مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





البديل البوليفارى فى أمريكا اللاتينية وتجربة بنك الجنوب... ترجمة الفاضل الهاشمى
نشر في سودانيل يوم 02 - 12 - 2009

البديل البوليفارى فى أمريكا اللاتينية وتجربة بنك الجنوب
تحدّيات ووعود
مارتن هارت لانزبيرغ *
ترجمة الفاضل الهاشمى
[email protected]
تمتاز المرحلة الحالية من عمر الراسمالية بثلاث تطورات تمسك بعضها برقاب بعض: فشل اللبرالية الجديدة، أزمة نموذج نمو دول شرق آسيا (نموذج النمو عبر-الصادر) وجهود دول أمريكا اللاتينية فى البحث عن استراتيجية تنموية اقليمية بديلية. هذه التطورات خلقت فرص طيبة فى الفضاء السياسى والفكرى للحركة العالمية المناهضة للراسمالية.
هيأ فشل نموذج النمو النيولبرالى فى انجاز وعوده التنموية من خلق حركات سياسية مناهضة للبرالية الجديدة فى دول امريكا اللاتينية وافريقيا جنوب الصحراء. غير ان ما يحد من هذا التطور الإيجابى ذو الطاقة التحررية الكامنة هو ان قادة ونشطاء ومثقفى هذه الحركات مازالوا يعتقدون بوجود إختلافات جوهرية بين اللبرالية الجديدة والراسمالية ؛ كونهم مع إعتراضهم على الأولى، ما أنفكوا يتعشمون ،بتردّد، خيراً فى الراسمالية.
تُعزى نخب النشطاء فشل السياسات الحكومية لسياسات تحرير الأنشطة الإقتصادية ، وفك الرقابة عليها وخصخصتها. وسوادهم الأعظم مقتنع بنجاح دور الحكومة النشط فى توجيه النشاط الإقتصادى الراسمالى فى تجربة دول شرق آسيا ، لذلك يعوّلون على تعزيز فعاليات حكوماتهم لإعادة إنتاج نجاح شرق آسيا الإقتصادى.
نرى ان الوضوح الفكرى داخل هذه الحركات حول تبنى بديل اشتراكى تنموى ، سيحفظ لهؤلاء القادة السياسيين والنشطاء حيوية حركاتهم وقوتها فى هذه المرحلة ، ذلك:
1) لأن الطبيعة الإستغلالية البشعة للنمو الإقتصادى فى شرق آسيا أصبحت أكثر وضوحاً بما لامزيد عليه.
2) ثم ان الأزمة الإقتصادية العالمية (والتى أحدثها خلل الإقتصاد الأمريكى) أوهنت قوى إستراتيجية النمو عبر-الصادر فى شرق آسيا وقذفت بإقتصادياتها نحو الكساد.
اقتنعت دول امريكا اللاتينية بضعف مصداقية الراسمالية (بشقيها: راسمالية السوق وراسمالية الدولة) فى تحقيق نهضة وإقلاع تنموى وانطلقت تعمل على تبنّى مبادرات اقليمية جديدة قادرة على ترويج بديل تنموى من وحى الإشتراكية ، مثل بديليْ نموذج بوليفار وبنك الجنوب. نقول من "وحى" كون هذين البديلين لم يطرحا تبشيراً صريحاً بتحوّل اشتراكى؛ مع ذلك فانهما يجسّدان فكرة امكانية وجود بديل عملى لاستراتيجيات التنمية الراسمالية ؛ خاصة فى تجربة بوليفار ما يعزز توجّهات حكومات اخرى تستشرف ذات المآل.
تفاصيل هاتين التجربتين تفصحان عن كامن هذا التوجه وأفاقه و تحدياته فى إستشراف ديمقراطية دينامية مستقرة وأكثر تكافلا كما سنرى هنا.
أولاً: فشل اللبرالية الجديدة
بحلول اواخر سبعينات القرن الماضى ، تبنّت حكومات الشمال (العالم الأول) سياسات تضمن وصول شركاتها المتعددة الجنسية لأسواق الجنوب (الدول الناهضة) ومن ضمن تلك السياسات عملت على إعاقة مساعى دول الجنوب لتطوير قطاعات تعمل على تصنيع بدائل للواردات Import-substitution industrialization لأن تلك القطاعات تتطلب رقابة دول الجنوب على انشطة الإستثمار الأجنبى والتجارة الخارجية.
ساعدت الأزمة الاقتصادية (والتى أحدثتها ديون دول أمريكا الجنوبية ودول أفريقيا جنوب الصحراء فى بداية الثمانينات) على فرض ايدولوجيا السوق وأجندته على الدول النامية فى بداية الثمانينات، وبنهاية الثمانينات تم إرغام 73 دولة فى الجنوب على تبنى برامج التكّيف الهيكلى التى صممها صندوق النقد والبنك الدولى بوصفاتها المعروفة: خصخصة وفك الرقابة وتحرير (لبرلة) التجارة الخارجية والداخلية. سعت دول الجنوب الى تصميم سياسات تمكنها من خلق فوائض تجارية تدفع بها فاتورة ديونها ؛ ولكن هيهات فقد عملت آليات التكيّف الهيكلى على زيادة الواردات كما اضطرت حكومات الجنوب الى قطع ميزانياتها واستهلاكها (بما فيها التعليم والصحة) لمقابلة التزامات خدمة ديونها الخارجية. وهكذا أصبحت دول الجنوب تتنافس لجذب الشركات متعددة الجنسية، التى تستثمر فى صناعات موجّهة نحو الصادر عشما فى زيادة نموها (عبر-الصادر) وخدمة ديونها. فشلت تلك السياسات طبعا وأصبحت دول امريكا اللاتينية وجنوب الصحراء فى 1980-2005 تستورد أكثر من ما تصدّر وتضخّم عجزها التجارى فاضمحل نموها الاقتصادى وساءت مؤشراتها الإجتماعية وتدهورت قطاعاتها التعليمية والصحية فى تلك الفترة.
هكذا اقتنعت الحركات الشعبية فى تلك الدول بتوحش السياسات اللبرالية الجديدة دون ان تربط ذلك تحليلياً بسوءآت الديناميات الراسمالية ذات نفسها. وقد تعجّلت النخب السياسية التقدمية وناشطيها بتقييم تجربة النمو فى شرق آسيا ايجابياً وخلصت الى ان فى ذلك برهان على إمكانية النجاح التنموى الراسمالي فى حالة دولة راسمالية قوية وفعّالة بتوجيه النشاط الاقتصادى وليس عبر أسواق حرّة.
شاب استيعاب هذه النخب لتجربة شرق آسيا الكثير من الخطأ لأنه من السليم عموماً تثمين دور الدولة فى النمو ولكنهم تجاهلوا الشروط التاريخية المحدّدة التى ساعدت دول شرق آسيا مؤقتا ودعت بعض الدول الأخرى لمساعدتها. الأهم من ذلك ان هذه النخب تناست التكاليف السياسية والإجتماعية والبيئية الباهظة التى انتجها نموذج نمو دول شرق آسيا الراسمالى. ثم ان تلك النخب لم تنتبه الى التناقضات التى خلقتها استراتيجية النمو عبر-الصادر فى الإقليم.
من حُسن الطالع ان نقد الحركة المناهضة للبرالية الجديدة لأخطائها لاحقاً ستثمر خيراً. حيث أصبح يتّضح الآن لقطاعات تتسع رويدا رويدا، بأن أى بديل لتجاوز الأزمة الحالية لابد ان يكون: مناهض للإمبريالية والعنصرية والراسمالية ، وأن يكون فى مستوى ما ، نسوى وبيئوى وإشتراكى. وقد تم إستهجان التسليع والإستهلاكية التى طبعت تفاصيل الحياة الراسمالية المعاصرة. هذا التحول الفكرى والثقافى لا يبدو جليّاً الآن على مستوى الراى العام . ربما يُعزى ذلك لكون الأزمة الحالية لم تعكس تماما الطبيعة الإشكالية لديناميات التراكم الراسمالى ولكننا نأمل أن يرفع اليسار سقف وضوحه الفكرى ويدفع الصراع الآيدولوجى لمصلحة الأغلبية المتضررة من مخازى اللبرالية الجديدة.
ثانياً: تفاقم ازمة نموذج شرق آسيا
لجملة الأسباب المذكورة أعلاه مازالت تجربة شرق آسيا تلعب دورا محوريا فى الصراع الأيدولوجى المناهض للراسمالية. اكتفى معظم الباحثين التقدميين بالنظر الى تلك التجربة عبر عدسات الدولة لأهميتها فى التغيير الإقتصادى. ورغم ان ذلك المنظور ساعد على التقاط التطورات الإقليمية الاولية حينئذ لكنه لن يصلح لاستيعاب الديناميات الحالية. فى الواقع ان نشاط شرق آسيا الإقتصادى قد تجاوز المحور القطرى وأخذ طابعاً إقليمياً منذ نهاية الثمانينات وتمّت إعادة تشكيله عبر توسّع شبكات انتاج عابرة للأقطار والقارات وموجّهة نحو الصادر وتحت سيطرة وادارة الشركات. ساهم هذا التوسّع فى زيادة إعتماد كل اقتصاديات شرق آسيا على التجارة بصورة درامية. الى جانب ذلك فانه زاد الى حد بعيد نصيب "قطع الغيار والمكونات" فى تجارة المصنوعات manufactures ؛ مثلاً فقد نما نصيب قطع الغيار والمكونات فى صادرات مصنوعات جنوب شرق آسيا من 27% فى 1992 الى اكثر من 40% فى 2004. وبنفس القدر زاد نصيب استيراد قطع الغيار والمكونات فى نفس الفترة من اقل من 33% الى حوالى 50%!! وهذه يتم تبادلها داخل دول شرق آسيا (منها واليها) .
أما دور الصين ( مع انها كانت من آخر دول شرق آسيا التى تم جذبها الى عملية اعادة الهيكلة الإقليمية) فقد أصبح محورياً فى هذا النشاط التجارى. وبتعبير بنك التنمية الأسيوى فان "النجاح الملحوظ للتجارة الإقليمية عموما فى شرق اسيا يُنسب الى تجارة قطع الغيار والمكونات والى دور الصين كمركز تجميع assembly hub للمنتجات النهائية فى شبكات الانتاج الأسيوى"
انتقل ، تبعاً لإعادة الهيكلة هذه ، مجمل نشاط الصادر الى شرق آسيا (وبالتحديد الصين) وبعيداً عن الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبى. ونقيضاً لذلك فقد حوّلت الصين جل صادراتها بعيدا عن شرق آسيا ونحو أمريكا والإتحاد الأوروبى. وهكذا فقد انخفض نصيب صادرات الصين (من المنتجات النهائية) الى شرق آسيا بين 1992 و 2004 من 50% الى 27% بينما ارتفعت نسبة صادراتها الى دول منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية (باستثناء اليابان وكوريا الجنوبية) من 29% الى 50%. وهكذا فان معظم نشاط شرق آسيا التجارى عبارة عن تجارة قطع غيار ومكونات تتم داخل الاقليم وتجمّع المنتجات النهائية فى الصين ومن ثم تتوجّه بشكل أساسى الى اسواق الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربى.
بينما أصبح نظام إنتاج شرق آسيا وتجارتها الأقليميْين فعّاليْن فى انتاج الصادرات ، عادت هذه الفعالية على الأقليم بالوبال وبتكلفة أكثر حيث انه حوّل النشاط الإقتصادى بعيدا عن تلبية حاجيات الطبقات العاملة والمنتجة فى شرق آسيا . ذلك لأن حكومات شرق آسيا اضطرت لفرض سياسات اجور منخفضة وانتاجية عالية حتى تضمن دعم وتحسين موقعها التنافسى فى تجارة الحدود. أدى نجاح الصين فى هذا المضمار الى ان حوّلت الشركات المتعددة الجنسية جل انتاجها الى الصين حيث فيحاء فاتورة الأجور المنخفضة. فى هذا المضمار بدأت دول شرق آسيا تتنافس لرفع معدلات إستغلال الشغيلة (تقرأ تخفيض تكلفةعمالتها مما نتج عنه تخفيض التكلفة الحدية per unit cost) الى مستوى معدلات الصين. المستهلك العادى فى جميع أسواق العالم يلاحظ ماركة صُنع فى الصين "ميد ان شاينا" التى غمرت جميع الأسواق. وهكذا تدهورت شروط العمل والمستوى المعيشى للعمال فى شرق آسيا وهى فى قمة انتاجيتها. لكن هناك مؤشرات بأن مرحلة النمو العالية فى نموذج شرق آسيا قد استنفذت طاقتها بسبب ضعف نموذج النمو البنيوى ومن اهم نقاط ضعفه اعتماده المتزايد على امكانية الولايات المتحدة فى تحمّل مزيد من العجز التجارى المستمر. وقد خابت آمال كل من راهن على ان هذا الضعف مجرد فرضية واحتمال بعيد المدى. وبما أن الولايات المتحدة قد أعلنت رسميا فى ديسمبر 2007 دخولها فى إنحسار إقتصادى فان شروطها الإقتصادية قد أنتجت هبوطاً حاداً فى أنشطة التمويل والتسليف وزيادة مخيفة فى معدلات العطالة وانخفاض مماثل فى الإستهلاك. أدّت الطبيعة التكاملية للإقتصاد العالمى لأن يصبح كالجسد الحى الواحد لذلك سرت آلام حمى الولايات المتحدة وسهرها الى سائر جسد العالم الإجتماعى-إقتصادى فانحسر اقتصاد اليابان والإتحاد الأوروبى. وتوقع البنك الدولى انخفاض التجارة العالمية فى السلع والخدمات فى 2009 الى 6.1% وهى نسبة هبوط غير مسبوقة تاريخياً. ولأنه لاتوجد آلية طوارئ سحرية لإنقاذ الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبى واليابان لذلك فان الراسمالية العالمية ،ممثله فى أضخم اقتصادياتها، قد دخلت فى أزمة عميقة. نسبة لإعتماد صادراتها على أمريكا واوروبا، فان اقتصاديات دول شرق آسيا احتواها الكساد العالمى رويدا رويدا. تأثّرت صادرات الصين سريعا (كمحطة لتجميع صناعات اقليم شرق آسيا) بالأزمة. ولأن صادرات الصين تعتمد تماما على واردات إقليم شرق آسيا فان الأخير قد شملته الأزمة أيضا فانخفضت صادرات شرق آسيا بشكل ملحوظ. لا غرو فان جريدة نيويورك تايمز نقلت تصريح مسئول برنامج الأمم المتحدة (مكتب آسيا والباسيفيك) "محذرا من مغبّة إضطراب إجتماعى عالمى لأن إقتصاديات آسيا المصدرة قد بدأت تنخفض وتائرها تاثّراً بالأزمة المالية العالمية" حينها نبّه كثير من المحللين حكومات دول شرق آسيا الى اتخاذ سياسات تحفيزية ومنشّطة للإستهلاك المحلى.
لا نستطيع الجزم بأن ذلك التنبيه صادر عن ادانة نموذج النمو عبر-الصادر فى شرق آسيا أو هو توقّع أن ينعش تشجيع الصرف المؤقت على البنيات التحتية والبرامج الإجتماعية إقتصاديات شرق آسيا. لكننا نستطيع أن نجزم بأن أى تغيير فى بنية توجه الصادرات فى الاقليم ستصحبها تغيرات بنيوية اساسية ذات مدلولات اجتماعية بالغة الأهمية وكما وضّح أحد الإقتصاديين: ينبغى ان يُعاد تنظيم وتعديل جميع صناعات الصادر فى شرق آسيا لخدمة القطاعات المحلية. مثلا: إنّ عملية تحويل retool مصانع تركيب ال آى بودز iPods والتلفونات الموبايل فى شنزين Shenzhen الى انتاج بضائع موجّهة لخدمة المستهلك الصينى سوف تحتاج الى عمليات انتاجية طويلة المدى ومعقدة ومتكاملة تعيد النظر فى سلاسل التوريد عبر الدول الآسيوية وتؤثّر على انتاج شبه الموصّلات الإلكترونية Semiconductors فى تايوان، وانتاج شرائح الذاكرة الإلكترونية فى كوريا، وانتاج الأقراص المدمجة فى سنغافورة. ان مثل اعادة الهيكلة هذه تحتاج طبعا الى تخفيض أرباح الشركات القائمة وتقليص نفوذها. لذلك فان ان نخب شرق آسيا وشركاؤهم متعددى الجنسية سوف يلجأون الى حل سهل هو تحويل تكاليف العملية الإنقاذية الى فاتورة العمال فى شرق آسيا ؛ وبنجاح النخب فى ذلك فاننا نحذّر العمال هناك من عدم إمتطاء الخازوق ؛ كون تلك الضغوط التنافسية سترد أحوال العمال المعيشية الى أسفل سافلين.
اذن ينبغى على حركات شرق آسيا السياسية أن تبحث عن رؤى وآليات لتشكيل بديل استراتيجى تنموى . البديل الأوفر حظاً لنشطاء اقليم شرق آسيا هو تطوير فهم اقليمى مشترك يستطلع ويحلل ديناميات التراكم التى قادت الى أزمة الاقليم. هذا سيساعد عمال شرق آسيا فى إنجاز مقاومة فعالة فى اقليمهم وارسال تنبيه لرصفائهم التقدميين فى امريكا اللاتينية وافريقيا جنوب الصحراء بأن الراسمالية "المثابرة" قد فشلت فى تلبية احتياجات الأغلبية من جماهيرها.
ثالثا: تجربة أمريكا اللاتينية (بديل مجموعة بوليفار فى أمريكا اللاتينية وبنك الجنوب)
تزامن الأزمة الاقتصادية التى تجتاح الراسمالية مع قيام مجموعة من دول أمريكا الجنوبية بإنشاء مؤسستين إقليميتين (البديل البوليفارى لأمريكا اللاتينية وبنك الجنوب) يرجى منه ،كفرصة تاريخية مؤآتية، تطوير صيرورة تنموية بديلة . تبنّت ثلاثة من حكومات امريكا اللاتينية (كوبا، فنزويلا وبوليفيا) مباشرة تجربة بناء نظام اشتراكى؛ رغم تباين رؤية وتعريف كل منها للإشتراكية والطرق التى تسلكها لبلوغها. تتجلى خطورة هذا المسعى وإنزلاقيته بل وحظه من النجاح كون هذه المحاولات التى تنبرى لبناء الإشتراكية ليست جهود قومية معزولة فحسب، وانما تتم عرقلتها بلا هوادة من قبل الدول الراسمالية المتقدمة ومؤسساتها. من نافلة القول ان هاتين التجربتين (تجربة البديل البوليفارى وبنك الجنوب) ليستا على كل حال آليّتين اشتراكيتين مباشرتين ولذا وجب بحثهما عن كثب.
بديل مجموعة بوليفار فى أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبى:
هذه التجربة أبعد غوراً من تجربة بنك الجنوب وقد بادرت بها الحكومة الفنزويلية فى 2001 كبديل لمقترح الولايات المتحدة الأمريكية التجارى: التجارة الحرة للأمريكيتين المشابهة لإتفاقية نافتا **. أصبح المقترح واقعاً حينما وقّعت فنزويلا وكوبا على معاهدته الأولى فى 2004. وإنضمت لهما لاحقاً كل من بوليفيا (2006) ، نيكاراغوا (2007) ، دومينيكا وهندوراس (2008) واكوادور، سانت فينسنت وغرينادينز، وأنتيجوا وباربودا (2009) وقد أعلنت باراجواي انها ستلتحق بالركب فى نهاية 2009. تبنّت قمة مجموعة بوليفار (فنزويلا وكوبا وبوليفيا وهندوراس ونيكاراغوا ودومينيكا) فى ابريل 2009 المنعقدة في فنزويلا قرار إنشاء وحدة حسابية خاصة بدول المجموعة أطلق عليها اسم "سوكري" كبديل مستقبلى للدولار.
تلتزم مجموعة بوليفار استراتيجية تنموية تضطلع فيها الدولة بقيادة عمليات التعاون والتنسيق؛ استراتيجية صيغت بحيث تستهدف تلبية احتياجات أغلبية منتجي الدول المشاركة فيها؛ مما يضع هذه المجموعة فى تناقض صريح مع استراتيجية شرق آسيا التى سبق ذكرها، وهى استراتيجية ذات دالّة ربحية صُمّمت بواسطة شركات متعددة الجنسية وترتبط أنشطتها الإقتصادية بعدة دول وتشكّل نظام انتاج اقليمى يستهدف تصدير السلع خارج الإقليم.
يتكفّل المجلس رئاسى بإتّخاذ القرارات فى مجموعة بوليفار ويقوم بتنفيذها مجلس وزارى. يصيغ مجلس استشارى مكون من حركات المجتمع المدنى خطط هذين المجلسين ويشرف على أعمالهما. يتحدّد نجاح المجموعة ،تبعا لحديث نائب وزير الخارجية الفنزويلى رودلفوسانز،ل بمدى خلق مؤسسات حكومية وشبه حكومية تشرف على أعمال المجموعة. فى يناير 2008 كوّنت دول المجموعة بنك براس مال قدره بليون دولار. هذا البنك لا يملى ويفرض شروطاً كما يفعل البنك الدولى وصندوق النقد ويسيّر أعماله وفق تراضى الدول الأعضاء (consensus by). من أهداف البنك تشجيع الإنتاج الصناعى والزراعى فى دول المجموعة ودعم المشاريع الإجتماعية والإتفاقيات التعاونية متعددة الأطراف خاصة فى حقول الطاقة. تستهدى فلسفة المجموعة وأعمالها بحقيقة أن لكل واحدة من دول المجموعة مكامن قوتها الإقتصادية والإجتماعية والثقافية المتفرّدة. ولذلك زوّدت المجموعة حكوماتها باطار هيكلى لمناقشة خططها لتوزيع البضائع والخدمات التى تعكس مكامن قوتها وميزاتها التنافسية. هذا التعامل التبادلي سيمكّن كل دولة من تنفيذ أهدافها التنموية بطريقة أكثر عدلاً واستدامة مقابل أن يُملى عليها الإعتماد على مواردها فقط أو تُفرض عليها شروط وأولويات السوق العالمى. رغم ان المجموعة مازالت فى طورها الرضاعي الا انها أنجزت مجموعة مهمة من الإتفاقات والمبادرات منها على سبيل المثال أن فنزويلا تزوّد كوبا بالبترول مقابل خدمات الأطباء والمدرسين الكوبيين، بالأضافه ان لهما مشاريع زراعية مشتركة لانتاج حبوب فول الصويا والأرز ومنتجات الدواجن والألبان. فنزويلا أيضا تمد كوبا بالبصات لتحسين مواصلاتها العامة كما ساعدت كوبا بتشييد قناة ضخة لتحسين مواردها المائية كما أنجزت معها إعادة تصميم وصيانة مصفاة بترول كوبا الأساسية. والدولتان بصدد انشاء شركات مشتركة فى كوبا لانتاج حديد صلب مضاد للصدأ (stainless steel) والنيكل. عقدت فنزويلا وكوبا عدة اتفاقات تجارية مع بوليفيا ومن أهمها شراء حبوب فول الصويا البوليفية خاصة بعد ان وقّعت الولايات المتحدة اتفاقية تجارية مع كولمبيا لشراء حبوبها. كوبا أيضا تساعد بوليفيا على تقوية نظاميها التعليمى والصحى. تعمل كوبا وفنزويلا على تحديث وتوسيع صناعة الغاز الطبيعى البوليفية؛ وفى المقابل تقوم بوليفيا بتزويدهما بمنتجات التعدين والزراعة والتصنيع الزراعى والثروة الحيوانية بالإضافة الى خبرات فى شئون المجتمعات الأصلية والطب التقليدى. تخطط حكومتا فنزويلا وبوليفيا مشاريع مشتركة لإنتاج الفولاذ والأسمنت واستخراج خام الحديد.
دومينيكا بدورها قد استفادت من تعاون المجموعة معها حيث تساعدها كوبا وفنزويلا فى تحديث مطارها الدولى وتوسيع طاقة تخزين البترول وتكريره . المناقشات جارية حول شروط وكيفية دفع دومينيكا لهذه الخدمات مثلا عبر عائدات هذه السلع والخدمات. آلاف من مواطنى الدومينيكان تلقوا جراحات عيون مجانية فى كوبا وشباب الدومينكان يدرسون الطب فى كلية الطب اللاتين-أمريكية فى كوبا.
مؤخرا قد قامت دول فنزويلا نيكاراجوا اكوادور بوليفيا هندوراس ودومينيكا بإنشاء شركة انتاج غذائية مشتركة بهدف تأمين سيادة وإكتفاء غذائي وسط هذه الدول. هذه الشركة فوق القومية ستشرف على مجموعة من المنشآت التى تروّج للتعاون والتدريب التقنى والإستثمار فى البنية التحتية فى الريف وتعمل على توزيع الغذاء اقليميا بين دول المجموعة.
نفّذت مجموعة بوليفار عدد من المبادرات الثقافية منها بيوتات ثقافية أنشئت فى دول المجموعة فى 2008. يقول هوزى قونزاليز، رئيس أحد هذه البيوتات فى كراكاس "يعمل المبدعون والفنانون والخبراء المثقفون ونخب الحركات الإجتماعية فى هذه المراكز الإبداعية على خلق حركات ترسّخ القيم التى لا تشجعها أو تحفل بها آليات السوق"
رغم ان المجموعة لم تجتذب بعد مجموعات كبيرة من الأعضاء على المستوى الأقليمى ، لكنها ملتزمة برؤيتها السابقة فى احداث عمليات تكاملية وتحوّل وسط دول ومواطنى امريكا اللاتينية وإحداث نقلة من خلال خلق مؤسسات قومية ضخمة تمثّل أول محاولة لتكامل إقليمى لاينطلق من مفاهيم ومصطلحات التحرير الإقتصادى واللبرلة التجارية وانما من مفاهيم الرفاه الإجتماعى والعدالة الإجتماعية.
النماذج التالية هى مؤسسات تخطط لها المجموعة ، خاصة فنزويلا :
- بناء شبك تلفزيونية TeleSur عبرامريكا اللاتينية تموّلها فنزويلا ،كوبا، أرغواى والبرازيل.
- إنشاء منظمة PetroSurمكونة من شركات القطاع العام المنتجة للبترول فى البرازيل والأرجنتين وفنزويلا تعمل فى مجال التنقيب والتنمية التقنية وبناء شبكة مصفاة وتوزيع.
- انشاء برنامج PetroCaribeيعمل على رفد اربعة عشر دولة كاريبية ببترول مدعوم.
- إنشاء شركة لاتين أمريكية كاريبية للطاقة.
- إنشاء شركة لاتين أمريكية كاريبية للطيران.
- إنشاء شركة تأمين للجنوب.
- إنشاء بنك تعاونى للجنوب.
- إنشاء شبكة إذاعية لاتين أمريكية كاريبية.
شجّع تعمّق الأزمة الإقتصادية مؤخراً المجموعة على تكثيف جهودها لخلق مبادرات جديدة. فى نوفمبر 2008 وافق رؤساء دول المجموعة ، بالإضافة الى إكوادور، على قرار بتطوير اتفاقية تجارية شعبية بهدف خلق تكامل إقتصادى وانشاء منطقة نقدية ذات عملة نقدية جديدة تسمى the Sucre .
تصدر المجموعة من مفاهيم ترجّح الملكية العامة على الملكية الخاصة ، وتركز على الإنتاج للإستهلاك المحلى أكثر من الإنتاج نحو التصدير، وتحتفى بالدوافع الإجتماعية مقابل الدوافع الربحية ، وبناء علاقات تضامنية وتعاضدية مقابل تنافسية ، كما يعمل النموذج على ترسيخ حالة دفع مادية ورمزية مهمة تعمل على تثمين بديل عملى يشمخ فوق الشروط الراسمالية السائدة عالمياً.
كما يمثل نموذج تعمل فيه الدول على إنشاء مؤسسات إقليمية قادرة على تمتين الجهود التنموية الوطنية الممركزة. بل التأكيد على أن تحقيق مكاسب بواسطة دولة واحدة سيفضى الى خلق مصالح فى الدول الأخرى عبر إتاحة وبذل إطار تعمل وفقه سلطات الدولة على إنجاز استهدافات شعبية عبر نشاط وفعل جمْعي.
وهنا يبدو أن وعد المجموعة الكامن يتفوّق بمراحل على إنجازاتها الفعلية الماثلة. من أسباب وجود هذه الفجوة بين الواقع والمأمول:
(1) المدى القصير نسبيا الذى تكوّنت فيه هذه المجموعة.
(2) قلة عدد الدول التى إنضمّت الى المجموعة .
(3) معظم الدول المنضوية طرحت إحتياجات متعدّدة وموارد محدودة للمساهمة فى مجهود التنمية الجمعية.
على كل حال توجد حقائق مثيرة للقلق على مستقبل المجموعة منها:
أولاً: المجموعة تعتمد بشكل اساسى على قرارات رؤساء الدول المشاركة فيها مما يعنى أن الأنشطة يتم تصميمها من فوق ثم تطبّق من تحت ، ثم كون ذلك يعكس الدور الهامشى للمجلس الإستشارى للحركات الإجتماعية فى امريكا الجنوبية. يتّضح أن هذه البنية تنحو نحو نموذج مشاريع الحجم الكبير والتى غالبا ما تفرز عواقب بيئية سببية لا يمكن ائتمانها. وجود عمليات تنبع من فلسفة "من فوق الى تحت" فى المجموعة يقلّل من فرص القطاعات الشعبية فى عصف المبادرات والمشاريع المطروحة فكريا ومناقشة كيفية تنفيذها على أرض الواقع فى الهواء الطلق وسط الجماهير. هذا وضع سلبى كونه:
- يعوق المشاركة الشعبية الفعّالة للعمال فى مؤسسات ومشاريع القطاع العام الجديدة .
- لا يضمن وجود أنظمة تعليمية وصحية وإعلامية متناغمة ومتوائمة مع إحتياجات مجتمعاتها وتستجيب لخدمتها.
- يعوق امكانية ادارة آليات تخطيط قادرة على توجيه الإنتاج الإجتماعى نحو تلبية حاجيات إجتماعية ماثلة.
ستؤدى حزمة هذه العوامل الى إضعاف جهود المجموعة فى تثوير الطاقة الإشتراكية التحويلية الكامنة فيها.
ثانياً: إعتماد المجموعة كلياً على موارد واردة فنزويلا.
لاشك ان التقدم الذى احرزته المجموعة حتى الآن يرجع للعامل الفنزويلى Venezuelan factor ؛ من حيث دور الحكومة الفنزويلية القيادى وكرمها المالى. تكمن خطورة الإعتماد على دولة واحدة فى رهن عملية اتخاذ القرار وديمقراطيتها والتماسك التنظيمى داخل المجموعة. شكّل هذا الإعتماد عبئاً مالياً عضوضاً على حكومة فنزويلا كون معظم مشاريع المجموعة قد أنشئت فى عهد إنتعاش سوق البترول حين وصل سعر البرميل الى 150 $ دولار ومع إنخفاضه الى 50$ يجعل من العسيرأن تفى فنزويلا بالتزاماتها كونها مازالت متأخرة فى الوفاء بوعدها بمد عدة دول كاريبية بالبترول بالإضافة الى تأخير بعض مشاريع بنى تحتية تخصّها فى قطاعى الغاز والبترول رغم اعلان فنزويلا على رؤوس الاشهاد انها ستنجز وعدها.
الجدير بالذكر ان الأزمة الإقتصادية العالمية (كساد الأسواق العالمية وتذبذب العملات) كانت سلاحاً ذا حدّين على المجموعة: مع ان الأزمة تمنح المجموعة مشروعية جديدة ومصداقية فى دعوتها الى ضرورة إنشاء نظم تجارة واستثمار اقليمى مخطّط جديدة من ناحية ، لكنها ، فى ذات اللحظة، تعيق قدرة فنزويلا فى مواصلة دعم مشاريع المجموعة القائمة بسبب انخفاض أسعار البترول.
بنك الجنوب:
يأتى بنك الجنوب ،كجهد إقليمى، فى المرتبة الثانية بعد مجموعة بوليفار فى سبيل إستشراف عملية اقليمية تنموية بديلة. رغم ان أهداف البنك المعلنة تعتبر أقل طموحا وأكثر محدودية من البديل المذكور أعلاه إلاّ ان وعده الكامن فى تنشيط والترويج للتكامل الأقليمى سيكون ،فى بعض وجوهه، أكثر تأثيراً ، كونه يضم معظم دول امريكا الجنوبية.
تنبع فكرة البنك من هم مشترك بضرورة الإستقلال الإقليمى . صدرت فكرته من مجموعتين مختلفتين فى أمريكا الجنوبية: مجموعة الدول التى تقود مشاريع تحول اشتراكى راديكالى مثل فنزويلا ، بوليفيا واكوادور ؛ وتلك التى تلتزم بالمشروع الراسمالى ولكنها تؤمن بان نجاحها يعتمد على الإستقلال المالى من الولايات المتحدة الأمريكية مثل البرازيل والأرجنتين. هناك مجموعة ثالثة من الدول مازالت مستمرة فى تكامل تجارى حر مع الولايات المتحدة الأمريكية لكنها لم تشترك حتى الآن فى عضوية البنك مثل شيلى وبيرو. أما كولمبيا ذات العلاقات الوطيدة بالولايات المتحدة قدّمت طلباً للإلتحاق بالبنك مازال قيد النظر.
العامل الحاسم فى نجاح فكرة تأسيس البنك صادرة من القوة المالية المتزايدة لدول أمريكا الجنوبية والتى ساهم فيها زيادة أسعار السلع فى مرحلة مابعد 2002(وبالأخص زيادة الطلب علي هذه السلع من شرق آسيا). يأمل أنصار فكرة البنك ويعوّلون على مقدرته فى مركزة centralizationادخارات دول المجموعة الأعضاء وتحويلها الى استثمارات منتجة مما يخفّف من ضعف وتأرجح الإقليم وتأثره السلبى بدورات الإقتصاد العالمى. هذا الواقع يسمح بتجهيز لبنات لقيام نظام مالى مستقل حقيقى يعمل على تخفيف فروقات توازن القوى والنفوذ بين دول الإقليم وتقليل الإعتماد على تدفّقات راس المال العالمى.
أطلقت المبادرة الفنزويلية الأرجنتينية فى فبراير 2007 لقيام بنك الجنوب وبعد شهر منه ألحقت المبادرة باقتراح رسمى. بعد ذلك مباشرة التزمت بوليفيا ثم اكوادور، باراغوى ، البرازيل وأخيرا أروغواى. أُنشئ البنك رسميا فى 9 ديسمبر 2007 بعضوية السبعة دول.
من سوء الطالع ان البنك لم يبدأ عملياته بعد والسبب المباشر لذلك هو ان الدول المكونة له لا تصدر من منطلقات فكرية متشابهة. ذلك ان جدلاً واسعاً وتباين وجهات نظر حول قضايا جوهرية انطرح حالما بدأ التفاوض على إنشاء البنك ، من ذلك على سبيل المثال: هل يعمل البنك كأداة وصندوق للتوازن النقدى monetary stabilization fund و كمصرف تنموى معاً أم الهدف الأخير وحده ؟ وهل سيتم اتخاذ القرار على اساس صوت واحد لكل دولة أم يعتمد التصويت على حجم مساهمة الدولة الإقتصادى؟ وهل سيعتمد البنك على مساهمات الدول الأعضاء فقط أم يجمع رؤوس أمواله من أسواق راس المال العالمية ؟ أم من المؤسسات المالية العالمية المستقرة التى ربما تساهم فيه وتعمل كمراقب بدون حق تصويت؟ مع ملاحظة ان الحالة الأخيرة تستصحب إملاءات وشروط السوق المالى العالمى من تحديد أسعار تسليف وقروض وشروط خدمتها.
إتّفق المساهمون على التراضى والإجماع كآلية لحسم أمهات الأمور وهى استهداف البنك التنموى مما عجّل بإعلان تأسيس البنك رسمياً. فى لحظة التأسيس أتفق رؤساء الدول السبعة المؤسسة على حسم القضايا الخلافية الأخرى فى ظرف شهرين بينما ظلّت قضايا أخرى معلّقة لذلك لم يبدأ البنك عملياته بعد.
إتفق المؤسسون على القضايا الآتية:
- أن تكون كاراكاس (فنزويلا) هى المركز الرئيسى لبنك الجنوب.
- تُتّخذ القرارات الأساسية بمبدأ صوت واحد لكل دولة ؛ ولكن ترغب كل من البرازيل والأرجنتين بأن يطبّق هذا المبدأ مرة واحدة فى العام فى اجتماع مجلس الإدارة السنوى على أن تُتّخذ القرارات التى تدير العمليات اليومية تبعاً لحجم مساهمة الدولة فى راسمال البنك.
- يكون راس المال المشترك 7$ بليون الى أن يصل 10$ بليون فى حالة انضمام دول اخرى من المنطقة وتكون المساهمة فى راس المال كما يلى: 2$ بليون من كلٍّ من البرازيل والأرجنتين وفنزويلا و 400$ مليون من كل من اكوادور وأرغواى و100$ مليون من براغواى وبوليفيا.
لم يتفق مؤسسو بنك الجنوب بعدْ حول القضايا التالية:
• البنية التنظيمية للبنك (هل ستكون بالأقسام أم بالانشطة مثل الصحة، المواصلات الخ ؟)
• طريقة إختيار خبراء البنك (حسب الدول أم الخبرات ؟)
• المعايير التى تحكم إختيار المشاريع (حسب الدول أم الأنشطة أو حسب إحتياج دول المجموعة للمشروع المعين ؟)
• كيفية تحديد اسعار الفائدة وشروط تسديد الديون.
• هل يكون التسليف مشروط أم غير مشروط ؟
• ماهى شروط عضوية البنك(هل تشمل المؤسسات المالية العالمية؟)
• مصادر تمويل البنك (هل يتوقّف على راسمال عضوية البنك أم يشمل استلاف من المؤسساتت المالية العالمية أم إضافة مساهمات المراقبين؟)
الإجابة على هذه الأسئلة تعتمد ، فى التحليل النهائى، على إعادة النظر فى رسالة البنك وتحديد القطاعات التى تستهدف القروض خدمة أحوالها المعيشية فى المنطقة.
نزعم أن محور الصراع الرئيس حول مستقبل بنك الجنوب يدور بين البرازيل من جهة وفنزويلا واكوادور من الجهة الأخرى. حِمية البرازيل وحماسها ازاء دعم البنك فاترة كونها تشكّل أكبر قوة اقتصادية فى امريكا الجنوبية وبالطبع فانها لاترغب أن يحد البنك من قدرتها على استغلال ذلك النفوذ. البنك الوطنى للتنمية الإقتصادية والإجتماعية فى البرازيل ،مثلاً، أقرض الأنشطة العالمية للشركات البرازيلية ما يعادل 30$ بليون ، وترغب البرازيل فى بنك للجنوب يعمل وفق هذه الفلسفة . تفضّل البرازيل أن تمارس موقفاً معارضاً من داخل عضوية البنك حتى تستطيع أن تؤثر على إتجاه أعماله وخشية أن تكون بعيدة عن التأثير علي أنشطته من الخارج . تدعم البرازيل بشدة ربط حق التصويت فى البنك بمساهمة الدولة واستخدام معاييرالسوق فى جذب أموال البنك وإستثمارها ذلك لأن رؤية البرازيل للأقليمية متأثّرة الى حد بعيد بتجربة الإتحاد الأوروبى ؛ ولهذا تعمل لشجيع صيرورة اقليمية تزيل العوائق أمام حركة راس المال والعمل والبضائع الحرة حتى تؤهّل الشركات الوطنية الكبرى (تتوقع أن تكون معظمها برازيلية) لكى تصبح شركات متعددة الجنسية وذات قدرات تنافسية عالية.
أما من الضفة الأخرى للنهر فان فنزويلا واكوادور لاترغبان فى دفع التفاوض الى نقطة اللا عودة التى تسحب فيها البرازيل عضويتها ، كونهما يعوّلان على دور اقتصاد البرازيل الكبير فى الإقليم على مساعدة البنك فى إنجاز أهدافه. هذا الوضع أدّى الى فشل التفاوض حول مجموعة من القضايا وإهمال مستقبل البنك. لعلّ البرازيل إرتضت بهذا الوضع حتى إشعارٍ آخر.
حكومات أمريكا الجنوبية ليست المساهم الأوحد فى الصراع حول مستقبل البنك. حركات امريكا اللاتينية الإجتماعية كانت من أوائل مؤآزرى وداعمى المبادرة وأكثر نشاطاً وحرصاً على أن تخلص المفاوضات الى سيناريو أقرب الى رؤاهم وأجندتهم الراديكالية. هذه الحركات تطمح ،على وجه الخصوص، فى صياغة معايير وشروط تجعل البنك يتبنى أولويات استثمارية تدعم إنشاء مشاريع موجهة نحو:
- خلق سيادة اقليمية فى صناعتيْ الأغذية والطاقة.
- تطوير بحوث فى مجال تقنية ملائمة لتنمية باطنية endogenousمستدامة تناسب الإقليم ؛ تشمل برامج واجهزة كمبيوتر مجانية .
- إنتاج طبى عام مبرمج وإعادة إحياء حكمة الأسلاف كإبداع منظّم ومقبول كعلم زراعى-بيئى agro-ecologic science وتأسيس بنيات تحتية تقوم على منطق مختلف لتنظيم الحيّز/المكان على غِرار تجارب التضامن المحلية ذات الإدارة الذاتية.
لذلك نظّمت هذه الحركات حملات شعبية على مستوى قومى بمشاركة كوكبة من منظمات المجتمع المدنى أسفرت عن إنجاز حملات تعبئة ورسالتين موجهتين لرؤساء البنك من الدول السبعة كما عقدت إجتماعات إقليمية لمناقشة الاستراتيجية.
مايدعو للإحباط ان مستوى الإهتمام والمشاركة الشعبية فى الصراع حول مستقبل البنك كان أكثر فعاليةً وديناميكية مقارنة بفتور نسبى بمبادرة بديل مجموعة بوليفار فى أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبى ، حيث أبدت منظمات المجتمع المدنى إهتماماً أقل بلمبادرة الأخيرة ؛ لذلك من النادر العثور على وثائق تحليلية ودراسات أصدرتها تلك المنظمات حول عملية بديل مجموعة بوليفار. يعزى البعض ذلك الى وجود االبرازيل والأرجنتين ضمن عضوية البنك حيث تكتظان بحركات شعبية حيوية ذات علاقات إقليمية فاعلة ومؤثرة. هناك من فسّر عزوف معظم الناشطين عن الإهتمام الفكرى ببديل بوليفار بنظرتهم اليه كمؤسسة غير قاعدية/شعبوية وغير موثوق بها كونها واقعة تحت قبضة الحكومات.
من سوء الطالع ان الأزمة العالمية هدّدت قيام بنك الجنوب كونها أصابت الميزان التجارى للدول الأعضاء فى البنك بحالات العجز كلما تعمّقت الأزمة فازداد قلق تلك الدول حول كيفية تمويل ذلك العجز ، لاسيما لجوء المؤسسات المالية العالمية مؤخرا الى تصميم نظم تسليفية جديدة خاصة بامريكا اللاتينية. وفى حين رفضت معظم الدول الأعضاء فى بنك الجنوب التعامل مع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، بدأت كل من الأرجنتين واكوادور التفاوض مع بنك التنمية الأمريكى Inter-American Development Bank .
لو بدأت عمليات بنك الجنوب قبل إندلاع الأزمة العالمية لكان فى مقدوره نظرياً أن يعضّد جهود التضامن الاقليمى فى امريكا اللاتينية ، بما لامزيد عليه، فى تجنّب آلام سياسات اللبرالية الجديدة الموجعة. وقد أمّن كلٌ من الرئيس الإكوادورى (كوريا) والرئيس الفنزويلى (هوجو تشافيز) فى قمة ميركوسور (يناير 2009) Mercosur بأن بنك الجنوب كان بإمكانه تحقيق ادّخارات وموارد تكفى لتعويض خسائر الاقليم فى الإستثمارات الأجنبية ابان الأزمة العالمية.
تأملات ختامية:
ماانفكّت معارك إيجاد بديل الراسمالية وخلعها مستمرة ومحقّ من قال أننا نعيش فى مرحلة تتعدّد فيها التحديات وإمكانيات النجاح ، فى نفس اللحظة وبنفس القدر . فى الختام يمكن حصر ستة دروس وعِبَرْ من تجارب أمريكا اللاتينية يمكن أن تستصحبها قوى التقدّم فى مستقبل عملها السياسى:
أولاً: إحداث نقلة فى الخطاب التقدمى من نقد اللبرالية الجديدة الى نقد الراسمالية
لابد أن تكثّف القوى التقدمية جهودها لإحداث نقلة فى خطابها من نقد ومناهضة اللبرالية الجديدة الى نقد ومناهضة الراسمالية. من المداخل السليمة الى تلك النقلة عدم الميل الى ترويج نقد الإقتصاديين اللبراليين السائد للبرالية الجديدة و الإحتفاء به وكأنه نقد تقدمى؛ نذكر من هؤلاء الإقتصاديين بول كروقمان ، جوزف ستقلتز وجفرى ساكس Paul Krugman, Joseph Stiglitz and Jeffrey Sachs .
المدخل الآخر يشمل أهمية تعميق مستوى معرفتنا النظرية والفكرية بالراسمالية لإستيعاب جوهر اللبرالية الجديدة كشكل تاريخى محدّد تأخذه الراسمالية فى الإقليم وفى زمن وسياق محدديْن ؛ والنأى عن النظر الى اللبرالية الجديدة وكأنها حزمة من أدوات وسياسات وإجراءآت تكون الحكومات حرة فى استخدامها أو تركها. يجب أن نعمل كقوى تقدمية على تعميق مداركنا وتجويد تحليلنا فيما يتعلّق بتجربة شرق آسيا ونبحث عن أنجع السبل لتبادل تلك المعرفة مع حلفاء داخل وخارج ذلك الإقليم حتى نفضح خواء وضعف وزيف الحُجج واللّجاجة التى تزعم أن راسمالية الدولة حبلى بجنين واعد تتأصّل فيه خدمة إحتياجات الأغلبية.
ثانياً: الحذر من الإفراط فى إعلاء شأن ودور الإقليمية
يجب أن نقدّم دعماً حذِراً للإقليمية regionalization . رغم وجاهة الأسباب التى دفعت حركات جنوب أمريكا دفعاً نحو مؤآزرة المبادرات التى صمّمت لدعم الإقليمية والترويج لها ، إلا أن الصراع حول قيام بنك الجنوب أبرز تنازُعاً وافتراقاً والتباساً حول مفهوم الإقليمية. لا بد أن ننتبه ونحذئر من أهداف الإقليمية التى يطرحها أنصارها ونحلّل بعمق الوسائل والأدوات المبذولة لإنجاز تلك الأهداف. يتعلّق هذا التحذير بتجربة شرق آسيا حيث تصبو حركات اجتماعية بلفّها ولفيفها الى تأسيس تضامن إقليمى عابر للحدود صِنو تجربة أمريكا الجنوبية.
ثالثاً: النظر بجديّة الى قوّة الدولة
ترسّخت فى ذهن ناشطى الحركات الإجتماعية إن أنجع السبل للتغييرالبنيوى سيطرة القواعد الشعبية (grass roots) على عملية التغيير الإجتماعى. مع الرهان على تلك المسلّمة ، نجد أن حزمة من مكاسب المشاريع عابرة الحدود تتحقّق عبر آلية الحكومات. كما لايخفى أن تصرّفات ودوافع تلك الحكومات والدول فى الغالب الأعم تصدر كرد فعل لعمليات سياسية قومية مميّزة (وان معظم هذه العمليات لاعلاقة لمنطلقاتها الفكرية والعملية بما يدور فى أروقة المنابر الإجتماعية الإقليمية والعالمية من نقاشات وحوارات وما ينجم عنها من قناعات ومبادرات) . ان تجربة مجموعة بوليفار فى أمريكا اللاتينية تجسيد حى لذلك كون جوهر العملية التنموية البديلة وبنيتها وسياساتها صاغتها وتبنّتها وروّجت لها ثلاثة دول هى كوبا ، فنزويلا وبوليفيا. وان هذه الدول الثلاثة قد أعلنت التزامها ببناء اقتصاد سياسى اشتراكى.
أما بنك الجنوب فهو مشروع مختلف كونه يتمتّع بدعم قوى من حركات إجتماعية تؤمن بطاقاتها ومقدراتها على اقناع بل قسر دولها بتبنّى سياسات ترجّح فرص إنطلاق ونجاح عملية تنموية إقليمية بديلة. غير أن هيمنة دول بعينها على مآلات بنك الجنوب وتوجهاته العملية كبديل شلّت من فعاليته كما أرادتها تلك الحركات. أقرب الى البداهة الآن ان الضغط الشعبى القاعدى الإقليمى لن يستطيع قسر هذه الدول على تغيير مواقفها وتوجّهاتها السياسية. مجمل القول أن الصراع الوطنى ونفوذ الدولة ، يظلان فى رأينا، عامليْن حاسميْن لإنجاز التغيير.
رابعاً: أكثر البنيات الإقليمية وعداً لاتفرض قيوداً على عضويتها
يبدو ان أكثر البنيات الإقليمية المؤآتية (على الأقل فى الوقت الحالى) لا تفرض قيوداً كثيرة على الدول الأعضاء. غير أن تجربة مجموعة بوليفار وبنك الجنوب تنطرح كنقيض اكاديمى/مدرسى كون المجموعة لم تنشأ كمؤسسة مستقلة ذات رؤية إشتراكية مميّزة أو تفويض لإستشراف الإشتراكية (حيثما تم تعريفها). حقيقة الأمر ان هذه المجموعة ضمّت حكومات لا تعتبر الإشتراكية ضمن أهدافها، ولكنها إنضوت للمجموعة بحكم قناعتها أن مواطنيها (كونهم مصدر مشروعيتها السياسية) سيجنون فوائد مادية ورمزية من هذا التعاون التفاوضى.
مجموعة بوليفار ليست مقيّدة لدولها مثل مجموعة بنك الجنوب كون بنياتها صُمّمت بأقصى مرونة ممكنة تجاه الدول الأعضاء بحيث يمكن دعم الدول الراديكالية التى تنشد تغييراً اجتماعياً عميقاً أوسريعاً بدون أن تفرض ذلك النموذج على دول أخرى غير مستعدة للتغيير ولا تصبو اليه. أما اذا كانت الظروف مؤآتية لقيام ونجاح البدائل الإشتراكية فى بلد ما بين دول المجموعة فان ذلك يتم نتيجة لمحصّلة صراع سياسى مستمر داخل تلك الدولة. عندئذٍ ، تكون العمليات المشتركة التى تقوم بها مجموعة بوليفار مصدرا مهماً لايقدّر بثمن من حيث المساعدات المادية والرمزية التى تقدّمها المجموعة لها.
خامساً: مشروع التغيير لا تقوده الدولة منفردة
ليس من المرجّح أن تستطيع الدولة وحدها إحداث التغيير المطلوب فى العلاقات الإجتماعية وإنجاز مأثرة وضع تلك العلاقات على مشارف الإشتراكية. لسنا بصدد لوم حركات جنوب أمريكا الإجتماعية حول عدم إطمئنانها لعملية التغيير التى تنفرد الدولة بتوجيهها. يصدر إرتياب وتوجّس مشروعيْن من تلك الحركات فى حقيقة ان التغيير الصادر من الدولة يغلب عيه الطابع البروقراطى (وليس الشعبى) لأنها عايشته فى تجربة مجموعة بوليفار حيث إنحصر قصارى إنجازها فى شد أزر تحكّم الدولة المحددة فى توجيه إقتصادها. زبدة القول، وهذا هو المحك، أن منطق نموذج الدولة الراسمالية الداخلى لا يحرص على صياغة وتصميم التخطيط والإنتاج بحيث يضمن مشاركة العمال ومنظمات المجتمع فى صناعة القرارات الجوهرية.
بناء منظمات عمالية ومن صميم المجتمع المدنى وتنمية بنيات تخطيط تكون حيوية ونافذة وديمقراطية وتعاضدية ليست نزهة أو حكاوى فكِهة بل دونها خَرْطُ القَتاد. من العوامل التى تساعد على تشييد ذلك البناء الحيوى ضرورة الإلتفات الى حصيلة المناقشات وعمليات التآزر التى قادتها منابر وورش عمل إقليمية وعالمية متعدّدة كتجارب ذاخرة وغنية من حيث المستوى الفكرى وتنظيم العمل والتعاضد. لا مندوحة من أن تكتشف قوى التقدّم آليات وأدوات تستلهم خبرة وطاقات تلك المنابر ومقاوماتها وتشحذ تلك المجهودات وتستصحبها فى عمليات التغيير الوطنى وبناء الإشتراكية تحت التشييد فى جنوب أمريكا. ذلكم هو التحدى العظيم الذى يجب مقارعته قبل إحداث تقدّم معلوم نحو بناء بدائل للراسمالية.
لابد فى نهاية التحليل من تطوير معرفة دقيقة بأبعاد وعواقب الأزمات الراسمالية. ومتى سلس لنا قياد تلك المعرفة (مثلا باستطلاع وتشخيص الأزمة البنيوية التى تعيشها الراسمالية الآن) نستطيع دعم جهودنا الفكرية والعملية نحو البديل كونها تضعضع مشروعية الراسمالية كماكينة لدفع التقدم engine of progress . ثم ان واقع الحال أكثر تعقيداً لأن تلك الأزمات، فى ذاتها ولذاتها، تعقّد وتضعف مساعى مجموعة بوليفار وبنك الجنوب فى إنجاز استهدافاتها. لذلك لا ينبغى الإعتماد على تناقضات الراسمالية وحدها لبناء دعامات البديل الإشتراكى. طوبى لدولة تظفر بمركب نوح تعصمها من أزمات الراسمالية العالمية لذلك يجب تقعيد بحوث ودراسات علمية لا يأتيها الباطل بين يديها ولا من خلفها توضّح بأن تفوّق الإشتراكية على الراسمالية لا ينحصر فى غزارة إنتاج السلع والخدمات وانما لأن الإشتراكية نمط حياة مختلف، تتناغم وتتكامل وتنسجم فيه طاقات synergy أفراده فى العمل وخارج العمل ؛ نمط يجلب معه قناعةً و رِّضاءاً ورضواناً وإلتفافاً حول العقد الإجتماعى راسخ وعميق كونه مؤهّل لصياغة تواصل إنسانى متبادل ومشترك وجدلى مُترع بالتآزر والتعاضد والتحفيز المادى والرمزى.
هامش:
* مارتن هرت لانزبيرغ " نموذج البديل البوليفارى فى أمريكا اللاتينية وبنك الجنوب: وعود وتحدّيات ، دروس وعبر" مجلة منثلى ريفيو ، مجلد 61، عدد رقم 4، سبتمبر 2009.
مارتن هرت لانزبيرغ استاذ الإقتصاد بكلية لويس اند كلارك ،بورتلاند، ولاية اوريغون. قدم جزء من هذه الورقة فى مؤتمر عن "المقاربة بين أفكار وإستراتيجيات الحركات المناهضة للعولمة" المنعقد بسيول ، جنوب كوريا مايو 2009 . توثيق كامل لهذه المقالة تجده فى الوصلة:
Learning from ALBA and the Bank of the South: Challenges and Possibilities
Martin Hart-Landsberg, " Learning from ALBA and the Bank of the South: Challenges and Possibilities"
http://www.monthlyreview.org/090901hart-landsberg.php
البا هى إختصار ل The Bolivarian Alternative for the Americas (ALBA)
** بدأت اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) في 1 يناير 1994 بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك وتهدف إلى إزالة معظم الحواجز أمام التجارة والاستثمار بين الدول الثلاثة.
توق المترجم:
هذه تجربة آمل أن تُقبل قوى التقدّم فى عالمنا الناهض علي دراستها ومقاربتها والإستنارة بقبسها حتى تستطيع قوى التغيير التغلّب على مشكلات الراسمالية من تغييب وخضوع وتهميش ودأب دائم على ابتداع أدوات تحكّم وقمع متجدّدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.