بقلم صلاح الباشا [email protected] قلنا في الحلقة الأولي من هذه السلسلة أن جماعة الأخوان المسلمين في السودان ( وهو الإسم الأول للحركة الإسلامية ) أوكلت للدكتور حسن الترابي العائد وقتها من أوربا بعد أن أنجز دراساته العليا في القانون ، أوكلت أمر قيادة الحركة له بديلا للشيخ صادق عبدالله عبدالماجد ، غير أن صديقي الأستاذ والكاتب والمحلل المعروف عبدالله علقم صححني بأن أمين الجماعة قبل الترابي كان هو الراحل الأستاذ الرشيد الطاهر بكر الذي كان محكوما عليه بالسجن المؤبد بعد فشل الإنقلاب العسكري ضد نظام الفريق ابراهيم عبود ، وقد خرج الرشيد من السجن عقب نجاح إنتفاضة أكتوبر 1964م ، والتصحيح هذا ربما يقودني إلي أسباب ترك الرشيد الطاهر لجماعة الأخوان نهائيا وإنضمامه إلي الحزب الوطني الإتحادي عقب ثورة اكتوبر ، والأسباب ربما تتمثل في تهميش جماعة الأخوان له وإزاحته من إمارة التنظيم . وعلي كل فقد رحب الزعيم الأزهري بإنضمام الرشيد الذي ترشح في إنتخابات أبريل 1965م بدائرة القضارف وفاز فيها تحت إسم الوطني الإتحادي ، وبالتالي فإن الأزهري قد أكرمه بوزارة العدل في التشكيل الوزاري الإئتلافي مع حزب الأمة في حكومة المحجوب في أبريل 1965م . عقب تولي الدكتور الترابي قيادة التنظيم الإسلامي فإنه قد قام بعمل عدة تتغيرات واضحة الملامح في شكل التنظيم وتوجهاته ، وقد تمثل ذلك في خلق إسم جديد له وقد كان هو ( جبهة الميثاق الإسلامي ) وهذا يقودنا بالضرورة إلي ميل الترابي لشكل الجبهة في تسمية التنظيم دوما ، وبالتالي فإن ذلك كان إيذاناً بمفارقة التنظيم لجماعة الأخوان المسلمين في مصر وبالضرورة في التنظيم العالمي للجماعة . وهنا لابد من التوقف في هذا التغيير ، حيث كانت فلسفة الترابي تستند إلي أن التنظيم الإسلامي السوداني يجب أن يكون خالصا للسودان ويحمل ملامح أهل السودان بسبب أن أهدافه تختلف عن أهداف جماعة الأخوان ، فتلك تهدف إلي التربية وسط االشباب ، والترابي يهدف إلي خلق تيار سياسي إسلاموي بحت لا علاقة له بالتربية ، بل بتوسيع نطاق العضوية والإستقطاب وسط القوي المتعلمة فقط ، حيث لم يهتم التنظيم مطلقا بمسألة الإختراق داخل أوساط نقابات العمال أو المزارعين أو حتي المهنيين ، فترك الترابي تلك المنظمات للنشاط الشيوعي الذي سيطر عليها تماما في فترة وجيزة ، خاصة بعد إنتصار إنتفاضة 21 أكتوبر 1964م حيث كانت أسهم الشيوعيين قد إرتفعت جدا في مقابل أسهم جبهة الميثاق الإسلامي التي كانت متواضعة سوط النقابات وتعتمد علي الصفوة ، وبخاصة في جامعة الخرطوم ، وقد ظهر ذلك جليا في فوز الشيوعيين بإحدي عشر مقعدا من مقاعد دوائر الخريجين عقب اكتوبر 1964م والبالغة خمسة عشر مقعدا ، بينما حصلت جبهة الميثاق علي مقعدين فقط كانا من نصيب الدكتور حسن الترابي والراحل الأستاذ محمد يوسف محمد . كما حصل الإتحادي علي مقعد واحد كان من نصيب المرحوم محمد توفيق ( صاحب الجمرات). بدأت جبهة الميثاق الإسلامي في الإنتشار رويدا رويدا ، بل سعت إلي تشكيل جبهة أكثر عرضا في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي حين تحالفت مع حزب الأمة ( جناح الصادق المهدي ) بعد إنشقاقه من الإمام الهادي المهدي ، وأسموها ( مؤتمر القوي الجديدة ) الذي ضم أيضا حزب سانو الجنوبي بزعامة الراحل ( وليم دينق نيال ) . وهنا تأتي دلالات واضحة بأن الموروث الثقافي للسيد الصادق المهدي كان الأقرب إلي فكر الإسلام السياسي ، خاصة وأن المصاهرة المعروفة بين الرجلين – الصادق والترابي – كانت هي التربة الخصبة التي نما فيها مؤتمر القوي الجديدة ، بل ربما تواثق الرجلان علي تبني فكرة حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه الخريجين من برلمان 1965م ، غير ان السيد الصادق سمعته شخصيا في مناسبة ما قبل عدة سنوات ، ذكر بأنه كان ضد فكرة حل الحزب الشيوعي وقام بزيارة لدار الحزب بشارع الأربعين في بانت يصحبه الراحلين محمد احمد محجوب والأمير عبد الله نقد الله وأجتمعوا بالزعيم عبد الخالق محجوب لتوصل وجهة نظرهم في الأمر ، علما بأن فكرة حل الحزب قد أخرج ونفذ السيناريو الخاص بها ، الكادر الإسلامي الناشط وقتها الأستاذ علي عبدالله يعقوب مستغلا حادثة الطالب شوقي وقتها بمعهد المعلمين العالي حين جنح في حديثه بالندوة الطلابية إلي مسألة حادثة الإفك وكان يعقوب قد ذهب ليلا للمعهد لزوجته الأستاذة حكمات سيد احمد الطالبة وقتها والتي شرحت له حديث الطالب شوقي . كما أن الحزب الوطني الإتحادي سار في ذات تيار إبعاد الشيوعيين من ذلك البرلمان برغم قرار المحكمة الدستورية برئاسة القاضي الراحل ( صلاح حسن ) بعدم دستورية حل الحزب الشيوعي وغدم قانونية إبعاد نوابه الذين فازوا في الإنتخابات بثقة جمهور محدد ، فلم يرضخ مجلس السيادة لقرار المحكمة ، فحدث ماحدث . غير أن إنتخابات العام 1968م أتت بعبد الخالق محجوب فائزا من دائرة الأزهري جين هزم فيها المرحوم أحمد زين العابدين مرشح الإتحادي ، كما أتي النقابي الشيوعي الراحل ( الحاج عبدالرحمن ) فائزا من دائرة مدينة عطبرة التي كانت مقفولة للحزب الإتحادي ، وهذا يدل علي مؤشر سياسي قوي جدا أن الشعب السوداني لا يحب القرارات الفوقية المتسلطة ، وهي سمة أصبح شعبنا يدمغ بها مهما كانت قسوة الأنظمة السياسية التي حكمت البلاد في فترات عديدة . ولكن ومن الجهة المقابلة في الميدان السياسي السوداني نجد أن حزب الختمية ( الشعب الديمقراطي ) بقيادة الشيخ علي عبدالرحمن وقف ضد حل الحزب الشيوعي وقام بتسيير المظاهرات الرافضة في جميع مدن السودان حيث قام بتشكيل ما سمي وقتها ( بهيئة الدفاع عن الديمقراطية ) . وبعد تلك الأحداث ، بدأ العنف السياسي يدخل إلي ميدان العمل الديمقراطي بالسودان ، ونحت جبهة الميثاق في إتجاه التخويف بالمدي والعصي والسيخ داخل حرم جامعة الخرطوم التي كانت تشكل مرتكزا للعمل السياسي اليومي وسط الطلب ومنذ ذلك الوقت أصبحت ثقافة العنف السياسي بين الطلاب تشكل مرتكزا هاما قام بإلغاء كل تراث التسامح السياسي الذي عرف به السودانيون منذ نشوء الحركة الوطنية في بداية أربعينات القرن الماضي . فالعنف يولد العنف بالطبع . حتي أن الشيخ الترابي حين أراد فرملة العنف السياسي فإنه قد فشل في ذلك لأنه قد إستقر داخل مخيلة طلاب التنظيم في شكل غسيل مخ أصبح متراكماً ، ففسدت الحياة السياسية الطلابية منذ ذلك الزمان عقب ثورة اكتوبر 1964م . ولكن ومن جانب آخر أخذت حركة الإسلامي السياسي تقوي وتتقوي ايضا ، وبذلت كوادرها مجهودات جبارة وسط الطلاب بدءاً من المرحلة الثانوية ، متخذين طلاب الداخليات في ذلك الزمان ميداناً خصبا وناجحا للإستقطاب ، وحتي داخليات المدارس المتوسطة قد غشاها هذا النشاط السياسي الإسلامي ، ولذلك تجد أن معظم الكوادر التي إنضمت للتنظيم كان منطلقها الأقاليم ، وفي الأقاليم فإن المجال كان هو الداخليات .. وهذا بلاشك ذكاء باهراً أنجزته قيادات الإسلام السياسي في السودان وتفوقت فيه علي القوي الأخري ، فكرية كانت أم تقليدية .... نواصل ،،، [email protected]