محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جوكية المصارف .. قوائم سرية أخذوا ملايين الدولارات وعجزوا عن السداد فهددهم المركزي بالنشر
نشر في النيلين يوم 14 - 05 - 2018

أكثر من (50) فرداً ارتدوا ثياب الجوكية بأسماء وشركات وهمية
“ترزي جوكي” حصل على مبلغ كبير فراح ضحية رجل أعمال متخفٍّ
مواطن بكى بحرقة حين اكتشف خدعة الجوكي له
المصرفي قاسم خليل: تشديد الرقابة على المصارف يقطع الطريق على (الجوكية)
المستشار القانوني عبد العظيم بكري:من الصعب ردع (الجوكية) إلا باتخاذ إجراءات صارمة
من هم الجوكية ومن الذين يدفعونهم بمقابل من وراء ستار، وما حجم المبالغ المليارية التي أخذوها من المصارف ولم تسترد كلها حتى الآن، وما مدى الضرر الذي سببوه لضحاياهم من المواطنين وللاقتصاد الوطني، وما هو الدور الداعم الذي قدمته بعض المصارف لهؤلاء الجوكية، وكيف يمكن كبحهم وفرملة مخططاتهم المدمرة، كم منهم طلقاء حتى الآن ، ما هي الخطوات التي اتخذها بنك السودان ووزارة العدل لمحاسبتهم وكشف أسمائهم للعلن؟ وغيرها من الاستفهامات المحيرة التي طرحتها (الصيحة) على طاولة الخبراء والمختصين عبر هذا التحقيق .
القائمة السرية
في العام 2008 هدد بنك السودان بكشف أسماء جوكية المصارف وفي تصريح لمحافظ بنك السودان كشف فيه أن هناك قائمة ب 30 من رجال الأعمال سوف يتم القبض عليهم لفشلهم في الالتزام بسداد مبالغ تصل ل500 مليون دولار قاموا بأخذها من البنوك سواء عن طريق المرابحات أو المعاملات البنكية، غير أن التهديد لم ينفذ أو لعل المقصود كان منه التهديد حتى يسارع الجوكية برد المبالغ الضخمة التي اقترضوها، وفي ذات المنحى كشف وزير العدل محمد بشارة دوسة آنذاك عن اتجاهه لاستدعاء مديري البنوك والضرائب لاستفسارهم عن أي شخص أو جهة مدينة للبنك عبر شيكات أو ترفض إرجاع الأموال للبنوك. وقال دوسة أمام البرلمان وقتها إن وزارته ستعلن عن أسماء «الجوكية» للنشر القانوني باعتبارهم مجرمين تحصلوا على أموال عامة دون وجه حق، وأكد تفعيل هذه الإجراءات للحفاظ على المال العام، بيد أن التهديدات لم تفعّل على أرض الواقع أو على الأقل بالقدر المطلوب، لكن مؤخراً شهدت الفترة القليلة الماضية إصدار قرارات صارمة وعمليات تنقيب في الدفاتر والمستندات السرية داخل المؤسسات المصرفية وغيرها، ليتم اكتشاف عدد من التجاوزات الكبيرة حيث كشف النقاب عن أكثر من (50) اسماً لرجال أعمال ومصرفيين، وأصحاب شركات وهمية أطلق على بعضهم (جوكية)، والبعض الآخر استغل جوكية آخرين لتحقيق أهدافه، وفقاً لذلك صدرت قرارات الاعتقالات المتتالية وتجميد الأرصدة، لكن المراقبين يتساءلون هل شمل الرصد كل قائمة الجوكية التي أشرنا إليها في فاتحة التحقيق؟ ولكن هل هذا سوف يعالج الأزمة ويعيد الوضع إلى ما كان عليه؟ وهل هؤلاء كانوا سبباً مباشراً في تعثرالمصارف ؟
مصطلح الجوكية
(الجوكي) لفظ قديم أطلق على الشخص الذي يقف على تدريب وترويض (الحصان) المشارك في سباق (الخيل)، حيث يقوم مالك الحصان الذي يختبئ خلف الستار بإحضاره ليتحمل الجوكي مسؤولية المشاركة كاملة ويظهر كأنه المالك الأصلي للحصان، ويدخل به في السباق، وذلك وفق شروط واتفاق معين، فإذا فاز فإن القيمة تذهب للمالك الأساس ويكون من نصيب الجوكي مبلغ يتفق عليه نظير مشاركته، غير أن هذا المصطلح صار له مفهوم مختلف من حيث المضمون وليس الشكل، فقد أصبح مستخدماً في المعاملات التجارية الربحية بصورة مخيفة، ودخل ذات المفهوم البنوك وأصبح هناك جوكي يأخذ المال وليس بالضرورة أن يكون ثرياً بل يعمل بالوكالة نيابة عن صاحب العمل الذي لا يريد الظهور في الصورة، وإنما أداة استخدمتها تلك الفئة التي عاثت فساداً في النظام المصرفي وأثرت من مال المرابحات والمضاربات، وبحسب تعبير بعض الاقتصاديين عن المصطلح الرمزي للجوكي هو أنه (كلب صيد).
عملية سريعة
الحديث عن الجوكية يعيد إلى الأذهان قصة الترزي بائع الأقمشة الذي مثل دور الوسيط بين رجل أعمال وأحد المصارف بولاية الخرطوم، حيث قام بتقديم طلب مرفق معه المشروع إلى مدير البنك وبناء عليه حصل على ثلثي رأس مال البنك عبر عملية اتسمت بالسرعة ، غير أن المبالغ لم تصب في مكانها ولم يتم شراء السلع التي شملتها خطة المشروع، وعندما مضى زمن السداد دون فوائد ظاهرة بان العجز المالي في خزينة البنك، فبدأت إجراءات المراجعة التي كشفت أن المال الذي أخذ تم إعطائه للجوكي لا علاقة له بالمشاريع الاستثمارية، بينما رجل الأعمال الحقيقي أخفى نفسه وقدم بائع الأقمشة، الذي زج به في السجن ، كما اتضح أن عملية منح المال تمت بدون ضمانات، وأن رجل الأعمال معروف بهذه الممارسات القميئة في مضمار المعاملات المصرفية من غير وجه حق من خلال تقديم ضمانات مزيفة، ويعتبر هذا الأنموذج لكميات طائلة من الأموال أخذت من البنوك ولم تعد، وبحسب مصادر (الصيحة) أن أول بنك تعرض للنهب عن طريق الجوكية هو أحد البنوك الإسلامية المعروفة الذي شهد تعثراً كبيراً قبل أن يلم أطرافه من جديد .
معاملة مصرفية
بلا شك فإن عددا كبيراً من البنوك فقدت أموالها وجزءاً كبيراً من رأس مالها لأنها تجاوزت النظم والقوانين، ومن أبرزها عدم المواءمة بين قيمة الرهن الفعلية والمبلغ الممنوح من البنك نظير المعاملة المصرفية، إما بسبب الفساد أو بفعل تقاطعات ذات طابع سياسي، وبلا شك فإن الساحة المصرفية حبلى بقضايا أخذ المال عن طريق الوسيط الجوكي، ولم يكن البنك الذي أشرنا إليه وحده الذي تعرض للأزمة، فقد شهدت ساحات القضاء هذه الأيام محاكمة عدد من الأفراد ومعهم أصحاب شركات وهمية، تلاعبوا في مبالغ مخصصة للأدوية واستغلوها في أغراض أخرى ، ومن بين هؤلاء موظفون ومديرو إدارات بعدد من المصارف، ويفيد القانوني (عبد القادر أحمد) أن أعداداً كبيرة من الجوكية المدانين يمارسون أعمالهم من داخل السجون بكل أريحية، وطالب بضرورة إنزال أقصى العقوبان بدون مجاملات أو محاباة، معتبراً الجوكية ومن يساعدهم سرطانات متفشية بوتيرة سريعة ساهموا في معاناة المواطنين وكسر ظهر الاقتصاد الوطني.
تكبيل لحركة التمويل
وقال الخبير الاقتصادي بروفيسور عصام عبد الوهاب آنذاك في تصريح لإحدى الصحف، إن الحديث عن الجوكية يمثل أكبر عملية فساد مصرفي في تاريخ البلاد والتي تقدر بأكثر من مليار دولار، لكن بعد الحديث عن هؤلاء الجوكية نفى وقتها رئيس اتحاد أصحاب العمل ورود اسم أي عضو من كبار رجال الأعمال، أو أي عضو في المكتب التنفيذي للاتحاد في قائمة الجوكية، والمعروف أن تعثر الديون المصرفية يؤثر على البنك ويكبل حركته التمويلية ويكون لها تأثير سلبي في حركة الاقتصاد الوطني، وفي هذا المنحى حمّل عدد من المراقبين خلال حديثهم ل(الصيحة) بنك السودان المركزي المسؤولية في تمدد ظاهرة الجوكية، باعتباره لم يدقق بالقدر الكافي في عمليات بعض الصفقات وفتح الحسابات والتحويلات الخارجية خاصة في دبي.
حسرة على الماضي
فيما يقول الخبير المصرفي قاسم خليل، كانت المصارف في حقبة الستينيات والسبعينيات تنافس البنوك العالمية، خاصة في ظل وجود بنوك عالمية كانت تعمل في السودان، قبل التأميم ( باركليز بنك الاعتماد سيتي بنك) كأمثلة بعضها تم تأميمها وبعضها غادرت، وكانت هناك علاقات مع المراسلين مع كل أنحاء العالم، كل هذا كان نتاجه كوادر مصرفية رفيعة المستوى مدربة ومؤهلة تأهيلاً عالياً جداً، إلا أن معظمهم غادروا إلى دول الخليج وشاركوا في تأسيس معظم بنوك الخليج ولا زالوا، وللأسف الشديد منذ حقبة الثمانينيات وبعد مغادرة هذه الكوادر المؤهلة ولجت أجيال جديدة في العمل المصرفي لم يجدوا من يأخذ بأيديهم، فتراجع الأداء في المصارف بالإضافة إلى منح رخص جديدة لبنوك محلية ضعيفة من حيث رأس المال، كما دخلت ظواهر جديدة في قاموس العمل المصرفيما يسمى بالجوكي، الذي أصبحت وظيفته تسهيل عمليات تمويل لشركات وهمية فقط لها مكاتب وأختام وأوراق مروسة، تلجأ للجوكي والذي يستغل علاقاته النافذة مع بعض المصارف .
اللعب بالضمانات
ويواصل قاسم الذي كان يشغل منصب مدير عام بنك قطر الوطني وأيضاً بنك أبوظبي حديثه ل(الصيحة) موضحاً أن حلقة عمل الجوكي تكتمل بوجود شركة وهمية جوكي، وموظف بنك ودور الجوكي مع موظف البنك هو اللعب بالضمانات المقدمة، مثال أن يتم رفع قيمة أرض في منطقة نائية وعند حلول أول قسط تتعثر الشركة صاحبة المعاملة (الجوكية) ويتم تحويلها للمحاكم، وعند عرض الأرض في المزاد تظهر الحقيقة المرة أن التمويل الممنوح أضعاف سعر قيمة الضمان، وهنا تتعثر العملية، واستبعد قاسم أن يكون عمل الجوكي فيه نوع من الذكاء، بقدر ما هو يمثل نوعاً من الخلل الكبير الموجود في العديد من المصارف بواسطة بعض ضعاف النفوس من العاملين فيها الذين يلهثون وراء الثراء السريع، ويرى أنها ظاهرة يمكن إيقافها عند حدها بالمحاسبة وتشديد الرقابة المصرفية عليهم.
موجهات سياسية
من المعروف أن إدارة المال واحدة من المشاكل الكبرى لإدارة الاقتصاد في السودان، لاحتوائها على أخطاء كبيرة جداً واختراق للواقع العملي الاقتصادي كما يرى الخبير الاقتصادي (أحمد مالك)، الذي أكد أن الجهاز المصرفي ساهم في تزايد الجوكية ومن خلفهم ، حيث تم اعطاء مبالغ كبيرة جداً من المال لأفراد لا يستحقون مشاركة البنوك في أعمالهم، لأنهم في الأصل لم يكونوا عملاء حقيقيين وإنما كانت المسألة مجرد خديعة، وكانوا في النهاية يقدمون دراسات جدوى غير حقيقية وزائفة وبدون ضمانات كافية، وكانوا يأخذون المال بطرق غير سوية أو عبر بعض المؤثرات السياسية أو بسبب تقديم دراسات جدوى غير حقيقية للمشاريع المقدمة للبنك، وهذه المسألة أحدثت أخطاء كبيرة جداً وأصبحت مهدداً لاستقرر البنك المالي حتى يصل إلى درجة الإفلاس .
تجاوز النظم والقوانين
ويتابع مالك حديثه واصفاً عمل الجوكية بأنه يمثل تجاوزا لكل النظم وكل القوانين، واللوائح المنظمة للعملية المصرفية ، وقال: للأسف في الكثير من الأحيان، فإن أصحاب المشاريع أو الشركات وغيرهم الذين قاموا بأخذ المال من المصارف لا يلتزمون بإحضار الطلبيات المطلوبة منهم لتغطية احتياجات كبرى للبلاد، وفي كثير من الأحيان كان المال يأتي من البنوك ويجمع وتتم العملية بصورة سليمة، ولكن الحكومة تعجز عن دفع الأقساط بالتالي يتعرض التاجر صاحب المشروع للإفلاس، ونادى بأن يبدأ الإصلاح من داخل البنك المركزي ووضع المزيد من الضوابط التي تحد من فتح الحسابات للشركات الوهمية .
أما دكتور عبد العظيم بكري أحمد المحامي والمستشار القانوني فيرى أن مصطلح الجوكي أطلقها سماسرة السوق منذ زمن بعيد، وكان الجوكي في سابق العصر والأوان يأتي إلى الضحية أو صاحب المال بمظهر متداول بين الجوكية (المركوب النمر الجلباب الفاخر العمة الفاخرة والعربة الفارهة )، لكي لا يشك الضحية بأنه رجل لا يملك مقدرة مالية، ويمكن أن يظهر أنه زاهد في الشراء ويحرص على جمع معلومات عن الشخص الذي يستهدفه بواسطة المعاون أو السمسار الذي ينفذ عملية الصفقة أو (الشغل) كما يسمونه، وبعد كتابة الشيك مقابل سيارة أو منزل أو بضاعة أو أرض عندها يختفي الجوكي، وبعد فتح البلاغ ضده يكتشف الضحية أنه لا يملك المال أو يتعمد عدم السداد وفق مصطلح الجوكية (يحندق) تعني (يدس)، ويستشهد بقصة رجل دخل مع جوكي في معاملة مالية كبيرة وعندما علم بأن الجوكي داخل السجن ولا يملك شيئاً وكان باع منزله بأبخس الأثمان لم يجد أمامه سوى البكاء وذرف الدموع لأنه وثق في الجوكي الذي لا أمان له ولا ذمة,
صناعة مقننة
ويضيف عبد العظيم: مع تطور الزمن أصبح التجار والسماسرة هم الذين يتعاملون مع الجوكي، وهناك شخص أتى من السعودية بمبلغ محترم ودخل السوق ، وكان السماسرة يأتون اليه كل صباح يخاطبونه (سعادك عندنا بضاعة رخيصة عربية رخيصة ممكن نص كاش ونص شيك، ندخل ليك الشيك وتدفع عليهو ونديك العربية الفلانية)، حتى يجد نفسه حرر شيكات ولايدري أنه كان يتعامل مع جوكية وبعد فترة قصيرة يجد نفسه داخل السجن، كذلك هناك بعض التجار المرابين يقول للشخص المستهدف لإغرائه ما ببيع إلا بأجل لزول مضمون ومعروف) فيقع هذا الشخص المسكين ضحية ذلك التاجر حيث إنه في البداية يأخذ مبلغاً قليلاً بفوائد كثيرة ولا يستطيع السداد، وعندما تتراكم عليه الديون يضطر إلى الدخول في عملية الكسرحيث يشتري السلعة أو أي شيء متداول في السوق ويبيعه بنصف الثمن أو أقل خوفاً من دخول السجن ومنهم من باع ولم يتفادى في النهاية السجن .
مخططات مبرمجة
فيما يتعلق بجوكية البنوك يوضح عبد العظيم أن لكل جوكي مخططا مبرمجاً وغالباً ما يكون ذلك الشخص سمساراً ، أو مستفيداً ماكراً مثل المحتال لكن بأسلوب راقٍ، وهذا الشخص دائماً ما تكون لديه علاقات داخل البنوك وهو يساعد على فتح الحساب كما يمكن أن يكون الشخص المزكي ويسمى هؤلاء برجال الأعمال، لكن هو في الأصل لا يمتلك غير العلاقة داخل البنك، ومن هنا تبدأ الحكاية حيث يطلب مرابحة أو مشاركة وغالباً ما تتم المساعدة في التزكية من داخل البنك لضمان العملية، وهنا يتم البحث عن ضحية يمتلك منزلاً ذا قيمة مرتفعة حتى وإن كان يقطن فيه الشخص نفسه، ويتم البحث عن أقرب الأقربين سواء من الأصدقاء أو الأهل وإذا فشل يبحث السمسار لاصطياد منزل آخر ويتم ذلك بإقناع صاحب المنزل أولاً بأن المنزل يمثل ضماناً فقط (للشغل) ، وأنه سيأخذ منه مبلغ كذا شهرياً، ويكتب له شيكاً بأكثر من قيمه المنزل وفي النهاية هو رهن وليس بيعاً، وبعضهم لا يعرف معنى رهن وتتم الصفقة ويتحول المنزل بين يوم وليلة في قبضة البنك، وعن طريق عملية تجارية بفواتير من أي جهة يخصم المبلغ المدفوع (الفات) ويأخذ نصيبه، ويضيع المال بين رجل الأعمال الوهمي والسمسار وصاحب الفواتير أو الفاتورة وموظف البنك، ويأخذ صاحب المنزل ثمن الشهر الأول ويضيع البيت بعد فشل المرابحة على الرغم من أن بنك السودان فطن لذلك ومنع رهن منزل الأسرة إلا أن التحايل بالإقرارات متفشٍّ وكل ذلك بمساعدة ومباركة البنك مصدق العملية، ويؤكد عبد العظيم على وجود عدد كبير من الجوكية في الساحة مشيراً لأنهم من الصعب ردعهم إلا باتخاذ إجراءات مصرفية صارمة.
أخيراً بعد هذا التحقيق يقفز السؤال الملح والمهم وهو .. هل استعادت المصارف كل المبالغ المليارية التي نهبها الجوكية منذ عدة سنوات خلت؟ وهل ما زالت القوائم السرية لأسماء الجوكية يغطيها الغبار ويلفها النسيان؟ أسئلة نتمنى أن نجد لها إجابة شافية في وقت شمرت فيه الدولة عن ساعد الجد وأعلنت عزمها على حرب الفساد والمفسدين أينما كانوا وكيفما كانوا .
الخرطوم: إنتصار فضل الله


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.