حينما بحثت عنه بسوق ودنوباوي «السوق الجديد»، لم أجد مشقة في العثور على محله بزنك الخضار، الكل هناك يعرف «النوراني».. وحينما لم أجده بالسوق، علمت أنه مريض يشكو من ألم في «الركب» هو الآخر، فوصفوا لي منزله بالعجيجة شمال أم درمان. وفي العجيجة سألت بعض السكان بغية التعرف عليه أكثر، فاكتشفت أن العجيجة صغيرها وكبيرها تعرف «النوراني»... حتى إن صبياً صغيراً في السن ردّ عليّ قائلاً: «أيوة يا عم، مش الراجل البصلح الايدين المكسرات؟».. أجبته نعم. قال لي: «اطلع بالشارع القدامك ده طواااالي تلقى دكان، لف على شمالك، بعده تلقى بيتو مكتوب عليه «النوراني».. وقد كان جلست إلى البصير الشيخ/ النوراني عبد اللطيف موسى، فرحب بي، وبدأنا الونسة والذكريات، وسألته أولاً: ما علاقتك بالعجيجة وسوق ودنوباوي والخضار؟ فأجاب: نحن أساساً «مسلمية».. والحلة الإنت فيها دي هي العجيجة حلة إدريس، وإدريس هو جدي لأمي.. العجيجة كلها أهل، هي منطقة عريقة في التاريخ.. أنا ولدت في العجيجة وكذلك أبي وأمي.. وجدي إدريس الذي سميت عليه الحلة كان بعالج الأسرى المعوقين في جبل كرري في الحرب العالمية الثانية.. اسمه «إدريس حسن» كان مشهور إذن أنت ورثت علاج الكسور من جدك إدريس؟ لا أنا لم أحضر فترة جدي إدريس.. أنا تعلمت العلاج من خالي أبوزيد.. بدأت وكان عمري «17 18 سنة»، كنت بمسك ليهو المريض أو الأطفال للختان، أو العندو «نبت» في كراعو.. كان بعالج «النبت» بالكي بي صوف الغنم. وعلاقتك بالسوق الجديد «سوق ودنوباوي» شنو؟ نحن أساساً مزارعين.. عندنا مزارع على البحر وبنمشي نبيع الخضار في أقرب سوق لينا وهو سوق ودنوباوي.. أنا بديت العمل في سوق ودنوباوي من زمن الانجليز 1955.. وأنا صبي الزمن داك كانت السلطات الانجليزية محددة لينا البيع بعد الساعة العاشرة صباحاً فقط. و لماذا؟ لانو كان في «حريم» في السوق مالكات الرخص الزمن داك، لذلك كان الانجليز بعاقبوا أي زول يخرق اللوائح.. وأذكر مرة أنا بعت لي زبون «سلطة» بي قرش قبل المواعيد. شافني الانجليزي المسؤول عن السوق عمل لي قضية طوالي، حاولت أتكلم معاهو لكنه رفض وقام دفرني.. التصرف بتاعو استفزاني.. أنا أديتو كف جاااامد لمن وقع في الواطة.. الزمن داك أنا صبي ما شاء الله. دي مسألة كبيرة طبعاً حيحاكموك يا نوراني: فعلاً.. لكن أنا رفضت حكم القاضي الانجليزي برضو.. القاضي سألني أول ما وقفت قدامو قال لي: النوراني المجرم، تضرب هذا الرجال كف ليش؟.. أنا رديت عليهو: «أيوه ضربتو لأنو عمل لي قضية في شغلي». بعدها القاضي قال لي: تدفع غرامة عشرة قروش أو سبعة أيام سجن، أنا رفضت الحكم، حاول الانجليزي يأجل لي دفع الغرامة بعد ثلاثة أيام.. ولمن جبت الغرامة بعد ثلاثة أيام قلت للقاضي: لو زولكم ده اعترضني تاني بضبحو ليك من الأضان للأضان. القاضي عفاني من الغرامة وأدى تعليمات للانجليزي ما يعترض طريقي.. وعلاقتي بسوق ودنوباويي ظلت مرتبطة على الدوام إلى اليوم. هل بتعالج حالات الكسور في محلك بزنك الخضار؟ نعم والحمد لله.. أنا يومياً بتجيني حالات.. مران تتراوح بين «10 31» حالة.. منها فصل وكسور وحالات متعددة وأعالج حتى حلق «اللهات» للأطفال. طيب يا نوراني ممكن تحكي لينا بعض الحالات الصعبة العالجتها؟ «مرة جابو لي واحد مفصولة فيهو سبعة ضُلع، انقلبت بيهو عربية كان راقد في مستشفى مدني، والراجل مسكين عندو خمسة أطفال برضو حصلت ليهم كسور.. ساقوني ودوني ليهو في بيتو في حي العمدة.. مسكين ليهو أيام ما أكل. قلت لي أهله جيبو لي نار في مبخر ومعاها شطة.. ختيت الشطة في النار بالقرب من أنفه.. بمجرد ما شم الريحة بقي يعطس شديد.. بعد العطس داك الضلع طلعت.. والراجل اتعافى.. بعد مدة طلب يجيبوا ليهو الأكل ونفسو اتفتحت». وحالة تاني؟ «دي حالة غريبة شوية.. أذكر وأنا في محلي بالسوق الجديد جاتني ست من سكان ودنوباوي مسرعة وقالت لي يا نوراني ألحقنا ووصفت لي حالة حدثت لبنت أختها كانت تعمل ممرضة بالرياض بالسعودية.. البت دي حصل ليها إنحناء في الظهر وفشلت في أن تستعدل، لأنها حاولت أن ترفع مريضة حجمها كبير، أهلها حاولوا العلاج هناك وفشلوا.. جابوها السودان وكانوا يحضروا للسفر للخارج.. لمن جاتني خالتها جارية مشيت معاها البيت.. طلبت منهم أولاً أن يتركوها في غرفة لوحدها. وأن يبعدوا أمها من البيت خالص.. ودخلت عليها فجأة في الغرفة وهجمت عليها بطريقة معينة. البنت أصيبت بالذعر وجفلت مني وكانت تحاول أن تصلح حالها.. نسيت تماماً انكماش الظهر.. وفجأة استعدلت عديييل.. لكن من فرط الألم وقعت مغشياً عليها.. بعد مدة أفاقت ووجدت أن الانحناءة زالت تماماً.. المفاجأة أن أمها نفسها حينما علمت بشفاء بنتها دخلت هي الأخرى في حالة لكنها أفاقت وتم الشفاء بحمد الله». الحالات كثيرة التي يذكرها النوراني والتي اعتمد فيها على فنون المهنة والمهارات كما ذكر، ويضيق المجال لذكرها.. ولكن سألته هذا السؤال: طريقتك في علاج الكسور كيف.. أنت بتعمل جبص أم جبيرة؟ أجاب: أنا بطلب اولاً صورة أشعة للتحديد.. وما بتعامل مع الجبص.. بعمل جبيرة حطب بنجر عيدان أربعة واضعهم محل الكسر واربطه لمدة 3 ايام . بعدها أرجعو لأتأكد هل رجع في محلو أم لا. وسؤال أخير: بتطلب رسوم يا نوراني؟ «انا ما عندي رسوم.. البسهلو الله بشيلو». وأخيراً ودعت البصير الخبير في مجال الطب الشعبي لعلاج الكسور «النوراني» مع أمنياتي له بدوام الصحة والعافية والتوفيق.