سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المثقف وعقدة العصاب الأيديولوجي القهري عبد الوهاب الأفندي نموذجاً (5)
نشر في الراكوبة يوم 21 - 12 - 2012


من كتاب :
المثقف وعقدة العصاب الأيديولوجي القهري
عبد الوهاب الأفندي نموذجاً (5)
عزالدين صغيرون
[email protected]
حروب عادلة
* " يجب مقاومة ما تفرضه الدولة من عقيدة دينية ، أو ميتافيزيقيا ، بحد السيف إن لزم الأمر..
يجب أن نقاتل من أجل التنوع ، إن كان علينا أن نقاتل..
إن التماثل النمطي كئيب كآبة بيضة منحوتة. "
لورنس دوريل
رباعية الإسكندرية/ الجزء الثاني- بلتازار
تعليمات سماوية بالقتل
*"نحن لم نذهب إلى الفلبين بهدف احتلالها ، ولكن المسألة أن السيد المسيح زارني في المنام ، وطلب مني أن نتصرف كأمريكيين ونذهب إلى الفلبين لكي نجعل شعبها يتمتع بالحضارة "
الرئيس الأمريكي ويليام ماكينلي
يخاطب شعبه عام 1898م مبررا غزو الفلبين.
إعادة صياغة الوجدان ..وقولبة الفرد
لو أن الايديولوجيا تبقى في حدودها ،وينحصر وجودها في اطارها الفكري وحده في شكل شعارات سياسية واجتماعية ،ويقتصر تأثيرها ودورها على توجيه الجدل السياسي والتعبير السلمي والتنافس الديمقراطي الحر بينها وبين الأطر الفكرية والسياسية المنافسة الأخرى ،لما نشأت مشكلة .أما أن تتجاوز ذلك لتطرح نفسها كواقع قائم بالفعل ،أو كبديل للواقع القائم ،قافزة حتى على ثوابت الجغرافيا ووقائع التاريخ الخاص بالبشر الذين تعيش بينهم ،فأمر آخر. إلا أن ذلك بالتحديد هو ما يحدث مع التشكيلات الإسلاموية السياسية .ويمكنك أن ترى انعكاسات وتداعيات هذا النهج على موقفها من مفهوم الوطن ومبدأ الانتماء الوطني .
تطرح النزعة الأممية صعوبات إضافية تُثقل كاهل التيار الإسلامي السياسي ،إذ تورِّطه في ما لا ينتهي من أزمات ،وتثير حول خطابه السياسي أنماطاً من الدهشة والغرابة ،خصوصاً عندما يتعرض لمفهوم الوطنية أو لقيمة الوطن بما لا يليق من الاحترام والتوقير
فقبل سنوات قلائل من 25 كانون الثاني (يناير)، وضمن حديث لاذع، أطلق مرشد الإخوان السابق السيد مهدي عاكف مقولتَه الشائنة «طز في مصر»، وقبل أشهر قلائل، وبعد 25 كانون الثاني (يناير)، أفصحت رموز إخوانية في مناسبات شتى، عن الحلم المثير بخلافة إسلامية انطلاقاً من عاصمة هي القدس، لا القاهرة، المدينة التي يمكن اعتبارها عاصمة التاريخ، إذ ورثت أقدم عواصم مصر وحواضر الزمن منف وهليوبوليس والفسطاط... إلخ. وقبل أسابيع قلائل، تجاهل الشيوخ السلفيون الأعضاء في الجمعية التأسيسية عزف النشيد الوطني (المصري)، ولم يقفوا مع الواقفين، ولم يرددوا تلك الكلمات الحميمة، ولم تهتز أجسادهم مع أفئدتهم توقاً وتأثراً واستجابة لتلك النشوة، التي تسري في أجسادنا وتمسك بأفئدتنا حينما تشنف آذاننا موسيقاه، أو تزينها ترنيماته.
قد يذهب المرء إلى أجمل المدن وأغنى الدول ،ممتطياً الفضاء المزدحم بأزهى الطائرات ،ينزل أفخم الفنادق ،يركب أرقى السيارات ،يأكل ما لذَّ له ويشرب ما طاب ،يشاهد ما سمع عنه في الأساطير أو قرأ عنه في الكتب مما يثير الخيال ،يسير في شوارع وادعة بلا ضجيج ،ويتدفق عبر ميادين واسعة بلا عشوائيات وقمامة وفوضى... غير أن الحنين سرعان ما يداخله ،والشوق يكاد يقتله توقاً إلى عود متكرر ،يشبه العود الأبدي ،إلى حيث ولد وعاش .
وفي المقابل، لا يعطي المتأسلمون الوطن تلك القيمة ولا يرونه بتلك العين، والمواطن لديهم ليس الجار القريب، زميل العمل ، أو رفيق النادي والحزب والنقابة، بل هو فقط الشريك في العقيدة السلفية أو الإخوانية ، "الأخ في الله "، الذي قد يبتعد كثيراً في الأرض، وصولاً ربما إلى أقصى الشرق ، في باكستان وماليزيا ، أو الصين والهند ، وإلى أقصى الغرب ، في قلب أميركا "الفاجرة " حيث كانت"الغزوة " الناجحة ، أو روسيا الملحدة ، حيث الشيشان الصامدة ، أو أوروبا الصليبية ، حيث البوسنة الشامخة ، فجميع هؤلاء إخوان حقاً، مواطنون فعلاً، شركاء في وطن متخيل، ولكن حضوره يفوق الوطن الواقعي، إنه الوطن الذي يُشتاق إليه حقاً فلا يزدريه أحد ولا يتجاهل رموزه أحد، ولا يملك أياً كان أن يقول له طز... الوطن الذي يضم مواطنين مفترضين ولكنهم أقرب إلى النفس من المواطنين الحقيقيين ،من هذا الليبرالي عن اليمين ،وذلك القبطي على اليسار،والذين هم فُجَّار وربما كُفَّار ،يزاحمونهم بأجسادهم من دون أن يقاربوهم بأرواحهم ،ينادون بقيم بالية ، ويتمسكون بانتماءات وثنية ،منها الانتماء لذلك الذي يسمونه (وطناً).(13) .
وهذا واقع تؤكده شهادة عمار أحمد آدم الصحفي الذي تربى في أحضان تنظيم الإخوان المسلمين في السودان فهو يؤكد بأن " الوطنية ليست جزء من فكر الإسلاميين أو ثقافتهم كل الأناشيد كل الكتب كل المحاضرات تتحدث عن المسلمين في العالم سيد قطب يقول عقيدة المسلم جنسيته ،كتابات أبو الأعلى المودودى أو أبو الحسن الندوى ...لا قيمة للرموز الوطنية في فكرهم او حتى للتاكا او الاماتونج أو جبل مرة أو المهدية إلا "سنار " باعتبارها كانت دولة إسلامية ،أثرت الجبهة الوطنية فى بعضهم وتوزعوا بين مجموعات ذات ثقافة عروبية يمثلها على عثمان وأخرى غربية يمثلها الترابي وأمريكية يمثلها عدد من المبعوثين مثل سيد الخطيب والكرنكى وأكثر من مئة وخمسين من الكوادر المهمة ،وكنا نمثل المجموعة الايرانية وأخرى مصرية..وحينما حكموا كان المحك الذي ابرز أزمة الوطنية عند الإسلاميين ،وهذا هو ما توصلت إليه بحمد الله نتيجة تفكير أكثر من عقد من الزمان وكنت اسأل لماذا حدث هذا وهو ما عبر عنه الطيب صالح "من أين أتى هؤلاء "؟إذن فان أصل الفكرة لا يعترف بالحدود الجغرافية ومن هنا فان فصل الجنوب يعتبر إستراتيجية للإسلاميين حتى لا يشكل عقبة أمام قيام دولة إسلامية في الشمال لذلك لا بد ان يفكر الناس في الكيفية التي يفكر بها الإسلاميين واحتلال حلايب لا يعنى عندهم شي إذن فنحن أمام خلل اساسى في طريقة التفكير ومن ثم التحليل والوصول إلى نتائج .
غالبا ما يتم تجنيد الأخ المسلم فى فترة مبكرة من العمر ويوضع فى قالب تنظيمي يشكل شخصيته ويحجبه عن أي مؤثرات أخرى فيتحقق العقل الجمعي او قل سلوك القطيع فيكون رد فعلهم تجاه الأشياء واحد يضحكهم أمر واحد ويحزنهم كذلك أمر واحد يعطون شرعية داخلية لفعل ما بغض النظر عن المقاييس العامة الأخرى يعظمون الزنا مثلا وشرب الخمر والميسر ولكنهم في قضايا المال الأمر مختلف وحتى فى التعامل مع الأجنبي مثل ذلك ،المهم ان يكون ضد أعدائهم التقليديين حتى وان كان ضد الوطن !! يتخيرون فى التجنيد المتفوقين أكاديميا او الملتزمين سلوكيا من الأشخاص المهذبين مثل أولئك الذين يمنحون جائزة الطالب المثالي ويتجنبون (الشفوت والتفاتيح) واغلبهم لا علاقة لهم بكرة القدم وعالمها أو السينما والمسرح وعامة الفنون ولربما يكون لهم موقف ديني من التشكيل والغناء وما إلى ذلك وتحول ذلك بمرور الأيام إلى موقف نفسي حتى من بعد أن جاءت فتاوى تبيح ذلك ولكن لا يمكن أن يقف أخ مسلم ليغنى فى المسرح ولكنه قد يفتتح الحفل بآيات من الذكر الحكيم. لذلك حينما جاءوا إلى السلطة كانوا أشخاصا منغلقين على أنفسهم لا يعرفون الناس ولا يعرفهم الناس ولا يدركون جوانب الحياة المختلفة وقد واجهوا عزلة اجتماعية كاملة جعلتهم يزدادون انغلاقا على أنفسهم وحاولوا أن يدخلوا الحياة كلها في التنظيم ويحولون مؤسسات الدولة إلى مكاتب تنظيمية حتى يستطيعون أن يتعاملوا معها فهم لا يعرفون غير طريقة واحدة في التعامل مع الأشياء وقد يريحون أنفسهم بعض الشئ بذلك ولكنهم أذوا الناس إيذاء شديدا وأتعبوهم تعبا لا حد له.
الإسلاموي يعتقد انه وكيل الله في الأرض هو لا يقول ذلك ولكنه في قرارة نفسه مقتنع به وينظر إلى الآخرين أنهم على ضلال حتى وان بدا في تعامله معهم على غير ذلك لذلك فانه يظهر ما لا يبطن ويحس باستعلاء زائف يعطيه الإحساس انه متميز لذلك تبدوا الابتسامات الصفراء المتكلفة وطريقة السلام المصطنعة والتكلف في كل شئ ويبدوا الإسلاميين لبعضهم البعض فى أحسن صورة ولا يظهرون عيوبهم ونقاط ضعفهم لبعضهم البعض ويتحدثون بشكل يزينون لبعضهم ما يفعلون ويتجنبون ويحذرون نقاط الخلاف ويستخدمون العبارات الدينية إثناء الحديث.
مفهوم السلطة بمعناها الحقيقي لم يتوفر لدى نفسية الأخ المسلم فهو يمارس السلطة وكأنها أمر تنظيمي ويعتقد أن الذي يحكم هو التنظيم والتنظيم وجود هلامي غير محدد يتحدثون عنه بقدسية واحترام فيقولون التنظيم قرر كذا وكذا وإذا سألتهم من او ما هو التنظيم لا يكلفون أنفسهم مجرد عناء التفكير لذلك فان الجميع يعتبرون أنفسهم خدام للتنظيم.
وهكذا ظل الإسلاميون يعكفون على صنم لهم اسمه التنظيم يأتمرون بأوامره وينتهون بنواهيه يقدمون أرواحهم فداء له وهم لا يدركون ماذا يدور فى الدهاليز ويصمت الذين يعرفون خوفا من الفتنة ويظل الولاء للتنظيم على حساب الولاء للأسرة والمجتمع فكل العمر للتنظيم اعتقادا منهم انه يقودهم إلى الجنة حتى الذين يعملون في الأدوار القذرة مثل التجسس وغيره يعتقدون أنهم يتقربون بذلك إلى الله تعالى ولديهم من النصوص ما يبررون به ذلك لا وهنالك ثقافة الفتوى التى تصدر من أشخاص معينين ،منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (ألا يذكرنا هذا بما ذكرته الآنسة ليفني رئيسة الوزراء الإسرائيلية الأسبق عن نشاطها الجنسي الوطني لصالح الدولة وكيف أنها مارست العلاقات الجنسية في إطار عملها التجسسي الوطني بمباركة فتوى حاخامية دينية تبيح لها هذا العمل الصالح وتحلله وتباركه باسم الرب إله صهيون ،ه.م!!) . وبالتعود والتراكم أصبح هنالك وضع ثابت (system)تتحرك فيه الأشياء بآلية كاملة لا يتأثر .بمن بقى أو ذهب حتى إن كان الأمين العام " (14) .
الاستثمار في رأس المال الديني!
وعودة إلى ما كنا فيه فإننا نفهم من هنا بأن تلويح "الأفندي " بفزاعة الصوملة التي تنتظر السودان ، إنما هو في جانب من جوانبه ، تخويف للسودانيين عامة وللمعارضة بشكل خاص لتقديم التنازلات التي يرتضيها النظام فلا تحدث المواجهة الحاسمة .
ولكنه في الجانب الأهم من ذلك ، موجه – ربما – بالدرجة الأولى إلى الاسلامويين من شتى مللهم ، والى قادة نظامهم الانقاذوي ، حتى لا تذهب ريحهم ويخسرون سلطة الدولة ويروحون في (شوربة مرقه) ، لذا فهو يأمل " أن يثوب أنصار النظام إلى رأي القلة من عقلائهم ويصلحوا من شأنهم قبل أن يذهب التسونامي القادم بالطائفتين " (13).
ويمكنك أن تسأله : وما الذي يقلقك في هذا الشأن – شأن مجانين النظام أعني – فيرد عليك قائلا : "إن أكثر ما يقلقنا إذا لم يتحرك القادرون على إصلاح الأمور هو أمران: أولهما أن يتأرجح أمر البلاد بين السيناريو الليبي والسيناريو الصومالي، فتتعرض بلادنا للتدمير، وهي لا تحتاجه، وإلى التفكك، وهو لا ينقصها، فتزهق الأرواح ويعم الخراب " (14).
فإذا كانت هذه "الفزاعة" لم تثر اهتمامك لأنك قد كشفت عوارها ، فهاك سببا آخر ، وهو في حقيقته السبب الحقيقي والجوهري .
ويوضح لك "الأفندي" هذا السبب قائلا : " أما الأمر الثاني، فهو ما تعرض له الإسلام من تشويه بربطه بممارسات لا يقرها الدين، مما جعل استمرار الوضع الحالي خصماً على الإسلام، وانهياره المرجح نكسة أكبر لكل توجه إسلامي، لأن كل شعارات الإسلاميين قد ارتبطت عند الرأي العام بتلك الممارسات السلبية" (15) .
ولا يسعك إلا أن تتفق مع "الأفندي" بالطبع ، لأن سياسات الإنقاذ بالفعل ألحقت بالإسلام أضرارا ما كان ليستطيعها أقوى وأشرس وأعدى أعداء الإسلام .
ولكن احذر من الفخ الذي ينصبه لك بهذا الربط الزائف بين الإسلام كعقيدة ودين يدين به الناس من لدن محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وسلم) والى يومنا ، وبين إلا سلام السياسي ، الذي يمثله حزب الإخوان المسلمين عبر تحولاته وتحالفاته الحزبية السياسية المختلفة والمتنوعة ، التي جعلته مرة يأخذ اسم "جبهة الميثاق الإسلامي" ، وتارة "الجبهة القومية الإسلامية" ورابعة اسم " المؤتمر الوطني " لينشق إلى قسمين بعد الاختلاف والصراع على كعكة السلطة والنفوذ والثروة ، فيتخذ فريق من المؤتمر الوطني مسمى "المؤتمر الشعبي" ، وفي كل مراحله تلك لم يترك شيطانا لم يتحالف معه ، أليس هو من "شيطن" عبر مراحله السياسية الأحزاب جميعا ثم تحالف معهم حين اقتضت ضرورات مصالحه الحزبية السياسية والاقتصادية ؟!.
ولكن "الأفندي" يقول لك رابطا بين الاثنين : " ما تعرض له الإسلام من تشويه .. خصماً على الإسلام " .. ثم يؤكد لك بأن تبعات هذه (البلاوي) ستكون نكسة " لكل توجه إسلامي" ..وأن هذا يؤدي إلى تجريد "شعارات الإسلاميين" من مصداقيتها .
وما تلاحظه بوضوح – ربما لا ينكره هو – انه يماهي بين الدين /العقيدة الجامعة ، وبين الحزب السياسي سواءً كان حاكماً أو معارضاً :
فما يحمله الانقاذيون هو الإسلام ، وتطبيقهم أو قل ممارستهم التطبيقية الفاسدة قد شوهت هذا الإسلام .
الأمر الذي يفسد الأمور لكل من يأتي ليبشر بهذا الإسلام بعد ذلك .
وبالتالي فان هذه التجربة قد جردت الإسلاميين من أي مصداقية ،إذ سيقول لهم الناس هذا هو الإسلام ونحن لا نحتاجه ولا نريده .
يريد الأفندي أن يقنعك بأن الحزب الحاكم – ويمكنك أن تضيف إليه حليفه أيضا!! – هو الإسلام، وإنهم هم المسلمون.
ولكنك بالطبع تعرف بأن هؤلاء الناس وحزبهم مجرد مستثمرون في رأس المال الديني وتجنيده في الصراع السياسي .
وعليه فان الدكتور لا يستطيع أن يدرك بأن الضرر في واقع الأمر لم يصب الدين الإسلامي كعقيدة يدين بها سائر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، ولكنه أصاب الإسلام كمشروع سياسي في مقتل .
وهو لا يستطيع أن يدرك ذلك ويفهمه ، لأن العصاب الأيديولوجي يحول دون الإنسان ورؤية الأشياء على حقيقتها ، لأنه – أي هذا العصاب – يعيد إنتاج الحقائق على نحو خاص ، وفق معايير ومواصفات خاصة به.
لذا ، واستطرادا منسجما مع رؤيته يقول ناصحا مشفقا: " فإنه من واجب الإسلاميين من أنصار النظام قبل غيرهم أن يهبوا لإصلاح الأوضاع،وتطهير صفوفهم من الفاسدين والمفسدين ومرتكبي الكبائر. فكيف يستقيم أمر من يصفون أنفسهم بأنهم دعاة الإسلام أن يكون العنوان الذي يعرفون به هو ممارسات منكرة حتى عند أهل الكفر والشرك والفسوق والعصيان، ناهيك عند أهل الدين والخلق؟" (16) ، يقول الدكتور الأفندي .
تستطيع أن تعنف وتصرخ في وجه "الأفندي" – والحق معك – متسائلا، ما هي خطوتك التالية إذن ؟.
فها أنت تعترف بأنك وصلت إلى اليأس من هؤلاء الناس " بعد سنوات طويلة من مكابدة الإصلاح نصحا وحوارا وتحريضا ومبادرة ، حتى لم يعد هناك مجال للمزيد " (17)!.
وبالفعل هناك من يتساءل – ونحن منهم – عن مغزى استمرارك " في الدعوة إلى الإصلاح مع كل الشواهد التي تحول دونه " كما تقول بنفسك ، وهو كما تقول "تساؤل مشروع " (18).
تسأله – الأفندي – هذا السؤال المنطقي والمشروع ، فيجيبك مستنكرا ، وهو لا يخفي ضيقه وبرمه بالتساؤل : " فكأن القوم يرددون مقولة بعض أصحاب قرية السبت للواعظين: "لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً"؟ وإجابتنا هي بالطبع نفس إجابة من نرجو أن يكتب الله لنا النجاة كما كتب لهم: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يرجعون" (19).
ما الذي يعنيه ذلك ؟ .
فهو رغم اعترافه باستحالة الإصلاح على يد النظام ، لتشبث الحزب الحاكم ، وقياداته بالسلطة ، وإصرارهم على الانفراد بها ، ورغم وضعهم الوطن كله على حافة هاوية الضياع والتدمير الكامل المبرم ولغير ذلك، لكثير ، مما أسهب الدكتور في عرضه ، من الأسباب ، لا يجد (هداه الله) ما يقوله سوى إلقاء اللوم ، وإسداء النصح لمن فعلوا بوطنه كل ما ذكر، ... "لعلهم يرجعون" ، ولا شيء غير ذلك !.
فقد كثر عليه وثقل أن يدعو إلى الثورة على هذا النظام الذي أورد الوطن موارد الهلاك ،والتحريض للإطاحة به ، والخروج عليه !.
فعند حائط الايديولوجيا يقف العقل المؤدلج حائرا عاجزا ، ولا يجد أمامه سوى أن يستدير على عقبيه محاولا العثور ، عبثا ، على مخرج – ولكن أيضا – عبر المخرج الأيديولوجي نفسه ، الأمر الذي يجعله يدور حول نفسه بلا جدوى !.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.