والفرح والشروق ....والحياة الجديدة ..
هو إذن يناديها لنا وكذلك وردى يناديها لنا ولكل الدنيا ويلح فى النداء بعد مقدمة موسيقية ذات جاذبية إتسقت فيها قدرات وردى فى المواءمة بين الإنسياب اللحني والضرب الإيقاعي ولا يناديها وردى إلا بعد أن يناديها الجيتار مرات وبرغم ظهور جملة موسيقية تتقافز مرحا فتناديها الأوركسترا مع الجيتار مرات ومرات ... وكانما حفظ وردى النداء أوبعدما تأكد له أن الأوركسترا قامت بواجب المناداة ينطلق بصوته فى فضاء الكون كله
"بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها "
" وبعزم كل زول يرتاح على ضحكة عيون فيها" .... وأنت يا عمر
"بناديها ..بناديها .. بناديها" .... علها تسمعك
وقبل أن نصحو تماما مع هذا النداء الداعى يعود الجيتار ويتبادل مع الأوركسترا حوارا شجيا حنينا ثم يحمل وردى بصوته الندى الصادح ذلك التوق الخافق إليها وقد قرر أن يؤدى الكوبليه كاملا .... فمن تكون هى وماذا يريد أن يقول؟؟؟
" أنا بحلم إنى فى أكوان بترحل من مراسيها" .... كيبف ياوردى؟
"عصافير نبتت جنحات وطارت للغيوم بيها" ... ثم ماذا بعد؟
"مسافر من فرح لى شوق ونازل فى حنان ليها" ... ياللسعادة !
"أغنى مع مراكب جات وراها بلاد حتمشيها " ... وهل ترضى ذلك ؟
" وبحزن لى سفن جايات وما بتلقى البلاقيها" .... وهو ضياع ثم لابد من....!
"بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها"
عمر الطيب الدوش هو الشاعر الذى لم يجعل من حبه حالة رومانسية بكَّاءة متوانية ولا حوله إلى لحظة عشق جريح مهزوم ولا أحتمى فيه بالتغزل المفضوح أنانية ... فقد كان الحب عنده حالة عارمة من الإنسانية وكونا واسعا يتدفق بالحياة مثله تماما ليتحول لعاطفة تتماهى فيها الإرادة بالرجاء والأمل والتفاؤل ولو على سراط العذاب كما تعذب هو لكنه لم يفقد أبدا إحساسه محبا وعاشقا للجمال وللحياة والحرية .
وردى فى عملية البناء النغمى والموسيقى أعطى لنفسه الحق التعبيرى لصوته ليؤدى بطولة التعبير الأدائى الظاهرى منه والجوانى لكلمات الأغنية ثم أن الغناء أصلا هو بطولة طرب صوتي حتى ولو جاءت الكلمات كما فى (بناديها) موحية أو مستغرقة فى الإيحاء والغموض والغمز المباح وغير المباح والتى تشير إليها بناديها بلا مواربة ولذلك قصة ذات دلالات ومعانى أشرك القارئ معى فى الإشارة إليها:
كنا قد إستدعينا نحن جمهرة من الموسيقيين والمطربين وأساتذة وشعراء ومسئولين لإجتماع عاجل بوزارة الثقافة والإعلام مطلع سنة 1974 وبعد إكتمال المدعويين جاء ورأس الإجتماع الوزير الأستاذ عمر الحاج موسى وقد كان رحمه الله رجلا فذا فى عسكريته وثقافته وأدبه وأريحيته كما كان سياسيا من طراز سودانى فريد وكان قادرا على إمتلاك ناصية الحديث بلاغة أدبا وتأدبا وثقة بالنفس وسماحة بمحدثيه .
دار نقاش حول إمكانية قيام المهرجان الغنائى الموسيقى الأول فى بحرذلك العام نفسه ( وهو ليس مهرجان الثقافة الأول الذى إنعقد عام 1976 ) وليس بخاف على الجميع حالة الجفاء التى سادت العلاقة بين نظام مايو والفنان محمد وردى ، وفى الحديث عن ليالى المهرجان تحدث الوزير مقترحا أن يختتم المهرجان بليلة ختامية تكون هى قمة الليالى يتنافس فيها عمالقة فن الغناء بأعمال جديدة ترصد لها جوائز تشجيعية غير مسبوقة وفجأة وبدون إستئذان إنبرى وردى موجها حديثه مباشرة للوزير قائلا ( يا سيادة الوزير أنا لن أشارك فى هذه الليلة لسبب واحد هو أننى فوق التنافس ولا أحد يستطيع منافستى ) وقبل أن نلتقط أنفاسنا من هول كلام وردى الصريح المصادم فقد كان من بين الحضور عدد مقدر من فنانين كبار وكبارجدا ... واصل وردى حديثه ( وكيف أشارك وأنتم يا سيادة الوزير أوقفتم بث أغنية بناديها) .
وبروح طيبة ونفس هادئ رد الوزير عمر حاج موسى قائلا ( أمر مؤسف ألا تشارك فى المنافسه يا وردى) ثم التفت إلى المرحوم محمد خوجلى صالحين مدير الإذاعة آنذاك وهمس فى أذنه بكلمات قليلة واستمر الحوار حول ترتيب فعاليات ليالى المهرجان الغنائى الموسيقى الأول وكنت أمثل معهد الموسيقى واقترحت أن يقدم المعهد ليلة كاملة الفعاليات وافق عليها الجميع وبعد دقائق معدودة دخل إلى الإجتماع الأستاذ صالحين يحمل جهاز الراديو Zenith خاصة الوزير وفتح الراديو على صوت مذيع الربط وهو يقدم أغنية بناديها من كلمات الشاعر عمر الطيب الدوش لحن وغناء محمد وردى واستمعناها كلنا كاملة دون أن ترمش لنا أذن ، وما أن إنتهت الأغنية بادر الوزير وردى فى شئ من السخرية المازحة متسائلا ( بالمناسبه يا وردى ما معنى الضل الوقف ما زاد ؟ ) جاء رد ورد ى سريعا فى ذكاء مدهش (يا سيادة الوزير أنت رجل أديب ماذا تقول ؟ ) ضحك الوزير ورد عليه قائلا ( إنت عارف وأنا عارف ) لم يسكت وردى فوجه للوزير سؤالا ساخرا...( طيب سألتنى ليه ؟؟؟) .....
إنفض الإجتماع المثمر الذى أفضى إلى قيام المهرجان مع الإبقاء على ليلة الكبار بدون منافسة شريطة تقديم الجديد خرجنا ووردى أطولنا قامة وأعلانا هامة .
وأما عمر الدوش فقد ظل يردد معنا منذ ذلك الزمن :
(مسافر من فرح لى شوق بغازل فى حنان ليها)
ولم يتردد وردى فى غناء هذا المقطع كاملا مؤكدا بطولته المطلقة صوتا وأداء عميقا معبرا ولكن عمر الدوش لا يكتفى بهذا الحلم الذى نادانا إليه لأنه الآن فى حالة طاغية من التأسى والتحدى وأما رومانسية وردى المطلقة بدأت تتغنى بصوت محزون شجى ثم بصوت الساكس وأنينه المبحوح متبادلا مع الأوركسترا التى تؤدى فيها الوتريات دورا أساسيا ثم وهى تئن بالجملة الموسيقية وليس لها سوى أن تتأوه وتتأوه ثم تندفع لتختتم هذا العذاب الجميل وأنفاسها تتردد من خلف وردىوهويتأسى بصوته الحزين وبلا توقف ونحن نلهث خلفه وقد غلب علينا الأسى والطرب :
"ولما تغيب عن الميعاد
أفتش ليها فى التاريخ واسأل عنها الأجداد
واسأل عنها المستقبل اللسع سنينو بعاد
وافتش ليها فى اللوحات محل الخاطر الما عاد
وفى الأعياد
وفى أحزان عيون الناس
وفى الضل الوقف ما زاد
بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها"
كان عمر الدوش يترجم القضية فى زمن بائس كظيم !!
وكان وردى الملحن قد فهم المعنى الكلى فاراد يؤديه بصوته بلا توقف ولم يترك للأوركسترا سوى بقية من صدى المتابعة الخافتة ونحن نلهث خلف وردى يستبد بنا الطرب والإنفعال فى وطن ناسه المبصرون لا يرون مبدعيه ومن يرونهم لا يسمعونهم ومن يسمعونهم لايحفلون بهم ولا بمقدار قرش تافه !!!!
مع من إذن يتكلم المبدع ؟
ومع من يتحاور؟
ولمن فى هذا الوطن يبث حزنه وآلامه .... وآماله؟
"وفى أحزان عيون الناس"
وردى إكتشف عالما جديدا وواقعيا ومتناقضا تجلى فى أغنية بناديها التى كتبها عمر الطيب الدوش برؤية وضمير إنسان موجوع وفنان يتعذب لكنه يظل يحلم ويحلم فى خضم عالم غريب عليه ويعيش فيه وأما محمد عثمان وردى فهو لم يكن يختلف كثيرا عن عمر الدوش لولا أن الدوش كان مبدعا متمردا حالما ووردى ما يزال مبدعا مجددا وإنسانا متفلتا مصادما وكلاهما لم تنقصهما الشجاعة ؛ أحدهما كتب نصا صعبا والآخرصاغه لحنا تجاوزبه الآذان إلى القلوب واستفز مقطع صغيرمنه وزيرا كبيرا وهذه هى رسالة الفن الحقيقية شريطة أن تكون رسالة مبدعة بحق .
عمر الدوش كان مؤمنا بفنه وبرسالته فقد ظل طوال عمره رحمه الله وأحسن إليه ينادى ويبشر بهذه الرسالة لذلك لم يكف عن الحلم حتى وهو يهدى آخر أنفاسه للوطن الكبيروللأحباب الحقيقيين على قلتهم فى هذا الزمن وذاك ...
وردى يحلم ويواصل الغناء الجميل مختتما الأغنية على إيقاع التمتم الذى يحبه كثيرا ولا تخلو منه أغنياته الطويلة والقصيرة والموسيقى كادت أن تستلف نغمة شعبيه ولكن وردى لا يريد أن يعطل إيقاع التمتم فيمنح الأوركسترا جملة موسيقية مسترسلة ليوظف مقطعها الأخير ويجعله لازمة موسيقية رشيقة تصحبه وهو يغنى مشحونا بالفرح والأمل والطرب ....
بمنتهى التفاؤل يعلن "بناديها والاقيها واحس باللقيا زى أحلام بتصدق يوم والاقيها"
وبمنتهى الأمل لاينفك يحلم "واحلم فى ليالى الصيف بساهر الليل واحجيها"
وبمنتهى التفانى يذوب مغنيا "أدوبى ليها ماضيها واطنبر ليها جاييها"
وبمنتهى الوفاء والرجاء يناجى"برسل ليها غنوة شوق واقيف مرات والوليها"
وعمر الدوش يردد ... ووردى يصدح
واناديها.. واناديها.. واناديها.. واناديها.. واناديها
وانا... وانت .... وكلنا بلا شك
نناديهأ
ويصدح النداء بصوت وردى قويا عميقا فى الضمير و إلى الأبد وسيتمدد الوطن
ظلا وريفا بالأمل والرجاء والتحدى بمثلما كان يحلم عمر الدوش..
وبمثلما غنى وردى ...
والنداء لا ينقطع ولن ينقطع ..
وهوفوق ذلك جرح نبيل ينزف حبا للوطن ..
وما اجمل وأعظم من الوطن إلا الوطن نفسه ..
وآه يا وطن ....
رحم الله الإنسان الفنان عمر الطيب الدوش الذى كنا (نناديه ) الدوش
وستظل ذكراه وإبداعاته تنادينا وتنادينا.... والله الموفق .
ملحوظه : هذا المقال التحليلى المجتهد نشر فى جريدة الصحافة فى أكتوبر2001 ضمن ملف خاص بذكرى رحيل الشاعرعمر الطيب الدوش وكذلك قبل عودة الراحل وردى من منفاه فى الولايات المتحدة وقد أجريت على المقال بعض الإضافات المعلوماتية وفى الصياغة بما لا يؤثر مطلقا على المقال الأصل .... ألا رحم الله الفنان محمد وردى والشاعر عمر الدوش وأحسن إليهما .... آمين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.