شاهد بالصورة والفيديو.. شيخ سوداني يهاجم الفنان جمال فرفور بعد تقبيله يد شيخ الأمين: (بعدما أصبحت فنان فاسق عاوز تبقى خايب رجا)    وزير الداخلية يفتتح قسم جراحة العيون والبصريات وغرفة عمليات العيون بمستشفى الشرطة المركزى ببورتسودان    بالصورة.. المذيع حازم حلمي يفاجئ الجميع.. يعلن دعمه للجيش ويهاجم الإعلامي المصري عمرو أديب بسبب سخريته من السودان: (يا أديب خليك أديب)    شاهد بالصور.. سمراء سودانية تخطف الأضواء على مواقع التواصل الاجتماعي بجمالها الساحر والجمهور يتغزل: (السمار نصف الجمال)    الهلال يحكم قبضته على صدارة مجموعة الشرق    شاهد بالفيديو.. طبيبة سودانية تحسم خيانة زوجها لها بطريقة درامية و"ماما كوكي" تعلق: (حسمت الفوضى وقولوا كُر ومُر)    شاهد بالصور.. لخلافة أبو عشرين.. الهلال يدعم حراسة المرمى بطالب من مدارس أبو ذر الكودة    بالفيديو.. شاهد ترويج البرنامج الرمضاني "يلا نغني" بمشاركة نخبة من المطربين بقيادة مفاجأة الموسم محمد بشير    الصحة تستعرض مع مساعد المدير للصحة العامة للطوارئ باليونسيف (مكتب نيويورك) الأوضاع الصحية    مستشفى بحري التعليمي يشهد إجراء جراحات تجميلية متقدمة لآثار الحروق والجروح    تكريم يحيى الفخرانى بجائزة الاستحقاق الكبرى لمؤسسة فاروق حسنى    من حجر المك إلى كليمو! ... الاعيسر يبعث بتحياته لمواطني كادقلي    الزمالك يواجه كهرباء الإسماعيلية الليلة بالدوري بحثا عن مواصلة الانتصارات    ولي العهد و أردوغان يعقدان جلسة مباحثات رسمية    الشمالية تحرز المركز الثاني قومياً في قفل الحسابات... والدبة الأولى على مستوى المحليات    الذهب يقفز أكثر من 2% ويتجاوز مجددًا مستوى 5 آلاف دولار للأوقية    برشلونة يحصد الفوز من ملعب إلتشي    ((المولوديه يتربص بالهلال))    الصادق الرزيقي يكتب: رحل الفريق فاروق القائد العسكري الصارم والمثقف الكبير ...….    "رسوم نقل الجثامين" تشعل سخط السودانيين    والي الخرطوم يخاطب اليوم العالمي للجمارك ويشيد بدورها في حماية الاقتصاد من التخريب والتهريب    والي الخرطوم يخاطب اليوم العالمي للجمارك ويشيد بدورها في حماية الاقتصاد من التخريب والتهريب    بعد تهديده بالرحيل.. الدوري السعودي يرد على اتهامات رونالدو    شاهد بالصور.. زوجة الحرس الشخصي لقائد الدعم السريع تخطف الأضواء بإطلالة جميلة من شواطئ لبنان    الجيش السوداني يصدر بيانا مهمًا    تطوير تقنية سريرية لعلاج أورام الدماغ لدى الأطفال    دراسة تربط بين فيتامين B1 وتسارع حركة الأمعاء    مانشستر سيتي يهزم أندية أوروبا ويحسم معركة بقاء عمر مرموش    دينا الشربينى تواجه صعوبات بعد الاتجاه للتمثيل ضمن أحداث "اتنين غيرنا"    جوجل تتيح ميزة جديدة لإدارة تسجيلات Google Assistant    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    بند سري يدفع رونالدو لفسخ عقده مع النصر    ترتيبات لتمليك 2400 أسرة بالجزيرة لوسائل إنتاج زراعي وحيواني وإستزراع سمكي ودواجن    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف التعاملات    استقرار سعر الذهب في مصر اليوم السبت 31 يناير 2026    مصر.. القبض على أصحاب تريند "صلي على النبي"    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اندلاع السلام (نيفاشا) ..الحلقة (13)
نشر في الانتباهة يوم 07 - 01 - 2012


من أعداء إلى شركاء في السلام
كانت مهاتفة علي عثمان محمد طه ل «أوسلو» في 31 أغسطس خطوة حاسمة لانطلاق التفاوض على مستوى رفيع. وكما سبقت الإشارة، يبدو أن واحدة من جملة تطورات، أو على الأرجح عدداً منها، كانت مجتمعة وراء ذلك القرار ووراء توقيت تلك المبادرة. كانت الأحداث بدارفور تتفاقم وتبتعد عن دائرة السيطرة.
كان التمرد قد تصاعد بشكل كبير مع الهجوم على الفاشر ونيالا، عاصمتي شمال وجنوب دارفور.. وبينما كانت الفصائل المتمردة تجنح نحو التفاوض، لم تكن الحكومة ترغب في المحادثات في هذه المرحلة، ولا في إشراك المتمردين في دارفور في المفاوضات حول الجنوب.
كان علي عثمان محمد طه يمتلك آراء محكمة حول العديد من القضايا على امتداد مراحل عملية التفاوض. وبما أنه كان يعتبر دائماً من الغلاة المتشددين، فقد سرت الشائعات وقتها حول تحالفه مع نافع علي نافع، أحد الصقور القوية للإسلاميين في أجهزة الاستخبارات الحكومية. كان الرأي التقليدي السائد في ذلك الوقت هو أن الرئيس البشير والدكتور غازي يمثلان قيادة «معسكر السلام»، وأن أي جهد جاد للتفاوض على إنهاء الحرب سيصطدم ب«طه».. أما خلف الأبواب المغلقة، فقد كان العديد من المراقبين يعتقدون أن طه كان رجلاً «براجماتياً». وبحسب هذا الرأي، فقد كان طه يمتلك القدرة على الحفاظ على تماسك الحزب بينما يقوم بدور الجسر الذي يمكن عبوره إلى أشد الغلاة بأساً في الحزب. فقد كان الرجل «كوزير للخارجية، مهندس محاولات التقارب مع الغرب. وكان وزير الخارجية الحالي، مصطفى عثمان إسماعيل، أقل مصداقية لدى المتشددين. وكان هنالك شعور على نطاق واسع في ذلك الوقت «كما عكست ذلك التقارير الواردة من إفريقيا العدالة» (JUSTICE AFRICA) ومجموعة الأزمات الدولية، من بين جهات أخرى، بما في ذلك الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان» أن طه كان أحد غلاة الصقور. ومع ذلك، كما في حالة نيكسون مع الصين، كانت تلك السمعة هي ما جعل المراقبين الحصيفين على قناعة بأن طه وحده سيكون قادراً على التفاوض حول السلام مع الجنوب. وكان هذا الشعور سائداً أيضاً بين الجنوبيين البارزين في الخرطوم، على الرغم من أن هذا التقييم كان يقوم على أسس مختلفة بعض الشيء.
الخيار الإستراتيجي
كما رأينا، فإن رغبة واهتمام طه بلقاء رئيس الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان تعود إلى العام 1990م.. لكن تبينت قيادة الحركة وجود اهتمام جاد بالتفاوض فقط في ديسمبر 2002م، عندما حاول أوباسانجو الترتيب للقاء يجمع الطرفين. وقد تعزز ذلك من خلال الإشارات التي أطلقتها رحلة طه إلى لندن في أبريل مايو. زار علي عثمان محمد طه أبيل ألير في 29 يوليو، وهي المرة الأولى التي يلتقيا فيها منذ وقوع حادثة توريت.
واستغرق الاجتماع أربع ساعات حيث تعرض لإعلان مبادئ «الإيقاد»، ومشاكوس، والقضايا العالقة التي لم يتم البت فيها بعد. وكان طه يريد أن يعرف التنازلات التي ترغب الحركة في تقديمها. وعلى الرغم من أن ألير كان يجتمع بانتظام مع طه والرئيس قبل توريت، إلا أنه سيعلق لاحقاً بأنها كانت المرة الأولى التي يصرح فيها طه بآرائه حول تلك القضايا الرئيسية.
ونقل إليه ألير أن الحركة الشعبية مستعدة لتحقيق السلام، إلا أن الحركة ظلت متشككة للغاية حول دور طه في الحكومة، وتحديداً محاولات النظام لتحقيق «السلام من الداخل» عن طريق استمالة الجنوبيين وإغرائهم التي لن يكتب لها النجاح.
الآن استشعرت الحركة الشعبية التغيير. وأبلغ النائب الأول للرئيس أبيل ألير أن فريق الحكومة سيبدأ في العمل على التوصل إلى حل في الجولة القادمة من المحادثات. وبالنسبة لألير، فإن طه، كما يبدو، يعترف بأن الأسلوب الذي عبرت به الحكومة عن رفضها لمشروع إطار التفاوض في ناكورو لم يكن حكيماً بشكل خاص. وتحت تأثير الوضع المتدهور في دارفور، كان كلٌّ من طه والرئيس يخشيان على السودان من التشظي، كأسوأ احتمال، مثلما حدث في الصومال، وكانوا في حاجة إلى التحرك بسرعة للتوصل إلى حل، وأعرب طه أيضاً عن استعداده للتخلي عن منصبه كنائب أول للرئيس، ولكن كان واضحاً أنه لم يكن يعتزم الجلوس على الهامش. فقد كان من شأن اتفاق بين الحزب الحاكم والجنوب إحداث تحول في المشهد السياسي على أية حال، كما أن من شأن الانتخابات خلال الفترة الانتقالية أن تتيح فرصاً جديدة.
شجعت تلك التطورات دكتور جون قرنق على اقتراح نقاط لمزيد من المناقشة بين ألير ونائب الرئيس. وخلال الأسبوع الثاني من أغسطس عقد ألير سلسلة من الاجتماعات مع طه وفريق التفاوض الحكومي. وبعد فحص ومراجعة وثيقة ناكورو، قدم طه وللوفد عدة مقترحات محددة، كما اقترح ألير نفسه بعض التنازلات وإجمالاً التقى ألير بنائب الرئيس أربع مرات وبأعضاء فريق التفاوض ثلاث مرات في ما يمكن اعتباره حواراً بينهم وبين الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، حيث لعب ألير دور الوسيط. وقد تمت إحاطتنا علماً بتلك المناقشات. وكما يبدو فإن الخرطوم كانت جادة.
تقدم الفريق الحكومي بمقترحات هامة لأبيل ألير تمثلت في عرضهم لمنصب النائب الأول للرئيس للحركة الشعبية إضافة إلى القبول بجيشين خلال الفترة الانتقالية. لقد فشلت اتفاقية أديس أبابا 1972م في استيعاب جيش الأنانيا المتمرد، وكان من الواضح الآن أنه ينبغي للترتيبات الأمنية أن تتضمن أحكاماً تكفل الإبقاء على الجيش الشعبي لتحرير السودان مؤقتاً، في الجنوب على أقل تقدير. وكانت الحكومة أقل قابلية لسحب قواتها وراء خط العرض «13» شمالاً. أما مسألة العاصمة فقد كانت تتعلق حقيقة بالشريعة، وكان تحمل معنى رمزياً عظيماً بالنسبة للحكومة. وكانت المخاوف بشأن اقتسام الثروة سهلة الحل على الأرجح. أما فيما يتعلق بالمناطق الثلاث، فقد ظلت الحكومة غير مستعدة لتغيير موقفها إلا قليلاً، وقاوم طه فكرة ضم دارفور والشرق للمفاوضات. وكان يحيل إلى الأدلة على دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان، لحركة/ جيش تحرير السودان. لكن نائب الرئيس كان حريصاً جداً على إقامة شراكة سياسية مع الحركة الشعبية، وهي فكرة تلقتها الحركة بالارتياب وكانت استجابتها لها لا تخلو من إبهام. ومن المثير للاهتمام أنه قد قيل إن الرئيس البشير والدكتور غازي أبديا خلال المناقشات الداخلية مع طه حول هذه النقطة، قلقاً واهتماماً حول انفصال دارفور أكثر مما أبدياه من قلق واهتمام بالجنوب.
بعد هذه المناقشات ذهب أبيل ألير إلى نيروبي.. وقام بتسليم كل ملاحظاته إلى سمبيو، وعقد اجتماعاً استمر لست ساعات مع دكتور جون في 17 أغسطس. ومنذ آخر اجتماع لهما، في يوليو، كان دكتور جون قد تلقى مزيداً من المعلومات من كول دينق، والآن هاهو ألير يحث رئيس الحركة الشعبية على الدخول في محادثات مباشرة مع الحكومة. وكنا نعتقد جازمين أن العملية قد وصلت إلى مفترق طرق: فإما أننا سنرى مشاركة على مستوى رفيع يتبعها اتفاق للسلام أو أن كل شيء سينهار.
على الرغم من اعتراف دكتور جون بتحرك الجانب الحكومي، إلا أنه كان لا يزال متردداً في مقابلة نائب الرئيس، خوفاً كمال قال، من أن القيام بذلك من شأنه أن يُضعف موقف الرئيس البشير. وكانت المناقشات التي قمت أنا شخصياً بإجرائها مع أعضاء من قيادة الحركة في نيروبي في أوائل أغسطس قد كشفت عن دعمهم لإجراء محادثات رفيعة المستوى، ولكنهم فضلوا أن تتم تلك المحادثات على مستوى البشير وقرنق، أو طه وسلفا كير. لكن الحركة كانت تدرك أن استمرار الجمود في المحادثات يصب في مصلحة الحكومة من خلال تمكينها من إعادة تسليح وإعادة بناء مليشياتها من خلال احتكار عائدات النفط.
كانت حجة أبيل ألير، التي تذهب إلى أنه ينبغي أن تومئ الحركة الشعبية بالتعاون السياسي في المستقبل قبل انعقاد لقاء رفيع المستوى، مشكلة في حد ذاتها، كانت هناك مشاعر مختلطة حول أبيل ألير داخل الحركة الشعبية منذ فترة طويلة، فهو قد لعب دور الوسيط في اتفاق أديس أبابا، الذي اتضح فيما بعد أنه كان ضعيفاً للغاية بالنسبة للجنوب، وكان هناك توجس حول الدور الذي لعبه لاحقاً، سواء في الجنوب أو في الخرطوم. ومع ذلك فقد برهن ألير على أنه لاعب أساسي. لم يكن دكتور جون يعتقد حتى تلك اللحظة، كما علمت من مصادر مطلعة داخل الحركة، أن الحكومة ملتزمة بقبول تغيير حقيقي في البلاد عامة وفي الجنوب على وجه الخصوص.. أما الآن فقد عدل عن رأيه.
كان ثمة أمر على وشك الحدوث في 20 أغسطس، وبعد أن أدرك الجنرال سمبيو أن المحادثات لن تحقق تقدماً بدون تدخل من أعلى المستويات، اتصل الجنرال بقرنق عبر الهاتف وحصل منه على ما اعتبره وعداً بمقابلة طه.
كان وزير الخارجية الكيني ورئيس اللجنة الفرعية للسودان في الإيقاد «ستيفن كالنزو مسيوكا» يزور القاهرة في ذلك الوقت، وبناء على طلب سيمبيو عرج وزير الخارجية الكيني على الخرطوم لمقابلة الرئيس البشير.
كان يريد الحصول على موافقة من البشير لدعوة علي عثمان محمد طه إلى نيروبي للقاء زعيم الحركة الشعبية، لكن وبرغم استقبال البشير للأمر بإيجاب إلا أنه لم يسلم فوراً بالمبادرة الكينية. كان طه وقتها خارج البلاد، ولم يكن يعلم بهذه التطورات. في تلك الأثناء كان أعضاء بارزون في الحزب الحاكم قد ذهبوا لمقابلة رئيس الجمهورية طالبين منه أن يتولى طه مفاوضات السلام بدلاً من الدكتور غازي صلاح الدين، وافق البشير بناء على ذلك على الاجتماع، وعلى تغيير قيادة وفد المفاوضات. ودعت كينيا الأطراف المعنية رسمياً للاجتماع في الثاني من سبتمبر.
نظراً لمشاوراته الواسعة مع أبيل ألير ومحاولاته السابقة مقابلة رئيس الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، فلا بد أن علي عثمان محمد طه كان مسروراً لما حدث في غيابه، لقد كان هدفه الدائم هو استقرار واستدامة حكومة المؤتمر الوطني في الخرطوم. وكان تحسين العلاقات مع الجنوب عن طريق التوصل إلى اتفاق سلام أمر مهم لتحقيق هذا الهدف. ولعلنا نفترض أن هذا بالضبط هو ما حفّز محاولاته العديدة عبر كول دينق. ابتداء من أوائل التسعينيات وما تلاها، للدعوة لمشاركة قرنق شخصياً في المفاوضات كما أن تسنُّم القيادة كصانع سلام من جانب الحكومة، يمكن أن يفتح له فرصاً سياسية جديدة، فمن خلال تقدمه لإدارة دفة العملية، عظم النائب الأول للرئيس فرصته في مقابل الفصائل الأخرى في النظام في تحديد حصيلة العملية.
في أواخر أغسطس استحثني أبيل ألير، من خلال سفير النرويج في نيروبي، على الاتصال بدكتور جون للتأكيد على أهمية المضي قدماً في المحادثات من خلال الاجتماع بطه حيث كان قرنق متردداً في ذلك. وكان وزير الخارجية المصري، أحمد ماهر، قد ظهر على شاشة التلفزيون، في حضور موسيوكا، مندداً بالحركة الشعبية ورئيسها، وواصفاً المطالبة بتقرير المصير بالمؤامرة، حيث كان ذلك الحديث باللغة العربية وباسم زميله الكيني، الذي يجب على المرء أن يفترض أنه لم يكن مدركاً لما كان يجري، أما دكتور جون فقد كان منزعجاً جداً، ودعا موسيوكا لإعلان استيائه، لم يكن دكتور جون على استعداد إذن، للذهاب إلى أي اجتماع، وقبل أن أتمكن من إجراء الاتصال بقرنق، تلقيت أنا نفسي اتصالاً.
الاتصال الهاتفي: طه يُقدم على الخطوة
كما رأينا كانت تلك هي المكالمة الهاتفية، التي باتت شهيرة الآن، من علي عثمان محمد طه حول حضوره المزمع لجنازة نائب الرئيس الكيني في نيروبي، واقتراحه بأن هذا الحدث قد يمثل سانحة مناسبة لعقد اجتماع بين الزعيمين.
كان رئيس الحركة ما يزال غير متيقن من الآراء الحقيقية للرئيس البشير، ومن امكانية عقد اجتماع حقيقي لا مجرد مناسبة لالتقاط الصور التذكارية التي يمكن استخدامها لأغراض الدعاية، أكدت لدكتور جون أن الرئيس، وفق ما هو مرصود، كان يشجع على الاتصال المباشر بينه وبين طه، كما اقترحت بعض النقاط لجدول أعمال الاجتماع، ألححت على قرنق أن يحادث البشير على الهاتف، لكن بتردده في القيام حتى بهذه المكالمة، بدا كما لو أنه قد شُلَّت حركتُه.
تواصلت جهودنا لرفع مستوى الضغوط، اتصلت بالأمريكيين، الذين قاموا بدورهم بالاتصال بدكتور جون وفعل كيل هودنبو، مستشاري لشؤون السودان نفس الشيء مع دينق ألور، الذي كان في نيروبي مع جستن ياك.
كان كلاهما «الور وياك» مقتنعين بالحاجة لإجراء محادثات رفيعة المستوى، كما قام كول دينق بالاتصال عبر الهاتف عدة مرات في محاولة لإقناعه بالذهاب. وكنا على اتصال مستمر مع الأمريكيين في هذه المرحلة، كانت هناك مناقشات مكثفة في رمبيك بين القيادات الرئيسية للحركة الشعبية، حيث نصح غالبيتهم بقوة بعدم عقد أي لقاء مع طه، وبأنه إذا ما كان يجب على الدكتور جون الاجتماع مع أي شخص، فإن ذلك الشخص يجب أن يكون رئيس الجمهورية وليس نائبه، وأن ذلك الاجتماع لا يجب أن يكون الآن وإنما في وقت لاحق، ونصح ثلاثة أعضاء فقط من قيادة الحركة رئيسها بالاجتماع بطه، وهم باقان أموم، لوال دينق وول، وجيمس واني. كما أعرب أليجا ماجوك أيضاً عن تأييده، إلا أنه لم يكن عضواً رسمياً.
استمرت المقاومة للاجتماع بالحركة الشعبية داخل الحكومة أيضاً، ونما إلى علمنا عبر مصادرنا الخاصة أن يومين من المناقشات المحتدمة أسفرت عن حصول طه ليس فقط على الدعم للاجتماع، ولكن أيضاً على تفويض لإبرام اتفاق مع قرنق على المسائل المتبقية. لكن مجموعة صغيرة من المشككين الذين كانوا مقربين من الرئيس البشير، بما في ذلك وزير الدفاع بكري حسن صالح، اتصلت سراً بالحركة الشعبية، للإيعاز بعدم التوصل لاتفاق مع علي عثمان محمد طه وتقديم عرض بإجراء محادثات مباشرة مع البشير بدلاً من ذلك.. لم يكن ذلك ليثير الدهشة على خلفية المسافة التي تفصل طه عن الجيش، وبيئة التنافس السائدة داخل الحكومة، إلا أن ذلك الأمر أقلق الحركة الشعبية التي رفضت تلك العروض.
وفرت جنازة نيروبي دفعاً قوياً لتلك المسألة، اتصل دينق ألور وجستن ياك برئيس الحركة، لإبلاغه بأن علي عثمان محمد طه قد وصل الآن.. وكان وزير الخارجية الكيني قد أبدى تبرمه بالفعل من تأخر وصول: زعيم الحركة الشعبية للاجتماع.. سأل سلفا كير عما إذا كان قرنق قد قدم أي وعود لدول المنطقة.. وعندما أقر رئيس الحركة بأن الكينيين قد تلقوا تلميحات من هذا القبيل تدخل سلفا كير محذراً من أن المنطقة كلها ستكون ضد الحركة الشعبية إذا ما تم رفض اللقاء بالخرطوم في هذه المرحلة. وهنالك بعض المزاعم، حتى بأن الكينيين قد هددوا بطرد الحركة الشعبية من كينيا تماماً إذا لم تحضر للمحادثات. وعلمنا لاحقاً أن طه كان قد حاول تأمين موقفه من خلال الاتصال بأبيل ألير أيضاً، حيث كان يعلم أن ألير سيتصل بكول دينق لإخطاره بأنه سيكون في انتظار رئيس الحركة الشعبية في نيروبي، وأبلغ كول دينق الدكتور جون أنه إن فشل في الحضور يوم الأربعاء 3 سبتمبر فإن طه سيعلن على الملأ أن الحركة الشعبية غير راغبة في السلام، وظل علي عثمان محمد طه قيد الانتظار لثلاثة أيام في منتجع الوادي المتصدع العظيم، بمعية الكينيين سوياً مع وفد ضخم من الحكوميين النافذين. ووفقاً لسلفا كير، فإن دكتور جون قد صُدم بحضور طه أولاً.. ومن المؤكد أن ذلك قد مثل ضغطاً إضافياً، إلا أن قرنق تركهم في الانتظار.. بيد أن الاحتمال المتوقع بانتقاد كينيا ودول الإيقاد له، إضافة لاحتمال هجوم الخرطوم على الحركة وعليه هو شخصياً، كان عاملاً حاسماً في نهاية المطاف. هز الجبار أطلس كتفيه، وانتصرت الموضوعية، سيلتقي قرنق بالنائب الأول للرئيس.
لكنه يجب أن يكون لقاءً قصيراً، لم يكن يريد الدخول في مفاوضات شاملة، وكان أبيل ألير قد نقل الضمانات اللازمة من الخرطوم، كان الرئيس البشير مسانداً للمبادرة، ولم يكن هناك سبب للخوف من أن يُستخدم دكتور جون في صراع على السلطة بين البشير وطه. وتوجه دكتور جون من رمبيك إلى لوكيشوكيو ومنها إلى نيروبي.. وفي مطار نيروبي طلب دكتور جون من باقان أموم إعداد مسودة بيان إعلامي، تم طبعه في التو واللحظة، حيث أوضح البيان أن رئيس الحركة الشعبية مستعد للتفاوض مع الحكومة ومع نائب الرئيس علي عثمان محمد طه من أجل التوصل إلى اتفاق شامل للسلام، كما اجتمع الدكتور جون قرنق أيضاً مع ألير للإطلاع على مواقف الحكومة.
وبينما كانت تلك المداولات الداخلية تسير على قدم وساق في نيروبي، كان أعضاء وفد الخرطوم يفقدون صبرهم في نيفاشا. وكما يستدعي طه ذاكرته:
في اليوم الثالث بعد الظهر، كنا فعلاً على وشك المغادرة، كانت الساعة تشير إلى الواحدة أو الثانية بعد الظهر عندما قال لي أعضاء فريقي:
«يكفي ذلك، دعنا نغادر». حزمنا حقائبنا ووضعنا امتعتنا في القاعة.
قلت لهم: «دعونا ننتظر لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات، ولنرَ. فلربما يأتي»، كان وزير الخارجية الكينية في ذلك الوقت «ستيفن كالونزو ماسيوكا» والجنرال سيمبيو هناك أيضاً، فتوسلونا كي نتحلى بالصبر وننتظر.
فجأة بلغ الفريق خبر أن رئيس الحركة الشعبية في طريقه إلى نيفاشا، وهبطت طائرة دكتور جون بعد الساعة 00:4 مساءً بقليل. حيث تحرك بالسيارة نحو نيفاشا فأدرك المنتجع عند الغروب. ويستطرد طه في السر، «قلت لقومي: أرأيتم الآن إن من يصبر يوفّى أجره بغير حساب. هنا يكمن الفرق.
«ترى ماذا يكون الحال لو أني كنت قد غادرت عند الظهيرة».
وجد طه وقرنق الرعاية ووجها إلى إحدى الغرف، حيث قام وزير الخارجية ماسيوكا بتقديمهما إلى بعضهما البعض، مبدياً بعض الملاحظات التقديمية، ثم غادر الغرفة ليتركهما على انفراد. ويسترجع طه:
ساد الصمت وكان كل واحد منا يفكر «كيف يمكنني إذابة الجليد؟».
تحدثنا عن تلك اللحظة في وقت لاحق.. بعد ثوان طويلة جداً، كنت على وشك تناول قارورة الماء من على الطاولة وتقديم كوب من الماء إلى دكتور جون، لكنه كان يفكر في الشيء نفسه، وكان أسرع مني.
قفز نحو القارورة وصبّ لي كأساً من الماء بأسلوب ينطوي على كثير من التقدير، وكان أمراً مؤثراً، ضحكنا سوية، ومن ثم بدأنا في الحديث».
وكان الجو ملبداً بالتوتر والإثارة، كان الانطباع السابق لطه حول رئيس الحركة الشعبية سلبياً للغاية: «كان كل منا يحمل تلك الصور الذهنية في رأسه، وهذا هو الجانب السيء من الحرب بين الأشقاء»، يقول طه.
واعترف دكتور جون بأن معظم بطانته كانت قد اعترضت على ذلك الاجتماع وعندما أجريت مقابلة مع طه في العام 2010م، قال طه بأدب أن قرنق يرجع الفضل لأبيل ألير ولشخصه باعتبار ما لعباه من دور فعّال في توصله لقراره بحضور الاجتماع، استمرت الجلسة لحوالى عشرين دقيقة فقط ولكنها كانت كافية لإذابة الجليد.
والتقيا «قرنق وطه» مرة أخرى في صباح اليوم التالي في الساعة التاسعة في جلسة نقاش أخرى خاصة، قبل أن تتم دعوة فريقيهما للمشاركة.. ثم بدأت المناقشات بحضور الوسطاء وكانت الأجواء في تلك الجلسة متوترة جداً هي الأخرى.. كانت الوفود تتفحص وتسبر غور بعضها البعض. كان الجميع يدرك أن هذه ستكون مباراة مختلفة تماماً عن ناكورو، وكانت الرغبة في الانزواء بعيداً عن الأضواء سبباً في ضعف المشاركة: سيمبيو وحده وطاقم الإيقاد كانوا في موقع المحادثات، ولم يكن هنالك أحد من «الترويكا» افتتح وزير الخارجية موسيوكا الاجتماع، في الجانب الحكومي كان هنالك نافع علي نافع وإدريس عبد القادر، ومطرف صديق، وسيد الخطيب، ويحيى بابكر وعبد الرحمن الخليفة، وشارك نيال دينق، ودينق ألور، وباقان أموم، وياسر عرمان، وجاستين ياك، وسامسون كواجي، وسيرينو هيتينج، ومالك عقار، وتعبان دينق عن الحركة الشعبية، وستظل هذه هي المجموعة الأساسية دون تغيير يُذكر طوال فترة المفاوضات.
كانت تلك هي الجلسة التي بدأ فيها دكتور جون خطبة لاذعة عن تاريخ النضال الجنوبي، وكما ذكر ياسر عرمان في وقت لاحق، فإن الدكتور جون كان يعتقد أن على المرء فحص ومعاينة المريض لتشخيص المرض قبل وصف الدواء المناسب. لذا تحدث قرنق طوال اجتمال التفاوض الأول لنحو أربع ساعات، وظل مستمراً في الحديث طوال الاجتماع أو الاجتماعين التاليين.
وذكر لي رئيس الحركة الشعبية على الهاتف أنه استغل اليومين الأول والثاني لتقديم تنوير كامل لطه عن قضية الجنوب، مطالباً بالاعتذار عن الفظائع التي ارتُكبت ضد الجنوبيين لسنوات عديدة.. «لا أعتقد أنه على لم بذلك»، قال لي دكتور جون «من الأفضل أن أخبره الآن، إنه بحاجة إلى أن يفهم ذلك»، وخلال هذه الأيام من سبتمبر، يزعم أن علي عثمان محمد طه قد قام بتسليم وثيقة إطار محتمل لاتفاق شامل، ويدّعي أعضاء وفد الحركة الشعبية أنه كان طالب بأسبوع من النقاش لمعرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق، على الرغم من عدم تأكيد هذا الادعاء من قبل الآخرين، وكان رئيس الحركة الشعبية قد ذكر، ملمحاً إلى مقاربة المريض، أن وثيقة من هذا القبيل لن تحل المشكلة، فالأمراض الخطيرة مثل الملاريا تحتاج إلى مزيد من الوقت، إن السودان بحاجة إلى نقلة مفاهيمية شرعة جديدة. كان هذا هو السياق الذي اضطلع فيه دكتور جون بالقيام بما سيدعوه أعضاء الحركة الشعبية مازحين ب«تعليم» ممثلي الحكومة، سارداً تاريخ الجنوب وخلفية مطالبه، إلا أن مناجاة قرنق الفردية تلك زادت من حدة التوتر، فكما يسترجع طه:
«ظللت هادئاً، تعلمين، تلك هي طبيعتي، أود تقديم نظيري بشكل أفضل قبل أن أتكلم، لم أكن أريد أن أقول أي شيء، إلا أن أعضاء فريقي كانوا في حاجة إلى التنفيس، فقد كانت هناك بعض المناقشات الساخنة والاتهامات، لقد تحدثت إلى دكتور جون عن ذلك لاحقاً، كان الحديث صادقاً ومخلصاً، وكان ذلك من الأهمية بمكان، أعتقد أننا اكتشفنا أن لدينا شيئًا ما مشترك، لقد كنا نفضل التحدث بصراحة.
ومن شأن هذه المناقشات الأولى وتلك الأيام والأسابيع أن تكون عوناً كبيراً لهذه العملية، لقد كان لنا أن نفيد منها كثيراً في وقت لاحق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.