اتسعت رقعة الفساد والانحطاط في بلد «المشروع الحضاري» حتى بلغت معدلات غير مسبوقة. المليارات نُهِبَتْ من خزينة الدولة، سرقوها دون أن يرِّف لهم جفن.. احتج أحد الموظفين عندما لاموه قائلاً:«يعني شلت شنو.؟ مليارين بس.. شوفوا الكبار»!! هكذا ببساطة يرفض الحرامية «إشانة السمعة» والقانون بالمرصاد لمن «يشوه» سمعتهم... وقٍطِعَتْ الألسن وأوقفت الصحف التي لاكت ملفات الفساد. *** المشروع الديني المزعوم بدأ مع دولة الراشدين، وكان الفرد منهم يترك من حقوقه تسعة أعشار الحلال كي لا يقع في الحرام، أي يتنازل عن حقوقه خوفاً أن يلامس شبهة حرام، ولكن (إنسان الإنقاذ) يبحث عن الحرام ولا يجده! حتى الحرام لم يعد موجودًا، والسرقة ذاتها لم تعد ممكنة. هكذا حتى (العفن)أصبح مطلوباً ثم لا يجدونه، وهكذاأصبح لزاماً على الصراصير أن تهاجر، وهي بالمناسبة آخر من يترك الخرابات! *** هجرة الصراصير هذه يصفها الشاعر السوري نزار قباني: وجدت صرصارًا على حقيبتي سألته من أنت؟ قال إنني مهاجر وكان مثلي.. يرتدي قبعة ومعطفا وكان مثلي جالسا.. ينتظر القطار *** فوق هذا القحط الذي أصاب كل شيء يترك رسالة خالدة مازلنا في حاجة إليها هنا في السودان: هل أنت عينت وزيرًا للمال؟ إذن.. لماذا انفجر الفقر؟ لماذا انفجر الصبر؟ لماذا ساءت الأحوال؟ وأصبح الصحن الرئيسي هو الزبالة؟ وأصبح العصفور في بلادنا لا يجد النخالة إذن.. لماذا يشرب الضباط وسكياً ونحن نشرب الأوحال؟ لماذا في بطون أمهاتهم ينتحر الأطفال؟ *** والغريب العجيب.. رغم كل هذا الخراب والعفن والأنين يبقى الحاكم .. يقول نزار: أن الحاكم يعمر في بلادنا ألف سنة.. حتى أنه عندما يموت ويذهب مضطرًا إلى ضريحه: يهنيء المشيعون بعضهم وترقص الأزهار خلف نعشه والأحصنة.. *** لله در هذا الشاعر كأنه يقرأ المستقبل بعيون مفتحة وببصيرة نافذة.. تذكرت رسائله وطائرات التحالف الأمريكي تدك البنية التحتية لسوريا وهي تبحث عن قطة سوداء في الظلام اسمها داعش. وكأنه يخاطب القادة العرب المشاركين في التحالف ، يقول: أيا طويل العمر: يا من تشري النساء بالأرطال.. وتشري الأقلام بالأرطال.. لسنا نريد أي شيء منك.. فانكح جواريك كما تريد.. لا أحد يريد منك ملكك السعيد.. لا أحد يريد أن يسرق منك جبة الخلافة.. *** ما أعظم هذه الرؤية النافذة للمستقبل، والشاملة التي تحكي كل صور الواقع العربي. وكأنه اليوم بيننا يصف الخراب في سوريا وفي مصر والسودان واليمن... البنية التاريخية القوية للمدن السورية تنهار وعدّد الأسباب قبل ذلك بزمن طويل .توفى عام 1998م: يتكسر وطني مثل قوارير الفخار تنقرض الأمة بين الماء والنار.. تهاجر أسماك وبحار تنهار بنايات التاريخ جدارًا بعد جدار وأنا أتأمل ما تعرضه الشاشة من أخبار العار ومذيع الدولة يعلن دون حياء بفضل نضال الحزب وفضل الضباط الأحرار. *** تذكرت «أخبار العار» والأنباء تتوالى بأخبار لحوم الكلاب والحمير والبقر الفطيس التي توزع في الساحة السودانية وهذه الصورة نراها الآن بوضوح شديد في كل البلدان العربية إلا دولة أو دولتين! بالله عليكم.. ماذا ترك لنا لنصف حال السودان أكثر من قوله وهو يصف المصير: تحلبنا الدولة كالأبقار لا نعرف من يستأجرنا لا نعرف من هو مالكنا لا نعرف من في اليوم التالي يركبنا وبقينا نسأل أنفسنا هل هي شوربة؟ أم شورى؟؟ *** يصف حال المثقفين من كتاب وصحفيين بالقول: يستعملون الكاتب الكبير.. في أغراضهم كربطة الحذاء.. وعندما يستنزفون حبره وفكره. يرمونه في الريح كالأشلاء.. لهذه الأسباب على الكاتب أن لا يرفع صوته ولا يناقش مسدساً إذا أراد أن يعمل في أمان! وإذا قبل المسكين هذه الشروط عليه أن ينفذ بنود قانون «مزرعة الدواجن» وهو: كن بلا لون ولا طعم ولا رائحة.. وكن بلا رأي.. ولا قضية كبرى.. وأكتب عن الطقس وعن حبوب منع الحمل إن شئت فأنت آمن.. *** هكذا إن سمحوا لنا في السودان أن نقول بعض الذي نعرفه، سنجد أنفسنا تحت رحمة شركات اتصالات وسفارات في يدها الإعانة والقروض !! وقديما قالوا«سيد سيدك، سيدك» وكل (عبد بي سيدو)! ..والحالة واحدة ،لا فرق بين شعب متخم بالرفاهية ،ولكن بلا كرامة وشعب جائع بلا كرامة. والشاهد الأوحد على هذا التاريخ العربي الأسود هو الشاعر السوري نزار قباني الذي لم يترك شيئاً للصدفة قبل رحيله.. من استمع إليه قبل موته لا يندهش من الذي يجري الآن في سوريا والوطن العربي!! اوراق علي الطريق