جهود لانشاء دار لايواء المشردين في الجزيرة    النيابة العامة تنفي ماتناولته الوسائط بأن الأشخاص مرتكبي الجريمة لاينتمون للقوات المسلحة    محلل سياسي : سلوكيات النظام البائد مازالت تسيطر على المدنيين والعسكريين    إنستجرام يكشف سبب حذف المحتوى المتعلق بالمسجد الأقصى وغزة    ارتفاع كبير.. سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم السبت 15 مايو 2021 في السوق السوداء    مستشار حمدوك : مؤتمر باريس فرصة لتقديم السودان بثوب جديد    جبريل إبراهيم يطالب الإسراع بكشف قتلة شهداء موكب أسر الشهداء    واتساب نفّذت تهديدها..قيّدت الخدمة لمن رفض التحديث    النيابة العامةتنفي ماتناولته الوسائط بأن الأشخاص مرتكبي الجريمةلاينتمون للقوات المسلحة    شاهد بالفيديو: الاحتلال الإسرائيلي يدمر في غزة مقر قناة الجزيرة    النائب الأول لرئيس مجلس السيادة يتلقى اتصالاً من مولانا الميرغني    زوجتي عصبية فماذا أفعل؟    "أرقام استثنائية".. ليفربول يحتفل بوصول صلاح ل200 مباراة مع الفريق    وزير الاستثمار: مؤتمر باريس للاستثمار وليس (الشحدة)    السودان يجري اتصالات مع السعودية وفلسطين حول الوضع في غزة    الصحة تؤكد على مجانية التطعيم ضد كورونا وتدعو المواطنين للتبليغ    وزير الاستثمار : مؤتمر باريس للاستثمار وليس (الشحدة)    الصحة: تطعيم اكثر من 140 الف شخص ضد كورونا    مناشدات عاجلة لاحتواء احداث المدينة 11 بولاية النيل الازرق    الفريق ياسر العطا يشارك في مراسم تنصيب رئيس جمهورية جيبوتي    وفد من رجال الأعمال لمؤتمر باريس سيصل فرنسا خلال ساعات    حمدوك ينعي شهداء قوات الشرطة الذين تعرضوا لهجوم غادر بولاية جنوب دارفور    الجزيرة:التحصين الموسع حقق نجاحات كبيرة    الثروة الحيوانية: طرح مشروع لمجمع متكامل لصادر اللحوم الحمراء بمؤتمر باريس    تفاصيل مشاريع تنموية ضخمة يعرضها قطاع الطاقة بمؤتمر باريس    كنز صحي مجهول.. هل تعرف فوائد الثوم المدهشة على صحة الإنسان    تاج السر :مؤتمر باريس فرصة لعرض مشروعات البنى التحتية    شباب الأعمال يشارك بمشاريع مهمة في مؤتمر باريس    محمد صلاح يدخل في عملية انتقال مبابي إلى ريال مدريد    لا تغفل عنها.. موعد البدء بصيام الست من شوال    وكيله: رونالدو لن يعود إلى فريقه السابق    مات بآخر أدواره في "موسى".. وفاة فنان مصري بكورونا    5 أنواع من الشاي تضرب الأرق.. تعرف إليها    نشوب حريق داخل مستشفى ود مدني ولا وجود لإصابات    المريخ يتدرب بقوة ويواجه الإنتاج الحربي وسراميكا بالأحد    رحل الفريق بحر    وداعا ريحانة توتي ..    بسبب القمر الدموي.. رحلة جوية دون وجهة تبيع كل تذاكرها في دقيقتين ونصف    هجرة عكس الرّيح موسى الزعيم ألمانيا / سوريا    الهروب من الذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات "نسيان ما لم يحدث" .. بقلم: أحمد حسب الله الحاج    السعودية: ندين الممارسات غير الشرعية للاحتلال الإسرائيلي    ارتفاع عدد ضحايا شرطة مكافحة المخدرات بسنقو إلى (12) شهيداً و(14) جريحاً    رواية الغرق لحمور زيادة ضمن مقررات التبريز للتعليم بفرنسا    عمل فني يعزز التنمية والسلام في أبيي    لا تغفل عنه.. دعاء ثاني أيام العيد المبارك    مقتل (10) من قوات مكافحة المخدرات ب(سنقو) جنوب دارفور    ضبط تانكر وعربات لوري محملة بالوقود بولاية نهر النيل    ايقاف شبكة إجرامية تنشط بتوزيع وترويج الأدوية المهربة بالخرطوم    مقتل ضابط و (9) من جنوده في كمين لعصابات مخدرات بدارفور    عندي حكاية – تقى الفوال: أول ممثلة محجبة في ألمانيا    الإيغور: السلطات الصينية تطارد الأئمة بتهم "نشر التطرف"    نانسي بيلوسي تدعم إجراء تحقيق أخلاقي في واقعة "اعتداء لفظي" من الجمهورية مارجوري تايلور غرين    فيديو: برباعية في مرمى غرناطة .. ريال مدريد يبقي على حظوظه في الاحتفاظ باللقب    "ويفا" يعلن نقل مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا من إسطنبول إلى بورتو بسبب فيروس كورونا    آه من فقد الشقيق أو الحبيب واليوم عيد .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة    قصة قصيرة "كتابة": هلوساتُ شخصٍ على حافَّةِ جنُونٍ ما..! .. بقلم: إبراهيم جعفر    التسامح وتطهير الروح .. بقلم: أمل أحمد تبيدي    الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم وزوجته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





اندلاع السلام (نيفاشا) ..الحلقة (13)
نشر في الانتباهة يوم 07 - 01 - 2012


من أعداء إلى شركاء في السلام
كانت مهاتفة علي عثمان محمد طه ل «أوسلو» في 31 أغسطس خطوة حاسمة لانطلاق التفاوض على مستوى رفيع. وكما سبقت الإشارة، يبدو أن واحدة من جملة تطورات، أو على الأرجح عدداً منها، كانت مجتمعة وراء ذلك القرار ووراء توقيت تلك المبادرة. كانت الأحداث بدارفور تتفاقم وتبتعد عن دائرة السيطرة.
كان التمرد قد تصاعد بشكل كبير مع الهجوم على الفاشر ونيالا، عاصمتي شمال وجنوب دارفور.. وبينما كانت الفصائل المتمردة تجنح نحو التفاوض، لم تكن الحكومة ترغب في المحادثات في هذه المرحلة، ولا في إشراك المتمردين في دارفور في المفاوضات حول الجنوب.
كان علي عثمان محمد طه يمتلك آراء محكمة حول العديد من القضايا على امتداد مراحل عملية التفاوض. وبما أنه كان يعتبر دائماً من الغلاة المتشددين، فقد سرت الشائعات وقتها حول تحالفه مع نافع علي نافع، أحد الصقور القوية للإسلاميين في أجهزة الاستخبارات الحكومية. كان الرأي التقليدي السائد في ذلك الوقت هو أن الرئيس البشير والدكتور غازي يمثلان قيادة «معسكر السلام»، وأن أي جهد جاد للتفاوض على إنهاء الحرب سيصطدم ب«طه».. أما خلف الأبواب المغلقة، فقد كان العديد من المراقبين يعتقدون أن طه كان رجلاً «براجماتياً». وبحسب هذا الرأي، فقد كان طه يمتلك القدرة على الحفاظ على تماسك الحزب بينما يقوم بدور الجسر الذي يمكن عبوره إلى أشد الغلاة بأساً في الحزب. فقد كان الرجل «كوزير للخارجية، مهندس محاولات التقارب مع الغرب. وكان وزير الخارجية الحالي، مصطفى عثمان إسماعيل، أقل مصداقية لدى المتشددين. وكان هنالك شعور على نطاق واسع في ذلك الوقت «كما عكست ذلك التقارير الواردة من إفريقيا العدالة» (JUSTICE AFRICA) ومجموعة الأزمات الدولية، من بين جهات أخرى، بما في ذلك الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان» أن طه كان أحد غلاة الصقور. ومع ذلك، كما في حالة نيكسون مع الصين، كانت تلك السمعة هي ما جعل المراقبين الحصيفين على قناعة بأن طه وحده سيكون قادراً على التفاوض حول السلام مع الجنوب. وكان هذا الشعور سائداً أيضاً بين الجنوبيين البارزين في الخرطوم، على الرغم من أن هذا التقييم كان يقوم على أسس مختلفة بعض الشيء.
الخيار الإستراتيجي
كما رأينا، فإن رغبة واهتمام طه بلقاء رئيس الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان تعود إلى العام 1990م.. لكن تبينت قيادة الحركة وجود اهتمام جاد بالتفاوض فقط في ديسمبر 2002م، عندما حاول أوباسانجو الترتيب للقاء يجمع الطرفين. وقد تعزز ذلك من خلال الإشارات التي أطلقتها رحلة طه إلى لندن في أبريل مايو. زار علي عثمان محمد طه أبيل ألير في 29 يوليو، وهي المرة الأولى التي يلتقيا فيها منذ وقوع حادثة توريت.
واستغرق الاجتماع أربع ساعات حيث تعرض لإعلان مبادئ «الإيقاد»، ومشاكوس، والقضايا العالقة التي لم يتم البت فيها بعد. وكان طه يريد أن يعرف التنازلات التي ترغب الحركة في تقديمها. وعلى الرغم من أن ألير كان يجتمع بانتظام مع طه والرئيس قبل توريت، إلا أنه سيعلق لاحقاً بأنها كانت المرة الأولى التي يصرح فيها طه بآرائه حول تلك القضايا الرئيسية.
ونقل إليه ألير أن الحركة الشعبية مستعدة لتحقيق السلام، إلا أن الحركة ظلت متشككة للغاية حول دور طه في الحكومة، وتحديداً محاولات النظام لتحقيق «السلام من الداخل» عن طريق استمالة الجنوبيين وإغرائهم التي لن يكتب لها النجاح.
الآن استشعرت الحركة الشعبية التغيير. وأبلغ النائب الأول للرئيس أبيل ألير أن فريق الحكومة سيبدأ في العمل على التوصل إلى حل في الجولة القادمة من المحادثات. وبالنسبة لألير، فإن طه، كما يبدو، يعترف بأن الأسلوب الذي عبرت به الحكومة عن رفضها لمشروع إطار التفاوض في ناكورو لم يكن حكيماً بشكل خاص. وتحت تأثير الوضع المتدهور في دارفور، كان كلٌّ من طه والرئيس يخشيان على السودان من التشظي، كأسوأ احتمال، مثلما حدث في الصومال، وكانوا في حاجة إلى التحرك بسرعة للتوصل إلى حل، وأعرب طه أيضاً عن استعداده للتخلي عن منصبه كنائب أول للرئيس، ولكن كان واضحاً أنه لم يكن يعتزم الجلوس على الهامش. فقد كان من شأن اتفاق بين الحزب الحاكم والجنوب إحداث تحول في المشهد السياسي على أية حال، كما أن من شأن الانتخابات خلال الفترة الانتقالية أن تتيح فرصاً جديدة.
شجعت تلك التطورات دكتور جون قرنق على اقتراح نقاط لمزيد من المناقشة بين ألير ونائب الرئيس. وخلال الأسبوع الثاني من أغسطس عقد ألير سلسلة من الاجتماعات مع طه وفريق التفاوض الحكومي. وبعد فحص ومراجعة وثيقة ناكورو، قدم طه وللوفد عدة مقترحات محددة، كما اقترح ألير نفسه بعض التنازلات وإجمالاً التقى ألير بنائب الرئيس أربع مرات وبأعضاء فريق التفاوض ثلاث مرات في ما يمكن اعتباره حواراً بينهم وبين الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، حيث لعب ألير دور الوسيط. وقد تمت إحاطتنا علماً بتلك المناقشات. وكما يبدو فإن الخرطوم كانت جادة.
تقدم الفريق الحكومي بمقترحات هامة لأبيل ألير تمثلت في عرضهم لمنصب النائب الأول للرئيس للحركة الشعبية إضافة إلى القبول بجيشين خلال الفترة الانتقالية. لقد فشلت اتفاقية أديس أبابا 1972م في استيعاب جيش الأنانيا المتمرد، وكان من الواضح الآن أنه ينبغي للترتيبات الأمنية أن تتضمن أحكاماً تكفل الإبقاء على الجيش الشعبي لتحرير السودان مؤقتاً، في الجنوب على أقل تقدير. وكانت الحكومة أقل قابلية لسحب قواتها وراء خط العرض «13» شمالاً. أما مسألة العاصمة فقد كانت تتعلق حقيقة بالشريعة، وكان تحمل معنى رمزياً عظيماً بالنسبة للحكومة. وكانت المخاوف بشأن اقتسام الثروة سهلة الحل على الأرجح. أما فيما يتعلق بالمناطق الثلاث، فقد ظلت الحكومة غير مستعدة لتغيير موقفها إلا قليلاً، وقاوم طه فكرة ضم دارفور والشرق للمفاوضات. وكان يحيل إلى الأدلة على دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان، لحركة/ جيش تحرير السودان. لكن نائب الرئيس كان حريصاً جداً على إقامة شراكة سياسية مع الحركة الشعبية، وهي فكرة تلقتها الحركة بالارتياب وكانت استجابتها لها لا تخلو من إبهام. ومن المثير للاهتمام أنه قد قيل إن الرئيس البشير والدكتور غازي أبديا خلال المناقشات الداخلية مع طه حول هذه النقطة، قلقاً واهتماماً حول انفصال دارفور أكثر مما أبدياه من قلق واهتمام بالجنوب.
بعد هذه المناقشات ذهب أبيل ألير إلى نيروبي.. وقام بتسليم كل ملاحظاته إلى سمبيو، وعقد اجتماعاً استمر لست ساعات مع دكتور جون في 17 أغسطس. ومنذ آخر اجتماع لهما، في يوليو، كان دكتور جون قد تلقى مزيداً من المعلومات من كول دينق، والآن هاهو ألير يحث رئيس الحركة الشعبية على الدخول في محادثات مباشرة مع الحكومة. وكنا نعتقد جازمين أن العملية قد وصلت إلى مفترق طرق: فإما أننا سنرى مشاركة على مستوى رفيع يتبعها اتفاق للسلام أو أن كل شيء سينهار.
على الرغم من اعتراف دكتور جون بتحرك الجانب الحكومي، إلا أنه كان لا يزال متردداً في مقابلة نائب الرئيس، خوفاً كمال قال، من أن القيام بذلك من شأنه أن يُضعف موقف الرئيس البشير. وكانت المناقشات التي قمت أنا شخصياً بإجرائها مع أعضاء من قيادة الحركة في نيروبي في أوائل أغسطس قد كشفت عن دعمهم لإجراء محادثات رفيعة المستوى، ولكنهم فضلوا أن تتم تلك المحادثات على مستوى البشير وقرنق، أو طه وسلفا كير. لكن الحركة كانت تدرك أن استمرار الجمود في المحادثات يصب في مصلحة الحكومة من خلال تمكينها من إعادة تسليح وإعادة بناء مليشياتها من خلال احتكار عائدات النفط.
كانت حجة أبيل ألير، التي تذهب إلى أنه ينبغي أن تومئ الحركة الشعبية بالتعاون السياسي في المستقبل قبل انعقاد لقاء رفيع المستوى، مشكلة في حد ذاتها، كانت هناك مشاعر مختلطة حول أبيل ألير داخل الحركة الشعبية منذ فترة طويلة، فهو قد لعب دور الوسيط في اتفاق أديس أبابا، الذي اتضح فيما بعد أنه كان ضعيفاً للغاية بالنسبة للجنوب، وكان هناك توجس حول الدور الذي لعبه لاحقاً، سواء في الجنوب أو في الخرطوم. ومع ذلك فقد برهن ألير على أنه لاعب أساسي. لم يكن دكتور جون يعتقد حتى تلك اللحظة، كما علمت من مصادر مطلعة داخل الحركة، أن الحكومة ملتزمة بقبول تغيير حقيقي في البلاد عامة وفي الجنوب على وجه الخصوص.. أما الآن فقد عدل عن رأيه.
كان ثمة أمر على وشك الحدوث في 20 أغسطس، وبعد أن أدرك الجنرال سمبيو أن المحادثات لن تحقق تقدماً بدون تدخل من أعلى المستويات، اتصل الجنرال بقرنق عبر الهاتف وحصل منه على ما اعتبره وعداً بمقابلة طه.
كان وزير الخارجية الكيني ورئيس اللجنة الفرعية للسودان في الإيقاد «ستيفن كالنزو مسيوكا» يزور القاهرة في ذلك الوقت، وبناء على طلب سيمبيو عرج وزير الخارجية الكيني على الخرطوم لمقابلة الرئيس البشير.
كان يريد الحصول على موافقة من البشير لدعوة علي عثمان محمد طه إلى نيروبي للقاء زعيم الحركة الشعبية، لكن وبرغم استقبال البشير للأمر بإيجاب إلا أنه لم يسلم فوراً بالمبادرة الكينية. كان طه وقتها خارج البلاد، ولم يكن يعلم بهذه التطورات. في تلك الأثناء كان أعضاء بارزون في الحزب الحاكم قد ذهبوا لمقابلة رئيس الجمهورية طالبين منه أن يتولى طه مفاوضات السلام بدلاً من الدكتور غازي صلاح الدين، وافق البشير بناء على ذلك على الاجتماع، وعلى تغيير قيادة وفد المفاوضات. ودعت كينيا الأطراف المعنية رسمياً للاجتماع في الثاني من سبتمبر.
نظراً لمشاوراته الواسعة مع أبيل ألير ومحاولاته السابقة مقابلة رئيس الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، فلا بد أن علي عثمان محمد طه كان مسروراً لما حدث في غيابه، لقد كان هدفه الدائم هو استقرار واستدامة حكومة المؤتمر الوطني في الخرطوم. وكان تحسين العلاقات مع الجنوب عن طريق التوصل إلى اتفاق سلام أمر مهم لتحقيق هذا الهدف. ولعلنا نفترض أن هذا بالضبط هو ما حفّز محاولاته العديدة عبر كول دينق. ابتداء من أوائل التسعينيات وما تلاها، للدعوة لمشاركة قرنق شخصياً في المفاوضات كما أن تسنُّم القيادة كصانع سلام من جانب الحكومة، يمكن أن يفتح له فرصاً سياسية جديدة، فمن خلال تقدمه لإدارة دفة العملية، عظم النائب الأول للرئيس فرصته في مقابل الفصائل الأخرى في النظام في تحديد حصيلة العملية.
في أواخر أغسطس استحثني أبيل ألير، من خلال سفير النرويج في نيروبي، على الاتصال بدكتور جون للتأكيد على أهمية المضي قدماً في المحادثات من خلال الاجتماع بطه حيث كان قرنق متردداً في ذلك. وكان وزير الخارجية المصري، أحمد ماهر، قد ظهر على شاشة التلفزيون، في حضور موسيوكا، مندداً بالحركة الشعبية ورئيسها، وواصفاً المطالبة بتقرير المصير بالمؤامرة، حيث كان ذلك الحديث باللغة العربية وباسم زميله الكيني، الذي يجب على المرء أن يفترض أنه لم يكن مدركاً لما كان يجري، أما دكتور جون فقد كان منزعجاً جداً، ودعا موسيوكا لإعلان استيائه، لم يكن دكتور جون على استعداد إذن، للذهاب إلى أي اجتماع، وقبل أن أتمكن من إجراء الاتصال بقرنق، تلقيت أنا نفسي اتصالاً.
الاتصال الهاتفي: طه يُقدم على الخطوة
كما رأينا كانت تلك هي المكالمة الهاتفية، التي باتت شهيرة الآن، من علي عثمان محمد طه حول حضوره المزمع لجنازة نائب الرئيس الكيني في نيروبي، واقتراحه بأن هذا الحدث قد يمثل سانحة مناسبة لعقد اجتماع بين الزعيمين.
كان رئيس الحركة ما يزال غير متيقن من الآراء الحقيقية للرئيس البشير، ومن امكانية عقد اجتماع حقيقي لا مجرد مناسبة لالتقاط الصور التذكارية التي يمكن استخدامها لأغراض الدعاية، أكدت لدكتور جون أن الرئيس، وفق ما هو مرصود، كان يشجع على الاتصال المباشر بينه وبين طه، كما اقترحت بعض النقاط لجدول أعمال الاجتماع، ألححت على قرنق أن يحادث البشير على الهاتف، لكن بتردده في القيام حتى بهذه المكالمة، بدا كما لو أنه قد شُلَّت حركتُه.
تواصلت جهودنا لرفع مستوى الضغوط، اتصلت بالأمريكيين، الذين قاموا بدورهم بالاتصال بدكتور جون وفعل كيل هودنبو، مستشاري لشؤون السودان نفس الشيء مع دينق ألور، الذي كان في نيروبي مع جستن ياك.
كان كلاهما «الور وياك» مقتنعين بالحاجة لإجراء محادثات رفيعة المستوى، كما قام كول دينق بالاتصال عبر الهاتف عدة مرات في محاولة لإقناعه بالذهاب. وكنا على اتصال مستمر مع الأمريكيين في هذه المرحلة، كانت هناك مناقشات مكثفة في رمبيك بين القيادات الرئيسية للحركة الشعبية، حيث نصح غالبيتهم بقوة بعدم عقد أي لقاء مع طه، وبأنه إذا ما كان يجب على الدكتور جون الاجتماع مع أي شخص، فإن ذلك الشخص يجب أن يكون رئيس الجمهورية وليس نائبه، وأن ذلك الاجتماع لا يجب أن يكون الآن وإنما في وقت لاحق، ونصح ثلاثة أعضاء فقط من قيادة الحركة رئيسها بالاجتماع بطه، وهم باقان أموم، لوال دينق وول، وجيمس واني. كما أعرب أليجا ماجوك أيضاً عن تأييده، إلا أنه لم يكن عضواً رسمياً.
استمرت المقاومة للاجتماع بالحركة الشعبية داخل الحكومة أيضاً، ونما إلى علمنا عبر مصادرنا الخاصة أن يومين من المناقشات المحتدمة أسفرت عن حصول طه ليس فقط على الدعم للاجتماع، ولكن أيضاً على تفويض لإبرام اتفاق مع قرنق على المسائل المتبقية. لكن مجموعة صغيرة من المشككين الذين كانوا مقربين من الرئيس البشير، بما في ذلك وزير الدفاع بكري حسن صالح، اتصلت سراً بالحركة الشعبية، للإيعاز بعدم التوصل لاتفاق مع علي عثمان محمد طه وتقديم عرض بإجراء محادثات مباشرة مع البشير بدلاً من ذلك.. لم يكن ذلك ليثير الدهشة على خلفية المسافة التي تفصل طه عن الجيش، وبيئة التنافس السائدة داخل الحكومة، إلا أن ذلك الأمر أقلق الحركة الشعبية التي رفضت تلك العروض.
وفرت جنازة نيروبي دفعاً قوياً لتلك المسألة، اتصل دينق ألور وجستن ياك برئيس الحركة، لإبلاغه بأن علي عثمان محمد طه قد وصل الآن.. وكان وزير الخارجية الكيني قد أبدى تبرمه بالفعل من تأخر وصول: زعيم الحركة الشعبية للاجتماع.. سأل سلفا كير عما إذا كان قرنق قد قدم أي وعود لدول المنطقة.. وعندما أقر رئيس الحركة بأن الكينيين قد تلقوا تلميحات من هذا القبيل تدخل سلفا كير محذراً من أن المنطقة كلها ستكون ضد الحركة الشعبية إذا ما تم رفض اللقاء بالخرطوم في هذه المرحلة. وهنالك بعض المزاعم، حتى بأن الكينيين قد هددوا بطرد الحركة الشعبية من كينيا تماماً إذا لم تحضر للمحادثات. وعلمنا لاحقاً أن طه كان قد حاول تأمين موقفه من خلال الاتصال بأبيل ألير أيضاً، حيث كان يعلم أن ألير سيتصل بكول دينق لإخطاره بأنه سيكون في انتظار رئيس الحركة الشعبية في نيروبي، وأبلغ كول دينق الدكتور جون أنه إن فشل في الحضور يوم الأربعاء 3 سبتمبر فإن طه سيعلن على الملأ أن الحركة الشعبية غير راغبة في السلام، وظل علي عثمان محمد طه قيد الانتظار لثلاثة أيام في منتجع الوادي المتصدع العظيم، بمعية الكينيين سوياً مع وفد ضخم من الحكوميين النافذين. ووفقاً لسلفا كير، فإن دكتور جون قد صُدم بحضور طه أولاً.. ومن المؤكد أن ذلك قد مثل ضغطاً إضافياً، إلا أن قرنق تركهم في الانتظار.. بيد أن الاحتمال المتوقع بانتقاد كينيا ودول الإيقاد له، إضافة لاحتمال هجوم الخرطوم على الحركة وعليه هو شخصياً، كان عاملاً حاسماً في نهاية المطاف. هز الجبار أطلس كتفيه، وانتصرت الموضوعية، سيلتقي قرنق بالنائب الأول للرئيس.
لكنه يجب أن يكون لقاءً قصيراً، لم يكن يريد الدخول في مفاوضات شاملة، وكان أبيل ألير قد نقل الضمانات اللازمة من الخرطوم، كان الرئيس البشير مسانداً للمبادرة، ولم يكن هناك سبب للخوف من أن يُستخدم دكتور جون في صراع على السلطة بين البشير وطه. وتوجه دكتور جون من رمبيك إلى لوكيشوكيو ومنها إلى نيروبي.. وفي مطار نيروبي طلب دكتور جون من باقان أموم إعداد مسودة بيان إعلامي، تم طبعه في التو واللحظة، حيث أوضح البيان أن رئيس الحركة الشعبية مستعد للتفاوض مع الحكومة ومع نائب الرئيس علي عثمان محمد طه من أجل التوصل إلى اتفاق شامل للسلام، كما اجتمع الدكتور جون قرنق أيضاً مع ألير للإطلاع على مواقف الحكومة.
وبينما كانت تلك المداولات الداخلية تسير على قدم وساق في نيروبي، كان أعضاء وفد الخرطوم يفقدون صبرهم في نيفاشا. وكما يستدعي طه ذاكرته:
في اليوم الثالث بعد الظهر، كنا فعلاً على وشك المغادرة، كانت الساعة تشير إلى الواحدة أو الثانية بعد الظهر عندما قال لي أعضاء فريقي:
«يكفي ذلك، دعنا نغادر». حزمنا حقائبنا ووضعنا امتعتنا في القاعة.
قلت لهم: «دعونا ننتظر لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات، ولنرَ. فلربما يأتي»، كان وزير الخارجية الكينية في ذلك الوقت «ستيفن كالونزو ماسيوكا» والجنرال سيمبيو هناك أيضاً، فتوسلونا كي نتحلى بالصبر وننتظر.
فجأة بلغ الفريق خبر أن رئيس الحركة الشعبية في طريقه إلى نيفاشا، وهبطت طائرة دكتور جون بعد الساعة 00:4 مساءً بقليل. حيث تحرك بالسيارة نحو نيفاشا فأدرك المنتجع عند الغروب. ويستطرد طه في السر، «قلت لقومي: أرأيتم الآن إن من يصبر يوفّى أجره بغير حساب. هنا يكمن الفرق.
«ترى ماذا يكون الحال لو أني كنت قد غادرت عند الظهيرة».
وجد طه وقرنق الرعاية ووجها إلى إحدى الغرف، حيث قام وزير الخارجية ماسيوكا بتقديمهما إلى بعضهما البعض، مبدياً بعض الملاحظات التقديمية، ثم غادر الغرفة ليتركهما على انفراد. ويسترجع طه:
ساد الصمت وكان كل واحد منا يفكر «كيف يمكنني إذابة الجليد؟».
تحدثنا عن تلك اللحظة في وقت لاحق.. بعد ثوان طويلة جداً، كنت على وشك تناول قارورة الماء من على الطاولة وتقديم كوب من الماء إلى دكتور جون، لكنه كان يفكر في الشيء نفسه، وكان أسرع مني.
قفز نحو القارورة وصبّ لي كأساً من الماء بأسلوب ينطوي على كثير من التقدير، وكان أمراً مؤثراً، ضحكنا سوية، ومن ثم بدأنا في الحديث».
وكان الجو ملبداً بالتوتر والإثارة، كان الانطباع السابق لطه حول رئيس الحركة الشعبية سلبياً للغاية: «كان كل منا يحمل تلك الصور الذهنية في رأسه، وهذا هو الجانب السيء من الحرب بين الأشقاء»، يقول طه.
واعترف دكتور جون بأن معظم بطانته كانت قد اعترضت على ذلك الاجتماع وعندما أجريت مقابلة مع طه في العام 2010م، قال طه بأدب أن قرنق يرجع الفضل لأبيل ألير ولشخصه باعتبار ما لعباه من دور فعّال في توصله لقراره بحضور الاجتماع، استمرت الجلسة لحوالى عشرين دقيقة فقط ولكنها كانت كافية لإذابة الجليد.
والتقيا «قرنق وطه» مرة أخرى في صباح اليوم التالي في الساعة التاسعة في جلسة نقاش أخرى خاصة، قبل أن تتم دعوة فريقيهما للمشاركة.. ثم بدأت المناقشات بحضور الوسطاء وكانت الأجواء في تلك الجلسة متوترة جداً هي الأخرى.. كانت الوفود تتفحص وتسبر غور بعضها البعض. كان الجميع يدرك أن هذه ستكون مباراة مختلفة تماماً عن ناكورو، وكانت الرغبة في الانزواء بعيداً عن الأضواء سبباً في ضعف المشاركة: سيمبيو وحده وطاقم الإيقاد كانوا في موقع المحادثات، ولم يكن هنالك أحد من «الترويكا» افتتح وزير الخارجية موسيوكا الاجتماع، في الجانب الحكومي كان هنالك نافع علي نافع وإدريس عبد القادر، ومطرف صديق، وسيد الخطيب، ويحيى بابكر وعبد الرحمن الخليفة، وشارك نيال دينق، ودينق ألور، وباقان أموم، وياسر عرمان، وجاستين ياك، وسامسون كواجي، وسيرينو هيتينج، ومالك عقار، وتعبان دينق عن الحركة الشعبية، وستظل هذه هي المجموعة الأساسية دون تغيير يُذكر طوال فترة المفاوضات.
كانت تلك هي الجلسة التي بدأ فيها دكتور جون خطبة لاذعة عن تاريخ النضال الجنوبي، وكما ذكر ياسر عرمان في وقت لاحق، فإن الدكتور جون كان يعتقد أن على المرء فحص ومعاينة المريض لتشخيص المرض قبل وصف الدواء المناسب. لذا تحدث قرنق طوال اجتمال التفاوض الأول لنحو أربع ساعات، وظل مستمراً في الحديث طوال الاجتماع أو الاجتماعين التاليين.
وذكر لي رئيس الحركة الشعبية على الهاتف أنه استغل اليومين الأول والثاني لتقديم تنوير كامل لطه عن قضية الجنوب، مطالباً بالاعتذار عن الفظائع التي ارتُكبت ضد الجنوبيين لسنوات عديدة.. «لا أعتقد أنه على لم بذلك»، قال لي دكتور جون «من الأفضل أن أخبره الآن، إنه بحاجة إلى أن يفهم ذلك»، وخلال هذه الأيام من سبتمبر، يزعم أن علي عثمان محمد طه قد قام بتسليم وثيقة إطار محتمل لاتفاق شامل، ويدّعي أعضاء وفد الحركة الشعبية أنه كان طالب بأسبوع من النقاش لمعرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق، على الرغم من عدم تأكيد هذا الادعاء من قبل الآخرين، وكان رئيس الحركة الشعبية قد ذكر، ملمحاً إلى مقاربة المريض، أن وثيقة من هذا القبيل لن تحل المشكلة، فالأمراض الخطيرة مثل الملاريا تحتاج إلى مزيد من الوقت، إن السودان بحاجة إلى نقلة مفاهيمية شرعة جديدة. كان هذا هو السياق الذي اضطلع فيه دكتور جون بالقيام بما سيدعوه أعضاء الحركة الشعبية مازحين ب«تعليم» ممثلي الحكومة، سارداً تاريخ الجنوب وخلفية مطالبه، إلا أن مناجاة قرنق الفردية تلك زادت من حدة التوتر، فكما يسترجع طه:
«ظللت هادئاً، تعلمين، تلك هي طبيعتي، أود تقديم نظيري بشكل أفضل قبل أن أتكلم، لم أكن أريد أن أقول أي شيء، إلا أن أعضاء فريقي كانوا في حاجة إلى التنفيس، فقد كانت هناك بعض المناقشات الساخنة والاتهامات، لقد تحدثت إلى دكتور جون عن ذلك لاحقاً، كان الحديث صادقاً ومخلصاً، وكان ذلك من الأهمية بمكان، أعتقد أننا اكتشفنا أن لدينا شيئًا ما مشترك، لقد كنا نفضل التحدث بصراحة.
ومن شأن هذه المناقشات الأولى وتلك الأيام والأسابيع أن تكون عوناً كبيراً لهذه العملية، لقد كان لنا أن نفيد منها كثيراً في وقت لاحق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.