نعم الدنيا تعج بالأكاذيب، ولا سيما في عالم السياسة، فلا أحد يعرف الكذب من الحقيقة، وكم من الناس عاشوا في عوالم الأوهام .. ليكتشفوا بعد سنوات أن السياسيين قد لعبوا بهم، ليتسنى تمرير أشياء كان من المستحيل تمريرها لو عولجت في وضح النهار ! الكل يبحث عن الحقيقة ويتوخاها، لكن الحقيقة تبقى عصية على الجميع، حتى إن بدت ساطعة وواضحة .. فإن جوانب منها تبقى خفية، وكثيرا ما يصدق فيها القول بأنها ذات وجهين . الحقيقة هي المعلومة .. والمعلومة هي عماد القرار .. فالقرار السليم يتم بناؤه على قاعدة المعلومة السليمة، ولذلك فمجال البحث عن المعلومة صار طريدة لأجهزة حساسة كالأجهزة الأمنية، كما أصبح هدفا من أهداف الصحافة بكل ضروبها .. والباحثين باختلاف مشاربهم، وأصحاب التخطيط والرؤية الاستراتيجية تجاه المستقبل . ومع كل التطور في مجال البحث عن الحقيقة .. بقي الكذب ساطعا ليل نهار .. بل ويزداد سطوعا في الحياة العامة التي يتشاركها الناس، ليصبح ما يتم إعلانه على الملأ .. محلا للشك في كل تفاصيله .. إلى أن يثبت العكس ! أحد معارفي كان من جماعة (مسيلمة)، فهو يكذب دون سبب ظاهر، رغم ان الكذب لا يكون دون سبب، بل تقف وراءه أغراض ظاهرة أو خفية، لكن الرجل حيّر الجميع .. فهو يكذب في كل شيء، فإذا كان قادما من المستشفى، قال إنه أتى من صالة أفراح، وإذا حضر مباراة لكرة القدم .. لا يتورع عن القول إنه كان في جنازة أحد معارفه ! لسوء حظ الرجل .. أنه بات معروفا بصواريخه .. فلم يعد أحد يصدقه، شأنه شأن صاحبنا الذي كان يردد كاذبا: (هجم النمر هجم النمر)، ليهجم النمر لاحقا بالفعل .. ويروح صاحبنا وجبة شهية بين فكي الوحش المفترس ! لكن الكذب بالمناسبة يمكن أن يتحول لمهارة، بل لاحتراف، على الأقل من وجهة نظر الدراسة التي أشرفت عليها جامعة نورثوسترن الأميركية ، والتي أكدت في بيان لها ..أن باحثيها أجروا دراسة أظهرت أن احتراف الكذب ممكن من خلال الممارسة. الباحثون أجروا دراستهم على مجموعة من الأشخاص، لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم التدرب لجعل كذبتهم أكثر تلقائية، ويتفادون بالتالي الإشارات التي تفضح خدعتهم. الباحث الأساسي في الدراسة، الاختصاصي في علم النفس في الجامعة، قال في بيان للجامعة : (وجدنا أن الكذب مطواع، ويمكن تغييره من خلال الممارسة). أظن أن أخطر أنواع الكذب، والتي يمكن انطلاؤها على الناس بسهولة، تلك التي تقوم على جزء من الحقيقة، وهو ما يحدث عادة في الحروب والنزاعات وغيرها، فالناس تموت جراء تلك النزاعات المسلحة، وتبقى البيانات المتضاربة لتوزع الأكاذيب استنادا للواقعة الحقيقية، فيصبح البطل هو المجرم في وجهة نظرأخرى، ويصبح الشهيد مجرد قتيل ضمن البيانات التي يعلنها الخصم .. متباهيا بتكبيد قواته لقوات (العدو) خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات ! لا أعرف إن كانت هناك أكاديميات سرية لتعليم الكذب، لكن ما أعرفه أن محترفي الكذب في ازدياد، وأن الحقيقة أصبحت لاجئة تبحث عن وطن .. لتعبر عن نفسها فيه !