بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ساحتنا السياسية البائسة تفتقر الى هذا"...."،،هل يعقل ان ينشطر هذا السودان إلى دويلات بعدد قبائله حتى في داخل جمهورية (مثلث حمدي) العربية الإسلامية.؟
نشر في الراكوبة يوم 23 - 06 - 2013

عندما طوي علم جمهورية السودان ليرتفع مكانه علم جمهورية جنوب السودان المستقل قبل عامين، كان ذلك تدشينا لمرحلة جديدة في تاريخنا، عنوانها"السودان إما أن يتجدد وإما ان يتبدد"، ولكن الحاكمين والمعارضين والشعب السوداني استقبلوا تلك اللحظة التاريخية الفارقة ببرود وسلبية محيرة،
الحاكمون وأذيالهم من منابر العنصرية وبث الكراهية الدينية والعرقية قلبوا الصورة رأسا على عقب وحولوا (الخيبة الوطنية الكبرى) إلى احتفالات وذبائح وحديث ممجوج عن جمهورية ثانية رشيقة لأنها تخلصت من عبء الجنوب! المعارضة ممثلة في أحزاب الشمال كعادتها لم تفعل شيئا يرقى لحجم الحدث،ولو كانت معارضة جادة لجعلت من لحظة انقسام الوطن ساعة صفر لمواجهة حاسمة مع النظام ولرفعت شعار إسقاطه عاليا، لا سيما ان انشطار السودان تزامن مع ثورات اطاحت فيها شعوب المنطقة العربية بحكام على سوئهم لم يتسبب واحد منهم في تقسيم وطنه الى دولتين! والشعب السوداني على مستوى قواه الحية لم ينتج أي رد فعل قوي يعبر عن غضبه على انقسام وطنه، والغضب المقصود بالطبع ليس موجها إلى الجنوب الذي اختار الاستقلال، بل كان يجب ان يتوجه إلى السياسات المأزومة والممارسات العنصرية التي دفعت الجنوب دفعا إلى الاستقلال، لأن المواجهة الحاسمة لتلك السياسات والممارسات هي ضرورة حياة لما تبقى من الدولة السودانية، لا سيما ان هذه الدولة تضم جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وهي مناطق حملت السلاح جنبا الى جنب مع الجنوب وعانت من مظالم شبيهة ونزفت وذاقت الأمرين في حربها مع الدولة المركزية وقبل ان يكتمل استقلال الجنوب اندلعت الحرب في جبال النوبة وبعد الاستقلال باقل من شهرين اندلعت الحرب في جنوب النيل الأزرق، كما تضم هذه الدولة دارفور التي اندلعت فيها حرب شرسة ارتكبت فيها فظائع وجرائم حرب شبيهة بما كان يحدث في الجنوب ، وتضم هذه الدولة شرق السودان الذي حمل ابناؤه السلاح كذلك وما زالت أرضه مزروعة بملايين الألغام ، ووضعت جبهة الشرق السلاح وفق اتفاقية هشة، وما زال هذا الإقليم يتجاور فيه الميناء والذهب ، والسل والعطش وحقول الألغام وهو جوار لا يبشر بسلام! وهذا يعني باختصار أن استمرار المنهج القديم في إدارة الدولة السودانية يعني ذهاب جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور وربما شرق السودان بذات الطريقة التي ذهب بها الجنوب، أي ان الشعب السوداني أمام خيارين: إما الإطاحة بنظام المؤتمر الوطني وإما الاستعداد لتفكك ما تبقى من السودان،
الإطاحة بالمؤتمر الوطني حتى تكون نقطة انطلاق تاريخية لتوحيد ما تبقى من الدولة السودانية، وحتى تكون استشرافا لعهد جديد بحق لا بد ان تتم هذه الإطاحة على أساس مشروع وطني كبير يكون (شمال ووسط السودان) جزءا مؤثرا وفاعلا ومساهما في هذا المشروع بالفكر والنضال السياسي وبالتضحيات، وأهم دور يجب ان يلعبه أهل الشمال والوسط في هذا المشروع هو تقديم البرهان العملي في ساحات المواجهة مع المؤتمر الوطني على ان هذه (الطغمة الإنقاذية) التي ارتكبت أبشع الجرائم باسمنا وباسم ديننا وثقافتنا لا تمثلنا، بل هي العدو الاستراتيجي لنا نحن اهل الشمال والوسط بمثل ما هي عدو للجنوب القديم وللجنوب الجديد ولدارفور وللشرق، هي عدو لنا لأن حكم الاستبداد والفساد الذي أقامته سجننا وعذبنا وشردنا وأهدر فرصنا في النماء والتطور وفي الاقتسام العادل لثروات وطننا التي نهبت من قبل الأقلية الفاسدة، فالأكثرية ان لم نقل الأغلبية من أهل الشمال والوسط فقراء مسحوقون ومواردهم منهوبة ولا يتمتعون بمستوى التنمية والخدمات الصحية والتعليمية الذي تتيحه لهم موارد بلادهم، المستفيدون اقتصاديا من (الطغمة الإنقاذية) في الشمال والوسط هم أقلية فاسدة، أما الأغلبية فلا مصلحة لها على الإطلاق في تدمير مشروع الجزيرة وتدمير السكك الحديدية والنقل النهري وضرب القاعدة الانتاجية في في طول البلاد وعرضها في مقتل واستشراء المحسوبية التي أقصت أهل الكفاءة لصالح أهل الولاء!
و(الطغمة الإنقاذية) هي العدو الاستراتيجي للشمال والوسط من وجه آخر أكثر عمقا وهو أن هذه الطغمة تمثل الاتجاه العنصري الاستعلائي المتعصب والمنغلق في ثقافة أهل الشمال والوسط، فقدمت ديننا وثقافتنا وانتماءنا الإثني في صورة الظلم والقهر للآخر الشريك لنا في الوطن وبالتالي فإن هزيمة المشروع الاستعلائي الإقصائي يجب ان تكون هدفا عزيزا لاهل الشمال والوسط لأن هزيمة هذا المشروع ليست مجرد تضامن مع أهل القوميات المهمشة والمستضعفة في الجنوب وجبال النوبة ودارفور التي أذاقها هذا المشروع ويلات القتل الجماعي والتشريد، بل هو انتصار تاريخي للشمال والوسط نفسه، فمن أراد خيرا بأهل الشمال والوسط فعليه أن يبذل التضحيات في سبيل ان ينتصر اتجاه الاستنارة والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة واحترام الآخر والاحتفاء بالتنوع، من بين الاتجاهات التي تتجاذبهم، فأكبر هزيمة معنوية وأخلاقية لأهل الشمال والوسط هي ان ينتصر فيهم اتجاه العنصرية والاستبداد والفساد والإبادات الجماعية وجرائم الحرب وان يقدم القهر والموت والتعذيب والتشريد باسم دينهم وثقافتهم، وتأسيسا على ذلك فإن الأوفياء للشمال والحادبين على مصلحة الشمال هم الذين يناصرون الحقوق المشروعة والقضايا العادلة للأقاليم المهمشة ويبشرون بالسلام العادل وبالمحبة بين أبناء الوطن الواحد، وليس الذين يدقون طبول الحرب والعنصرية ويبثون خطاب الغرائز الدنيا والعدوانية والكراهية العمياء من المهووسين والموتورين.
إن حالة الاستقطاب الإثني الحادة والانقسام العميق بين مكونات الوطن ليس فقط على مستوى التوجهات السياسية بل على مستوى الوجدان والمشاعر، وحالة الغبن المتراكم، وازدهار حالة الكفر الجماعي بالدولة السودانية الواحدة في أوساط أهل الجنوب الجديد(جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور)، كل ذلك يستوجب من المؤمنين بوحدة السودان سواء من أهل الشمال والوسط ، أو من أهل الأقاليم المهمشة جنوبا وغربا وشرقا، يستوجب منهم الاصطفاف في مشروع وطني كبير أهم ما يميزه هو كسر الحواجز الإثنية والدينية والاجتماعية ومن ثم الكفاح المشترك ضد العدو المشترك ممثلا في (الطغمة الإنقاذية) باعتبارها اكبر عقبة في سبيل وحدة الوطن، وبالطبع لا تنحصر أهداف هذا المشروع في إزالة الطغمة بل تتجاوز ذلك إلى تغييرات جذرية ومنهجية في كيفية حكم السودان وإدارته.
إن حالة الاسترخاء السياسي في الشمال والوسط في هذا الظرف الذي تمضي فيه البلاد نحو التمزق تحتاج إلى وقفة، وفي هذا الإطار هناك قضية في غاية الخطورة لم تحظ بالقدر الكافي من النقاش المفتوح والمنهجي حتى في القاعات المغلقة ناهيك عن المنابر الجماهيرية ووسائل الإعلام، وهي قضية خوف أهل الشمال والوسط (وأعني هنا عموم الجماهير) من اي تحرك جدي لاسقاط النظام خوفا من ان ذلك سوف يفتح الطريق للزحف المسلح على العاصمة من الجنوب الجديد، فكلما أثيرت قضية التغيير في أي مجلس من مجالس المدينة - وأعني هنا تلك المجالس العادية غير الموالية للإنقاذ او المستفيدة منها - كان الصوت الأبرز هو صوت من يقولون إذا دخل المسلحون الى المدن سيكون هناك قتل على أساس عنصري تدفعه الأحقاد والروح الانتقامية ، والحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان تريد استئصال العنصر العربي، واستباحة المدن من قبل المسلحين تعني الفوضى الشاملة وفقدان ما نحن فيه من أمن واستقرار نسبي، وبالتالي فإن الحكم القائم على علاته أفضل من الفوضى، وهذه المخاوف تغذيها الآلة الإعلامية للطغمة الإنقاذية لأنها المستفيد الأول من مثل هذه الروح التي تقود إلى الاستسلام لحكم المؤتمر الوطني بل والدفاع عن بقائه لأنه ضمانة لحماية أهل الشمال والوسط من حقد وانتقام الأطراف!
وهنا يبرز السؤال ما هي الآليات السياسية و الإعلامية التي أنتجها سياسيو ومثقفو الشمال والوسط المنحازون لقضايا المهمشين والمستضعفين في كل أقاليم السودان ، والمؤمنون بعدالة القضايا التي دفعت الجنوب القديم والجديد لحمل السلاح ، ما هي الآليات التي أنتجوها لهزيمة هذا الخطاب الذي يدعي الخوف من العنصرية وهو في جوهره يصدر عن موقف عنصري، وكعادة العنصريين من أهل الشمال والوسط ينسون أو يتناسون عنصريتهم هم تجاه قوميات معتبرة من شركائهم في الوطن، ويتناسون أن العنصرية المضادة التي لا يستبعد ان تكون موجودة في اوساط تلك القوميات ما هي رد فعل على عنصريتهم هم التي جسدها نظام حكم البلاد لاكثر من عقدين من الزمان وقتل وشرد وارتكب الفظائع (المسكوت عنها مع سبق الإصرار والترصد) فكيف يكون رد الفعل مجرما بأكثر من تجريم الفعل الأصلي؟ وهذا لا يعني بالطبع شرعنة العنصرية المضادة التي تنظر إلى كل شمالي كجزء من نظام الإنقاذ او متواطئ معه، ففي هذا الوسط والشمال مناضلون شرفاء بحق ولهم مواقف ضد كل انتهاكات حقوق الإنسان والمظالم التي تعرضت لها القوميات المهمشة، وهم أنفسهم تعرضوا للسجن والتعذيب والقتل على يد الطغمة الإنقاذية، وحتى انسان الشمال والوسط العادي المشغول بمعاشه والذي يسحقه الفقر والشقاء ولم يؤذ احدا ليس من العدالة أو الإنسانية في شيء استهدافه على أساس إثني، ومن هنا يبرز سؤال آخر ماهي الآليات السياسية والإعلامية التي أنتجها السياسيون والمثقفون المنتمون للحركات المسلحة أو المتعاطفون معها لهزيمة خطاب العنصرية المضادة والتأكيد على أن العدو المستهدف هو النظام الحاكم وسياساته ، وان المعارضين لهذا النظام والرافضين بصدق ومبدئية لكل سياسات الإقصاء والتهميش والعنصرية هم حلفاء لاهل الهامش. وهناك أيضا نظرة اهل الهامش الارتيابية لساسة الشمال والوسط باعتبارهم لا يختلفون عن الإنقاذ اختلاف نوع بل على احسن الفروض يختلفون عنها اختلاف مقدار، فكلهم من دعاة أسلمة الدولة وليست لهم رؤية واضحة أو فعل يذكر تجاه قضية التنمية غير المتوازنة، وبالتالي يراهن أهل الهامش على سلاحهم لا على العمل السياسي المشترك مع المعارضة الشمالية، وهناك قطاعات معتبرة من المعارضة الشمالية تنظر إلى ذلك السلاح نظرة ارتيابية وتعتقد جازمة انه سيقود إلى دكتاتورية جديدة. مشروع التغيير لا بد ان ينتج خطابا موضوعيا وأفعالا ملموسة تبطل مفعول هذه المخاوف المتبادلة المعوقة للتلاحم بين أصحاب المصلحة في التغيير شمالا وجنوبا حتى يتحقق التغيير بأيديهم جميعا ولمصلحتهم جميعا . .. أواصل بإذنه تعالى.
في هذا السياق لا بد من نقاش موضوعي للمخاوف بدلا من إنكارها أو القفز فوقها، وأجدر هذه المخاوف بالنقاش هي مسألة الخوف من تغيير تكون اليد العليا فيه لسلاح الجبهة الثورية، جانب من هذا الخوف ينطلق من النظرة العنصرية من عامة أهل الشمال والوسط للأقاليم المهمشة، ولهذا الخوف جانب آخر لا بد من مناقشته، وهو أن السلاح عدو للديمقراطية، وأن الذين يحملون السلاح يرفعون مطالب مناطقهم غير آبهين بمطالب التحول الديمقراطي في عموم السودان، وأن المساومة بين حملة السلاح والنظام الحاكم يمكن أن تقود إلى نيفاشا أخرى تنتهي بانفصال جديد، لا سيما أن المجتمع الدولي وهو لاعب أساسي في الشأن السوداني يدفع في اتجاه حل إصلاحي يكون النظام القائم جزءا منه، إضافة إلى أن المفاصلة الدموية الشاملة وتحول كل مدن البلاد وعاصمتها إلى مسرح للقتال هو أمر باهظ التكاليف ويمكن ان يؤدي الى انهيار وتشظي شامل.
من ناحية موضوعية من حق الناس ان يختلفوا في منهج التغيير ومن حقهم ان يرجحوا التغيير بالوسائل السلمية والعمل المدني وينبذوا العمل المسلح، ولكن بشرط ان يكون هناك عمل محسوس على الأرض وحراك مدني بائن للعيان، ولكن المشكلة الأساسية في السودان هي ان من ينبذون العمل المسلح ويشككون في نوايا أصحابه ويسهبون في الحديث عن أضراره ومخاطره يفعلون ذلك من مقاعد الاسترخاء السياسي! متجاهلين بداهة أن الساحة السياسية لا تحتمل الفراغ، وأن الوسيلة الوحيدة لتفادي الكلفة الباهظة للتغيير بالسلاح هي الإقدام على التغيير بالوسائل السلمية، وهذه أيضا لها كلفة باهظة في ظل نظام مستبد وفاسد وقمعي كنظام الإنقاذ ولكنها وبحسابات موضوعية ستكون أقل من كلفة التغيير بالسلاح، لأن تصويب اللعنات إلى العمل المسلح من مقاعد العطالة والاسترخاء السياسي معناه التواطؤ مع نظام الإنقاذ ومساعدته على استدامة احتكاره للسلطة ومواصلة قهره للشعب السوداني.
إن الذين حملوا السلاح لم يستأذنوا أحدا في حمله، وبالتالي لن يضعوا سلاحهم مجاملة لأحد، بل إنهم سوف يعملون بجد ومثابرة في ميدان المواجهة بالسلاح لأن هذا هو الميدان الذي هم فرسانه ولأن هناك قضايا عادلة تحركهم، وسوف يكون وزنهم السياسي ومكتسباتهم في أية تسوية سياسية بقدر ما يحققون من انتصارات في هذا الميدان، تأسيسا على ذلك يجب على الخائفين من التغيير بالسلاح أن يهبوا إلى الميادين التي من المفترض أن يكونوا هم فرسانها أي ميادين العمل المدني السلمي من أجل إسقاط النظام، ويسقطوا النظام بأيديهم هم حتى يقفوا مع حملة السلاح على أرض الندية والتكافؤ وتجد أولوياتهم السياسية حظها من الاهتمام في أية عملية سياسية لهندسة المستقبل، جنبا الى جنب مع أولويات حملة السلاح، وهذا المنطق ينطبق حتى على الذين يناصرون الجبهة الثورية ويراهنون عليها في إحداث التغيير من قوى مدنية، فيجب على هؤلاء أيضا القيام بواجبهم النضالي من أجل التغيير لأن الساحة السياسية لا يتقدم فيها أحد إلا على قدر إنجازاته وتضحياته.
وإذا أردنا لهذه البلاد أن تتوحد فلا بد من تغيير واقع العمل في جزر سياسية معزولة، كل منها متشككة ومرتابة في الأخرى، لا بد من العمل المشترك بين أصحاب المصلحة في التغيير، ولا بد من مد جسور التواصل والتفاهم بين الحركات المسلحة والقوى المدنية، والأهم من ذلك مد جسور التواصل بين هؤلاء جميعا والشعب السوداني الذي لا بد من مخاطبته بعمق ومنهجية لا تفترض فيه فقدان الذاكرة، لأن أي تغيير رهين لتحرك هذا الشعب.
في ختام هذه المقالة أود الإشارة إلى خاطرة لم تغادرني منذ ان فكرت في الكتابة حول هذا الموضوع، وهي أن حديثي ربما يكون أشبه بما يفعله بعض التلاميذ عندما يحلون الامتحان ويجتهدون في تجويد الإجابات بعد ان يكون الزمن المخصص للإجابة قد انتهى وتم جمع الأوراق ! ولا أدري هل هذا إفراط في التشاؤم أم أننا كسودانيين فعلا سقطنا في امتحان الوحدة الوطنية ودخلنا عمليا في مرحلة الانقسام إلى عدد من الدويلات المتناحرة، ولكن هذه الخاطرة الكئيبة لم تصرفني عن كتابة المقالة لأن الفكرة المركزية التي تدور حولها هي أن هزيمة مشاريع العنصرية والاستبداد والفساد، وانتصار مشاريع الإخاء الإنساني والمساواة والديمقراطية يجب ان تكون هدفا لنضال السودانيين على اختلاف انتماءاتهم، وأن الحكم الراشد الذي يحقق حرية وكرامة وإنسانية ومصالح السودانيين لا يمكن تحقيقه إلا بالاصطفاف خلف الأفكار والقيم والمبادئ والمشاريع السياسية الراشدة والمستنيرة ، لا خلف الأعراق أو القبائل أو المناطق، وهذه الفكرة تظل ضرورية لنهضة السودانيين وتقدمهم كجزء من المجتمع البشري سواء استمر ما تبقى من السودان كدولة موحدة، أو انفرط العقد وقامت عدة دويلات سودانية، صحيح هناك أوضاع شائهة وشائنة دفعت القوميات المضطهدة والمهمشة سياسيا واقتصاديا وثقافيا على أسس عنصرية لحمل السلاح والاصطفاف خلف الانتماءات الأولية( العرق والقبيلة والجهة) انتصارا للكرامة وطلبا للحقوق،
ولكن حتى إذا انتهت هذه المواجهات المسلحة بالانقسام إلى عدة دويلات، فإن كل دويلة سوف تجد نفسها وجها لوجه مع واقع التنوع الإثني والقبلي داخلها، والتعددية السياسية، وستجد نفسها وجها لوجه مع مجموعات ذات نزعات استبدادية ساعية للهيمنة السياسية واحتكار السلطة والثروة والامتيازات، وفي هذه الحالة سيكون المنقذ الوحيد هو المشروع الديمقراطي، مشروع الحكم الراشد القائم على المشاركة والشفافية والمساءلة والمحاسبة وسيادة حكم القانون، مشروع التنمية الاقتصادية والإنسانية والعدالة الاجتماعية، فهذا المشروع العابر للانتماءات العرقية والدينية والثقافية هو الضمانة الوحيدة للاستقرار وحفظ حقوق الإنسان وكرامته، هذا المشروع تحتاجه دولة جنوب السودان الوليدة، وحتما ستحتاجه دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق إذا أصبحت دولا مستقلة، وسيحتاجه شرق السودان، كما ستحتاجه جمهورية (مثلث حمدي) العربية الإسلامية.
كل إقليم من أقاليم السودان هو منطقة تعدد عرقي وقبلي وديني وثقافي واختلافات سياسية، ولذلك يحتاج كل إقليم لفن إدارة التنوع والاختلاف، فلا يعقل ان ينشطر هذا السودان إلى دويلات بعدد قبائله، ورغم اختلافنا الجذري مع الدولة المركزية في السودان ولا سيما في نسختها الإنقاذية، ورغم اعترافنا التام وألمنا البالغ لما تعرضت له جبال النوبة ودارفور وجنوب النيل الأزرق من مظالم وانتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان وجرائم بشعة، فإن الحل النهائي ليس في التمزق والتشظي، ولكن منع هذا التمزق والتشظي يتطلب أفعالا كبيرة وجريئة وإرادة وطنية صلبة وهذا ما تفتقر إليه ساحتنا السياسية البائسة.
صحيفة التغيير الالكترونية
سبق وأن نشرنا الجزء الثاني من هذا المقال "كلام في المسكوت عنه: المخاوف المتبادلة بين الشماليين والجنوبيين الجدد " بدلا عن الجزء الاول " نأسق لذلك " وهذا هو رابط الجزء الثاني الذي نشر :
http://كلام في المسكوت عنه : المخاوف...لجنوبيين الجدد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.