شاهد بالفيديو.. مواطنة سودانية تنهار بالبكاء فرحاً بعد رؤيتها "المصباح أبو زيد" وتدعوه لمقابلة والدها والجمهور: (جوه ليك يا سلك)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني بالدعم السريع يعلن انشقاقه عن المليشيا ويعترف: (نحن من أطلقنا الرصاصة الأولى بالمدينة الرياضية)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إنَّ بعد العُسِر... عُسَراً
نشر في الراكوبة يوم 19 - 05 - 2010


...
فتحي الضَّو
[email protected]
يصادف اليوم الأحد خاتمة أسبوع الآلام الذي يحتفل به المسيحيون في أرجاء الكون. وهو أسبوع يمثل لهم ذكريات مقدسة، ويجسد مراحل الخلاص في قصة فداء السيد المسيح عليه السلام. ولهذا تجري الاحتفالات بمراسيم تُرسل فيها الألحان الحزينة في الكنائس، وتُلف أعمدتها وتُكلل أيقوناتها بالسواد. ثمَّ وسط مظاهر زهدٍ في المأكل والمشرب والملبس، تبدأ الطقوس بما يسمونه أحد الشعانين (أحد السعف) أي عندما دخل المسيح إلى القدس (أورشليم) ممتطياً ظهر حمار، وضمن أسبوع الآلام هناك طقس يوم العشاء السري أو (العشاء الأخير) وكذلك يوم الخميس المسمي بخميس الأموات، وهو اليوم الذي تمَّ فيه التسليم والخيانة والصلب، أي عندما جاء يهوذا الأسخريوطي (أحد تلاميذ المسيح) مع الجنود وبعض الكهنة للقبض على المسيح، أوسعوه ضرباً وشتماً وتنكيلاً، إلى أن وُضِع على رأسه تاج الشوك. وتتداعي القصة المليودرامية بإصرار رئيس الكهنة على قتله وصلبه، فيصدر الوالي بيلاطس حكمه بعد أن يغسل يديه ثلاث مرات، ويقول قولته الشهيرة (إني بريء من دم هذا الرجل) وبعدها يبدأ المسيح رحلة طريق الآلام حاملاً الصليب على منكبيه، مترنحاً حيناً ومتحملاً أحيان أخر، إلى أن تمَّ صلبه وهو يدعو بالمغفرة لقاتليه، ثمَّ تنتهي الرحلة بقصة رفعه للسماء بعد إنزاله القبر واختفاؤه منه. ومن المفارقات أنه في هذا اليوم الذي انتهى فيه أسبوع آلام المسيحيين، بدأ فيه أسبوع آلام السودانيين السياسي. فبعد مسيرة عقدين في طريق الديكتاتورية والحكم الشمولي، سيتم قتل هذا الشعب وصلبه الأحد المقبل في انتخابات ما يزال كنهتها يصرون على أنها ستكون (حُرة ونزيهة) بالرغم من أن قوى سياسية معتبرة أعلنت براءتها من دم هذا الشعب!
صحيح أنها براءة تلكأت وتأخرت كثيراً، لكن لا بأس طالما أن المثل الشائع يقول أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً. فليس هذا ما يزعج ولكن الذي ينكد على المرء حقاً، هو أن القوى السياسية التي أعلنت انسحابها، لم تكن في حاجة لأن تسوق الأسباب تلو الأسباب لتبرير انسحابها من هذه الانتخابات، فالقليل الذي ذكروه كان عقلاء المدينة قد أهرقوا فيه أطناناً من الحبر. ولسنا هنا اليوم لإعادة تكرار ما قيل في فاتحة أسبوع الآلام، ولكن لتوضيح ثلاثة نقاط جوهرية مثلت في تقديرنا أس الأسباب التي جعلت من مسرحية الانتخابات شيء أقرب للعبث، الأمر الذي يؤكد أن العصبة ابتدعتها وهي ترجو بها خلاصاً من مأزق تعيشه، بالرغم من أنه لم تعد له عدة ولا عتاداً. يأتي في صدارة هذه الأسباب التساؤل الذي لم تجد له القوى المشاركة إجابة. إذ كيف يمكن إقامة انتخابات ديمقراطية في تل من المظالم والانتهاكات التي تراكمت طيلة عقدين من الزمن؟ غني عن القول أن بعضها جرائم جنائية لن تسقط بالتقادم، وفيها جرائم أخلاقية لا تُمسح بجرة قلم، والقليل منها كان سياسياً وهو ما قد يحتمل الصفح والمغفرة، بشرط إن تبعه نقد ذاتي وتوبة نصوحة. لكن أن تُقبل العصبة على الانتخابات من قبل تسديد فاتورة هذه الاستحقاقات، فذلك ما يؤكد إنها استجارت بها هروباً لا ملاذاً سياسياً. ثانياً: كيف يمكن أن تقام انتخابات حرة ونزيهة في ظل عصبة قابضة على زمام السلطة، وأمامنا تجارب مماثلة من أنظمة تشاطرهم التوجهات، فذلك ما حدث في كينيا وإيران وموزمبيق وأثيوبيا، وكلنا يعلم أن جميعها أفضت إلى نتائج كارثية. ثالثاً كلنا يعلم أيضاً أن الشرعية المفقودة طيلة عشرين عاماً ظلت تؤرق العصبة باستمرار، وانطلاقاً من هذا لم يكن رضوخها للانتخابات سوى محاولة لإضفاء شرعية متمناه، يظنون أنها ستهييء لهم ديمومة الجلوس على كراسي السلطة.
ولا شك أنه من أجل هذا جاءت مبررات بعض القوى السياسية على ذات نسق الغيبوبة التي تعيشها العصبة. على سبيل المثال لم يكن ياسر عرمان مرشح الحركة الشعبية لمنصب الرئيس في حاجة لتبرير انسحابه (الشرق الأوسط 3/4/2010) من الحلبة بقوله (المؤتمر الوطني الذي انفرد بالسلطة منذ 20 عاماً، يريد أن يفعل كما فعل جنرال موريتانيا، الذي قام بالانقلاب ثم شرعن نفسه عن طريق الانتخابات، يريدون بعد 20 عاماً أن يفعلوا مثله، وعلى رقابهم حرب جهادية في الجنوب، وحرب أخرى في دارفور وثالثة في الشرق، إضافة للمحكمة الجنائية في لاهاي وقضايا أخرى كثيرة) وكذلك قوله بعد أن ارتأى مسحاً تقييمياً لكافة القوى السياسية (اتَّضح لنا أن حزب المؤتمر لا وجود له، فهو حزب سلطوي يُسخَّر أجهزة الدولة لمصلحته) أو في نظرته للعصبة الحاكمة (حفنة صغيرة في الحزب تسيطر على مقاليد الأمور، حفنة فاسدة ليس لها برنامج سياسي) وأيضاً لم يكن المكتب السياسي لحزب الأمة مضطراً لأن يضع ثمانية شروط يرهن بها مقاطعته الانتخابات التشريعية أسوة بمقاطعته الانتخابات الرئاسية.. مثل شرط تجميد القوانين القمعية إلى ما بعد الانتخابات، أو تكوين مفوضية بديلة للمفوضية الحالية المعروفة بعدم حيدتها ونزاهتها. أو شرط تقاسم وسائل الاعلام بصورة عادلة. ليست لأنها شروطاً صعبة، ولكن لأن العصبة الحاكمة ظلت تراوغ حولها لعقدين من الزمن، وعليه فإن إعادة ذكرها قد يعد تحصيل حاصل لا يُرجى منه ورائه طائلاً!
بنفس المستوى لم يكن الذين وافقوا على مواصلة العملية الانتخابية في حاجة لتوضيح استمرارهم. ذلك لأنهم مهما اجتهدوا فلن يستطيعوا إقناع الرأي العام بصواب رأيهم، في ظل مناخ تناوشته الظنون وتكاثرت عليه الشكوك. فلم يكن غريباً أن يأتي المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الدكتور حسن الترابي في صدارة المستمرين في المشاركة. ذلك لأن دواعي خوضه الانتخابات في الأصل، لا تخرج عن سياق مبررات العصبة الحاكمة نفسها. فالطرفان منذ أن إفترقا ظلا في حالة تربص دائم ببعضهما، ربما توخياً لثأر محتمل. لكن الأكثر غرابة منه، تلك التبريرات التي ساقها التحالف الوطني السوداني. ففي بيان منشور على صفحات الموقع الإلكتروني (سودانيل) أكد الحزب إنه سيستمر في الانتخابات التشريعية، وكذلك الانتخابات الرئاسية التي يخوضها نيابة عنه العميد عبد العزيز خالد. وعزا البيان ذلك إلى محاولة (تفكيك مفاصل الدولة الحزبية لصالح دولة الوطن وتحقيق التحول الديمقراطي وتعزيز وإعلاء خيار الوحدة) ورغم أنه طموح مشروع، إلا ان تلك خطوة لم تخلُ من تنطع، ففيها قد بدأ الحزب الصغير كمن ارتدى جلباباً أكبر من حجمه. وثانياً أن تلك الأهداف كانت تتأرجح بين الشك واليقين عندما كانت القوى السياسية بكامل نصابها قبل الانسحاب، ليس لضعف بنيتها ولا صغر وزنها، ولكن نسبة لتمرس العصبة الحاكمة في التزوير، وفي ظل عدم نزاهة العملية الانتخابية كذلك. وعليه إن كان ذلك هدفاً بعيد المنال في وقت كانت فيه رماح تلك القوى تقف مجتمعةً، فما بالك بعد أن تكسرت آحاداً!
في ضوء هذه المعطيات، لابد للمراقب أن يسأل نفسه: ترى من ذا الذي يمكن أن يغامر ويُعطي صوته للعصبة ذوي البأس؟ هل يا ترى سيصوت لها مئات الآلاف من الذين تم فصلهم ظلماً وتعسفاً من وظائفهم المدنية (قدرهم السيد ابوزيد محمد صالح وزير الخدمة العامة والإصلاح الاداري في آخر حكومة ديمقراطية بنحو 235 ألف/صحيفة الميدان 25/3/2010) هل سيصوت لهم عشرات الآلاف من مفصولي القوات النظامية. علماً بأنه يقف وراء هؤلاء واؤلئك جيش جرار من أسرهم الصغيرة والممتدة، ناهيك عن دائرة أصدقائهم والمتعاطفين معهم من عموم أهل السودان. هل سيصوت لهم الذين سُجنوا وعُذبوا وانتهكت حقوقهم في السجون وبيوت الأشباح سيئة السمعة؟ أم سيصوت لهم أُسَر وأهالي ضحايا النظام من عسكريين ومدنيين؟ هل سيصوت لهم أكثر من اثنين مليون نازخ في الداخل والخارج في دارفور؟ أم سيصوت لهم أهل واقارب عشرات الآلاف الذين أزهقت أرواحهم في دارفور نفسها وأعدادهم ما تزال عرضة للتأويل والتخمين؟ هل سيصوت لهم أهالي ضحايا مجزرة بورتسودان أم أهالي ضحايا كجبار أم ضحايا السد المشردون؟ هل سيصوت لهم قوم شنوا عليهم حرب جهادية في الجنوب أم سيصوت لهم أهالي شهداء ماتوا (سمبلة)؟ هل سيصوت لهم جحافل الذين طردوا من البلاد وتبعثروا بين مدن العالم في رحلة التيه المتطاولة منذ أكثر من عقدين الزمن؟ أم ستصوت لهم النساء وهن أكثر فئات المجتمع التي تأذت من سياساتهم العوراء، فقد أخذن نصيبهن من الفقر الذي حاق بأهل السودان، وطال الفساد منهم أُسراً كريمة تضعضت قيمها وأخلاقها؟ هل سيصوت لهم أطباء الاختصاص الذين يعدون بالآلاف وأسرهم بعد ملحمة الصمود والتصدي في الإضراب عن العمل؟ أم سيصوت لهم الذين يرون بأم أعينهم تضاعف ساكني (دار المايقوما) تلك الدار التي أصبحت شاهداً على أفعال نظام لم يراع الله في أقواله، مثلما لم يراع الخلق في أفعاله!
لا شك أن الناس أدركت بما لا يدع مجالاً للشك أن التصويت لمرشح المؤتمر الوطني للرئاسة يعني دخول القطر بأكمله في (كرنتينة) بعد أن قيدت المحكمة الجنائية تحركاته. والتصويت للمؤتمر الوطني يعني أن تكون على استعداد لرؤية وطن غنيت له مع صديقك منقو زمبيري (قل لا عاش من يفصلنا) وقد أصبح قاب قوسين أو ادنى من الانفصال. والتصويت للعصبة يعني أن دارفور ستحذو حذوه. التصويت لهم يعني أن تري مجدداً عصبة لا همَّ لها سوى الرقص على أشلاء وطن ممزق، ولا غاية لها سوى تنظيم التظاهرات التي لا تغني ولا تسمن من جوع. التصويت يعني أن تكون راضياً عن أفعال المفسدين الذين تطالوا في البينان وهو يمتصون خيرات بلادك؟ التصويت للعصبة يعني إنك لن ترى من البترول سوى (الزفت) الذي يغطي الشوارع، ولن يكون ميسوراً لك أن تعرف إنتاجه، ولا مقدوراً أن تعلم عائداته؟ التصويت للعصبة يعني استمرار المتاجرة بالدين، واستمرار تدفق موشحات الإستهداف وكأن هذه الدولة هي مهبط الوحي وأرض الرسالة؟ التصويت لهم يعني أن المظالم التي حاقت بالآلاف لن تجد إنصافاً إلا يوم القيامة؟ والتصويت للعصبة يعني استمراء الفشل تلو الفشل دون أن يحق لك السؤال عن مشاريع لم تأت أكلها من سنين؟ التصويت يعني أن يُعفي سيدنا الصافي جعفر من مشروع سندس بعد عشرين عام من الاستغلال، ويُرقى ويُنقل لمشروع الذكر والذاكرين، وأنت يا هداك الله، تعلم ما الذكر، لكنك قطعاً لا تعلم من الذاكرين!
ليس هذا فحسب فالتصويت لصالح العصبة يعني يا أعزائي الشباب أن تكونوا رقماً في بند العطالة التي تجاوزت حاجز ال 70% والتصويت يعني إن كان لك أبناء وبنات فلا تحلم بتعليم مجاني، ومطلوب منك ألا تمرض كذلك. التصويت يعني أن تري أرقاماً فلكية في مديونية السودان التي بلغت نحو 34 مليار دولار، وأنت لا تعلم أين صُرفت، ومن سيتحمل تبعاتها، ولماذا لم يظهر لها مردود على أرض الواقع؟ التصويت لهم يعني أن ترى بلداً عظيماً تنتمى إليه وقد صار نموذجاً للإرهاب، ومثالاً للدولة الفاشلة، وعينة لدولة أصبحت عبئاً على المجتمع الدولي.. فلم تخلُ عاصمة من عواصم العالم لم تدس أنفها في شئونها الداخلية؟ التصويت يعني أنك أمام حواة سياسة يكذبون كأنهم يتجرعون ماءً ثجاجاً. التصويت للعصبة يعني أن تتقبل منطقاً يقول لك إن من جاء بانقلاب عسكري وصادر الديمقراطية، سيقول لك بعد عقدين إنه لا مفر من الاحتكام للديمقراطية. التصويت للعصبة يعني أن تكون في عرفها متمرداً بالأمس وتشن عليك حرب جهادية، تنعت فيها بآيات الكفر والإلحاد، ثمَّ تصبح بعد اتفاق قسري أخاً في الإنسانية وشريكاً في الوطن والسلطة. التصويت للعصبة الحاكمة يعني أنك لو كنت مغترباً ليس مطلوباً منك أن تحلم بالعودة المشروعة، بقدر ما المطلوب منك أن تدفع الجزية وأنت صاغر؟ التصويت للعصبة يعني أن وطنك رغم غناه ما زال يُصدِّر المجاعات؟ التصويت للعصبة يعني أن كل ما يجيؤك منها هو ابتلاء من رب العالمين؟
ما زال في الكأس باقٍ يا صاحبي، طالما أننا نقف أمام سجل عامر من إنجازاتهم التاريخية. فالتصويت للعصبة يا أيها المحتسب بؤسك لله، يعني أن تكون مهيأ لرؤية مصطفي عثمان في رحلات يومية لأركان الدنيا الأربعة، وليس متاحاً لك أن تسأله عن أشياء أن تبدي لك ستسؤوك حتماً؟ والتصويت يعني أن تسمع نافع على نافع يذر على سمعك موشحات تكاد تذوب معها طرباً؟ والتصويت يعني أن تُذعن لتفسير عوض أحمد الجاز عندما تسأله عن ماهية ال 70% من الميزانية للأمن والدفاع مقابل 10.5% للصحة والتعليم، فيقول لك إن هذه البلد محسودة؟ بل التصويت يعني عند العصبة ألا تسألهم عن أمن من ولا الدفاع ممن؟ التصويت يعني أن تسمع غندور ومندور يمنان عليك بالمن والسلوى التي ما كنت لتجدها لولا أن فتية من العصبة آمنوا بربهم فزادهم هدىً؟ والتصويت يعني أن تُمعن النَّظر في ظاهرة مسار ونهار يتعاقبان في فلك العصبة كما يتعاقب الليل والنهار، التصويت للعصبة يعني أن لا تحرم نفسك من مشاهدات ندوات صلاح قوش وهو يصف حفنة من حاضريها بنعوت تفيض رقة وعذوبة؟ والتصويت للعصبة يعني ألا تستفز عندما تراهم يخاطبون أهل السودان باعتبارهم الفئة المطهرة التي لم تقتل ولم تعذب ولم تفصل ولم تشرد أحداً، بل هم الديمقراطيون وغيرهم الديكتاتوريين؟
أيها الناس.. يعلم الله لكم أشعر بالأسى والحزن العميق للحال الذي وصل إليه هذا الشعب العملاق، إذ يصر سياسيوه على تقزيمه كل ما قيض الله له خلاصاً. وتعلمون أن العصبة ذوي البأس ستُصر على انتخابات وفق تصوراتها القاصرة والأنانية، وهذه عوضاً عن أن تؤدي إلى تحول ديمقراطي منتظر، ستعمل على تكريس الشمولية تحت غطاء الديمقراطية، وتوطين الديكتاتورية تحت مبررات الشرعية. وتلك هي الكارثة بعينها، لأنه ليس ثمة مناص يومئذٍ من مطالعة (السودنة) وقد أُضيفت لقاموس الأفغنة والصوملة والعرقنة.. فإن بعد العسر... عسرأ!!
تنوية
ذكرت في مقال الأسبوع الماضي (لا نافع إلا الله) أن المحكمة الدستورية قبلت الطعن المقدم من دكتور فاروق محمد إبراهيم. لكنني لم أكن أعلم إنها نكصت على عقبيها لاحقاً وشطبت الطعن، الأمر الذي شكل سابقة دستورية اعتبرها القانونيون بمثابة حصانة للأجهزة الأمنية، وبالتالي قصور مبدأ تطبيق مبدأ التقادم في الجرائم الخطيرة، ومن هنا يبدو لنا أن لإصرار القوى السياسية في عدم إجازة قانون الأمن الوطني مبرراً. فالشكر أجزله لصديقنا الناشط الحقوقي (على عجب) الذي نوَّه لي بهذه المعلومة وأمدني بحكم المحكمة الدستورية.
ينشر بالتزامن مع صحيفة الأحداث 4/4/2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.