الدفاع المدني يقف على الأوضاع بشمال بحري    إدلب، أوكرانيا،مظاهرات المعارضة في محادثات ماكرون وبوتين    لندن ستوقف"فورا"العمل بحريةتنقل الأشخاص لبريكست دون اتفاق    مصر تفوز ببطولة العالم في كرة اليدللناشئين    علماءصينيون يكملون خريطة جينوم ثلاثية الأبعاد للأرز    البشير يعترف بتلقي أموال من السعودية والإمارات    البدلاء يقودون الهلال للفوز في افتتاح الدوري السوداني    حامل اللقب يُدشِّن مشواره بفوز صعب .. المريخ يوقف انطلاقة الأهلي مروي ويُحوِّل تأخُّره لانتصار    سنه أولى ديمقراطيه.. وألام التسنين .. بقلم: د. مجدي اسحق    نسايم عطبرة الحلوة .. بقلم: عبدالله الشقليني    حزب جزائري يدعو جيش بلاده للتأسي بالتجربة السودانية    امطار وسيول جارفة بمحلية مروي بالولاية الشمالية    والي جنوب دارفور يتفقد فضائية الولاية    قيادي بالحرية والتغيير: الشعب السوداني سيكون الداعم الأكبر    رفع علم السودان ببطولة الألعاب الأفريقية بالمغرب    بريطانية مصابة بفشل كلوي تنجب "طفلة معجزة    القيادة الأمنية تتفقد المناطق المتأثرة بالأمطار    تباين بورصات الخليج والسعودية تتألق بفضل البنوك    محاكمة المتهم الذي حاول صفع الرئيس السابق البشير    تفاصيل العثور على طفلة مفقودة منذ (5) أعوام    المجلس العسكري السوداني: إرجاء إعلان المجلس السيادي 48 ساعة    قطر النّدي بلّ الصدّي .. بقلم: سابل سلاطين – واشنطون    الناقلة الإيرانية تبحر إلى اليونان    ظريف: العراق شريكنا التجاري الكبير    الولايات المتحدة تنجو من 3 مجازر جماعية    تشيلسي يواصل التراجع ويسقط في فخ التعادل أمام ليستر سيتي    محمد بن سلمان يجري اتصالين بالبرهان وأحمد ربيع    نائب رئيس الاتحاد السوداني: اجلنا مباريات القمة في الأسبوع الثاني للممتاز    الامطار تحرم الاهلي شندي من الفوز ضد الوادي نيالا    والي الشمالية يطمئن على انسياب السلع    مطالبات بتحقيق التنمية المتوازنة بالنيل الأزرق    37375فدانا مساحات الموسم الصيفي بدنقلا    اقتصادي يدعو الحكومة الجديدة لحلول بعيدة عن جيب المواطن    عرمان :قوى الحرية والتغيير بحاجة إلى جسم قيادي لانجاز عملية التحول الديمقراطي    واشنطن : توقيع وثيقة الإعلان الدستوري خطوة كبيرة للسودانيين    هرمنا من أجل هذه اللحظة .. بقلم: د. مجدي إسحق    اللجنة الإقتصادية: إحتياطي الدقيق يغطي إحتياجات البلاد حتى نهاية العام    اقتصادي يدعو الحكومة الجديدة لحلول بعيدة عن جيب المواطن    الإفراط في أدوية مرض السكرى يضر بالصحة    تراجع أسعار صرف العملات مقابل الجنيه السوداني بعد توقيع اتفاق الخرطوم    مذيعة سودانية تخطف الأضواء في توقيع الاتفاق    في ذمة الله شقيقة د. عصام محجوب الماحي    أمطار متوسطة تسمتر ل 6 ساعات بالأبيض    عيد الترابط الأسري والتكافل المجتمعي .. بقلم: نورالدين مدني    رسالة إلى الإسلاميين: عليكم بهذا إن أردتم العيش بسلام .. بقلم: د. اليسع عبدالقادر    تدشين عربات إطفاء حديثة بجنوب كردفان    دراسة تدحض "خرافة" ربط تناول القهوة قبل النوم بالأرق    ماذا يحدث لجسمك حين تفرط باستهلاك السكر؟    ضبط خلية مسلحة بالخرطوم    خلاص السودان في الدولة المدنية .. بقلم: موسى مرعي    تمديد فترةالتقديم وزيادة الصالات بمعرض الكتاب    فصل كوادر ...!    مبارك الكودة يكتب :رسالة إلى الدعاة    ب "الأحرف الأولى".. السودانيون يكتبون "المدنية" في دفتر التاريخ    محط أنظار حُجّاج بيت الله الحرام    مقتل 19 وإصابة 30 بحادثة اصطدام سيارات بالقاهرة    موفق يتفقد الرائد المسرحي مكي سنادة    الشرطة تضبط مخدرات وأموالاً بمناطق التعدين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





يحيى مصطفى كامل : البشير وشركاؤه
نشر في رماة الحدق يوم 20 - 04 - 2019

قليلةٌ هي الجمل التي تحظى بالشهرة من بين عبارات كارل ماركس على ما كتب وأسهم، وللأسف فجلها أذيع مبتوراً ممثلاً به، بغرض التشويه والتشهير؛ إلا أن أشهرها التي لم تنفك تحضرني طيلة العقد الماضي، أو يزيد، هي تلك التي تصدرت كتابه الشهير «الثامن عشر من برومير»، أن التاريخ حين يعيد نفسه مرتين ففي الأولى على شكل مأساة والثانية مهزلة.
ونحن في بلداننا نعيش المهزلة منذ أمدٍ بعيد. بيد أن المشكلة التي تحاصرني (بل أحسب أنها تلاحقنا جميعاً) أن تلك المهزلة في امتدادها وتكرارها البذيء الممل، لم تبرح قط أجواء التراجيديا بما يراق فيها من دماء، وتسحق فيها من عظامٍ ويُنصب فيها من مشانق، ناهيك بالطبع عن الإفقار وتضخم وتعدد المنظومة الأمنية، وتردي الخدمات والسجون الجديدة التي ما تلبث أن تكتظ بالمعتقلين وتردي الخدمات.
للأسف أيضاً فإن حديث الشجون والدم هذا ليس ترفاً فكرياً، ولا سفسطة مثقفين في زوايا المقاهي المنسية، بل صار واقعاً شديد الإلحاح في خضم الثورات والثورات المضادة، خاصةً تلك الموجة الجديدة من الثورات.
نورٌ فياضٌ لمع في عتمة ليل الثورة المضادة، تلك كانت ثورة الشعب السوداني، ثم عقب شهورٍ من التظاهر أججتها الأوضاع الاقتصادية المتأزمة، وارتفاع أسعار السلع والوقود، عزلت قيادة الجيش البشير بعد ثلاثة عقودٍ قضاها في السلطة. لا أعلم تحديداً ما سرّ الثلاثين سنة التي أودت بكلٍ من مبارك والبشير، وما إذا كانت عمراً افتراضياً لم يقدرا على تجاوزه، إلا أن قواسم مشتركة تجمع في العقود الثلاثة الأخيرة بين الضباط السابقين واللاحقين، يأتون عقب أزمةٍ سياسية فيزعمون أنهم بقدراتهم الذهنية المحدودة ومداركهم وثقافتهم المتواضعة، يملكون الحل البسيط المباشر لكل تلك المشاكل، التي ما يلبثون أن يبشرونا بكم هي معقدة ونتاج تراكم سنين من فقدان الإدارة الرشيدة والسياسات الفاشلة، التي أدت إلى تهلهل الدولة التي لم يجيئوا إلا ليرمموها؛ حقيقةً لا أعلم يقيناً ما إذا كانوا قارئين على يد شيخٍ واحد؟ أم أن فقراً مذهلاً في الخيال، أم تشابهاً في الظرف الاجتماعي- الاقتصادي، أم مزيجاً من كل ذلك هو ما يدفعهم إلى المسلك نفسه؟ فالمحافظة، مزاجاً وسياسةً، هي ما تسمهم، والعداء للديمقراطية والتعددية الحقيقية والانفتاح السياسي تجمعهم، يردفها إيمانٌ عميقٌ مستمدٌ ربما من خلفياتهم العسكرية بسلطةٍ منضبطةٍ ذات قبضةٍ فولاذية، تتسم بهرميةٍ مطلقة كتراتبية الجيش، وفي بعض الأحيان قد تستبد بأحدهم أوهامٌ يتصور بمقتضاها أنه مخلصٌ منتظرٌ.
الأكيد أنهم يقضون سنيهم يناورون ويلعبون، يعدون ولا يفون، مصممون على عدم تقديم أي تنازلاتٍ حقيقية مهما صغرت، وبالطبع يرفضون تقاسم السلطة بشكلٍ فعالٍ ذي معنى، وحتى في حالة البشير فإنه لم يلبث أن انقلب على الترابي، وأطاح به معتمداً على الجيش في بناء تلك الشبكة المعقدة من تحالفاتٍ توسطها هو ليصير الحلقة الأهم ورمانة الميزان.
ما يجرنا إلى سمةٍ أخرى تجمعهم ألا وهي تلك العلاقة المضطربة والمتراوحة بين التعاون والتعايش القلق، والعداء مع القوى الإسلامية التي تدفعهم دائماً لا إلى مخاصمتهم بالمطلق، بل إلى البحث عن فصيلٍ يدعمهم أمام فصيلٍ آخر كالسلفيين في وجه الإخوان في مصر على سبيل المثال لا الحصر. فتكون النتيجة المزيد من الإفقار والخراب والتردي، الذي يستتبع المزيد من القمع للسيطرة على الناس. لكن على الرغم من أوجه التشابه البائسة تلك (التي استمرت عقب الإطاحة بالبشير) فإن الثورة السودانية (والحراك الجزائري أيضاً) أثبتت أمراً فائق الإهمية، كنا قد ذكرناه عقب ثورة يناير/كانون الثاني في مصر: أن التاريخ لم ينتهِ بعد. خُيل للبعض أن المآزق التي تعثرت بها ثورات الربيع العربي والمآلات التي عصفت بها، خاصةً في طبعتيها المصرية والسورية، في ظل هجمة ثورةٍ مضادة تدعمها قوى إقليمية وعالمية ورؤوس أموالٍ كفيلةٌ بإبعاد احتمالات اندلاع ثورةٍ جديدةٍ عن المنطقة، حتى أتت الثورة السودانية لتدحض هذا التصور وتثبت سذاجته وتطرح بديلاً وتحليلاً مغايرين بقدر ما هما بسيطان ومهمان، مهما تشبثت الثورة المضادة برفضهما: إن الثورة مخرجٌ لا محيص عنه للاستعصاء الاجتماعي، وإن الشعوب تتعلم، أنها قابلةٌ للتعليم قادرةٌ عليه.
أبسط دليلٌ على ذلك هو الشعب السوداني وثيق الصلة بالشعب المصري، لعوامل الجغرافيا الممتدة والتاريخ الطويل المشترك المتداخل، فقد كان أجدر من غيره بأن يتشرب الروح الانهزامية نفسها ونظريات المؤامرات الخارجية واليأس من طريق التغيير الثوري، إلا أنه لم يفعل فنزل الشارع، وقد ترسخ لديه إدراكٌ ووعيٌ بأن العلة لم تكمن في الثورة طريقاً للتخطي، وإنما في التذبذب والالتباس في الفهم وتقدير الأولويات والتعامل مع القوى الموجودة على الساحة، وعلى رأسها الجيش، وصولاً إلى استدعائه مرةً أخرى ليتسلم زمام السلطة، لذا نجد السودانيين منذ وقتٍ مبكر يرفضون وصاية المجلس العسكري، أو خلق جنرال مخلصٍ جديد يعيدهم إلى سابق عهدهم، بل يضاف إلى ذلك التفاتٌ مبكر تشهد به المقالات المكتوبة للدور المخرب الذي تقوم به مملكات الخليج، ورؤوس أموالها لإحباط أي تغييرٍ حقيقي، أي إعادة إنتاج وإخراج وضعٍ شبيهٍ بمصر، كما يشهد به ذلك الدعم لعبد الفتاح البرهان وثيق الصلة بالبلدين، بواقع دوره في قيادة قوات السودان المشاركة في الحرب على اليمن.
طرفان لم يتعلما الدرس: الطغاة الطامحون للسلط وبعض «النخب الثورية» التي لهجت طيلة عقودٍ بأذكار الثورة ك»حزب عم» ثم رسبت في الامتحان، وها هي الآن تلتف حول طاغية الزمان، تكفر بالناس وتبث اليأس من مقدرتهم على التغير والتغيير.
لم يزل الوقت مبكراً لتقدير تصورٍ عن ما ستحمله الأيام في الشأن السوداني إلا أنه يحق لنا الآن أن نحتفل بثورةٍ اعادت لنا الأمل والحياة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.