ونحن نستشرف ذكرى أمير شهدائنا.. الذين مضوا إلى ربهم وأوكلت أرواحهم إلى حواصل طير خضر.. تجوب بها آفاق الملأ الأعلى.. إلى جوار رب غفور رحيم.. وتركونا نحن نكابد العنت ونتجرّع الأسى. وذلك في يوم الخميس الموافق 12 فبراير 1998م إثر تحطم طائرتهم خارج مدرج مطار مدينة الناصر بولاية أعالي النيل في جنوب السودان، وانجرافها داخل نهر السوباط. وكان على متنها 57 شخصاً استشهد منهم بضعة وعشرون، وهم في رحلة بحث عن السلام يومها والحرب ترمي بشرر كالقصر. هذا المقال الذي تشرّف بأخيرة «ألوان» الغرّاء في13 فبراير 1998م وقد استوحيته من فعاليات عرس الشهيد الزبير الذي شكّل فيه الأشقاء والأصدقاء حضورًا أنيقاً ورائعاً.. وذلك لأجل جيل كان وقتها في أولى عتبات التعليم العام «أولى أساس» وهو اليوم على مشارف التخرُّج في الجامعات والمعاهد العليا، وهم يتأهبون لتسيير دفة القيادة في بلادنا. النص: إن رحيل الأخ المشير / الزبير واستشهاده في ذلكم الصباح من يوم الخميس.. قد فجّر فينا شلالات من الحزن والأسى.. طغت على حواسنا ومشاعرنا.. فوجفت منا القلوب، وارتعشت منّا الفرائص، وساخت منّا الأقدام في رمال الحزن والأسى، وذرفت منّا العيون دمعاً كالدم لوناً، وكالجمر حرًا، ولسان حالنا يقول: وا زبيراه! واقائداه! وا إسلاماه! وا إسلاماه!!. من للأرامل بعدك.. من لليتامى.. من للثكالى.. من للفقراء.. من لضحايا الحرب.. من للمعاقين.. من للضعفاء والمساكين.. بل من لهؤلاء وأولئك جميعاً؟ « 1 3» ومن يعيد الابتسامة لشفاه جفت حزناً وأسى، ومن يعيد الطمأنينة لنفوس نال منها الخوف والجزع أيما نيل؟ ليس لهؤلاء وأولئك بعدك أبا مصعب، غيرُ الله.. فهو نعم المولى ونعم النصير. إن استشهاد الأخ الزبير كان استشهاد أمة في شخص رجل.. بل استشهاد إفريقيا والعرب والمسلمين في ذلكم الفذ الهمام البطل الضرغام.. ذلكم الرجل الفارع الطول الواسع البال.. الذي كان كنخل الشمال في سموِّه وكبريائه، وكخط الإستواء في توسطه واعتداله، وكالهبباي في قوته وعنفوانه، وكجبل مرة في لطفه وطيب هوائه.. فقد كان السودان مجسّدًا في شخصه. جمع بين استقامة أسلاف لنا من المسلمين كانوا لو أقسموا على الله لأبرّهم، وبساطة ونقاء أخوالنا في إفريقيا، وعزة وكبرياء أعمامنا في بني يعرب.. نعم.. فهو خليط من هؤلاء وأولئك جميعاً.. كان أبنوسي اللون.. ذرب اللسان.. نقي السريرة حتى يكاد المرء ينفذ لدواخله لشفافيته وتوافق مظهره مع جوهره. لله درك أخي الأديب الأريب الوزير/سبدرات.. لأنك قلت فأوفيت، ووصفت فصدقت.. فجزاك الله كل خير بتلك الكلمات الرائعات في حق «أخو البنات، ومقنع الكاشفات، ومدرج العاطلات، قشاش الدموع وعشا البايتات». لقد كانت أرض الكنانة رائعة روعة أهراماتها، وكانت الجماهيرية وفية وفاء قائدها لأمته «فقد كنا نحسب القذافي حتى ذلكم الحين كذلك»، وكانت قطر حاضرة في شرف ونبل وكرامة وكبرياء، وكانت المملكة في قلب الحدث كما الكعبة في قلب كل مسلم نقي ورع، وكانت اليمن بحكمتها وعروبتها تشكل حضورًا مميزًا كسورة سبأ بين آي القرءان الكريم، وكانت «الرافدين» رغم البوارج في عباب الخليج التي ما نالت أمتنا خيرًا قط مذ أن عرفت طريقها إليه.. نعم رغم الوفود ورغم البنود ورغم النذر على الأفق كانت «الرافدين» يومها بيننا كعهدنا بها وبماضيها التليد «كانت نذر الحرب الأممية وقتها تلبّد بغيومها سماء العراق في عهد الرئيس صدام حسين»، وكانت فلسطين، وكانت تشاد. كان الكل يومها رائعاً في حضور وحاضرًا في روعة.. فجزاهم الله عنّا كل خير، وجمع الله بيننا قلوباً وأرواحاً وأبداناً على الود والوئام.. كان الكل رائعاً وصادقاً ونبيلاً في حزنه وحزيناً في نبله وعمق مشاعره. «2 3» فقد كان الشهيد بيننا كما الضيف العزيز الذي حلّ ثم ما لبث أن رحل وشيكاً.. حتى قبل أن يجيب عن تلكم الأسئلة التقليدية التي لدى أهلنا في ريفنا الحبيب، وهم يقدمون لضيفهم القِرَى «بكسر القاف» ثم يتركونه بُرهة لنيل قسط من الراحة والطمأنينة.. ثم يأتون إليه متحلّقين حوله وهم يتجاذبون معه أطراف الحديث.. ومتعرفين عليه .. وجهة ومقصدًا وأهلاً: «شن اسمك، وشن نفرك، وعقبك شن حالهم، وشقيش عاني»؟ نعم فقد رحل الزبير وشيكاً.. في ثمانٍ من السنوات لم نتمكن فيها حتى من إكرامه وتقديم القِرى اللائق بمقامه ثم نتعرّف عليه. وقد أعجبتني يومها كلمة الأخ/ عبد الرحمن نور الدين في حق الشهيد: «إن الطريق إلى قلوب الجماهير تأتي عبر السماء». ونحن نشهد بأن الشهيد الزبير قد ارتبط بالسماء حيّاً وميتاً.. فقد كانت قامته السامقة تجبر المرء أن يرجع النظر في السماء كرتين، وأن استشهاده لم يكن على الأرض بل كان قسمة بين الماء والسماء!؟ فلله درك من شهيد سموت حيّاً وميتاً، والسلام عليك وعلى إخوتك جميعاً.. في النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.