الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هو الطوفان إذن! من كتاب “المثقف وعقدة العصاب الأيديولوجي القهري(8)
نشر في حريات يوم 29 - 12 - 2012


عزالدين صغيرون
حروب عادلة
* ” يجب مقاومة ما تفرضه الدولة من عقيدة دينية ، أو ميتافيزيقيا ، بحد السيف إن لزم الأمر..
يجب أن نقاتل من أجل التنوع ، إن كان علينا أن نقاتل..
إن التماثل النمطي كئيب كآبة بيضة منحوتة. ”
لورنس دوريل رباعية الإسكندرية
الجزء الثاني- بلتازار
تعليمات سماوية بالقتل
*”نحن لم نذهب إلى الفلبين بهدف احتلالها ، ولكن المسألة أن السيد المسيح زارني في المنام ، وطلب مني أن نتصرف كأمريكيين ونذهب إلى الفلبين لكي نجعل شعبها يتمتع بالحضارة ”
الرئيس الأمريكي ويليام ماكينلي
يخاطب شعبه عام 1898م مبررا غزو الفلبين.
هذا هو مفتاح الحل إذن : بأن يعاد إنتاج نظام الإنقاذ الإسلاموي “بدمج المعارضة في النظام السياسي” أي في ذات “النظام السياسي” القديم ، ولكن أي معارضة هذه التي يمكن أن يدمجها نظام الإنقاذ في نسيجه؟.
بالطبع لا يمكن أن تكون هي قوى اليسار والليبراليين وكل القوى التي تتناقض مع الطرح الأيديولوجي الإسلاموي، هو إذن اصطفاف منطقي لقوى اليمين الدينية، حزب الأمة والاتحادي/الختمي والإخوان المسلمون بكل طوائفهم (جماعات صادق عبد الله عبد الماجد والترابي وأنصار السنة وفلول العلماء وبعض الطرق الصوفية التي تقف على أعتاب الساسة) وبعض القيادات القبلية في وسط وشمال السودان.
فهل اصطفاف هذه القوى كفيل بتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي ووقف نزيف الدم في السودان، وبناء دولة سودانية حقيقية؟.
لقد “كانت أهم مزايا نظام الإنقاذ أنه طرح فرصة حقيقية لتطوير نظام سوداني جديد يخلو من نقائض الاستقطاب الطائفي والعرقي والجهوي، بينما كانت عيوب الأحزاب الطائفية المعروفة تتضاءل أمام تمسكها المبدئي بالديمقراطية، كما قال الأفندي محقاً، لأن ” هذه الفئة جاءت من خارج النخبة التقليدية. وبالفعل فإن النخبة الإنقاذية أتت من الهوامش المتعددة للسودان: من دارفور ومن جبال النوبة وجيوب الفقر في الشمال والشرق والوسط. كانت الحركة الإسلامية التي جاءت بهؤلاء، قبل أن تجتاحها جائحة الإنقاذ، وعاء يجمع بين منتسبيها على أساس الكفاءة والعطاء، بدون سؤال عن نسب أو قبيلة. وقد رفع الله بفضلها قوماً ما كانت تتسع لهم مواعين النخب التقليدية. ولكن القوم ما أن توسدوا السلطة حتى نسوا كل ذلك. كانت البداية إعادة إدخال القبلية كأداة للتصنيف والتجييش. ثم تم إدخال الطبقية، حيث ضم قادة النظام وكبار أنصاره أنفسه إلى طبقة كبار الرأسماليين قبل أن يتوحدوا مع بقية المتمولين الذين أصبحوا يدخلون في المؤتمر الوطني أفواجاً. والآن فإن مسك الختام كان إعادة الطائفية إلى قلب السياسة عبر تعيين أشخاص في مناصب عليا بدون مؤهلات سوى النسب.
وفيما يتعلق بالاتحاديين فإن التصالح مع النظام هو تتويج للتحالف الرأسمالي، إذا أن كثير من أنصار الحزب من الرأسماليين قد انضموا إلى النظام سلفاً. كانت هناك فرصة في السودان لاستباق ربيع الثورات العربية ببناء نظام ديمقراطي ذي مرجعية إسلامية، يتخطى الطائفية دون أن يصادمها، ويوحد قبائل وأعراق السودان كما وحدتهم الحركة الإسلامية، بدلاً من أن يضرب بعضهم بعض، ثم يكون حرباً عليهم جميعاً، من المناصير شمالاً إلى النوبة جنوباً” (29).
ولكن هذا الذي يرجوه الأفندي لم يحدث، وما كان يمكن أن يحدث، لسبب بسيط، وهو أن المشروع الاسلاموي في أساسه كان مشروعا نخبويا أقرب إلى المافوية منه إلى الوعاء الوطني الشامل الجامع بسبب طبيعته الدينية قبل كل أمر آخر، وهو ثانياً وعاء ديني أممي يتجاوز مفهوم الوطنية في فضاءه الأيديولوجي ، وهو ثالثاً من حيث بنيته أقرب إلى البنية الطائفية والعشائرية المغلقة منه إلى البنية الحزبية المنفتحة على الوطنية.
ولم يكن هذا أمراً غامضاً أو مجهولاً منذ البدء .
فقبل أكثر من عقدين ،كما أشرت سابقاً ،كتبتُ تحت عنوان”الوضع الصحيح للعربة ليس أمام الحصان: رداً على حسن مكي” بأن ” التناقض الذي يجعل أفق رؤية دكتور حسن مكي الإستراتيجية يبدو مغلقاً يقود إلى لامكان، يتجلى واضحاً في قضيتين:الأولى هي قضية المشروع الإسلامي وكيفية تعميمه وعوامل نجاحه. أما الثانية فهي مشكلة الوفاق والحوار بين ممثلي المشروع الحالي وبقية القطاعات السياسية التي لا تجد نفسها على تناقض جوهري وأساسي معها (..) إن حيوية وأهمية هذه النقطة إنما تجد مبررها الطبيعي والبديهي في حقيقة بسيطة، ألا وهي : إنه يستحيل على شريحة واحدة، أو قطاع واحد، أو اتجاه سياسي واحد، أن يتصدى لمهمة تاريخية، وتحد تاريخي بمثل الضخامة والشمول التي يواجهها الكيان السوداني، بمعنى أن المهمة أكبر وأعظم من أن يتصدى لها قطاع واحد بنجاح أكيد” (30).
” في رده على سؤال حول مهمة إنجاز المشروع الإسلامي قال حسن مكي “الانقلاب الإسلامي تقوده الصفوة، العالمون،لأنه ليس مجرد حركة عشوائية، وهناك محاولات (لإبرازه) في إطار حركة إسلامية واسعة يقودها العالمون.. ولكنها كذلك تضم القبائل والطرق الصوفية والشخصيات الدينية والرموز السياسية وهذا مشروع مصيري يحتاج إلى الحنكة في الإخراج والحكمة في الإبراز والتؤدة في الطرح والمصابرة والمرابطة.. والكتمان.. مع عنصر المفاجأة وتوفر الظروف”" (31).
هذه هي كل عناصر المشروع الوطني السوداني الذي يطمح إلى الخروج بالسودان من أزماته المزمنة، ويبشر بتأسيس دولة سودانية قوية وآمنة ومستقرة في نظر المفكر والمنظر الإسلاموي ، للحزب الذي قاد انقلابا عسكرياً على نظام ديمقراطي وسلطة منتخبة من الشعب، وكان هو يتمتع بعضوية التمثيل في برلمانها بنسبة أكبر من حجمه الطبيعي والمنطقي!.
وكما كتبت حينها “وواضح من حديثه هذا، إن هذا المشروع “خاص جداً” تقوده مجموعة ما، ولكنها تعرف تفاصيله بدقة، وهو ليس عشوائياً بهذا المعنى وحده .
“أما إذا أريد تعميمه على كل الأمة وإشراكها فيه، لأنه لا يمكن أن يصبح واقعاً إلا من خلال الناس، فإننا في هذه الحالة سنحتاج إلى “العشوائية” التي يتجنبها حسن مكي، والتي تعني إشراك وحق الجميع في المشاركة، وليس مجرد “البصم” والخروج للهتاف كلما أشار من بيده التفاصيل (..) إن مثل هذا الفهم الصفوي، وهذا التعامل الصفوي مع قضايا جماهيرية (حتى النخاع)، وفي وجه تحديات تستهدف الكيان السوداني كله وبكل قطاعاته يعكس قصوراً وخللاً لابد من معالجته، لأن المسافة بين التفكير الصفوي والتسلط ليست بعيدة” (32).
وهذا ما حدث بالفعل احترقت المسافة الفاصلة مابين الصفوية والتسلط، وشهد السودان والعالم أجمع ما حاق به وبأهله، حتى أصبح السودان عنواناً على فشل المشروع السياسي الإسلاموي، ولعل الخدمة التي أسداها “النظام بحركته البهلوانية الأخيرة هي توجيه ضربة قوية للطائفية التي خسرت ورقة التوت التي كانت تستر بها دكتاتوريتها الوراثية، فأصبحت عارية من كل زينة. ونحن نرى بوادر تمرد شعبي واسع ونخبوي واسع ضد الطائفية التي كان كثيرون يتمسكون بقشتها في وجه الدكتاتورية. أما وقد أصبحت الطائفية والدكتاتورية وجهان لعملة واحدة، فإن السودانيين أمام فرصة تاريخية للتحرر منهما معاً”(33)، كما يقول عبد الوهاب الأفندي بالفعل، وهو محق.
ورغم كل هذا يقول لك مرة: بأن الحل يكون بإشراك المعارضة في السلطة، رغم تصريحه بأن المعارضة أصبحت مجرد وجه آخر للسلطة، وهي في حقيقتها “سلطة” لا تختلف إلا في أنها تنتظر دورها .
ثم يقول في مرة أخرى بأن : الحل في التعددية، وهي القول الأول نفسه!!.
حروب عادلة
* ” يجب مقاومة ما تفرضه الدولة من عقيدة دينية ، أو ميتافيزيقيا ، بحد السيف إن لزم الأمر..
يجب أن نقاتل من أجل التنوع ، إن كان علينا أن نقاتل..
إن التماثل النمطي كئيب كآبة بيضة منحوتة. ”
لورنس دوريل رباعية الإسكندرية
الجزء الثاني- بلتازار
تعليمات سماوية بالقتل
*”نحن لم نذهب إلى الفلبين بهدف احتلالها ، ولكن المسألة أن السيد المسيح زارني في المنام ، وطلب مني أن نتصرف كأمريكيين ونذهب إلى الفلبين لكي نجعل شعبها يتمتع بالحضارة ”
الرئيس الأمريكي ويليام ماكينلي
يخاطب شعبه عام 1898م مبررا غزو الفلبين.
هذا هو مفتاح الحل إذن : بأن يعاد إنتاج نظام الإنقاذ الإسلاموي “بدمج المعارضة في النظام السياسي” أي في ذات “النظام السياسي” القديم ، ولكن أي معارضة هذه التي يمكن أن يدمجها نظام الإنقاذ في نسيجه؟.
بالطبع لا يمكن أن تكون هي قوى اليسار والليبراليين وكل القوى التي تتناقض مع الطرح الأيديولوجي الإسلاموي، هو إذن اصطفاف منطقي لقوى اليمين الدينية، حزب الأمة والاتحادي/الختمي والإخوان المسلمون بكل طوائفهم (جماعات صادق عبد الله عبد الماجد والترابي وأنصار السنة وفلول العلماء وبعض الطرق الصوفية التي تقف على أعتاب الساسة) وبعض القيادات القبلية في وسط وشمال السودان.
فهل اصطفاف هذه القوى كفيل بتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي ووقف نزيف الدم في السودان، وبناء دولة سودانية حقيقية؟.
لقد “كانت أهم مزايا نظام الإنقاذ أنه طرح فرصة حقيقية لتطوير نظام سوداني جديد يخلو من نقائض الاستقطاب الطائفي والعرقي والجهوي، بينما كانت عيوب الأحزاب الطائفية المعروفة تتضاءل أمام تمسكها المبدئي بالديمقراطية، كما قال الأفندي محقاً، لأن ” هذه الفئة جاءت من خارج النخبة التقليدية. وبالفعل فإن النخبة الإنقاذية أتت من الهوامش المتعددة للسودان: من دارفور ومن جبال النوبة وجيوب الفقر في الشمال والشرق والوسط. كانت الحركة الإسلامية التي جاءت بهؤلاء، قبل أن تجتاحها جائحة الإنقاذ، وعاء يجمع بين منتسبيها على أساس الكفاءة والعطاء، بدون سؤال عن نسب أو قبيلة. وقد رفع الله بفضلها قوماً ما كانت تتسع لهم مواعين النخب التقليدية. ولكن القوم ما أن توسدوا السلطة حتى نسوا كل ذلك. كانت البداية إعادة إدخال القبلية كأداة للتصنيف والتجييش. ثم تم إدخال الطبقية، حيث ضم قادة النظام وكبار أنصاره أنفسه إلى طبقة كبار الرأسماليين قبل أن يتوحدوا مع بقية المتمولين الذين أصبحوا يدخلون في المؤتمر الوطني أفواجاً. والآن فإن مسك الختام كان إعادة الطائفية إلى قلب السياسة عبر تعيين أشخاص في مناصب عليا بدون مؤهلات سوى النسب.
وفيما يتعلق بالاتحاديين فإن التصالح مع النظام هو تتويج للتحالف الرأسمالي، إذا أن كثير من أنصار الحزب من الرأسماليين قد انضموا إلى النظام سلفاً. كانت هناك فرصة في السودان لاستباق ربيع الثورات العربية ببناء نظام ديمقراطي ذي مرجعية إسلامية، يتخطى الطائفية دون أن يصادمها، ويوحد قبائل وأعراق السودان كما وحدتهم الحركة الإسلامية، بدلاً من أن يضرب بعضهم بعض، ثم يكون حرباً عليهم جميعاً، من المناصير شمالاً إلى النوبة جنوباً” (29).
ولكن هذا الذي يرجوه الأفندي لم يحدث، وما كان يمكن أن يحدث، لسبب بسيط، وهو أن المشروع الاسلاموي في أساسه كان مشروعا نخبويا أقرب إلى المافوية منه إلى الوعاء الوطني الشامل الجامع بسبب طبيعته الدينية قبل كل أمر آخر، وهو ثانياً وعاء ديني أممي يتجاوز مفهوم الوطنية في فضاءه الأيديولوجي ، وهو ثالثاً من حيث بنيته أقرب إلى البنية الطائفية والعشائرية المغلقة منه إلى البنية الحزبية المنفتحة على الوطنية.
ولم يكن هذا أمراً غامضاً أو مجهولاً منذ البدء .
فقبل أكثر من عقدين ،كما أشرت سابقاً ،كتبتُ تحت عنوان”الوضع الصحيح للعربة ليس أمام الحصان: رداً على حسن مكي” بأن ” التناقض الذي يجعل أفق رؤية دكتور حسن مكي الإستراتيجية يبدو مغلقاً يقود إلى لامكان، يتجلى واضحاً في قضيتين:الأولى هي قضية المشروع الإسلامي وكيفية تعميمه وعوامل نجاحه. أما الثانية فهي مشكلة الوفاق والحوار بين ممثلي المشروع الحالي وبقية القطاعات السياسية التي لا تجد نفسها على تناقض جوهري وأساسي معها (..) إن حيوية وأهمية هذه النقطة إنما تجد مبررها الطبيعي والبديهي في حقيقة بسيطة، ألا وهي : إنه يستحيل على شريحة واحدة، أو قطاع واحد، أو اتجاه سياسي واحد، أن يتصدى لمهمة تاريخية، وتحد تاريخي بمثل الضخامة والشمول التي يواجهها الكيان السوداني، بمعنى أن المهمة أكبر وأعظم من أن يتصدى لها قطاع واحد بنجاح أكيد” (30).
” في رده على سؤال حول مهمة إنجاز المشروع الإسلامي قال حسن مكي “الانقلاب الإسلامي تقوده الصفوة، العالمون،لأنه ليس مجرد حركة عشوائية، وهناك محاولات (لإبرازه) في إطار حركة إسلامية واسعة يقودها العالمون.. ولكنها كذلك تضم القبائل والطرق الصوفية والشخصيات الدينية والرموز السياسية وهذا مشروع مصيري يحتاج إلى الحنكة في الإخراج والحكمة في الإبراز والتؤدة في الطرح والمصابرة والمرابطة.. والكتمان.. مع عنصر المفاجأة وتوفر الظروف”" (31).
هذه هي كل عناصر المشروع الوطني السوداني الذي يطمح إلى الخروج بالسودان من أزماته المزمنة، ويبشر بتأسيس دولة سودانية قوية وآمنة ومستقرة في نظر المفكر والمنظر الإسلاموي ، للحزب الذي قاد انقلابا عسكرياً على نظام ديمقراطي وسلطة منتخبة من الشعب، وكان هو يتمتع بعضوية التمثيل في برلمانها بنسبة أكبر من حجمه الطبيعي والمنطقي!.
وكما كتبت حينها “وواضح من حديثه هذا، إن هذا المشروع “خاص جداً” تقوده مجموعة ما، ولكنها تعرف تفاصيله بدقة، وهو ليس عشوائياً بهذا المعنى وحده .
“أما إذا أريد تعميمه على كل الأمة وإشراكها فيه، لأنه لا يمكن أن يصبح واقعاً إلا من خلال الناس، فإننا في هذه الحالة سنحتاج إلى “العشوائية” التي يتجنبها حسن مكي، والتي تعني إشراك وحق الجميع في المشاركة، وليس مجرد “البصم” والخروج للهتاف كلما أشار من بيده التفاصيل (..) إن مثل هذا الفهم الصفوي، وهذا التعامل الصفوي مع قضايا جماهيرية (حتى النخاع)، وفي وجه تحديات تستهدف الكيان السوداني كله وبكل قطاعاته يعكس قصوراً وخللاً لابد من معالجته، لأن المسافة بين التفكير الصفوي والتسلط ليست بعيدة” (32).
وهذا ما حدث بالفعل احترقت المسافة الفاصلة مابين الصفوية والتسلط، وشهد السودان والعالم أجمع ما حاق به وبأهله، حتى أصبح السودان عنواناً على فشل المشروع السياسي الإسلاموي، ولعل الخدمة التي أسداها “النظام بحركته البهلوانية الأخيرة هي توجيه ضربة قوية للطائفية التي خسرت ورقة التوت التي كانت تستر بها دكتاتوريتها الوراثية، فأصبحت عارية من كل زينة. ونحن نرى بوادر تمرد شعبي واسع ونخبوي واسع ضد الطائفية التي كان كثيرون يتمسكون بقشتها في وجه الدكتاتورية. أما وقد أصبحت الطائفية والدكتاتورية وجهان لعملة واحدة، فإن السودانيين أمام فرصة تاريخية للتحرر منهما معاً”(33)، كما يقول عبد الوهاب الأفندي بالفعل، وهو محق.
ورغم كل هذا يقول لك مرة: بأن الحل يكون بإشراك المعارضة في السلطة، رغم تصريحه بأن المعارضة أصبحت مجرد وجه آخر للسلطة، وهي في حقيقتها “سلطة” لا تختلف إلا في أنها تنتظر دورها .
ثم يقول في مرة أخرى بأن : الحل في التعددية، وهي القول الأول نفسه!!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.