"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النيل الأزرق.. رأيت الحرب (2)ا
نشر في الراكوبة يوم 17 - 03 - 2011


النيل الأزرق.. رأيت الحرب (2)
بقلم : عثمان فضل الله
[email protected]
كل صورة فى النيل الازرق تحكي رواية مختلفة ولكن مكتب والي الولاية يلخص الامر بشكل كامل. مجموعة من الشباب يحتلون مكتب الاستقبال. سحناتهم تدل على أنهم من إثنيات النيل الازرق المختلفة. السكرتيرة تنبهك الى أن تضع نقطة وتفتح سطرا جديدا فهي ظلت في وظيفتها رغم أن آخرين وفقا لما علمت سعوا الى إقصائها لأنها تنتمي اجتماعيا لأسرة يرون أنها موالية للمؤتمر الوطني. أكبرت هذه في (عقار) وإن لم أشأ سؤاله عنها.. المكتب الذى يمتد لعدة امتار يعطيك من الداخل انطباعات مختلفة تشعر فيه البساطة ولكن ما أن تتذكر (ياغلن) وهى قرية تعيش خارج التاريخ تحسه مترفا حد التقيؤ، لا تناسق كبير بين أثاثه. كل مجموعة متنافرة مع الأخرى كما خارطة الولاية السياسية. استغرقت في قراءتها لثواني معدودة، ولكن مالفت انتباهي جملة بالانجليزية منسوبة ل(عقار) ولكن لا أدري أين قالها معلقة في إطار مذهب على الجدار بحيث لا تدع لك مجالا إلا أن تقرأها قبل أن تلقي التحية عليه. تقول (ليس كافيا للمتحرر أن يحرر نفسه، لاستدامة حريته يجب أن يحرر المضطهد)...
ودعت عقار وأنا على قناعة بأن الرجل مفتوح النهايات ومرتفع السقوفات مسنود بواقع تسهل دغدغة المشاعر فيه، هل ظلمت الرجل فعلا؟... وهل عيب أن تتبنى حركته خطابا قائما على قضايا الناس؟... مجموعة أسئلة ازدحم بها رأسى. وجدت نفسي متعاطفا معه حينا وحانقا عليه حينا آخر، ما بال هذه المنطقة تربك الحسابات للدرجة التي لا تستطيع أن تحدد من هو البطل ومن هو الضحية فيها.
تشابك يحتاج إلى تفكيك
\"عقار يقود الولاية الى صراع مفتوح مع المركز\". هكذا قال محدثي وأردف: \"يستخدم خطابا عاطفيا يتمثل في استغلال المركز لموارد الولاية دون مراعاة للنتائج المترتبة على هذا النوع من الخطاب. يتحدث للناس بلغة ويقود الولاية بلغة مختلفة، فعقار يعلم تماما أن الولاية لا يمكن أن تستغل او تقوم بذاتها لأن مواردها منذ العام 2005 م لم تتعدَّ 6%؛ بينما قفز البند الأول فيها من اربعة مليارات ونصف الى مايفوق 11 مليار جنيه\". طفر الى ذهني سؤال آخر. وماذا فعل المركز ليتحاشى الصراع. ليس مع عقار ولكن مع المناصرين لوجهة نظره حتى وان كانوا قليلي العدد؟... جرى السؤال على لساني أمام الرجل الذي انتبه قائلا: \"أنا لا أتحدث لك بصفتي الحزبية وأرجو ألا تنشر الحديث الذى سبق مسنودا اليّ، احترمت وجهة نظرة ولملمت بقية اسئلتي وتوجهت صوب حي (عشرة بيوت) حيث دار المؤتمر الوطني التي توحي بأنها كانت فى يوم غير هذا (دار عزيز قوم). كل شيء فيها ينبئك بثراء الماضي وفقر الحاضر، مجموعة من الشباب يتبادلون الحديث بصوت من علوه يشعرك أنك في سوق أكثر منه في دار لحزب حاكم في غير هذه الولاية، دلفنا الى مكتب رئيس المؤتمر الوطني عبدالرحمن ابو مدين، لي مع الرجل سابق معرفة إن لم تكن وطيدة فهو من الشخصيات التي تجبرك على احترامها مهما اختلف الناس حوله، رميت بسؤالي فى وجهه. هل أعلن المؤتمر الوطني الحرب على عقار؟... فرد قائلا: \"(الوطني) لم يعلن الحرب على أحد ولكن هناك أناس يعلنون الحرب على أنفسهم، فعقار يخطط لفصل النيل الأزرق ويعمل وفق خطة محددة تتمثل في حشد الناس للحكم الذاتي والذى يعني بالضرورة تجييش الناس لصالح الانفصال، وهم يعملون- والحديث لابو ميدين- وفقا لمقولة (قرنق) التى خاطب بها أهل النيل الأزرق قائلا (المشورة الشعبية هي جنى صغير بتاع تقرير المصير) وبالتالي عقار بخطابه هذا يسعى لتربية وتقوية المشورة الشعبية حتى تصل الى تقرير المصير ومن ثم الانفصال\"... قاطعته: \"هل ما تقول به معلومات أم أنه تحليل؟\"... فاجأني ابو مدين قائلا: \"(معلومات وكررها ثلاث) ثم استرسل قائلا: \"عقار بقول الكلام ده لى ناسو في تنويراتهم بخطط لفصل النيل الأزرق وإنشاء ثلاث ولايات...\"
إذن الوطني يرتاب فى نوايا الرجل. طفرت الى ذهني عبارة جرت لأحد منسوبي الحركة كان حاضرا لمؤتمر عقد فى الكرمك لقبائل النيل الازرق وهو يحكي بعفوية عن ذلكم المؤتمر وإعجابه اللامتناهي بوالي الولاية قائلا: \"استعرض عقار خريطة السودان موضحا عليها حدود دولة الجنوب وحدود ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وقال انظروا ماتبقى من السودان لم بيق لهم شيء). وضحك الشاب الذى احتفظ باسمه، ووجه حديثه لي باعتباري ممثلا للمركز (والله بدونا خريطتكم شينة شنا)..
إذن لحديث ابو مدين أصل. عقار فى إجابته على سؤالي حول ماذا كان يخطط لفصل النيل الأزرق؛ لم تشفِ غليلي، ولم تضئ المنطقة المظلمة بين الحزبين، لكنها في ذات الوقت تحتمل النقاش، فالرجل بحسب إجابته هو رهين برفع الظلم عن أهله قائلا إن الذين ينظرون للحكم الذاتي باعتباره نواة للانفصال بأنه قراءة: (دي قراية وانت لاتحجب على الزول بأن لايقرأ مابين الخطوط ولكن نحن لم نتحدث عن الانفصال حتى الآن ولا توجد بوادر للانفصال، والانفصال له مسبباته وله معيناته وأنا لا أرى معينات للانفصال فى ولاية النيل الازرق، الحكم الذاتي حق ونحن بنطالب بيهو وأنا لا أريد أن اتنبأ بالمستقبل، الحكم الذاتي حق لكل ولايات السودان، وإن كانت الولايات الأخرى لا تريد ممارسته نحن في النيل الأزرق عايزين نمارسه، ولا يحق لأحد أن يقول نحن رافضينو، ده حق وطرح، انت اقنع الطرف الآخر بعدم جدواه).
إذن النتيجة مفتوحة والأرض خصبة وللوطني الحق في الخوف من تكرار تجربة الجنوب ولعقار كما قال الحق في أن يرفض حكما من الخرطوم في القرن العشرين، فمن هو المخطئ ومن هو المصيب؟... ألم أقل لكم إنها ولاية تصيبك بالدوار وتفقدك الأرضية التى تقف عليها؟.
هكذا هي الحياة:
أطفال عراة منتشرون فى كل مكان، أحدهم يعبث بما أخرجته بطنه بأي من السبيلين لا أدري.. كل شيء هنا يفقدك التركيز ويدفعك دفعا لاستعجال الرحيل او استقبال الجنون, أغمضت عينيّ في تكاسل متعمد عسى أن افتحهما وأجد أن كل الذى أراه أمامي مجرد خيال، ولكن للانسان أكثر من حاسة، طاردتني الروائح الكريهة المنبعثة من هذا المكان الذي لم يعرف النظافة أبدا، اجتزنا مدخل القرية الى وسطها. كان أكثر نظافة، ولكن الأشخاص هم ذاتهم. عيون زائغة. أجساد أعمل الدهر فيها قسوته. عيون يختلط فيها الرجاء بالتحفز، الشر بالخير، الأنفة بالانكسار، مجموعة من الرجال متحلقون أمام هذه القطية. نهضوا جميعهم فى حماس لاستقبالنا. أمامهم بعض الأوانى البدائية تحمل فى جوفها مشروباً ما، أجزم من هم برفقتى أنه (مريسة) وساندتهم في ذلك أنفي وإن لم تراه عيني، المجلس يدل على أنه اجتماع لحل مشكلة ما، فالرجل الذى يحمل فى يده أوراقا أصر على البقاء فى مكان يمكنه من الاستماع الى ما نقول بعد أن قادنا العمدة الى موقع آخر غير مقر الاجتماع، أجلت بصري في هذه القرية التى لا تبعد عن الكرمك سوى ثمانية كيلومترات ولكن قطعتها العربة في ما يقارب الساعة فالطريق ليس وعرا فحسب ولكنه شيء آخر. لا أجد له وصفا دقيقا، أكواخ متراصة على مد البصر لا يفصل بين الواحد فيها والآخر سوى حاجز رفيع مصنوع من الحشائش الجافة لا أدرى ماذا يسمونه وإن كنا نطلق عليه حيث ولدت (الصريف) ونستخدمه في أمر مختلف أتعمد عدم ذكره حتى لا أكون قاسيا على هؤلاء الناس الذين كل ذنبهم أنهم ولدوا في هذا المكان.
ذات اللغة:
اللغة نفسها التي سمعتها من قبل. \"لاشيء أضافته اتفاقية السلام سوى وقف هجمات (الانتنوف)\". يقولونها بحرقة كاملة وأشعر أنا الذى زرت هذه الولاية إبان فترة الحرب أنها إضافة كبيرة، كنا حينها ونحن في الدمازين نشعر بالخوف ولكن (الماضي لايصبح ماض أبدا)، فالماضي هو الذى يصنع الحاضر، مابالي أذهب فى حديث يقودني الى دروب أخرى. فقط أردت أن أقول في ذلكم الوقت كنا نشعر بالخوف مثلنا مثل كل من يقطن في هذه الولاية وعايش تلكم الأيام، لم نحس بالغربة. أشعر الآن أني غريب غير مرغوب فيه، بعضهم يقولها لك صراحة مثل الشفيع: (والله انت لو ما كان معاك مسؤول كبير ده بشكلك ده ما كان قعدت هنا) وآخرون أكثر تحضرا أو قل تأثرا بالسياسة يحملون الحكومة المسؤولية ولكن ما أن يسترسلوا في الحدبث حتى تتفلت عباراتهم الحارقة (كهربا بتاعنا ده شو شو شو يمشى فوق راسنا عشان ينور هناك في الخرطوم ونحن في الضلام اهو قاعدين، كل خيرات ولاية بتاعنا ده تمشى لناس تانين ده موضوع ذاتو خلى ناس بتاع نيل اسرق ديل يشيلوا سلاح) هكذا حدثني العمدة محمد فضل المولى كومة جابر عمدة قبيلة الدوال في مقاطعة الكرمك _ كم هو تأثير الجنوب كبير حتى في المسميات _ كومة الذى ظل يتحدث عن محلية الكرمك باسم مقاطعة الكرمك بدا حانقا على الخرطوم شاعرا بغبن جعله يتشكك حتى فى حصوله على التمويل من البنوك قائلا: (حكومة ده ما بدينا هاجة حتى التمويل الزراعي البجى في الدمازين ده هم بيجوا يتقسموا!) سألته عمن هم الذين يتقاسمون التمويل. أجاب بسرعة (ناس بيجو من برة ولاية بتاعنا ده نحن ما نعرفهم)، (من يسير من؟) سؤال ظل يطن في رأسي وأنا أستمع الى إفادات كومة. هؤلاء يسيرون عقار أم عقار هو من يملأ صدورهم قبل رؤوسهم بهذا الغبن؟... أم أن الشحن متبادل. إحساس كبير بالظلم له مبرراته الواضحة؟... كل شيء يحاصرك. يجعلك لاتلوم أي منهما إن كان يعبئ الآخر فالأمر لا يطاق. قطعا حياة قاسية لا يمكن احتمالها لشخص فى وعيه الكامل، هل لهذا يعاقر الناس هنا (المريسة)؟. ظننت أن ذلك كذلك. لكن عيسى الشاب الثلاثيني الذى يمتلك محلا لبيع الموبايلات فى سوق الكرمك والذى لايقل عنهم غبنا غير أنه يخرجه بدبلوماسية فائقة صحح لي المعلومة: \"(المريسة) هنا غذاء مثلها وبقية الأغذية لا يشربونها لأنها مسكرة فقط. هم يعتبرونها مغذية ولهم فيها مآرب أخرى\"، فصلها ضاحكا. ودعنا كومة ليعود الى جلسته بعد أن حمّلنا تهديدا مغلظا لأحد الصحافيين _ وقرن اسمه بالانتباهة التى لم يكتب فيها يوما ولكنه انتباهة قائمة بذاتها _ بأنهم إذا وصلوا الخرطوم سيكون هذا آخر أيامه في الحياة لأنه كتب أن قبيلة الدالو تأكل الكدروك (الخنزير) وأنها تذبحه وتبيع الكيلو من لحمه بخمسين جنيها. وأردف (انتم جيتو شفتو كدروك هنا، زول بتاع انتباهة ده يكتب نحن بناكل الكدروك؟ كيف يعني؟ نحن مسلمين ناكل لحم الكدروك؟)، طيبت خاطره بعبارات لا أظن أنها كانت مفيدة، كم هي قاتلة أخطاؤنا، نطلق الحديث ولا نلقي له بالاً فيكون وقعه قاسيا. ألا يكفيهم الظلم والظلام الذى هم فيه لنضيف عليه جديدا. لا يدري (كومة) أن صحافة الخرطوم مليئة ومترعة بكل ماهو غث ومتعفن. إنهم ياسيدي بهذه الترهات يحشون جيوبهم ويضخمون كروشهم ويتطاولون في البنيان. لم أترك لعباراتي الأخيرة أن تجري على لساني حتى لا أزيده بأن الأمر يتعدى ما تقول. فالخرطوم لاتضيء عماراتها بكهربائكم فقط ولكنكم مصدر لثروتها بطرق مختلفة وكل حسب ماسخر له.
جرط عرب وقصة أخرى:
غادرت العربة جرط شرق باتجاه جرط غرب، ولم يغادرني حديث العمدة (كومة) وهو بقول (التعليم ده فيهو مشكلة كبير جدا. التعليم الموجود ده ما تعليم في حاجات زي مقصودة بتحصل. الجنى هسي شان يوريك البكتبوا ده ما بيعرف، العيب بظهر متين؛ عشان يمتحن للثانوي ما بيقبلو) هكذا نصا دون تدخل مني عبر عن مشكلة التعليم كما يراها. استشعرت أن للرجل رأي خطير بأن هناك خطة وعمل مدبر ضدهم بأن يترك أولادهم دون أن يتعلموا شيئا ويتضح الأمر لهم عند امتحان الثانوي إذ لا يقبل منهم أحد.
مابين (الجرطين) جبل يحمل اسم المنطقة ذاتها، ولكن المسافة الواجب علينا قطعها تهد حيل أجود الصناعات اليابانية. وصلنا الى مقصدنا قبل غروب الشمس بقليل. القرية لا تختلف عن (سميتها) في شيء. ذات الناس وذات العيون ولكن ربما تكون هنا الجفوة بائنة في استقبالنا. سمعنا بها من رفيقنا فى هذه الرحلة الشاقة النذير ابراهيم العاقب الذي آثر هجر الصحافة ليعمل مستشارا لوالى النيل الأزرق... (نصرة) امرأة سبعينية تشعرك طلتها بالراحة؛ رغم الوجوه القاسية التى تحيط بها والمشاهد المزرية التى تفقد قلبك حسن التبصر عندما تقع عينك عليها. استقبلتنا برشاقة وخفة بنت العشرين وهى تردف: \"اتفضلوا مرحب مرحب\"، عبارات لاتعشم في سماعها بهذه القوة هنا، إنها خالة النذير التي لم يراها وتراه في حياتهما سوى مرة واحدة وهذه الثانية. مجموعة من الأطفال يلهون فى المساحة التى تتوسط ثلاث قطاطي مشيدة من القش بالكامل مضاف اليها واحدة أصغر يسمونها هنا بالقسيبة وهى بحسبهم عبارة عن مخزن لمؤونة العام التى ينتجونها من ذرة ولوبيا وويكة. قادتنا وابنها الى أكبر القطاطي حجما. أسرعت في جلب مجموعة من العناقريب وكراسي من البلاستيك يبدو أنها لا تخرج إلا لإكرام ضيف عزيز، بعد أن جففت دموعها بدأت في سرد قصتها. داية منذ ما يقارب الخمسين عاما فهي بحسب روايتها تعمل منذ أن كان الحاكم هو عبود. هكذا قال ابنها فهي لا تعرف للحكام أسماء. تجوب مساحة لا تقل عن المائة كيلو متر ليلا ونهارا على أرجلها لأنها الداية الوحيدة في المنطقة. تغطى خمسة قرى سمتها لنا أقربها يحتاج لمسيرة ساعة بالأرجل وأبعدها قد يستغرق الوصول اليه ساعتين ونصفهما. قالت إن بعض الولادات تتزامن مما يضطرها إلى قطع المسافة بين الحالة والأخرى أكثر من مرة. بدأت صور فتيات الخرطوم الناشطات فى مجال الدفاع عن حقوق المرأة تتضخم أمامي. هل سمعن بمثل هذه المعاناة؟... هل يعرفن أن امرأة في هذا المكان النائي تفعل كل هذا؟... وفوق هذا فهو عمل مجاني لا تتقاضى عليه أجرا. (قروش منو هو ده عندو قروش عشان يديني، يا وليدى الناس هنا تعبانين خلاص، مافي زول عندو قروش، أنا بعمل عشان الجنة، الله وحدو هو يديني أجري، أنا بس بتعب خلاص عشان القى قروش حجار بتاع بطارية البشيلو بالليل).
ودعنا جرط بشقيها بعد أن أصبحت بحرا من ظلام دامس، فالشمس هنا مبعث الحياة بمعنى الكلمة. كل شيء سكن تماما عدا مجموعة من الكلاب ظلت تنبح منذ دخولنا الى القرية، وصوت عربتنا التي اشتكت مدير شركة أفراس أمير إلى الله، وأظن قائدها صلاح الأمين فعل الشيء نفسه لاختيارهم له لمرافقتنا هذه الرحلة. شعرت وأنا أغادر جرط أن لعقار سند من الطبيعة والشر معا، فهولاء الناس ليسوا كما يتخيل البعض بسطاء، وعيهم السياسي مرتفع جدا. يحدثونك عن حقوقهم المهدرة ويعددونها بلسان واحد. من يسكن منهم المدينة وهذا الذى يسكن في القرية الشاب منهم وذاك الذي تعدى عمره السبعين كما الحاجة (نصرة).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.