ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالفيديو.. سجاد بحري ينفجر غضباً في وجه زملائه ويكشف الحقائق: (مافي فنان محترم والغناي أكتر مني يلاقيني في مسرح)    رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الذكرى الرابعة لإعدامه شنقاً : صدام حسين ورحلة النهاية الأسطورية
نشر في الأهرام اليوم يوم 30 - 12 - 2010


فريق أول جعفر حسن محمد أحمد
في مثل هذا اليوم قبل (4) سنوات تم إعدام صدام حسين، حيث صادف التاريخ فجر أوّل أيام الأضحى المبارك. وقد جرى ذلك بتسليمه للحكومة العراقية من قبل حرسه الأمريكي تلافياً لجدل قانوني في أمريكا.. المقال التالي يسلط الضوء على النهاية الأسطورية للرجل:
كان يوم 30/12/2006 نهاية حقبة في تاريخ العراق، ولكنها لم تكن نهاية لصدام حسين الذي ظل يجمع ويفرق الناس في قبره وفي قريته التي ولد فيها في 28/4/1937م وما بين الولادة والإعدام حياة حافلة ومسيرة طويلة لرجل ممن يقال عنهم شغلوا الدنيا والناس في حياتهم ومماتهم.. والحق أن صدام حالة فريدة من الحكام العرب، وما زال مثار جدل وسجال بين السياسيين والمثقفين ورجل الشارع العادي في وطننا العربي، يرفعه بعضنا إلى مصاف الأبطال والزعماء الأسطوريين ويزداد يقينه بذلك بإعدام صدام على أيدي الحكومة المتعاونة مع المحتل الأمريكي، وينحدر به بعضنا إلى درك الاستبداد والعمالة والبطش والعنف في الأرض. وما بينهما يبقى صدام إنسانا كسائر البشر له حسناته وسيئاته ويوصي أصحاب هذا الرأي:(اذكروا محاسن موتاكم). وفاة صدام كانت أيضاً نهاية لحقبة من رؤساء وزعماء العالم الثالث الذين جاءوا وجسدوا أحلام بلادهم القومية في مرحلة ما بعد الاستعمار، وسيظل صدام حسين حالة دراسية مهمة في التاريخ السياسي العالمي وذلك أنه حكم بلداً صعباً وقاسياً وشهد انقلابات دموية وأعمال عنف. وصدام حسين الذي جاء وأكد سلطته على العراق في العام 1979م بعد تقاعد الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر، الذي عمل نائباً له ولمدة عشر سنوات، وكرس خلالها شخصيته وقدرته وقام بتأمين النفط العراقي وبناء دولة حديثة، ارتفعت فيها معدلات التعليم والتحديث وأقام تحالفاً مع الشيوعيين لم يعمر طويلاً قبل أن يرتد عليهم أو يرتدوا عليه وقام بعملية تطهير واسعة في صفوف حزبه، ولأكثر من عشرين عاماً تسيد صدام حسين الساحة السياسية العراقية وخاض ثلاثة حروب، وقمع الكثير من الثورات والانتفاضات، وتصدى للعديد من المحاولات الانقلابية، وانتهى صدام الذي كان مهماً في معادلة الحرب الباردة معزولاً بسبب الحصار الأمريكي والدولي والذي حصد مليون عراقي بسبب الجوع والأمراض. ثم جاء احتلال العراق ودخول الجيوش الأمريكية لبغداد في 9/4/2003 لينتهي عهد صدام الذي رمز إليه بتحطيم تمثاله في ساحة الفردوس ، وفي هذا اليوم شوهد الرئيس العراقي لآخر مرة بين الناس وهو يردد (لقد خانوني) وخرج بعيداً في العمق العراقي متخفياً ولمدة ثمانية أشهر قبل أن يتم القبض عليه مساء يوم السبت (13/ ديسمبر 2003). وفي هذا اختلفت الروايات الرسمية والصحفية والأخرى فيما يتعلق بزمن ومكان الاعتقال. والرواية الأولى هي الرواية الأمريكية: لقد كان البحث عن صدام مصدر إزعاج حقيقي للقوات الأمريكية وإدارة بوش، ورصدت مكافأة تبلغ (25) مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه أو القبض عليه مباشرة. وحين اختفى صدام بعد سقوط بغداد كان مسؤولو الاستخبارات الأمريكية واثقين وبصورة معقولة من أنه لن يهرب إلى خارج البلاد وضمنوا أنه قد يكون مختبئاً في مكان ما بالقرب من بلدته تكريت. وبدأ فريق عسكري فائق السرية يعرف باسم (الثعلب الداكن) بعملية بحث سرية واسعة النطاق مستخدماً وسائل التصنت حديثة التقنية على الاتصالات الهاتفية أو عبر الراديو، وتمكن هذا الفريق من اعتقال كبار القادة البعثيين، وكذلك تم اعتقال نحو (60%) من بين رجال أهل قرية صدام والتحقيق معهم. وكذلك شملت الاعتقالات كل من كان حول صدام من حراس ومعاونين وأشباه صدام، وكذلك الذين كانوا يخدمون في القصور الرئاسية، وقال اللفتنت كولونيل (ستيف رسل) من الفرقة الرابعة مشاة: ألقينا القبض على والد أحد المطلوبين وألقينا القبض على عدد متنوع من الشخصيات الذين هم من شخصيات القرية البارزة. وظلت طاحونة الشائعات تفرز الشائعة تلو الأخرى، ففي يونيو (2003) نشرت صحيفة في بغداد أن الرئيس الأسبق قد شوهد وهو يقود سيارة أجرة من نوع باجيرو في أحياء العاصمة بغداد. وأبلغت مصادر بريطانية (نيوز ويك) أن صدام حسين يقوم بقيادة سيارة أجرة قديمة، وأن هذه المعلومة بلغتهم من صور الاستطلاع الجوي. وبحلول الموعد الذي زار فيه وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بغداد في مطلع ديسمبر2003م بدأ كبار مسؤولي القيادة الامريكية الوسطى يشعرون بانهم بدأوا أخيراً يطبقون الخناق على مكان تواجد صدام وبدأوا باعتقال العناصر التي كانت قريبة من المطارد رقم (1) نفسه وفي الساعة 50: 10 صباحاً في يوم السبت 13 ديسمبر 2003م حصلت الاستخبارات العسكرية الأمريكية على المعلومة التي كانت تبحث عنها وهي أن صدام مختبئ في إحدى مزرعتين في قرية (الدور) الصغيرة. وبسرعة قامت الفرقة الرابعة مشاة بتنفيذ خطة (الفجر الأحمر) إذ جمعت نحو (600) من رجال الفرسان والمهندسين والمدفعية والقوات الخاصة لاقتحام المزرعتين اللتين أطلق عليهما الاسمان الحركيان (وولفراين «1» وولفراين 2). وما إن خيم المساء على المنطقة، حتى قام الجنود بتطويق المزرعتين، حيث قطعوا الطرق الموصلة إليهما من مسافة تصل بين (أربعة) إلى (خمسة) كليومترات وقامت القوات بدخول المزرعتين، ولكنها لم تعثر على شيء وارتابت القوات الأمريكية بشأن مجمع منخفض الأسوار كان ممتلئاً بالشرائح المعدنية وبداخله كوخ مبني من الطين وقد وقفت إحدى سيارات الأجرة بالقرب منه وبدأت القوات الأمريكية عملية تفتيش داخل المجمع حيث تم العثور على فتحة مموهة بالأرض تختفي وراء أكوام من القمامة وقوالب الطوب، وعندما اقتحمت القوات الفتحة قرابة الساعة الثامنة والنصف مساء اكتشفت أنها تؤدي إلى حجرة صغيرة تمتد لمسافة مترين داخل الأرض حيث كان صدام بداخلها. ولم تطلق القوات الأمريكية أي رصاصة خلال العملية التي استسلم فيها صدام بدون أي مقاومة. وقد عثرت القوات الأمريكية بحوزة صدام على مبلغ سبعمائة وخمسين ألف دولار أمريكي (750 ألف دولار) ومدفعين رشاش من طراز (ايه كي 47) ومسدس. وقد اقتيد صدام حسين إلى مكان غير معلوم قرابة الساعة التاسعة والربع مساءً وفقاً لما أعلنه (الليوتاتت جنرال ريكاردو شانشيز) قائد القوات الأمريكية في العراق والجنرال (جون أبي يزيد) قائد القيادة الوسطى المسئول عن جميع القوات في المنطقة، اتصل بوزير الدفاع رامسفيلد لينقل إليه الأخبار السارة واتصل وزير الدفاع الأمريكي بالرئيس الأمريكي بوش وأبلغه بالخبر السعيد. وقال بوش «هذه أخبار طيبة فعلاً» قرر بوش بسرعة أنه سوف يتحدث إلى الأمة ظهر يوم الأحد 14/12/2003م ولكنه ومستشاريه قرروا أن الاحتفال يجب أن يبقى في حده الأدني في واشنطن وأن الحدث الرئيسي يجب أن يبقى في بغداد وأما في بغداد وفي الساعة الثالثة عصراً في يوم الأحد 14/12/2003 عقد الحاكم العسكري الأمريكي (بريمر) مؤتمراً صحفياً، أعلن فيه وبكل الابتهاج أنه تم القبض على صدام حسين. وكان الرئيس الأمريكي بوش يشاهد التلفزيون في البيت الأبيض أحس بالانفعال والبهجة. وأما الرواية الثانية فهي رواية (الأسبوع المصرية) رواية الكاتب مصطفي بكري، وهذه الرواية الثانية لا تختلف مع الرواية الأولى من حيث الجهد الاستخباري المبذول لتضييق الخناق على صدام حسين بالمتابعة المستمرة والاعتقالات المستمرة لأفراد عشيرته وأفراد حزب البعث والحراس الشخصيين لصدام حسين وكان أحد المقبوض عليهم يمت بصلة القرابة المباشرة لصدام وكان يعرف مكان صدام الذي يظل يتردد على والد المقبوض عليه ليطمئن على صحته وهو خاله في صلة القرابة وبعد ضغوط شديدة على هذا الشاب الذي يبلغ من العمر 35 عاماً وبعد تعرضه للتعذيب النفسي والبدني أرشد القوات الأمريكية على المكان الذي يأوي صدام حسين. وفي اليوم الثامن من مراقبة المنزل كانت المفاجأة أن اقترب من المكان أحد الحراس وكان من أقرباء صدام وانهار هذا الشخص واعترف بسرعة كبيرة بأن صدام سيأتي إلى مخبئه في هذا المكان بعد وقت قصير للغاية وبالفعل حضر صدام ومعه اثنان من حراسه ودخل المنزل وهو لا يعلم أن حارسه الذي أرسله للاستطلاع قد تم القبض عليه واستخدمت القوات الأمريكية هذا الشخص والذي كان أصلاً مكلفاً بإحضار الطعام بأن زودته بالطعام المطلوب بعد أن تم حقنه بمواد مخدرة تؤدى الى النوم العميق. بعد وقت قصير قام هذا الشخص والذي كان يسير وفقاً للرغبات الأمريكية، يحمل الأطعمة التي كلف بشرائها، ودخل المنزل وأعطى الأطعمة لواحد من مرافقي صدام الشخصيين. وبعد نحو ساعتين من تناول الطعام قامت القوات الأمريكية بمهاجمة المنزل حيث وجد الجميع في حالة نوم عميق، فقد كانت الأطعمة مخدرة بنسبة عالية. كان هنالك مصور بكاميرا للفيديو وأخرى للتصوير يقوم بالتقاط المشاهد خطوة بخطوة ثم حمل الثلاثة صدام ومرافقيه وهم في حالة نوم عميق. الآن تأكد قائد الفرقة الرابعة أن من ألقى عليه القبض هو صدام حسين بالفعل. جرى التكتم على الأمر وأبلغ بريمر وسانشيز والكل في حالة ذهول وكان ذلك في أكتوبر 2003م. وعلى الفور تم إبلاغ رامسفيلد والذي أبلغ الرئيس بوش بدوره وتم الاتفاق على أن يقوم (بريمر) وبعض القادة العسكريين باستصحاب صدام إلى واشنطن وعدم الإعلان نهائياً عن عملية القبض، بل أن بوش طلب منهم إطلاق التصريحات التي تؤكد صعوبة العثور على صدام حسين، وقد فعلوا ذلك بإطلاق العديد من التصريحات التي توضح أن القوات الأمريكية غير قادرة على القبض على صدام حسين.
وصلت الطائرة التي تقل صدام إلى واشنطن وفي سرية تامة تم نقله إلى مكان ما داخل العاصمة الأمريكية. كان بوش يريد أن يرى صدام ذليلاً راكعاً قبل الإعلان عن خبر اعتقاله، وهذا هو السر الحقيقي في اصطحاب صدام إلى الولايات المتحدة، بينما كانت (كونداليزا رايس) مستشارة الأمن القومي متحمسة لفكرة رامسفيلد من إظهار القوة الأمريكية وظهور صدام في حديقة البيت الأبيض أمام وسائل الإعلام داخل القفص الحديدي. كان (باول) وزير الخارجية غير مقتنع بحديث وأفكار (رايس) و(رامسفيلد) وابدى اعتراضه الشديد على سيناريو القفص الحديدي واعتبر أن تنفيذ ذلك السيناريو لن يكون موجها ضد صدام وإنما رسالة موجهة لكل الشعوب العربية والإسلامية وقال بلهجة غلبت عليها الحدة إن هذا المشهد الذليل لن يقبله العراقيون أنفسهم بل حتى أعداء صدام سيرفضونه وإن ذلك سيؤدي إلى حدوث اضطرابات أمنية بالغة قد تصل إلى حد الثورة في داخل العديد من البلدان العربية. ورأي (باول) أن يتم الاستفادة من صدام للإجابة على كل التساؤلات الأمريكية الحائرة. واقترح باول في هذا الإطار أن يتم تأجيل الإعلان نهائياً عن اعتقال صدام حسين، بل أن يتصرف بريمر وكل المعنيين على أنهم ما زالوا يبحثون عن صدام حتى تنتهي المخابرات الأمريكية بالتعاون مع الأمن القومي تماماً من التحقيقات مع صدام على أن تبقى هذه التحقيقات سرية ودون الإعلان. هذا وقد أيد آراء (باول) بريمر وأغلب القادة العسكريين، وأن بريمر طلب ضرورة مراعاة الحالة النفسية للعراقيين الذين حتى وإن اتفقوا على عدم حبهم لصدام، إلا أنهم سيرفضون إذلاله إلى هذا الحد وأنه إذا أعلن أنه سافر إلى واشنطن للتحقيق معه فسنواجه بضغوط دولية مكثفة من أجل الإعلان عن نتائج هذه التحقيقات أو المطالبة بأن يتولى هذه التحقيقات العراقيون أنفسهم، الذين سيرفضون بدورهم أن تجري محاكمة صدام داخل الأراضي الأمريكية وفي هذه الفترة ومنذ القبض عليه وحتى قبيل نبأ الإعلان بقليل في (14/12/2003) كانت قد مضت عدة أسابيع خضع فيها صدام لتحقيقات مكثفة مع عناصر المخابرات الأمريكية التي قامت بنقله إلى أحدث مراكز المخابرات الأمريكية في فرجيينا وأدخل لعدة مرات على أجهزة الكشف على الكذب. ورغم كافة الإجراءات والضغوط والحقن المخدرة فإن صدام لم يبد أي نوع من التعاون مع فرق المحققين الأمريكيين الذين توالوا عليه صباحاً ومساءً جربوا معه كل أنواع الضغوط النفسية والإغراءات الأخرى من أجل انتزاع المعلومة، إلا أن إجابة صدام على كافة التساؤلات كانت مقتضبة وتتميز بالحدة في كثير من الأحيان، حاولوا إقناعه بالحديث عن أسلحة الدمار الشامل وقالوا إذا أنقذت الرئيس بوش من مأزقه فسنوفر لك كل ما تريد وأن الأمر لن يكلفك شيئاً سوى أن تقر بأنك تخلصت من أسلحة الدمار الشامل قبل الحملة الأمريكية على العراق مباشرة، إلا أن صدام كان يسخر كثيراً من هذه الادعاءات ويقول: لن أجعل بوش يهنأ بانتصار وهمي وكاذب ولن أبيع بلدي العراق حتى لو وقفت وحيداً، وحتى لو خانني كل الرفاق والأصدقاء، بل وحتى لو أعلن الشعب العراقي كله التبرؤ مني. كذلك رفض الحديث عن المواد الكيماوية الأمريكية التي تسلمها أثناء حرب إيران. وكذلك رفض الكشف عن مكان معدات الجيش العراقي من دبابات وطائرات وأين اختفت وكذلك الأسرار الأخرى المرتبطة بالتشكيلات العراقية. كذلك رفض الحديث والكشف عن الأوضاع الداخلية في العراق والشخصيات القوية التي يمكن أن تعتمد عليها الولايات المتحدة في داخل العراق أو تلك التي لا تزال تتعاون معه.
كانت إجاباته مذهلة وكان صموده أسطورياً لذلك لم يتردد (رامسفيلد) في أن يخرج في أكثر من تصريح بعد إعلان القبض على صدام ليقول إنه شخص غير متعاون، ولا يزال يتمسك بكل مواقفه وهو ما كرره أيضاً أعضاء الحكم الانتقالي الذين التقوا به في أعقاب القبض عليه بقليل، وبعد حوالى الشهر تقريباً أعادوا صدام إلى العراق مجدداً، وجاء على متن طائرة خاصة وحوله عدد من كبار ضباط (CIA) والفرقة الرابعة مشاة الأمريكية وعدد من الخبراء الأمنيين الإسرائيليين. ومضت الأيام ثقيلة والكل ينتظر لحظة الإعلان عن قبض صدام حسين. وبفارغ الصبر وجاءت الساعة في يوم (الأحد 14/12/2003) وكان الإعلان الذي قدم فيه شريط الفيدو الخاص بعملية القبض على صدام حسين. ويبدو أن نشوة النصر جعلت الأمريكيين يكشفون وعن غير قصد عن كذب الرواية التي رووها عن عملية اعتقال صدام فبعد مضي كل تلك الفترة من القبض على صدام كانت أمور كثيرة قد تغيرت ولكنهم نسوا أن يقوموا بتحديد الصور التي أخذوها أثناء اعتقال صدام، وجاءت الصور التي أذيعت على شاشات الفضائيات لتكشف حقائق المسكوت عنه في عملية القبض والاعتقال وكانت البداية (ذلك البلح الأصفر) الذي ظهر في الصورة وأن كل من يعرف العراق يعرف أن البلح الأصفر يظهر في الفترة من يوليو إلى أكتوبر، وهذا يعني أن هذه الصورة قد التقطت في أكتوبر وليس ديسمبر كما ورد في شريط الفيديو. وهنالك أيضاً الصور التي تم بثها والتي بدا فيها صدام ذا شعر طويل غير مهذب ولحية طويلة غير منظمة، حيث كشفت الصور عن قيام الأمريكي بصبغ شعر رأس صدام باللون الأسود واختفاء الشيب تماماً منه في حين أنهم لم يراعوا ذلك بالنسبة للحيته فظهر فيها الشيب واضحاً. وتساءل الناس عن معنى وجود شعر الرأس بلا شيب بينما شعر اللحية يبدو فيه الشيب واضحاً؟! وكل هذا يكشف عن كذب الرواية الأمريكية في الصميم، وأنه على الأرجح أن صدام تم اعتقاله في أكتوبر وليس ديسمبر من العام .2003م.
وأخيراً فإن وجود صدام رهن الاعتقال الأمريكي أدخل الإدارة الأمريكية والرئيس بوش في مأزق، فشعبية بوش تواصل الهبوط والانحدار، وأن وجود صدام حياً أصبح يمثل خطراً على الأمن القومي الأمريكي والعالمي. وإزاء هذا الموقف، كان البنتاجون يرى ضرورة التخلص من صدام وقتله عبر التأثيرات المخدرة لأن صدام وهو رهن الاعتقال ان لديه معلومات مهمة عن اتصالاته مع الرؤساء الأمريكيين السابق والعديد من قادة العالم وأن هذه الاتصالات لم يتم الكشف عنها لأنها تتضمن العديد من الأسرار التي لا يجوز الإطلاع عليها أو الإفصاح عنها خلال تلك الفترة. ويرى قادة البنتاجون أن صدام يمكن أن يعلن عن هذه الأسرار إذا أتيحت له الفرصة للحديث إلى وسائل الاعلام، وأن أكثر ما يهم الإدارة الأمريكية هو بعض الاتصالات السرية التي جرت بين بوش الأب وصدام حسين وكذلك مضمون هذه الاتصالات التي تكشف عن جانب مهم في عملية الغزو العراقي للكويت وأن صدام مازال يحتفظ بهذه الأوراق كأداة ضغط على الجانب الأمريكي حتى الآن وأن الرئيس (بوش الابن) يريد الحصول على هذه الوثائق بأي شكل وأن والده يعتبر أن قتل صدام أفضل من الحصول على هذه الوثائق وكشفها، وتتخوف الإدارة الإمريكية من أن يكون صدام قد أعطى هذه الوثائق السرية لشخص ثان ما زال يحتفظ بها حتى الآن وأن صدام فقط هو المعني بالكشف عن أمر هذه الوثائق.
نواصل
خبير وباحث في الشؤون العسكرية والسياسية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.