حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التعددية والدستور..
نشر في آخر لحظة يوم 29 - 01 - 2013


خلفية تاريخية:
على هذه المساحة التي نشأت عليها جمهورية السودان عاشت ممالك ومشيخات وكيانات سياسية صغيرة ومارست حياتها في استقلال عن جيرانها لكن في تفاعل معهم دون ان تشرف عليهم دولة مركزية واحدة، ثم في مرحلة لاحقة استطاعت مجموعة أو مجموعات متباينة متحالفة ان تفرض سلطة اوسع مدى «مملكة تقلي-مملكة المسبعات-سلطنة الفور-السلطنة الزرقاء» وكل تلك الممالك والسلطنات حصلت على ولاءالقبائل الأصغر بالقوة ولكنها إعترفت بخصوصية القبائل وقيادتها وخلقت علاقات قائمة على «الولاء» من جانب والإعتراف من الجانب الآخر حتى وصل الأمر في مرحلة السلطنة الزرقاء الى أوضاع شبه كونفدرالية.
على الغزو الأجنبي لقوات محمد علي باشا عام 1821م لم تفرض سلطة مركزية على السلطنة السنارية التي غزاها بل ظل يتوسع شمالاً وشرقاً وغرباً وجنوباً حتى أدخل تحت سلطته مناطق كانت مستقلة تماماً قبل دارفور أو مناطق لم تكن لها صلات قوية مباشرة مع باقي كيانات المنطقة مثل القبائل الاستوائية والنيلية في الجنوب وذلك بعد أن نجح نظام محمد علي في كسر حاجز مستنقعات السدود التي كانت تعوق الملاحة في النيل الأبيض، وتمنع التواصل مع المناطق الجنوبية عبر النهر، بل وتمدد نظام محمد علي بعد هذا الفتح إلى شمالي يوغندا.
وهكذا بدأ يشكل هذا الكيان السياسي الجديد «السودان» بسبب غزو أجنبي أدخل مجموعات سكانية ضعيفة، أو معدومة الصلة ببعضها البعض، في مراحل سابقة، وظل يدير هذا الكيان تارة ككيان موحد تابع لمركز السلطة في القاهرة، وطوراً بتقسيمه لأجزاء شبه مستقلة عن بعضها البعض ومسؤولة أمام القاهرة مباشرة، واحياناً عبر مركز سلطة واحد في الخرطوم هو المسؤول عن إدارة كل السودان السلطة المصرية التركية.
وعندما انتصرت الثورة المهدية ورثت هذا الكيان بكل مكوناته وكل تحدياته، وحاولت ان تنشيء سلطة مركزية موحدة تدير كل هذا عبر «عمال» يمثلون المهدي أو الخليفة يتولون إدارة هذه المناطق مما أدى إلى صراعات حادة احياناً بين السلطات القبلية التقليدية المحلية وبين السلطة المركزية المباشرة، وادخلت تلك القبائل في حروب مع الدولة المهدية.
وجاء الغزو البريطاني المصري لينهي أول سلطة سودانية وليؤسس حكماً ثنائياً على هذا الكيان، وظلت السلطة الثنائية المصرية البريطانية تواجه حركات مقاومة وحركات تمرد في شتى أنحاء السودان على مدى عقود وظلت الادارة البريطانية ترسل «الحملات التأديبية» الى الجنوب ضد الدينكا والنوير والى جبال النوبة حتى نهاية عشرينيات القرن الماضي، ولم يستقر لها الأمر تماماً إلا عام 1930.
كل ذلك يشير الى ان فرص الوحدة السياسية داخل المجموعات المتنوعة عرقياً وثقافياً ودينياً لم يكن بالأمر السهل، ولم يتم عبر إستيعاب ورضى وقبول، وليس ذلك بالأمر الغريب في نشأة «الدولة القومية» وبناء الوحدة القومية على أساس من التراضي القومي-لقد تم «توحيد» هذه الكيانات القبلية والعرقية والثقافية المختلفة عبر قوة الدولة وعنفها الذي نجح اخيراً في تحقيق تلك الغاية في السودان ! مع توسع محسوب في بناء أجهزة «الإدارة القبلية» التي تحفظ الأمن وتدير الشأن الداخلي، وفق تقاليد القبيلة تحت رقابة مباشرة من السلطة المستعمرة - النموذج- إذن كان نموذج «توحيد» الكيانات عبر قوة الدولة الاستعمارية الغازية هو النموذج من كل افريقيا منذ الهجمة الاستعمارية على القارة. وقد أدى ذلك الى قيام كل الكيانات الافريقية الراهنة على تنوع كبير في هويات سكانها التي توحدت بعنف الدولة ! ولم يكن وضع السودان شاذاً عن هذه القاعدة.
وعندما استقلت الدولة الافريقية ورثت هذا الواقع المأزوم وفشلت دول عديدة ومن بينها السودان بعد تحررها من الاستعمار في إعادة تأسيس الدولة على أسس حديثة تستوعب هذا التنوع وتتبني «الامة» على أساس الوصول الى إندماج حقيقي يعترف اولاً بهذا التنوع ويحترمه ويمنحنه الفرصة لكي يعبر عن ذاته في إدارة شأنه الداخلي، إذ سارت دولة الاستقلال في السودان ودول افريقية عديدة على نفس النهج الاستعماري في الاعتماد على «قوة الدولة» في فرض الوحدة مما أدخلها في حروب داخلية عديدة عندما تمردت مجموعات سكانية فور إحساسها بتراخي قبضة الدولة عند الاستقلال.
وزاد الأمر تعقيداً بالنسبة للسودان ان السياسات الاستعمارية السابقة زادت من حِدة الإنقسام داخل الكيان الواحد إما عبر سياسة تمييز عنصري في إدارة الكيان السياسي، وقد شهد السودان صورة من ذلك التمييز عبر «العزل» التام بين شماله وجنوبه وبعض مناطقه الاخرى التي حددها «قانون المناطق المقفولة» وسياسات العزل الاخري.
اما النهج الثاني فقد تمثل في التنمية غير المتوازنة مما زاد تلك الفوارق حدة.
نهج التنمية غير المتوازنة في السودان إنبنى على فلسفة السلطة الاستعمارية في التركيز على المناطق التي يمكن الحاقها بصورة سريعة بالاقتصاد العالمي كمنتج لمواد خام لصالح الدولة المستعمرة مع تجاهل تام لباقي المناطق غير الجاذبة ! فتركز نشاط الادارة الاستعمارية «وقد رأى في السودان ميزة نسبية» في مجال إنتاج القطن والصمغ العربي فركز نشاطه الاستعماري والخدمي في هذه المناطق الشمالية والوسطية فالخط الحديدي يربط الميناء بهذه المناطق كما ان الخدمات الصحية والتعليمية- على قلتها تركز في تلك المنطقة والعمالة المدربة تأتي منها مع إهمال تام للمناطق الطرفية.
وبجانب هذا الوضع الذي تجاهل تماماً هذا التنوع الفريد الذي يذخر به السودان فإن النخب التي قادت العمل الوطني في مراحله الاولى سارت على نفس منهج التجاهل تجاه كل الجماعات الطرفية في السودان و وقر في وجدانها ان السودان بأسره متوحد حول ثقافة عربية إسلامية دون أدنى إعتبار لذلك التنوع بل ان صحيفة «الحضارة» حينما آلت ملكيتها لزعماء الطوائف الدينية الثلاثة -السادة علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي والشريف يوسف الهندي- أعلنت في عددها الاول انها بحكم هذه الملكية باتت ناطقة باسم كل أهالي السودان مدعية بذلك ان كل السودانيين عرب ومسلمون، لأنها لا تعترف بوجود أعراق اخرى ولا ديانات اخرى ولا لغات اخرى.
وكان هذا هو النهج السائد في المجال الثقافي والسياسي والاقتصادي رغم بروز اسماء محدودة حاولت ان تلفت النظر الى تعددية وتنوع الواقع السوداني، وضرورة بناء الامة السودانية على أساس تحقيق الوحدة في التنوع.
ومن المؤسف ان الحركة السياسية الوطنية التي انجزت استقلال السودان مطلع عام 1956 افتقدت هذه الرؤية وغاب عنها ان السودان دخل مرحلة «الدولة القومية» دون أن يكمل مرحلة بناء «الامة السودانية» ولذلك فإن توحيد أهل السودان بكل تنوعهم ينبغي ان يكون مسؤوليتهم الاولى وبدلاً من ذلك تبنوا نموذج الدولة الاستعمارية تماماً فترجموا الاستقلال «سودنة» بمعنى ان يحل المواطن السوداني مكان البريطاني في الخدمة المدنية وان يحل السياسي السوداني محل الاداري البريطاني في الوظائف الدستورية ، وتبقت هياكل الدولة، ووظائفها، وسياساتها كما كانت تحت الادارة الاستعمارية-بل واتجهت نفس التوجه في المجال الاقتصادي فتبنت سياسة التركيز على «قطب التنمية» في وسط السودان مع إهمال لأطرافه بحجة ان هذه المناطق تتوفر فيها البنيات الأساسية لتحقيق عائد سريع من الاستثمار فيها، وان ذلك العائد هو ما يستعمل في تنمية وتطوير المناطق الطرفية، وهذه هي نفس الحجة التي برر بها البريطانيون سياساتهم الاستثمارية في السودان- وغني عن القول انها لم توفر فائضاً ينقذ المناطق الاكثر تخلفاً بل زادها فقراً- وتواصل هذا الخلل في الجوانب الثقافية والاجتماعية مما مهد لصراعات مستحكمة وحروب أهلية. ولا شك ان أصواتاً قليلة ومحدودة قد ارتفعت محذرة من هذا لكن الأصوات الأقوى كانت المدافعة عن هذا الواقع بل وكانت تهدف الى صهر كل الأعراق والثقافات في بوتقة واحدة بالقوة ومستندة على جهاز الدولة مما زاد من حدة المواجهات والتي بلغت ذروتها في إنفصال الجنوب.
ومن المدهش ان ترتفع صوات تدعي ان انفصال الجنوب قد قضى على«التعددية» في السودان ومثل هذه الاصوات تريد ان تعيد انتاج الأزمة كما تريد ان تقفز فوق واقع الجغرافيا والتاريخ وتمهد لصراعات- جديدة تهدد السودان بمزيد من التشظي بدلاً من الإعتراف بهذا التنوع والتعدد الذي يزخر به السودان واحترامه وتطويره واستيعابه وفق رؤية استراتيجية تهدف لتحقيق الوحدة في التنوع وبناء الأمة على قاعدة من المساواة والعدل والإنصاف والاعتراف بالتمايز العرقي والديني والثقافي والاجتماعي والقبول بوجود «هويات صغرى» وتجميعها في «هوية كبرى» جامعة والوصول بهذه الرؤية الى «عقد اجتماعي» جديد بحيث يجد كل مواطن نفسه في هذا السودان الشاسع.
ليس غريباً ان تكون هناك هويات صغرى متعددة في المجالات الاثنيةوالثقافية والدينية داخل الوطن الواحد، بل حتى داخل المنتمين لاثنية واحدة أو ثقافة واحدة أو دين واحد فالتعدد هو السمة الغالبة على البشر والإعتراف بذلك التنوع والتمايز واحترامه واستيعابه في الهوية الكبرى «الامة السودانية» ينبغي ان يكون هو الهدف لأي نموذج تنشئه دولة الاستقلال ويجب ان يكون احترام تلك الهوايات الصغرى هو المدخل لاستيعابها في الهوية الأكبر. «الامة السودانية» وتوظيف ذلك التنوع توظيفاً خلاقاً ومبدعاً والدستور الذي يتراضى عليه الجميع هو الآلية لذلك العقد الاجتماعي الجديد بين مكونات الامة الواحدة والذي ينبغي ان يستجيب لأشواق وطموحات وآمال هذه المجموعات المتعددة.
الذين يتحدثون عن ان انفصال الجنوب قد أنهى التنوع في السودان ووحد الامة السودانية !! يتحركون ضد منطق التاريخ ، ويتجاهلون الواقع المعاش ! بل ويتجاهلون حروب السودان التي تواصلت بعد إنفصال الجنوب، وتقدم لهم دارفور والنموذج الصارخ على خطورة تجاهل هذا التنوع فلو كان «الدين» وحده قادر على توحيد الناس رغم تنوعهم لما حدثت حروب في دارفور إذ أن كل أهالي الاقليم مسلمون بل هم من أحسن أهل السودان ديناً ! ولكنهم الآن يتحاربون ويتقاتلون بسبب تنوعهم في مجالات اخرى..
ü هم متنوعون اثنياً - بعضهم يرى أنهم من أصول عربية وآخرون من أصول افريقية، رغم أنهم مسلمون والعرب هم الذين أصدروا منشورات «قريش» وجندوا شبابهم واستهدفوا الآخرين «الزرقة» والزرقة هم الذين حملوا السلاح ! وجيشوا الجيوش ! بحجة الدفاع عن النفس.
ü وداخل كل مجموعة من المجموعتين تنوع وصراعات- فالذين يصفون أنفسهم عرب يتقاتلون بسبب تنافس حاد حول موارد طبيعية محدودة ومازلنا اليوم نبحث عن صلح مستدام بين قبائل عربية «الرزيقات والمسيرية» مثالاً !!! وبالمقابل هناك صراعات بين قبائل من أصول عربية عقدنا لها مؤتمرات الصلح بعد ان أُزهقت الأرواح.
ü وهناك صراعات دموية بين «الرعاة» وبين المزارعين المستقرين بسبب صراعات الموارد وهي مرشحة لمزيد من العنف مع استمرار موجات الجفاف والتصحر، والتنافس حول الموارد بسبب وسيلة كسب العيش.
ان الإعتراف بالتنوع هو المدخل الصحيح لمعالجته، كما اشرنا سابقاً، وقد جرت محاولات لتحقيق هذا الإعتراف في وثائق دستورية سابقة، وإذا توقفنا عند آخر دستور وهو الدستور الانتقالي للعام 2005م «الدستور الحالي» لوجدنا فيه بعض المؤشرات التي تحمل مباديء هادية مهمة، لكنها ظلت حبراً على ورق! دون ان تتحول إلى سياسات ملزمة، وإلى ممارسات مستقرة، يتحدث الدستور في مادته الاولى عن هذا التنوع حيث يقرر ان جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة.. وهي دولة ديموقراطية لا مركزية.. تتعدد فيها الثقافات واللغات.. وتتعايش فيها العناصر والأعراف.. وهو توصيف صحيح كان ومازال قائماً.. ولكن النص الدستوري شيء والتطبيق كان شيئاً آخر. ولم يكتفي دستور 2005م بذلك بل أضاف «أن السودان وطن واحد جامع تكون فيه الثقافات مصدر قوة وتوافق والهام». المادة «3» كما يؤكد على ان وحدة السودان «تؤسس على الإرادة الحرة الشعبية وسيادة حكم القانون والحكم الديموقراطي اللامركزي، والمساواة والاحترام والعدالة»-(المادة 4أ)- وان «التنوع الثقافي والاجتماعي للشعب السوداني هو أساس التماسك القومي، ولا يجوز إستغلاله لاحداث الفُرَّقة»-(المادة 4ج)- وأن المواطنة هي أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين-(المادة 7).
ü القبول بمبدأ التنوع - إذن- وارد تماماً في الدستور الذي يحكمنا اليوم، ولكن المشكلة في الإلتزام والتنفيذ وفي تحويل هذه المقولات الى واقع معاش والى إجراءات وممارسة تُطَبْق على أرض الواقع والوصول الى المشروع الوطني الذي يحقق أهداف هذه المقولات، والذي يتم الإلتزام به، وينفذ بحيث يجد كل مواطن نفسه في هذا المشروع الوطني.
انه مجمع عليه أن السودان بلدٌ تتعدد فيه الثقافات واللهجات المحلية والاعراق والمعتقدات الدينية. وإزاء هذا فإن المشاركة الشعبية الواسعة في السلطة السياسية وادارة المجتمع تقتضي التعبير عن هذا الواقع في الدستور بصورة واضحة!! وبضمانات دستورية للحقوق المترتبة على هذا الواقع في الدستور بصورة واضحة وبضمانات دستورية للحقوق المترتبة على هذا الوضع. ولعله من البديهي القول أن المشاركة الشعبية لا تتم بدون تنظيمات سياسية حزبية كانت أم إجتماعية، هذا الى جانب المنظمات الفئوية ومنظمات المجتمع المدني.
كان السودان، كما هو معلوم بلداً يحكم من الخرطوم على أساس الدولة المركزية الموحدة، بالرغم من انه مترامي الأطراف. وكما سلف ان ذكرنا فإن المجموعات القبلية والعرقية المختلفة التي تعيش في واقع اقتصادي واجتماعي متخلف ظلت تعاني من التهميش السياسي مما أيقظ فيها الاحساس في بعض الحالات بالرغم مما يحمله هذا المسلك من أخطارٍ تفتت السودان إلى دويلات.
لقد كانت ومازالت مرامي وآمال مجموعات الهامش هي حكم مناطقها لتحقيق تنمية وتطوير ثقافاتها وهلم جرا.. أنه من المنطقي ان تطالب هذه المجموعات بالحكم اللامركزي أو الاتحادي بصورة «حقيقية» وليس شكلية وان يستمد مشروعيته من الدستور. ان الحكم الاتحادي أو اللامركزي لا يعني التخلي من مبدأ الوحدة الوطنية. والحكم الاتحادي في مضمونه هو تلاقح إيجابي لفكرة الاستغلال عن المركز وذلك في إطار الوحدة الوطنية. مما يقتضي على الحكومة الولائية أن تراعي التنوع والتعدد في داخل الولاية.
لم تقتصر دعوة الولايات على المشاركة في الحكم اللامركزي ولكنها تسعى الى تحقيق الحكم الديموقراطي في المركز الذي «لحمته وسداه» حكم القانون ووضع وثيقة حريات يتضمنها الدستور.
لقد تجاوبت اتفاقية السلام الشامل مع هذا الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي فتضمنت من النصوص ما يراعي هذه الامور التي سلف ذكرها. لقد صدر دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005 متضمناً نصوصاً تخول للولايات ومجموعات الأقليات على المشاركة الفعالة في الحكم، وتطوير ثقافاتها وهلم جرا. وانشأت قضاءاً دستورياً لضمان نفاذ تلك النصوص. «الفصل الرابع من الباب الاول مواد 24-26 والباب الثاني-وثيقة الحريات والمواد 119-112 في شأن المحكمة الدستورية».
يرى البعض ان إنفصال جنوب السودان في يوليو 2011 بوصفه أكبر كتلة عرقية متميزة عن الشمال قد أدى الى تلاشي وانحسار التعددية العرقية والدينية والثقافية وان دولة السودان أصبحت دولة قومية منسجمة إلى حد كبير عرقياً وثقافياً ودينياً وهلم جرا. هذا الرأي لا يسنده الواقع ذلك ان السودان مازال يعيش واقع التنوع وان لم يكن بنفس الحدة التي كانت قبل انفصال الجنوب، وينهض دليلاً على ذلك ان هنالك مجموعات في شرق السودان وشماله وغربه لها ثقافات مختلفة كما أنها تنتمي إلى أعراق مختلفة. إننا نعلم أن شمال السودان تسكنه مجموعات ذات أصول نوبية، وشرق السودان تسكنه قبائل في دارفور، وكردفان، وجنوب النيل الأزرق، قبائل من أصول افريقية، وبناء على كل هذا فإنه يصبح من الضروري ان يعكس الدستور القادم في نصوص واضحة هذا التنوع ويشرع من الضمانات ما يحمي هذه المجموعات من سيطرة الأغلبية تحت ستار الديموقراطية النيابية.
إعداد الاساتذة/محجوب محمد صالح-محيي عووضة-عمر الفاروق شمينا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.