لن يستطيع أحد أن يسير في إتجاهين مختلفين في ذات الوقت، أي أنّه لن يتمكّن من السير جنوباً في ذات الوقت الذي يتوجّه فيه شمالاً.. وبمعنى آخر لن يستطيع امرؤ مهما كان أن يسبح مع التيّار وعكسه في ذات الوقت.. وهذا هو حال الشريكين وأجهزة إعلامهما الآن. الإعلام الرسمي في الشمال يدعو للوحدة ويدق طبولها، ويبذل مجهوداً خرافياً من أجل ذلك، رغم أن خطابه لن يكون مؤثراً بقدر كبير على المعنى بالرسالة الإعلامية وهو المواطن الجنوبي إذ إنّ تعبئة المواطن الشمالي للوحدة لن تقدّم أو تؤخر شيئاً لأنّه ليس المعني ب (عملية) الاستفتاء لكنّه معني بنتائجها. إعلام حكومة جنوب السودان الرسمي مع الانفصال الواضح ولن تجد في شاشة تلفزيون الجنوب مادة مرئية عن السودان الواحد الذي رسخ في وجداننا أن (كل أجزائه لنا وطن). نعم.. شاشة تلفزيون جنوب السودان لا تطل منها إلا الوجوه الانفصالية والرسالة الانفصالية الكاملة من خلال نشر أخبار المسيرات والمظاهرات (المصورة) الداعية (للانفصال) بمفردة (الاستقلال).. وكذلك المحطات الإذاعية المحدودة الانتشار ذات الأثر البالغ في دوائر بثها. اتّفاقية السلام الشامل نصّت على أن يعمل الشريكان من أجل الوحدة، وحددت مرجعية الدولة الفكرية والعقائدية وهذا يعني المرجعية الدينية في المساحة التي تشغلها الأغلبية على الأقل، بينما تركت للجنوب اختيار مرجعيته الدينية الخاصة وفق الموروث والمعتقدات المحلية، ولم تشر من قريب أو بعيد لما يسمى بعلمانية الدولة كما يحاول البعض أن يروّج لذلك. تعامل أجهزة الإعلام الرسمية والصحافة مع قضية الوحدة والانفصال أصبح محدداً وواضحاً، إذ تعمل كل أجهزة الدولة الرسمية في الشمال مع الوحدة، بل تتدخل الدولة بكل أجهزتها وآلياتها ومؤسساتها وتوقف صحيفة لها شعبيتها ومساحات انتشارها الواسعة مثل صحيفة «الانتباهة» الغراء ليس لشيء سوى أنها تروّج - حسبما تقول الحكومة - للانفصال.. بينما تغض ذات الحكومة الطرف عن صحف تصدر في الخرطوم تقدّم ما هو أسوأ ترويج للانفصال، وقد تصل إلى حد التهكم والسخرية من القيم العليا التي تحكم مجتمعنا السوداني، وهذه الصحف الانفصالية ذات أثر كبير وسط أبناء الولاياتالجنوبية إذ إنها تصدر باللغة الإنجليزية.. وفي هذا أيضاً مصادرة لحق من يُريد الدعوة للوحدة والذي يريد الترويج للانفصال.. وهذا ما تتمسك به حكومة الجنوب إن سئلت عما تبثه أجهزة إعلامها الرسمية إذ تقول للسائل إن هذه هي الحرية. كثير من الإخوة الجنوبيين أصبحت ثقتهم ضعيفة في حرية المفاضلة ما بين الوحدة والانفصال وكثير منهم على قناعة تامة بأن الذي يصوت للوحدة أو الانفصال في جنوب السودان لن يكون المواطن العادي المُستهدف، بل سيكون الصوت الأعلى والمؤثر هو صوت الجيش الشعبي دون غيره وإن السلاح والإرهاب والتخويف سيحسم الأمر.. ومع ذلك لا يتوقع أشقاؤنا الوحدويون في الجنوب أن تقل نسبة المؤيدين للوحدة عن خمسة وخمسين بالمائة.. إن شاء الله.