الصورة النمطية للحكومي المتنفذ أو رموز العمل العام أو الشركات والمؤسسات الوطنية أنها عبارة عن "بؤر فساد" تتكدس فيها شخصيات انسلخت من الفكرة وعاقرت المال والثراء الحرام ... هذه الصورة لم تكن في السودان إنما بعض دول أوربا الشرقية والفكرة المقصودة هنا هي "الفكرة الشيوعية"! وبعد الاندماج في السوق الدولية ... غاب المبدئيون الماركسيون ولم يعد يسمع لهم حس ولا خبر! في مطلع التسعينيات بدأ الربيع الأوربي في دك حصون الشيوعية ولم يتوقف حتى أجهز عليها كلها ولحقت شرق أوربا بغربها وانخرطت في اقتصاد السوق الحر تماما وبيعت معظم الشركات الحكومية ونفذت خطط الخصخصة على الوجه الأكمل ... نعم صحيح النسب كانت متفاوتة في سرعة التطبيق وكانت رومانيا أكثر الدول تمنعا ولكنها في النهاية لحقت بالقاطرة. معظم الحكومات الشيوعية في شرق أوربي تحولت إلى لبرالية ومن أعياها هذا التحول أوكلت الدور إلى إتحاد العمال كما حدث في بولندا التي تسلم السلطة فيها شخص محبوب جدا وهو رئيس نقابات العمال في النظام الحاكم (ليش فاليسا - ابراهيم غندور البولندي). عندما دخلت دول شرق أوربا في طاحونة الخصخصة من الذي اشترى المؤسسات والشركات والمصانع الحكومية؟ الجواب إن الذي اشتراها من يملك المال والنفوذ حينها ... وهم الشيوعيون وبالتحديد زعماء النقابات العمالية وتحول قادة الحزب إلى مستثمرين لسببين مهمين جدا ... الأول أن ضرورة الإندماج في السوق الأوربي والدولي يستلزم التحول السريع (بمن حضر!) والسبب الثاني أن المشتري لا بد أن يكون وطنيا ... ولم يكن هنالك وطنيون جاهزون مثل الشيوعيين. لم ينتقد أحد تجربة شرق أوربا ... ظهرت آراء خجولة ومتناثرة تتحدث عن البليونيرات الجدد وعن ماضيهم السابق وكيف أن ضباط المخابرات الذي كانوا يقمعون الحريات ويعززون الأنظمة السابقة هم الذين استفادوا من زوالها أكثر من ضحايا الأنظمة ... ضاعت هذه الآراء وسط حمى الاستثمار التي اندلعت! في السودان كانت هنالك سياسات سابقة ومتخبطة ... وعندما توجه السودان في سياسة التحرير الاقتصادي بيعت شركات الدولة واشتراها (من حضر!) ... ومن لم يحضر أو فضل معارضة المشروع برمته ومقاطعة أي إجراء ذي صلة به ... لم يكن قريبا من هذه التحولات ... ولكن هذا التفسير للتطور الذي حدث لا يتضمن تبريرا للأخطاء وإنما يتضمن تحليلا يمكننا من تصور المفاضلة الدخول في اقتصاد السوق الحر والاستقرار عليه وتحمل مسئولية الأخطاء المصاحبة للتحول أو عدم الدخول والتلكؤ حتى تمضي الأيام والسنين دون الاستقرار على نظام معين ... وأي عاقل يتبنى الخيار الأول. عندما يحدث التطور الاقتصادي في سياق تطور سياسي فإن المستفيدين من التطور الأول هم من رعاة التطور الثاني لا محالة وهذا يعني أن الطبقة الجديدة من الأثرياء لن تهبط من كوكب المريخ ... ولكنها ستنشأ من الداخل ... وهذا ما حدث هنا في السودان وهناك في شرق أوربا ... وفي نماذج أخرى كثيرة. نهاركم سعيد - مكي المغربي صحيفة السوداني