مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اندلاع السلام (نيفاشا) ..الحلقة (12)
نشر في الانتباهة يوم 06 - 01 - 2012

أصبحت الآن الحاجة ملحة لإحراز تقدم في مباحثات الإيقاد، وقرر فريق المفاوضات بتأييد من المراقبين، تحويل المفاوضات من مشاكوس وإيري إلى ناكورو التي ربما يساعد بُعدها عن العاصمة نيروبي ومن وسائل الإعلام في دفع المفاوضات في هذه اللحظات الحاسمة، ومن جانبي ساندت الفكرة بكل قوة، أعرب الوفدان عن إحباطهما من كثرة المراقبين الخارجيين والأطراف الأخرى ذات العلاقة، بيد أننا كنا بحاجة إلى تقديم أفكار جديدة لإنقاذ المحادثات من التوقف الكلي.
تفقت أنا والجنرال سمبيو على استعراض بعض القضايا المتبقية ومحاولة مقاربتها بشكل جديد، وكانت السكرتارية على وشك الفراغ من إعداد مسودة اتفاق إطاري، والفكرة مستقاة من تكتيك قديم «مسودة الوسطاء» لإجبار الطرفين على اتخاذ موقف، عمل فينك هيسوم بشكل دؤوب لإعداد المسودة، بالتعاون مع مستشاري ومراقبي الترويكا، وأطلق على الناتج «المسودة الإطارية لحل القضايا العالقة الناشئة من التداول حول بروتوكول مشاكوس «وتضمنت المسودة مقترحات الطرفين خلال المحادثات ومن الجولات المكوكية بين الطرفين، وأسهم الطرفان بعد اطلاعهما على بنود المسودة أثناء العملية بأكثر من «90%» من محتوى المسودة، كما تضمنت المسودة نتائج مشاورات وزير الخارجية الكيني مع دول الإيقاد.
ويبقى السؤال: كيف يمكن تكوين حكومة موحدة مقرها الخرطوم؟ ولماذا ينبغي للحركة الانضمام لهذه الحكومة؟ ثم لماذا لا تكون العاصمة في موقع محايد؟ كان الكل يعلم بعدم موافقة المؤتمر الوطني على ذلك الطرح، سيقبل بالسودان الجديد أما العاصمة الجديدة فلا، كما تم طرح فكرة العاصمتين ولكنها أيضاً غير مقبولة للخرطوم، ولكن كيف لنا أن نتوقع تعاون الحركة الشعبية في عاصمة تحكمها الشريعة الإسلامية وواقعة تحت حماية الأجهزة الأمنية المتعددة؟ لقد ناقشت الترويكا هذا الأمر باستفاضة خلال الربيع على هامش المفاوضات ومع الطرفين، كان الخبراء واضحين جداً، إذا قدر أن تكون الخرطوم هي العاصمة يجب أن تكون مقبولة للطرفين، وكنت أعتقد أن القيام بترتيبات خاصة على هذا الصعيد أمر هام جداً، وكان غرضنا في النهاية هو الحفاظ على وحدة السودان.
في هذه المرحلة وفي ظل الحاجة إلى تنازلات متبادلة بين الطرفين للوصول لاتفاق شامل، أعرب الجنرال سمبيو عن مخاوفه من تولي الترويكا عملية التفاوض بمجملها وكان قلقاً بشكل خاص من دور الأمريكيين، ويمكننا استعراض الأحداث التي أدت لبروز هذه المخاوف بشكل مختصر.. أثناء التحضيرات لجولة ناكورو وافق سمبيو على اطلاع الترويكا على المسودة الإطارية وإبداء تعليقاتها عليها. وسيقوم محاموه ومستشاروه بمناقشة محلاحظات الترويكا، وأن تقدم الترويكا بالمقابل ردودها على ذلك، كنا نأمل أن يكون ذلك مفيداً ليس لفريق المفاوضات، فحسب بل للعملية التفاوضية برمتها لعدم اتخاذنا موقفاً موحداً حتى الآن حول بعض القضايا المفتاحية.. وانضم إلى الاجتماع التحضيري في لندن المبعوث البريطاني ألن قولتي، ومايك رانيبيرقر من الولايات المتحدة، والنرويجيان إليفسن وآسكيم، وحضره من فريق الإيقاد فينك هيسوم وأندريه ستيانسن العضوان النرويجيان في فريق الإيقاد، وحدت المهمة بالكل إلى استشعار عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
ظهرت خلافات جوهرية خلال المباحثات، ففي القضايا الهامة التي حوتها الوثيقة الإطارية فضلت بريطانيا الغموض أو انحازت بمواقفها إلى الخرطوم.
ومن جانب آخر رغبت الولايات المتحدة والنرويج في الوضوح بشأن كافة القضايا المفتاحية، لقد حان وقت اتخاذ القرارات من قِبل الطرفين «القبول بالمتاح أو تركه». وكان ذلك هو السبب الموضوعي وراء إعداد «مسودة الوسطاء» وهي إستراتيجية تنطوي على مزالق ولكنها أحياناً تستحق المخاطرة.. وإذا رفض الطرفان المسودة فالأمر متروك لهما لإيجاد السبيل اللازم للمضي قدماً في المفاوضات، كانت المباحثات في لندن ساخنة للغاية. لم يوافق ألن قولتي على الإستراتيجية وعلى العديد من النقاط الجوهرية، أما بخصوص العديد من القضايا المتبقية فكان واضحاً أين يقتضي الأمر تسوية.
تضمنت المسودة نصوصاً عن تقاسم السلطة ودعت إلى تعيين نائبين للرئيس من الطرفين ولكن لم تدعُ إلى تداول الرئاسة.
كان الكثير من النقاط الواردة في وثيقة ناكورو قريبة من النقاط التي توصلت إليها المفاوضات بشكل أكبر مما توقعه الكثير من الناس، ولكن لم يتم التطرق للكثير من القضايا.. وبخصوص التمثيل السياسي اعتمدت المسودة على الحسابات الديمغرافية وافتراض اقتسام السلطة بين شريكي التفاوض.
وقضت ترتيبات تقاسم السلطة بقسمة مداخيل النفط بين الشمال والجنوب على أساس «52/48»، وبالنسبة للقضية الهامة المتعلقة بالترتيبات الأمنية نصت الوثيقة على وجود جيشين ولكنها أرجأت ترتيبات انسحاب القوات الحكومية من الجنوب لوقت لاحق. وهو مطلب جاد وجلي لدى الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان.. كما اقترحت مسودة ناكورو إرساء العملية الحقيقة والمصالحة ولم يتبنّ أيٌّ من الطرفين هذه الفكرة.
ركز اجتماع لندن على مناقشة موضوع العاصمة القومية، وقد أعطيت فريقي تعليمات واضحة: عليهم عدم القبول بأي شيء أقل من حل يسمح للجنوبيين بالتجول بحرية في المدينة دون خوف من مضايقة الشرطة أو الأجهزة الحكومية الأخرى.. لذلك كان علينا التفكير في ترتيبات خاصة، فالوضع الراهن ليس خياراً، فالعاصمة التي تحترم جميع المواطنين وسيلة هامة للحفاظ على وحدة السودان بجعله خياراً جاذباً للجنوبيين.
وقال ألن قولتي بوضوح: يجب علينا ألا نقترح أو نصادق على مسودة الاتفاق الإطارية للاتفاق طالما تبنّت مواقف واضحة. على سبيل المثال، ميلها نحو وجهة نظر الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، فوضعية العاصمة قضية ينبغي أن تتم تسويتها من قبل الطرفين نفسيهما. وقد اتفق الطرفان في ناكورو أن يحتكم الشمال وفقاً لحدود 1956م إلى الشريعة، والخرطوم كجزء من هذه الصفقة ستظل هي العاصمة، وأيما طرح يتعارض مع هذا الفهم سيتم رفضه من قبل الحزب الحاكم تماماً.. وناقش النرويجيون والأمريكيون من زاوية مختلفة وأشاروا إلى ضرورة أن يؤدي كل طرف عمله عندما يصبح جزءاً من الحكومة، دون تدخل من الطرف الآخر. وذكروا عدة نماذج من الترتيبات لعواصم محايدة وأن الولايات المتحدة أقامت عاصمة تتمتع بحصانة من تشريعات الدولة. ونفس الترتيبات يمكن انفاذها في الخرطوم، استمرت المباحثات ثلاث أو أربع ساعات قبل الخروج لتناول الغداء، كان النرويجي هالفر آسكيم الذي عادة ما يتحلى بالرزانة غاضباً جداً.. ولم يكن ألن قولتي أفضل حالاً منه، كان الجو محتقناً ولم يكن أيٌّ من الطرفين راغبًا في التنازل.
حاول مستشارا الإيقاد هايسوم وستيانسن اتخاذ موقف حيادي ولكن في النهاية وافقا على المقترحات التي قدمتها الولايات المتحدة والنرويج، وكان العامل الأكثر حسماً هو تأكيد المستشارين والمراقبين على حد سواء أنه لم يتم حل وضعية العاصمة بشكل نهائي خلال مباحثات يوليو التي جرت في مشاكوس عام 2002م. ومن الصعب تفسير مسودة، لم تضع في اعتبارها الوضع الجديد بعد اتفاقية السلام عندما يحكم الطرفان معاً كحكومة قومية في نفس العاصمة، دعك من الدفاع عنها. قانون الدولة أو مختلف، غير أنه لم يتم تناول التشريعات الخاصة بتنظيم أعمال الحكومة «والترتيبات الحياتية اليومية».. انتهى الاجتماع عند الساعة «00:5» مساءً بعد سبع ساعات من بدايته، غادر هالفر آسكيم مبكراً للحاق بالطائرة المغادرة إلى الخرطوم، وبدا ألن قولتي حزيناً، وذهب مايك رانيبيرقر وفيقار إليفسن سوياً إلى فندق إنتركونتيننتال حيث يقيم الأول، واتجه فينك هيسوم وأندريه ستيانسن إلى مقر إقامته بالفندق للتفاكر حول الموضوع، كان إليفسن مسروراً من طريقة سير المفاوضات ولكنه غير متيقن من الطريقة التي يتناول بها هيسوم وستيانسن موضوع العاصمة، وتساءلت إن كان عليّ الذهاب إليهما ولكنني صرفت النظر عن هذه الفكرة. كان الجميع متعباً.
وحوالى منتصف الليل تلقيت رسالة بالبريد الإلكتروني من إليفسن عبارة عن نسخة من رسالة ستيانسن وعنوانها التهديدي هو «من أجل عينيك فقط».
وعلى الفور فهمت مغزاها، كان النص الذي اقترحه ستيانسن والخبراء القانونيون بشأن العاصمة مطابقاً للموقف الأمريكي النرويجي. وأخذت نفساً عميقاً. أخيراً يبدو أن الأشياء تسير في الطريق الصحيح وتمنيت أن يستمر هذا التوجه عندما يلتقي الطرفان في ناكورو، في غضون ذلك سنحت لي الفرصة لقراءة المسودة بشكل أعمق. بعض أجزائها كان لا غبار عليه وبعضها كان يحتاج إلى مزيد من التفصيل، اتصلت علي فيغارد بمجرد وصوله إلى ناكورو واقترحت عليه جملة من التعديلات.
المحادثات بحاجة إلى شريان حياة: على شفا الانهيار في ناكورو
عرفت لاحقاً بوصول فيغارد إلى نيروبي بدون أغراضه بعد تأخير وتعطيل في المطارات كاد يؤدي لفقدانه لحجزه، عندما اتصلت عليه بالهاتف كان في مزاج معكر داخل سيارة السفارة المتوقفة خارج فندق ناكورو، وعندما كان يستمع إلى أفكاري ومقترحاتي نزل قرد من الأشجار وجلس على غطاء السيارة يعبث بمساحة الزجاج وينظر إلى فيغارد. أخبرني الدبلوماسي لاحقاً أنه قد فكر في تمرير الهاتف إلى القرد، كان آخر ما يرغب فيه هو الاستماع إلى حديثي في ذلك الوقت.
بعد موافقة مترددة من بريطانيا، تم تسليم مسودة الاتفاق الإطاري إلى الجنرال سمبيو. واستؤنفت الجولة السادسة للمفاوضات في ناكورو في 6 يوليو وتم عقد اجتماع مغلق بين الجنرال والوسطاء ليقوم فريقا التفاوض بطرح التفاصيل جانباً. كان الجنرال غاضباً وفي البداية لم يوافق على إستراتيجية التفاوض. احتوت المسودة على خيارات واضحة بشأن مجموعة من القضايا المتبقية ومن ضمنها وضعية العاصمة، وكان سمبيو يعتقد أن ذلك سيؤدي فقط إلى انهيار المحادثات. وكان لفينك هيسوم أيضاً وجهة نظر مختلفة حول قضية العاصمة التي اعتبرها خطاً أحمر بالنسبة للحكومة، لكنه لم يعرب عن شكوكه للآخرين في ذلك الوقت، أخبرني لاحقاً عن أسفه الشديد لتساهله بشأن هذه القضية. وبعد مناقشات مطولة وافق الوسيط الرئيسي على تقديم المقترحات. وقام الوسطاء بإدخال بعض التعديلات وإخراج مسودة الاتفاق الإطاري في شكلها النهائي. وقدمها الوسطاء للطرفين في يوم 12، وعند توزيعها قال السفير البريطاني وليام باتي بوضوح بأن الوثيقة تعبِّر عن موقف الترويكا.. كان المبعوث الخاص النرويجي فيغارد إليفسن هو المهندس الفعلي لإستراتيجية «حقِّقه أو اتركه» بموافقة ودعم كاملَين من جانبي. كنا ندرك أن الوثيقة ستثير عاصفة من ردود الفعل الغاضبة في طاولة المفاوضات، ولكن كان من الأفضل الإعراب عنها جميعاً في العلن وترك التعامل معها للعملية التفاوضية بدلاً من صرف الأنظار.. كنا نعلم بضرورة إدخال بعض التعديلات على المسودة بقدر حاجتنا إلى التربيت على أكتاف الطرفين قبل قبولهما بالمقترحات، إذا كان ذلك ممكناً.
ورغم إدراكنا للمخاطر، إلا أنه لم تكن هناك وسيلة أخرى للدفع بعملية التفاوض، وكما شهدنا فإن مباحثات ناكورو تمثل الفرصة الأخيرة لإحياء المفاوضات واستعادة قوة الدفع التي صحبت الجولة الأولى من محادثات مشاكوس، لكن عندما قدم المسودة على الطاولة واندفعوا خارج الغرفة، ووصفوا المسودة بأنها غير متوازنة ومنحازة، وتعتبر تخلياً عن بروتوكول مشاكوس، بل وإعادة فتحه من جديد، لقد أعطى المقترح الجنوب حكماً ذاتياً كبيراً وسلطات واسعة في المركز وساهم في عملية ربما تؤدي إلي الانفصال خلال الفترة الانتقالية، وتوقعت الخرطوم العكس تماماً: سلطات حكومية أكبر في الجنوب ودور جنوبي محدود في المركز. وربما تكون التوصيات الواردة في المسودة المتعلقة بالعاصمة، الأدهى والأمرّ ضمن جميع المقترحات.
وبعد قراءاتي للوثيقة وافقت الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان على قبول المسودة «كأساس لمزيد من المفاوضات». ورغم ذلك كانت ردود فعل القادة مختلفة بشكل كبير. بعض منهم سمّاها «أديس أبابا كما هي»، وفي إشارة إلى الترتيبات الأمنية، وكانوا مسرورين أن الحكومة عبّرت عن موقفها سلفاً برفض المسودة، والبعض الآخر كان يرى المسودة تتطابق بشكل عام مع رؤاهم مع استثناءات قليلة «مهمة». يتعين التعامل معها لاحقاً، وكان مبعث قلق الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان يتلخص في موضوع الأمن ما بعد الحرب، لا سيما الترتيبات الخاصة بانسحاب القوات المسلحة السودانية من الجنوب.. وكانوا حكيمين إذ لم يصرحوا بتحفظاتهم، ولم يتحدثوا في العلن إلا عن القليل، وعلى المستوى الخاص لم يُبدوا ذات القدر من التحفظ، وأخبرونا أن المسودة تحتوي على «عيوب هائلة». فبجانب موضوع الأمن، لم يكونوا راضين عن قسمة عائدات النفط، وأخبرني هيسوم فيما بعد أنه بالرغم من اعتراضات الطرفين، فإن موضوع العاصمة هو ما أطاح التوازن، وأيًا كانت وجهة موقفهم الفعلي، فإن السؤال الذي يهمنا هو استعداد الطرفين لعقد أي اتفاقية عند هذا الحد وفي هذا الوقت. وحسب رأي المراقبين يتعين تغيير الشكل والجوهر. وكما قال أحد أعضاء الوفد الحكومي لاحقاً: «التفاوض بالوكالة لن يكون مفيداً». «نريد أن تجري المفاوضات على مستوى أعلى».
وما زال انسحاب الحكومة أمرًا مفاجئًا للكثيرين منا، ونظر السفير البريطاني في الخرطوم وليام باتي الذي حل مكان ألن قولتي إلى المبعوثين الأمريكي والنرويجي بتعبير مفاده: «ثم ماذا بعد؟».
ولم يكن هناك من عبّر عن ردة فعل الحكومة بطريقة أفضل من الرئيس نفسه الذي قال 14 يوليو 2003م حسب وكالة «أ. ف. ب» إذا لم يقدم وسطاء الإيقاد أفضل من ذلك «فليذهبوا إلى الجحيم». وبدأت الحكومة تحشد الدعم لموقفها.
فقدموا عروضاً للأحزاب القديمة، ولبعض الشخصيات البارزة، وسرت شائعات بأن الحكومة ستلغي إطار الإيقاد كلياً، وسيجتمع وزراء خارجية الاتحاد الإفريقي بعد ذلك بقليل في مابوتو وطرح مقترح للاتحاد الإفريقي لتولي المفاوضات السودانية.. وطلبنا من وزير الدولة بالخارجية النرويجي فيدار هليغيسن بالتدخل لدى وزير خارجية جنوب إفريقيا للحيلولة دون حدوث ذلك، واتصل كولن باول أيضاً بالمسؤولين في جنوب إفريقيا.. وعقد وزير الخارجية الكيني ستيفن كالونزو موسيوكا اجتماعاً وزارياً للإيقاد في مابوتو لحشد الدعم لاستمرار المحادثات برعاية الإيقاد، وكانت هذه التدخلات ذات مردود إيجابي، وفي الواقع تبنّى الاتحاد الإفريقي عملية الإيقاد لحل النزاع في السودان.
قبيل مغادرته ناكورو، قدم وفد الحكومة عددًا من المقترحات والتعديلات بخصوص مسودة الاتفاق الإطاري بعضها أكثر تشدداً عن تلك التي أثاروا جدالاً بشأنها في السابق، وفشلت المحاولات الرامية لجمع الطرفين بعضهما مع بعض، سواء كان في محادثات مباشرة أو مع الوسطاء، انتهى بهم الأمر وهم يصرخون في وجه بعضهم البعض. على المستوى العملي وضعت الحكومة شروطاً للعودة إلى طاولة المفاوضات من ضمنها مراجعة مسودة الاتفاق.
وفي الخرطوم كان علي عثمان محمد طه قد تسلم ملف التفاوض بدلاً من الدكتور غازي صلاح الدين بمبادرة من الأخير. وأصبح رئيساً للجنة الحكومية العليا للسلام، كان طه يتابع المفاوضات بشكل لصيق يكاد يكون يومياً.
ثم ماذا بعد؟
من الواضح أن الطرفين لن يستأنفا اجتماعاتهما قبل حلول أغسطس، فبدأ الأمريكيون يفقدون الصبر لتوقيع اتفاق قبل الموعد النهائي المحدد له في أكتوبر عندما يحين موعد تقديم تقرير عن السودان في الكونغرس، وبدأ نشاط دبلوماسي محموم ابتدرته زيارة الجنرال سمبيو ومبعوثي الإيقاد للطرفين والعديد من الشخصيات الهامة، والطلب من رؤساء الدول والحكومات في إقليم الإيقاد العمل على الاتصال بالطرفين. اتصل الجنرال باول تلفونياً بعلي عثمان طه قبل انتهاء جولة ناكورو وطلب من جون قرنق التحادث مع الرئيس البشير. وتوقعنا أن يفضي اجتماع الزعيمين إلى الدفع بعجلة المحادثات.
وتساءل بعض المراقبين عما إذا وصلت مفاوضات الإيقاد إلى طريق مسدود.
قطعاً أصابها الوهن، ورغم أن الوثيقة الإطارية كانت محفوفة بالمخاطر ومثيرة للجدل فإن الأحداث قد برهنت أن الإستراتيجية التي تأسست عليها قد أثبتت جدواها، وبعد حوالى شهر من ناكورو وعقب فترة وجيزة من اجتماع الاتحاد الإفريقي، تلقى المبعوث النرويجي الذي كان في إجازة في بلدته اتصالاً من المستشار غير المعلن في نورويك، كول دينق الذي بقي على تواصل مستمر مع فريقي ومع شخصي. وقال إن هناك اجتماعًا منعقدًا في الخرطوم حول ما ينبغي فعله على خلفية أحداث ناكورو، وحتى أبيل ألير طلب المشورة. كانت النتيجة مذهلة تماماً، سيخلف علي عثمان طه الدكتور غازي صلاح الدين كمفاوض رئيسي، ووافق الرئيس البشير رغم أن القليل على علم بذلك. اتصل مايك رانيبيرغر على الفور مستخدماً تعبيراً معروفاً في المفاوضات الدولية الشائكة قائلاً: «لقد رمشوا they blinked، وقد علمنا وقتها أن عملية التفاوض بشكل عام ستتغير، بأي طريقة، ومن السابق لأوانه تحديد ذلك.
ظل دكتور جون متشككاً، وفي 4 أغسطس التقيته وبعض القادة البارزين من الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان. استمر زعيم الحركة الشعبية يقول إن علي عثمان محمد طه يعتبر محادثات السلام تهديداً لفرصة مستقبلية في الوصول إلى الرئاسة، وفي ذات الوقت كان دكتور جون قرنق على علم بالمحادثات الجارية بين طه وأبيل ألير. وفي حديث خاص معي أكد لي أن طه قدم لألير طائفة من المقترحات قدمها كول دينق بدوره إلى قرنق وتدور المقترحات حول ترتيبات تقاسم السلطة، والعاصمة، والشراكة السياسية مع الحركة الشعبية. ولم يقدم قرنق رده على تلك المقترحات، كان يرغب في مصادقة البشير على هذه المبادرة وعلى المحادثات المقترحة بين طه وقرنق وبالتالي كان بحاجة للقاء أبيل ألير لمزيد من التوضيح. وأكدت له ضرورة محادثة البشير مباشرة.
في ذلك المساء أعاد قرنق تأكيد مواقف الحركة. وحسب معلوماته، أشار الدكتور غازي مؤخراً من خلال مذكرة داخلية إلى تسوية من نوع «إبقاء الوضع على ما هو عليه». ولن تقبل الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان بذلك.
وأثار زعيم الحركة الشعبية موضوع العاصمة وضرورة إقامة جيب علماني من أجل الوحدة على أقل تقدير. وقدم مقترحات جديدة إزاء وثيقة ناكورو الإطارية، وكان واضحاً له أن الحكومة مضغوطة وأنها ترغب في تجنب اتخاذ القرارات الصعبة من أجل الدفع بعملية السلام. وبناءً على مناشدتي له وعدني بالتفكير في التنازلات التي يمكن أن تقدمها الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان وتراها الخرطوم ذات مغزى.
ونشرت تقريراً عن تلك الفترة وأكد كلا الطرفين وذكرا أن وثيقة ناكورو تمثل نقطة تحول في السياسة السودانية، في الشمال والجنوب على حد سواء، وعندما وجهت الحكومة باحتمال دخول المرحلة النهائية من المفاوضات التي استمرت عاماً كاملاً وهي تفتقر إلى السند الدبلوماسي والسياسي الفاعل، خففت الحكومة من حدة قمعها للمعارضة السياسية الداخلية وشرعت في إجراء محادثات جدية معها. وكان الغرض فيما يبدو تسويق التزامها بإنفاذ العملية الديمقراطية في فترة ما بعد الاتفاقية من أجل حصولها على دعم المعارضة في الجولات النهائية من محادثاتها مع الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان. كانوا يحاولون بدء عملية سلام أخرى من «الداخل» على طريقتهم الخاصة. تم افتتاح ما أطلق عليه منبر السلام، وفي أول اجتماع له مع المعارضة والأحزاب السياسية الموالية للحكومة ومنظمات المجتمع المدني وعد الرئيس برفع القيود المفروضة على حرية الصحافة، ولكن الطبع يغلب على التطبُّع. سرعان ما أدار الحزبان الشماليان الرئيسيان الأمة والاتحادي الديمقراطي ظهريهما، إذ لم تكن هناك مؤشرات جدية تدل على تغيير حقيقي في سياسات وممارسات الحكومة.
وفي غضون ذلك، قام قرنق باختراقات هامة من جانبه، فقد سافر إلى القاهرة للقاء الصادق المهدي، ومحمد عثمان الميرغني، والمسؤولين المصريين، وكان واضحاً أن المبادرة الليبية المصرية التي كانت تصارع الاحتضار منذ أمد طويل قد ماتت بالفعل. فقد قام اللاعبون الإقليميون والدوليون بمساندة عملية سلام الإيقاد، شأنهم شأن الاتحاد الإفريقي، وجنوب إفريقيا، ونيجيريا، وذهب قرنق إلى القول إن مصر، وليبيا، والجامعة العربية قد أصبحت من داعمي مبادرة الإيقاد، وانصبّ تركيزها على جعل الوحدة جاذبة للجنوب.. لست متأكدة عما إذا شعرت الحكومة بوضعها في مأزق، لكن أي مقترح للتخلي عن عملية الإيقاد لم يكن وقتها قابلاً للتنفيذ.
«القضاء» على مبادرة الإيقاد بدون إيجاد البديل كان يمكن أن يؤدي إلى كارثة علاقات خارجية بالنسبة للحكومة. استمر الأمريكيون في الضغط من أجل الوصول إلى تسوية، وزار المبعوث الأمريكي جون دانفورث السودان في يوليو، وأجرى مباحثات صريحة في الخرطوم ومارس ضغوطاً على الحكومة لاستئناف عملية التفاوض. وكان لقاؤه مع قرنق أكثر حدة، إذا لم يكن الاثنان على وفاق مع بعضهما البعض، فقد تصدّى دانفورث لزعيم الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان في السابق. وفي الوقت الراهن أصر على تسريع المحادثات وإظهار العزم على تقديم التنازلات. وأتذكر الملخص الغامض الذي قدمه قرنق عن مناقشاته مع دانفورث إذ قال بسخرية: «ذكرياتي من ذلك الاجتماع ضعيفة جداً».
وفي هذا السياق أصدرت الحكومة قرارها الإستراتيجي، حيث التقى الطرفان مجدداً في ناكورو بكينيا في 11 أغسطس. كانت ثمة حاجة إلى مشاورات ثنائية بعد الجلسة الافتتاحية لحل القضايا الإجرائية الصعبة ومن ضمنها الارتباك الناشئ عن تحديد الوثيقة التي تُستخدم كأساس للتفاوض، ولكن ليّنت الحكومة من موقفها هذه المرة وعبّرت بطريقة غير رسمية وغير مباشرة عن أسفها للطريقة التي أدارت بها الوضع في ناكورو. ورغم أنهم لم يوافقوا فعلياً على الوثيقة كأساس للتفاوض، فقد عزموا بشكل واضح على إنجاز المهمة.
ووجدت الحكومة الطريقة المناسبة للحفاظ على ماء وجهها في استمرار المفاوضات دون الإشارة للوثيقة بشكل مباشر، والتركيز على القضايا بشكل منفصل دون الانكباب على النصوص. وفي التقرير الذي رفعه لي قال فيغارد إليفسن: «يبدو أن الحكومة قد غيّرت استراتيجيتها كلياً وأرسلت جميع الوفد إلى «دورة للابتسام» بل قرر الطرفان الدخول في محادثات مباشرة بدون وسيط أو مشاركة دولية، هذا أمرٌ غير مسبوق.. وقد استعرضوا كافة القضايا المتبقية وعبّروا عن مواقفهم بشأنها. وبينما أكدت الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان على القضايا الأمنية، كانت الحكومة مهتمة بقضايا الحكم ووضعية العاصمة.. وقد أمّن رئيس وفد الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان نيال دينق والترويكا على الحاجة إلى لقاء قمة من أجل الوصول إلى اتفاق، وهذا ما حدث بسرعة أكبر مما توقعنا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.