عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. شاب سوداني يذرف الدموع ويودع شقيقته العروس بأبيات شعر مؤثرة    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الراحل محمد عمر.. مستقيماً كالشعاع
نشر في الراكوبة يوم 13 - 03 - 2012


[email protected]
لو كان بمقدوري أن أوزع محبته للناس كمرور أنسام الهواء العليل لما ترددت في الأمر. وهذا شيئاً عظيماً لو حظيت برعايته وامتشقت سنانه. وهو بالفعل سبقني في ذلك بكل أريحية مطلقة منذ نعومة أظافره حتى فاجعة صباح رحيله المباغت على حين غرة.
صباحاً لم يكن ككل الصباحات التي مرت علينا من قبل. صباح موغل في الغموض ذلك يوم الأحد الموافق 19 فبراير 2012. وكانت تلك اللحظات الدامعة تزدحم بيفاعة الذهول وبعض من عوام الشيخوخة واستثغاء الذاكرة، في صباحٍ يزكم أنفه برعاف وغثاء دافق من رغبتي المفضوحة في التستر على هذه الحالة العصية. لا بكاء يتراخي أمام عظمة الموت واستسقاء ميعاده ولا نحيب يعفر وقع خطواتي المبعثرة بالدم وصدمة أفول القمر نحو حلم الوصول إليه وهو في الرمق الأخير حتى أحظى بوداعه كمثل صنوه وتلميذه الخليجي القح .. صباح أقل ما يقال فيه ..لماذا منحتنا هذه الغربة حزناً سرمدياً إختزلته في تلافيف العبارات الصديئة المكرورة حتى تسافر به بين فضاءات أسراب النوراس؟
صباح مضى فيه بحضرة صندل مهنته وزميله وتلميذه النجيب الوفي البحريني مكي حسن. وما بين الحبيب محمد ومكي ودٌ متصل وعلاقة عمر مديدة وأيام ذهبية لن يتكرر مثيلها. فالعلاقة بينهما أكبر من تصوري البسيط ولا تضاهي ما رأيته وما لم أراه كثيراً. فكل يوم مر من عمر علاقتي بهما أكتشف بأن الصحفي مكي تلميذ يتسع لأشياء الدنيا الجميلة ومن نوع نادر في الوفاء لمعلمه الأكبر وفيما بعد صديقاً عزيزاً منذ أن ألتقيا في بلاط صحيفة أخبار الخليج البحرينية. وأخيراً في حضرة مكي يسافر الحبيب في رحلته الأخروية ويخصه بالوفاء وكأنه يبذل له العطاء ويجزله في آخر لحظات عمره، وكان محقاً في ذلك ومجيداً، فأمثال مكي قلة تحسب على أصابع اليد كلؤلؤة بضة وطيبة على شواطيء أرخبيل البحرين. وسرعان ما يغيب الحبيب عن الوعى مباشرة بعد لحظات من معرفة رحيل أم جعفر، ويأبى إلا أن يسافر بمعية رفيقة دربه، وبذلك يمنح مكي شرف آخر رجل يلتقيه في دنياه الفانية ويناجيه جهراً بسر رحيله المر.
ولهذا كنت دائما تقول لي مسافر .. وتهاتفني بذلك بين الحين والآخر، وتستبد بمسعى حلم الإنتقال إلى الوطن، وقلبك يشتعل ويحترق هياماً بالأهل .. جعفر هنالك وشقيقاتك المفطور عليهن والمجبول بحبهن واعالتهن من الحنين وما يلزم من أشياء أخرى.. وأنت مسافتك فينا أكبر من الذي قيل وقتها يا صديقي وأخي وأبي وعمي وقت أن تصديت لكل وعورة همومي ووحل مساربها و حزّيت كل أشجار شجوني الطويلة ومنحتني فتحاً جديداً باتساع الأرض وقلباً إتسع لي لوحدي كم أظن وأن كان براحاً للجميع.. جربنا الفقد من قبل ولكن هذه المرة طعمه مختلف حيث أنت بذات حميميتك الباذخة وحنينك الفارع وكرمك الطاغي ولطفك الممدود وإنسانيتك الرحبة تختار مرقدك الدنيوي يا أبا جعفر (محمد عمر أحمد عثمان) مباشرة جوار أم جعفر (امال جعفر حسون) في ذات اللحظة وبين فراقك الأبدي ورحيلها لم تمض أكثر من 24 ساعة فقط تماماً ...
مضيت فينا خالداً ومعطراً أرض منامة البحرين في مساء إفتقدتك فيه بشدة وعلى نحو غائر وموجع في القلب.. وأعرف إنني لن أذهب بعدك لمكتب (اليونيدو) المركز العربي الأقليمي لتدريب وتنمية رواد الاعمال والاستثمار التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية مرة أخرى .. ولا المطعم السوداني .. ولا إلى كل الأماكن التي كنا نمضي إليها في بهاء حضورك الكبير .. ولن أتجاسر بعدك إلا إلى مرقدك يا عم محمد حيث تفوح نقاءاً وألقاً، وهنالك سأجد بعض العزاء والسلوى وظلال روحك الأبية..
شكوكي كانت تتعاظم والدموع تحاصرني منذ أن قررت إلغاء ذاكرتي في نداء الرحيل على بعد خطوات من عصر وداعك المهيب في هروبي الكبير رغم إني غادرت المكان آخر الناس، ووزعت دمعي على كل الشوارع حتى غضيت بصري وجلاً وإجلالاً في مواجهة (منطقة الدبلوماسية حيث مكتب اليونيدو)... غرست بعض ملامح ذلك الزمان والوقت نهاراً ونحن في نضارة كرمك وجميلك الذي يمتد في الخفاء بسر مقدس ومغلظ لا تحب أن تسر به لأحد .. وهكذا عرفتك جميلاً كما عظمة الموت التي قهرتنا وقتها ونحن نعانق صبر خالد ودموع ياسر وشبح جعفر وبعض روح الجميل النادر الوفاء مكي حسن ..
أتذكر في شجني كثيراً من شفافيتك ومحبتك وأنت تلح على في الحضور إلى معراج قوسك المنصوب أعلى سارية خوفك علينا من هذه الدنيا والتي لا تساوي شيئاً كانت عندك .. وأنت تصر أن تقهر قبحها بالجمال والبسمة والإنسانية الفريدة ...
وتقول لى .. خلينا نتلاقى يا الحبيب!
أزيك يا الحبيب وأزيك يا حاج وأزيك يا أبوى ... وقت الموت إختارك ووداك قدامنا وأكيد فايتنا .. عقبالنا وكلها أيام ...
كنت أبي قبل أن تكون أخي وأنا على يقين كامل بأنك كنت كل شيء في حياتي يوم أن وجدت نفسي هنا في بَرك وبحرك ومحط إهتمامك ورعايتك.. ولم لا أقول أنت أجمل الناس وستكون!! ..
ولذا رحلت تلحق بأم الناس وأم جعفر .. وكنت في عنفوان أصرارك الكبير لست مضطراً من جرأ خوف خشخشة مسغبة كما أعرفك ماذا تود أن تقول وأنت في حالة بهاء وصفاء .. وأنت تقول لي قبل رحيلك بثلاث أيام فقط لتخبرني بآخر ما يتصل بصحتها وأنت المبادر بذلك .. وهكذا دوماً حالك معي .. وألح عليك أولاً حتى أعرف (صحتك كيف؟) .. تبادرني بالقول .. (انا هين) ... مثلما قلتها للجميل مكي .. (انا العايش ليها شنو تاني) ..
هين كنت في مواجهة الشدائد وحصار الحياة وما أنفكيت تنده لنا بالعافية يا ملح غربتنا وجرحنا الدامي.. ويا زيت قنديلنا المقدوح من نطفة حب كبير وقلب عامر بالايمان والشجاعة واليقين..
لأن الفقد عظيم وجلل في قامة مثل الأستاذ الأب محمد عمر لذا نكون عاجزين على أن نقول شيئاً سوى الصمت في جلال الموت وكلنا نعرف قدره، وإنسانية عمنا محمد التي طوق بها الجميع ..
في أحيانٍ كثيرة كنت أحس بأنه يخصني لوحدي بنبله ورعايته ولطفه وقصصه الفائقة الروعة التي فاقت حد تصوري وأمتناني .. وأعلم أنه كان يكتم كرمه وجميله على الجميع، وحتى أنت لا تكتشف ذلك إلا بمحض الصدفة وربما عابراً كقوس قزح في تقاسميه، وحينها كم يكبر عندك بحجم جديد كثمرة حب إنساني صادق ونبيل..
وفي الخاطر حرقة ولوعة وألم بعد أن سلك مفازات الرحيل وانطوى على قدر جديد لا نقوى على مواجهة حقيقته المرة .. وعدته بالزيارة وفشلت على قدر كبير .. زيارة بعد إتصاله الأخير قبل أن يودعنا عند مداخل أرخبيل وداعه بنحو ليلتيتن ونهارين ويوم كامل كدت فيه أن أكون قاب قوسين أو أدنى، وأقتربت منه كما أظن على الأثير مهموماً ومحموماً بتداعيات رؤيته غير المكتملة في منزل شقيقه الصحفي الاستاذ على عمر أبو ياسر، ولكنها أقدار الدنيا التي حرمتنا من أعز الناس حين إنتصبت أمشاجنا وتألفت في الوصول إليه لنودعه في مشهد جليل إهتزت له البلد.
سيان عندي القول يا نخل أيامي الحزين والهميم ما زلت أنتظر وصدري مشرعاً للريح وميزاب مطرك الصبي يا صديقي.. كلنا تحت ظل جذعك الوهيط وجريدك الممدود. وفيه يتساقط تمرك النضيد.. وأصطلي بطول قامتك وهامتك ولا أطول إلا أَسَاى وأنت تصنع لي لعبة الطاب وغيرهن كأنس شفيف لوحشتي وضنين صبري وعوز أيامي وضنك فقدك.. وهناك ألتقيك هنيهة تحت حرازة وهجك الأنيق هارب من زلزلة قلمك الباتع الذي لا يعرف أن يتجشأ من طيب موائد الغير إلا في حضرة الوطن النبيل .. وبالمقابل التقيك هنالك أيضاً تحت ظل تبلدينا في إنتظار عودة السمبر وميلاد أوراق التبلدي الخضراء مع بدء الرشاش وموسم طق الشجر ..
وهنا ما بين نوارس بَر (الدبلوماسية) وعصافير حنينك .. أدرت دفة بانوشك بأقتدار، وحنكة نوخذة جدير بالثقة في تحمل صعاب مرحالك في أعالي الخليج .. ومضيت وسيماً مع الحقيقة ورياح الزمن وكل طيور الدنيا وأم جعفر ..
أعرف قدرك ومكابدتك في نقل المشروع برمته إلى بلادنا وكيف سلكت الدروب مع آخرين سمقوا بشعبنا .. وفي ذلك وفي ظل تشظي واستسلام البعض بنتف وبتر ساق الجنوب الهطيط والحبيب .. كنت تناكف وتجالد وتناضل ليصل مشروع النموذج البحريني لأرض الباباى .. وفتحت قلبك وعقلك لهذا الحلم من أجل أن تتفتق أغصان المشاريع الصغيرة والمتوسطة عن أوراقها وتمد الناس بالحياة. وقطعت في أفياء الحلم أميال من الغابات برفقة الابنوس والوحوش تجوس ولا تلتفت مقدار ميل من الفزع، والهلع، والرهبة، والخشية، والوجل، والشفقة، والتعب .. ومضيت قاطعاً شاسع المسافات والوهاد.. وكم عقبة كؤود وقفت في طريقك .. أزحتها بلا كلل وبلا ملل.. وتقول لي بكل بساطة.. لا شيء سيعرقل إندياح ثمار المانجو طالما يرغب أهل الجنوب في التموضع والتوغل في صنع السلال من جباريكهم والانعتاق من ربقة الحرب الضروس وعبادة وثن القبيلة .. كنت محقاً إلى حد كبير وأحمد الله وقتها لم ترتطم وتصطدم أمنياتك برجاف السياسة ومافيا خيل البنادق وتونج البيوتات الجديدة التي لا تزال تنتج أعشاب النيل بشغف وجنون يتعاطي إدمان الكرسي الوهيط، ولكن تتبخر كل أمالك هدراً بفعل مناخات العسكر والعثنون.. والعشب يسد كل أفق النيل المترامي الجريان ويشله ويعجزه .. لذا أطلب منك أن تضع يدك بإستمرار على علبة الأكسجين حتى تتعافئ من الغبار الذي تثيره أفيال الغابة رغم أن في فضلاتها الجافة البلسم الشافيء من أفتك اللعينة كما حدثني جدي في تجربته التي عايشتها يوماً بيوم وقت أن كان يجلب له عمي حشائش الفيل من غابات الإستوائية.. ولو أعدنا إنتاجها في لفافة دخان من جديد في ورق مصنوع من فخار العنج لنجحنا في علاج أوجاعنا وأوصابنا وفتورنا الوطني..
أجل رهنت المشروع إلى آخرين هنالك ما زالوا يقلبوا كفيهم تارة في سماء النصوص وتارة في جيوبهم ويغمسونها بدهن الدجل والجدل.. ومات الحلم رويداً رويداً قبل رحيلك وقبل أن تدري أنت بذلك ..
برهة من الوقت تستجلي فيها ناظريك، ومحاجرك تمنعك من أن تثقب حاجب الخواء الممتد فينا وأن تقيم فيه منزلاً للاتَرَاح..
وبصوت خفيض تنادي على (اونوب) الأنيق وتقول له بأدب عظيم وطلب أب رحيم من إبنه ..
Excuse me .. I would like to want one red tea with a little sugar for Mr Nasir
وتستدير وتميل على وتسألني بعبق ورائحة السكون وجلال الانسان الطاعن في السن وفيزياء القول التي (تشده) بها مسامعنا بالوقار وسعة الروح.. قهوة أفضل!
ولا أرد لك طلباً ولكني أقولك لك: الساهل والجاهز ..
وتمطرني بسحب كثيفة من النقاء .. خالية من كيمياء العناصر والمتزاحمون على بابك وعشاق دارتك وعشيرة وجهاء المدينة وفقراءها ومطاليقها وسمارها.
أكمل كيفي بروحك الخلاقة في الحكي عن ما يخصك في الحنايا والعميق وعن مآلات وطن ينتهي إلى الهاوية ولا يبقى من صموده شيئاً حتى تنفجر في نوبة من السعال .. تحتاج معها لتناول المضاد لكى تستعيد عافيتك وتستمد أكسجينك من الوطن وليس من نفث تلك العلبة المعدنية الصديقة..
أزمتك أزمتنا جميعاً ..وأنت محتكر للعلبة الصغيرة بين يديك كلعبة بين يدي طفل غرير.. وقت أن تدلق على دفاترنا عظيم المشاريع الكبيرة وتصيبنا بالخمول والفشل في مقتل.. وعندها لا تضج ولا تثور بل تبرق سماءك وتفور بالضياء والغيث..
وتحزم حقيبتك كعادتك وتهرول حين حضور (حنان) بسرعة البرق وتمضي وتقول لي خليك على اتصال بنبرة حب حانية من أب رحيم وأمل يا أجمل الغابات التي إستطالت في العدم والغياب ... ثمر ومحبة .. وظل وارف وخميل ..
وتتركني أتلفت بقلبي في خواء سامقات مباني (الدبلوماسية) على أمل وعد جديد باللقاء وكلي لواعج من الشوق والضنى..
كم أضحيت غنياً بهذا الجميل كلما أشرقت علي شمس جديدة في منامة البحرين .. غنياً بإسراف وبلا كلفة في يمه المحقون بطمي المطر .. وفقيراَ من خطوط شعاعه المستقيم يا مستقيماً كالشعاع أوان الشروق والغروب، وهكذا جئت نبيلاً وجميلاً ولطيفاً ومضيت..
( ما الحب؟.. هو النهوض من أمام الروح ونثر الروح أمام الحبيب) .. "فريد الدين العطّار" ..
صعدت خفاقاً ومتسامياً إلى تل الراحة الأبدية حيث الخلود ونقطة المنتهى وفالق الروح الذي إنتبذ ربذة بعيدة وقصية في الزمان يتقي بها شر الخناس وأولئك الذين كانوا يصنعون من مده الحميمي وإنتشاره حائطاً قصيراً لأحلامهم المؤودة على صخرة سيزفهم المرتهن إلى بلاغة الصعود المتأخر في زحيحه للإرتماء في حضن كرسيك الباهر .. يتسورون أوهامهم للصعود وما صعدوا ألا هبوطاً يوم صعدت إلى بارئك في كامل أناقتك وبراءتك وايمانك المدهش بحتمية الحب والخير والحق والجمال ..
وانت لا تلح إلا في الزحف نحو مدائن المودة ويدك الممدودة ممتلئاً كأبريق الرضأ تتطهر به غافلاً عن تلك الهمهمات والنمنمات التي كانت تصنع لتهشم ذاتك وأرضيتك الصلبة التي صنعتها بقوة صمودك في مدائن الحب والحياة .. وها أنت تصعد إغتسالاً طيباً بصمتك المهيب وسمتك الوافر في حضرة كل الأذى والمصائب التي ألمت بك يا صنديد الكلمة وفارسها الأمين وتحيل ذلك الواقع إلى منمنمات بديعة وزاهية من شجيرات الألفة..
ما خنت حتى شرف تلك الكتابة التي كانت ترهقك وتوهن عضدك وضلوعك وأنت تسافر في الثانية أكثر من مرة ما بين المعاني الجميلة وحبك للناس ودكتور هاشم حسين وغدير وايهاب... وكلهم حتى نوارس الامم المتحدة المتدفقة والتي تحط رحالها بين اليوم والآخر بالمنامة... لترسم لنا لوحة همك اليومي الذي يشغلك عن كل شيء إلا مهمة أن تتحدث عن التنمية في العالم الثالث متوهطاً حلمك الأبدي بلادنا الطيبة وبين دفتى أحلامك المشروع البحريني.
تلك الأرض التي منحتها بعمق وبصدق، ما لم تمنحه لنفسك .. منحتها كل شيء جادت به روحك الوثابة وقلمك الكبير على إمتداد أكثر من ربع قرن كامل .. زمن امتد إلى ما يقارب الأربعة عقود.. أفرغت فيها رحيق عمرك وسكبت فيها عصارة جهدك ولم تنتظر قبس من ضوء ينير لك عتمات أزمتك الوحيدة، ومع ذلك لم تلم أحد..
من غيرك يسقي يباب معرفتي ويسند إدمانى للورق؟، وأنت رياح غمامتي التي نثرت لقاح المطر على تربتي وتوافقت على منحى مساحة للبراعم الخضراء لنمو الكثير من أعشاب الأمل والحب..
دمت يا باسق الطلعة وشريف الكلمة عابراً صراطك على مهل وبإذن الله تعالى.. أسال الله لك مرقداً طيباً وجنة من الخلد في مثواك الأخير بثرى المنامة ..
طيب يا الحبيب طيباً في مرقدك .. ولسان حالك حين مضيت لتحقق راحتك الأبدية (متين أطيب من الالم وأرتاح) .. بأذن الله - عز وجل - مع الصديقين والشهداء .. والمسلم من سلم المسلمين من لسانه ويده، ويكفيك ثمانية عقود وأنت في هذا النعيم يا تساب أيامي العضير..
- - - - - - - - - - - - - - - - -
تم إضافة المرفق التالي :
55.JPG


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.