عثمان ميرغني يكتب: السودان… الهدنة الهشة لا تعني السلام!    دُرَّة دوري الدامر تُزيِّن كشوفات مؤسسة الشمالية    وزير الداخلية السوداني يعلنها بشأن الرئيس السابق عمر البشير    كاكا في باريس: عقدة (المسرة)    والي الخرطوم يقف على أعمال تركيب محولات الكهرباء وتأهيل المحطات وشد الاسلاك    تحذير مهم لبنك السودان المركزي    شاهد بالصورة.. المشجعة ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء "منية" تحتفل بتعيين والدها مديراً عاماً لنبك السودان المركزي (تتويجٌ مستحق لمسيرة وطنية حافلة)    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    شاهد بالصورة والفيديو.. في السودان.. إصطياد سمكة ضخمة من فصيلة "القرش" وعرضها في أحد الأسواق لبيعها بالكيلو    بيان هام من المطربين أحمد الصادق وحسين الصادق لكل السودانيين المقيمين بمصر    شاهد بالفيديو.. من وسط السوق العربي.. وزير الإعلام "الإعيسر" يخاطب المواطنين ويطالب المصور الذي رافقه بالوقوف في زاوية التصوير الصحيحة: (بعد الثورة دي عاوزين أي زول يكون بروفيشنال)    شاهد بالفيديو.. بعد تعرضه لأزمة صحية.. الصحفي الشهير بابكر سلك يوجه رسالة لشعب المريخ ويمازح "الهلالاب" من داخل المستشفى: (جاي أقفل ليكم جان كلود ونأخد كرت أحمر أنا وهو)    الخرطوم تستعيد نبضها: أول جولة دبلوماسية في قلب الخرطوم لدبلوماسي أجنبي برفقة وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار    شاهد بالصور والفيديو.. في حفل زواج أسطوري.. شاب "سوداني" يتزوج من حسناء "كرواتية" بحضور أسرتها وأصدقائه والجمهور: (رفعت رأس كل الجنقو وبقينا نسابة الأسطورة مودريتش)    شاهد بالفيديو.. "بدران" الدعم السريع يعلق على ظهور "فيل" ضخم بمناطق سيطرتهم بدارفور: (دلالة على أنه وجد الأمان بيننا ولو ظهر في أرض الكيزان لقتلوه وأكلوه)    خبيرة تغذية تحذر من 7 أطعمة مُصنّعة ترفع خطر ارتفاع ضغط الدم    الصحة تبدأ انطلاقة مسار الدورة الثامنة لمنحة الصندوق العالمي للدورة الثامنة (GC8)    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    مفاجأة سارة.. فليك يعلن قائمة برشلونة لموقعة كوبنهاجن    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    وزير الطاقة : نتطلع إلى شراكة أعمق مع الهند لإعادة إعمار قطاع الطاقة بعد الحرب    رئيس جمهورية جيبوتي يستقبل رئيس الوزراء    جمارك كسلا تحبط محاولة تهريب ذخيرة عبر نهر عطبرة    النفط يواصل الصعود والذهب فوق 5300 دولار    ما زالت خيوط الهلال على شاطئ البحر الأحمر شاحبة بالملوحة    الى اين تسيير !!    والي الخرطوم يثبت رسوم الأنشطة التجارية للعام 2026 تخفيفاً للأعباء على المواطنين    إندريك يجهز قرارا صادما لريال مدريد    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (عن المستقبل)    بالأرقام.. بنزيما ورونالدو الأكثر إهداراً للفرص في دوري روشن السعودي    فرنسا تقر حظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 15 عاماً    بنك التنمية الأفريقي يرصد 379.6 مليون دولار للسودان    واشنطن مستعدة للتعاون مع طهران إذا "رغبت إيران في التواصل"    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    اتحاد الكرة يصدر عقوبات صارمة    حبس البلوجر هدير عبدالرازق وأوتاكا 3 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه في نشر فيديوهات خادشة    توضيح هام من الفنان مأمون سوار الدهب بعد اتهامه بالتلميح لطيقته بعد زواجها: هذا السبب هو الذي دفعني لكتابة "الحمدلله الذي اذهب عني الاذى" وهذه هي قصة أغنية "اللهم لا شماتة" التي رددتها    تمارين الرياضية سر لطول العمر وتعزيز الصحة    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    طفرة تقنية ونقلة نوعية بإتحاد القضارف    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    إحباط تهريب أسلحة وذخائر في ولاية نهر النيل    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تجديد الفهم لمصارف الزكاة..أ.محمد سعيد الحفيان
نشر في الانتباهة يوم 19 - 01 - 2013

مساهمة مني في تطوير ديوان الزكاة وأداء هذه الشعيرة المهمة على الوجه الذي يرضي الله، أُعدُّ هذه الدراسة لعلها تساهم في تجديد الفهم لبعض مصارف الزكاة، وقد استقيت تعريف المصارف الزكوية التي حددتها في الدراسة من موقع الديوان بالشبكة الدولية للمعلومات. ولربما كانت لأهل الديوان آراء أخرى غير منشورة لم أتمكن من الاطلاع عليها. فإن أخطات فمن نفسي والشيطان وإن أصبت فمن الله.
لماذا ثارت الشعوب العربية؟
الإنسان هو خليفة الله في الأرض، والله عزَّ وجلَّ هو المطلق والمثالي في كل شيء، والروح المنفوخة في الإنسان ما هي إلا شيء من هذه القيم المطلقة، نفخت في الإنسان ليصبح مؤهلاً لتطبيق نموذج الخلافة التي يريدها رب العباد. وفوق ذلك لم يترك عزَّ وجلَّ الإنسان ليعتمد على ما نفخ فيه من روح، بل وزوده الله بمناهج مثالية واقعية ما على الإنسان إلا تطبيقها لتتكامل عنده، بعد الروح، عوامل بناء النموذج الإلهي في الأرض. وقد كان القرآن آخر هذه المناهج الإلهية التي أمر الإنسان باتباعها.
ومما لاشك فيه أن أحد أعمدة بناء النموذج الإلهي في الأرض هو تحقيق العدالة الاجتماعية، بل هي ركن أساسي إذا اهتزت قواعده فسيصبح بنو البشر في دوامة من الصراعات والحروب التي تؤدي إلى سفك الدماء واستشراء الفساد في الأرض.. جاءت الزكاة كأحد الحلول التي تؤدي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين بني البشر ولتقلع مع غيرها من الحلول، بذور الثورات والفوضى.
والزكاة المفروضة مقدارها ضئيل جدًا لا يغني فقيرًا ولا يسدُّ حاجته إلى الأبد، ولكن حكمتها تكمن في القيمة الأخلاقية لها، من حيث الإحساس الذي يداخل المتلقي للزكاة وشعوره أن الأغنياء يتعاطفون معه ويعيشون واقعه وآلامه ومعاناته، وستكون نتيجة هذه المشاركة رضىً وطمأنينة يشعر به متلقو الزكاة تجاه الأغنياء، مما يذهب الضغينة والشحناء والحسد والمكر. وهذه الصفات هي التي دائماً ما تطبع سلوك الفقراء ضد الأغنياء. لذلك جاءت الزكاة لتذيب هذه الفوارق داخل النفس، وإذا ما أذيبت هذه الفوارق شاعت في المجتمع روح التكافل والتعاضد والتراحم والوحدة وبالتالي يكون المجتمع المسلم يدًا واحدة ضد أعدائه، مجتمعاً عصياً على الاختراق والاستقطاب من قبل الأعداء، فأي قضية تعضِّد وحدة الجبهة الداخلية للسودان أشد من هذه! بل هي أسرع نتيجة من القرع على طبول الوحدة الوطنية والقومية القطرية لتحقيق وحدة الجبهة الداخلية للأوطان.
لكن العالم الإسلامي اليوم والأمس لم تخمد فيه الثورات أبداً. فكل ما قام نظام حكم سرعان ما يسقط بفعل الثورات ، وتاريخ المسلمين مليء بالشواهد، ولعل آخرها الثورات التي اجتاحت العالم العربي أو ما اصطلح على تسميته بثورات الربيع العربي. وإذا كان الإسلام قد وضع حلولاً اجتماعية تحقق العدل بين طبقات الشعوب المختلفة، فلماذا إذن تثور شعوب المسلمين على حكامها؟ قد يقول قائل إن السلاطين هم السبب الأول وراء تلك الثورات بسبب سلوكهم المنافي للمنهج الإلهي وهذا قول فيه حقيقة، ولكن هبْ أن تلك الشعوب الثائرة تمكنت من الحكم والسلطان في عصر اليوم كما هو قد حصل فعلاً، أليست الحاجة ماسة لإعادة قراءة فريضة الزكاة كآلة من الآليات التي تحقق العدالة الاجتماعية بين الناس وتمنع تجدد الثورات؟ ثم أليس نحن المسلمين مطالبون بتصدير هذا المنهج الإلهي في العدالة إلى غيرنا ليكون مدخلاً جاذباً للشعوب المستضعفة للدخول في الإسلام؟
الحاجة إلى تجديد فهم بعض مصارف الزكاة:
القرآن تشريع صالح لكل زمان ومكان، ولولا صحة هذه المقولة لما جعل الله النبي محمد «صلى الله عليه وسلم» خاتم الأنبياء. فالقرآن يقود الناس إلى تحقيق الخلافة في الأرض كما يريدها الله، ويجعل متبعيه يرثون الجنات يوم القيامة. وزمان اليوم غير زمان الأمس، فاليوم قفزت البشرية قفزات كبيرة نحو الحضارة والتقدم، ومهما تقدَّم بالناس العلم والمعرفة فسيظل المنهج القرآني هو المنهج المثالي الذي ينير الطريق للناس ويقودهم إلى بر النجاة مهما تخلفت معارف الناس أو تطورت. والمفهموم الموروث لتعريف بعض مصارف الزكاة، لا يغطي كثيراً من الطبقات الاجتماعية الجديدة التي أفرزتها مؤسسات التعليم الحديثة. لذا جاءت الحاجة ماسة لتجديد فهمنا لمصارف الزكاة لتجدد أحوال الناس حتى نقودهم بالقرآن لتحقيق أهم ركن من أركان إقامة الخلافة في الأرض.
وسنورد فيما يلي اجتهادًا منا توصيفاً أدقّ لتلك المصارف، وقد استندنا في ذلك على مدلول لفظ كل مصرف كما جاء في كتاب الله ولغة العرب. والمصارف الواجب تصريف أموال الزكاة والصدقات نحوها، حواها قوله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)التوبة. وسنتناول هنا فهماً جديدًا لتعريف الفقير والمسكين وابن السبيل:
أولاً: من هو الفقير؟
جاء في موقع ديوان الزكاة السوداني عن تعريف الفقير :«الفقير هو من لا يملك قوت عامه أو ربُّ الأسرة الذي ليس له مصدر دخل ويشمل الطالب المنقطع للدراسة».
وهذا المعنى فيه خلط إذ جمع بين معنيين، ولم يحدد بدقة متناهية معنى الفقير. والمعنى الأصح هو المعنى الأخير الذي أشار إليه تعريف الديوان، والذي عرف الفقير بأنه :«هو من لا عمل أو مهنة له». لذا ينبغي الاقتصار عليه حتى لا يشتبه على الناس أوجه الصرف. ولتأكيد صحة هذا المعنى سنلجأ كما نوهنا إلى القرآن، كتاب الله الذي هو العدة الصحيحة الموثقة التي نعتمد عليها لمعرفة من هو الفقير وإلى لغة العرب.
يقول تعالى في شأن نبيه موسى عليه السلام :«فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير» .24 القصص. ذكر نبي الله موسى عليه السلام هذا القول بُعيد انصرافه من بئر مدين.. وموسى عليه السلام كما نعلم خرج من بلده إلى مدين خائفاً مترقباً من فرعون وقومه بعد أن قتل منهم نفساً، فمدين ليست داره ولا أرضه فهي بلد لا يعرف موسى فيها أحدًا. وغريب الدار من الطبيعي أن يكون في أمس الحاجة للطعام والشراب. أما الشراب فلم تكن لموسى عليه السلام مشكلة فيه، فبئر مدين التي سقا منها للمرأتين موجودة ولا حرج أن يشرب منها، أما الطعام فهنا تكمن المشكلة، فللحصول على الطعام لا بد من الحصول على المال، والمال لن يتأتى إلا إذا كان للشخص مهنة أو وظيفة، وموسى عليه السلام عندما جاء أرض مدين، كان شاباً قوي الجسم وكان عنده من الله حكماً وعلماً، فهو في تلك اللحظة كان في أمس الحاجة لعمل شريف يكسب منه أجرًا ليقوت نفسه، وهذا ما أوضحته الآية، فالخير المنزل من الله على موسى عليه السلام والذي عناه في الآية، هو قوته الجسدية والحكم والعلم الذي أوتيه من قبل. فكان كل ما ينقصه فقط مهنة يتكسب منها ليأكل حتى لا يكون عالة على غيره في بلد لا يعرف فيها أحدًا. لذلك استجاب له ربه فورًا ووفر له الأجر الذي سيشتري به الطعام ليأكل ومن ثم يستقرّ عندما قال عز وجل ) : « فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» «25». بل ولم يقف الأمر عند حد أجر محدود، ففتح الله عليه بعقد عمل طويل الأجل استمر عشر سنوات حقق منه موسى عليه السلام كل ما كان يحلم به أي شاب في مقتبل العمر أعني السكن والوظيفة والزواج كما هو واضح في قوله تعالى:
) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» «27». القصص
إذن نفهم من الآية أن موسى عليه السلام عندما وصف نفسه في الآية بأنه فقير كان يقصد أنه لا عمل له، وعليه يصبح المعنى الدقيق لكلمة فقير هو كل شخص لا مهنة له أو عمل، بغض النظر عن حال الشخص مريضاً كان أو صحيحاً أو متعلماً، فموسى عليه السلام في تلك اللحظة التي وصف فيها نفسه بأنه فقير، كان شاباً قوي البنية الجسمانية وكان متعلماً علماً ربانياً كما قال عز وجل في نفس السورة : «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» «14».القصص.
ويعضد ذلك المعنى للفقير قوله تعالى: « لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ» «273» البقرة. والفقراء المعنيون في الآية هم أهل الصُّفّة.. وهم كما جاء خبرهم في كتب السيرة والتفسير، مجموعة من الشباب الذين هاجروا إلى المدينة بعد أن ضيّق عليهم كفار قريش منافذ الحياة بسبب إسلامهم. وقد بنى المسلمون المقتدرون لهؤلاء الشباب عريشاً أو صُفّة في مسجد رسول الله« صلى الله عليه وسلم» بالمدينة وبه سموا. ومعنى أُحصروا في سبيل الله كما جاء في كتب التفسير، أي حصروا أنفسهم للقتال في سبيل الله. وكان القرآن يحثُّ الأنصار للإنفاق عليهم ريثما تستقر أوضاعهم ويجدون عملاً يقتاتون منه. فهم رغم فورة شبابهم وقوتهم، إلا أنهم لم يجدوا فرصاً للعمل لذا صنّفهم القرآن ضمن شريحة الفقراء.
نخلص من كل ذلك إلى أننا ينبغي حصر معنى الفقير بأنه كل شخص لا وظيفة له وعاطل عن العمل هو فقير، سواء كان هذا الشخص سليم الجسم والعقل ومتعلم أو غير ذلك. وعليه يدخل في هذه شريحة الفقراء اليوم، العاطلون من الخريجين والذين فقدوا وظائفهم لأي سبب من الأسباب، وكذلك طلاب الجامعات والدراسات العليا الذين تتطلب دراستهم الانقطاع عن الوظيفة والتفرُّغ الكامل للدراسة. فلا ينبغي إدخال شرائح أخرى تحت مظلة فقير بعد هذا التعريف المحدد.
ثانياً: من هو المسكين؟:
جاء في تعريف ديوان الزكاة أن المسكين: «المسكين هو الذي لا يملك قوت يومه ويشمل العاجز عن الكسب لعاهة دائمة والمريض الذي يعجز عن نفقات العلاج وضحايا الكوارث». وهذا التعريف أيضاً غير واضح وغير دقيق ومن الصعب جدًا بناءً عليه تحديد من هو المسكين. لذا ولكي نحدد دقة ومعنى هذا المطلح ما علينا إلا اتباع المنهج الذي ساقنا إلى تحديد تعريف الفقير، ألا وهو الذهاب إلى كتاب الله ولغة العرب. يقول تعالى في سورة الكهف :«أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ» «79». ما هو واضح في هذه الآية أن هؤلاء المساكين يعملون، مما يعني أن لهم دخلاً. ولكن آية الصدقات جعلت المساكين المصرف الثاني للزكاة! لماذا هذا التضمين طالما أن لهم دخلاً؟ نرى أن الإجابة عن السؤال هو أن دخل المساكين قليل لا يغطي منصرفاتهم، لذا أصبحوا من المستحقين للزكاة. عليه نخلص إلى أن التعريف الدقيق للمسكين بأنه العامل أو الموظف الذي لا يغطي دخله منصرفاته. ويعضد هذا الفهم قوله تعالى :
(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ» «24» القلم.
من خلال التدبر في الآية فإن أول ما يتبادر للذهن هذا السؤال: لماذا خصّ أصحاب الجنة المساكين بالذكر لحرمانهم من الثمر دون غيرهم من الفئات الأشد حاجة كالفقراء والأيتام؟ والإجابة عن السؤال تأتي من أن أصحاب الجنة عزموا على حرمان أي شخص من ثمار جنتهم حتى ولو كان مسكيناً، بمعنى أنه حتى المساكين الذين يأخذون أجر عملهم في الجنة ثمراً، سيكونون ضمن المحرومين، لا استثاء لأحد، كما يدل عليه قوله تعالى: «وَلا يَسْتَثْنُونَ». ونظرًا لأن المساكين يأخذون أجرهم جراء عملهم في الجنة، عزم أصحاب الجنة على صرم «قطع» ثمر جنتهم بأنفسهم «لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ»!. حتى تكون لهم الثمار خالصة لا يشاركهم فيها أحد ولو العاملون معهم في الحصاد.
ويعزز هذا التعريف للمسكين، ما أورده صاحب لسان العرب في معجمه يقول: « وروي عن الأَصمعي أَنه قال: المسكين أَحسن حالاً من الفقير، وإليه ذهب أَحمد بن عُبَيْد، قال: وهو القول الصحيح عندنا لأَن الله تعالى قال: «أَمَّا السَّفِينة فكانت لمساكين»؛ فأَخبر أَنهم مساكين وأَن لهم سَفينة تُساوي جُمْلة، وقال للفقراء الذين أُحصِروا في سبيل الله لا يستطيعون ضَرْباً في الأَرض: يَحْسَبهم الجاهلُ أَغنياءَ من التَّعَفُّف تعْرفهم بسِيماهم لا يَسْأَلون الناس إلحافاً؛ فهذه الحال التي أَخبر بها عن الفقراء هي دون الحال التي أَخبر بها عن المساكين. قال ابن بري: وإلى هذا القول ذهب عليُّ بن حمزة الأَصبهاني اللغوي، ويَرى أَنه الصواب وما سواه خطأٌ، واستدل على ذلك بقوله: مِسْكيناً ذا مَتربةٍ؛ فأَكد عز وجل سُوءَ حاله بصفة الفقر لأَن المَتْربَة الفقر، ولا يؤكد الشيءِ إلا بما هو أَوكد منه، واستدل على ذلك بقوله عز وجل: «أَما السفينة فكانت لمساكينَ يَعْمَلون في البحر؛ فأَثبت أَن لهم سفينة يعملون عليها في البحر»؛ واستدل أَيضاً بقول الراجز:
هَلْ لَكَ في أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤْجَرُهْ، تُغِيثُ مِسْكيناً قليلاً عَسْكَرُهْ، عَشْرُ شِياهٍ سَمْعُه وبَصَرُهْ، قد حَدَّثَ النَّفْسَ بِمَصْرٍ يَحْضُرُهْ. فأَثبت أَن له عشر شياه، وأَراد بقوله عسكره غنمه وأَنها قليلة.»
من خلال النصوص أعلاه يتبين لنا أن المسكين هو الموظف أو العامل العائل لأسرة بحيث أن دخله لا يغطي منصرفاته . ويشمل ذلك في عصرنا هذا العمال وأصحاب الحرف الهامشية.
ثالثاً: من هو ابن السبيل؟
تعريف ديوان الزكاة لابن السبيل أنه: «ابن السبيل» يقصد به المسافر المنقطع الذى لا يجد ما يبلغه مقصده». وهذا التعريف أيضاً غير دقيق بسبب إدخال لفظة «المسافر» والتي حصرت المعنى في فئة قليلة جدًا من الناس. جاء في لسان العرب: « قال ابن سيده: ابنُ السَّبيل ابنُ الطريق، وتأْويله الذي قُطِع عليه الطريقُ». وهذا تعريف صحيح، فقوله قُطِع عليه الطريق يعني أن هناك عوامل قاهرة أدّت إلى قطع الطرق وأصبحت حائلاً دون رجوع الناس إلى ديارهم. وبهذا الفهم الصحيح فإنه يدخل في شريحة أبناء السبيل في عصرنا الحالي كل من تقطعت بهم السبل ولم يستطعوا العودة إلى أهلهم كاللاجئين والنازحين بسبب الحروب والكوارث الطبيعية، والمسافرين إلى أهلهم الذين لا يملكون ما يمكنهم من العودة لأهليهم، والسائحين الأجانب الذين انقطعت بهم السبل في أوطان غير أوطانهم...الخ.
هذه الشرائح الواردة في الآيات آنفاً، والتي أمر الله السلطان بالصرف عليها فرضًا من مال الزكاة، تمثل قوة المجتمع الضاربة، فالاهتمام بها يحدث التوازن ويضيِّق الفجوة بينها وبين الأثرياء والأغنياء. وهذه الفئات إذا أهملت وحرمت من قسمة الزكاة، فإن غضبها الناتج من الحرمان وقسوة الظروف هو الذي يصنع الثورات. والناظر إلى كل ثورات الشعوب قديماً أوحديثاً لا يرى وقودها إلا هذه الشرائح. والثورات إن حمي وطيسها فما من شيء تأتي عليه إلا وتجعله كالهشيم، مما يدخل الدولة والمجتمع برمته في فوضى عارمة تزهق فيها الأرواح ويخرّب فيها الاقتصاد وتضيع فيها الحقوق والمكتسبات. والله أعلم.
ضرورة إنشاء بنوك للفقراء والمساكين وأبناء السبيل:
عليه نقترح لأهل السلطان والمسؤولين عن الزكاة ووزراء المال أن ينشئوا بنكاً للفقراء وآخر للمساكين وثالثاً لأبناء السبيل، بحيث تكون مهمة هذه البنوك استثمار الأموال التي تأتي من الزكاة ومن المنفقين، وتنميتها ومن ثم الإشراف على توزيعها بدقة لأهلها في كل ولايات السودان. وعلى مؤسسات الدولة الإدارية من معتمديات ومحليات والمؤسسات الشعبية من لجان شعبية ولجان مساجد، حصر شرائح الفقراء والمساكين وأبناء السبيل بدقة شديدة وفق التعريف الذي سقناه حتى يتسنى توزيع الزكاة عليهم بصورة عادلة. كما على أهل الديوان متابعة التجربة ومراجعتها حتى تنضج ويمكن أن تهدي للآخرين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.