شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    تقارير تكشف عن تفاهمات بعدم استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    هل من أمل في الكرة السودانية؟    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رواية مزرعة الحيوان وحقيقة أورويل كمُخبر معاد للاشتراكية (3)
نشر في الراكوبة يوم 25 - 11 - 2013

كتب ألن بروان يقول " بينما يكون مقبولاً أن يتم إقناع الممتحنين عاماً بعد عام بأن النهاية المأساوية لشخصيات شكسبير تعزو "لعيب" فى طبيعتهم، لا يمكن إعتبار تدريس مزرعة الحيوان كدليل فنى على "عيب مأساوى" فى مثالية سياسية. وعلى كل حال إن سياسات تدريس الأدب لا تنحصر فى مداخلات تتعلق بمواضيع سياسية. بحكم طرائقه، فإن الأدب يمكن أن يكون وسطاً يتم فيه تلقين العقائد والقيم بشكل حاذق وقسرى."
ويمضى ألن بروان ويذكر أن الغرب استخدم أورويل كسلاح من اسلحة البروباغندا فى الحرب الباردة وذلك لإقناع جيل كامل بأن التغيير الإجتماعى الجذرى لا طائل من ورائه. يقول براون " هناك تتابع بين ما كتبه أورويل وبين ما تم إيجازه لاحقاً فى "الصوت الأورويلى" الذى لم يصبح جزءاً من الثقافة السياسية الا بعد صقله بوسائط الاتصال الجمعي فى مجال النظم التعليمية...." ولا يعتبر براون وجود مؤامرة (من قبل الجهاز التعليمى) حول هذا الموضوع، فهو يعتقد أن " الجانب الضرورى لخلق اسطورة سياسية فى مجتمع ديمقراطى تعددى يتمثل فى شكل الخطاب: ليس فى الكبت المتعمد للآراء المخالفة، بل فى إستدامة الافتراضات المشتركة التى لم تخضع للفحص."
وهكذا جرى إستخدام رواية مزرعة الحيوان فى مجال تدريس الأدب فى المدارس الثانوية فى الغرب وخاصة بريطانيا لغرس افكار وقيم معينة فى أذهان التلاميذ؛ فقد أُستغل تدريس الرواية لتعميق وتكريس الفكر السائد فى تلك المجتمعات البرجوازية الذى يصور حقائق الحياة كحقائق ثابتة تستمد ثباتها من القَدَر وقيم العدالة والمساواة المطلقة والطبيعة البشرية الواقعة خارج الزمن،الخ.
وفى هذا المقال نقدم تعليقا على توظيف رواية مزرعة الحيوان فى المجال التعليمى البريطانى بالاعتماد على مذكرات يورك التعليمية الخاصة بالرواية التى أعدتها واندا اوبالينسكا ( معلمة لغة إنجليزية وممثلة):
Animal Farm: York Notes for GCSE (Aug. 1 2002) By Wanda Opalinska.
ومذكرات يورك المشار اليها هى من أهم المعينات التى تقدم للتلاميذ فى بريطانيا لدراسة الرواية المعنية كمادة يجلسون للامتحان فيها. وسنحصر تعليقنا على كيفية تلقين التلاميذ من خلال تدريس الرواية أفكارا معادية للاشتراكية بتزوير المفاهيم وأحداث التاريخ.
وللاطلاع على كيفية تصميم المنهج لتدريس الرواية بحيث يسلب التلاميذ التفكير المستقل ومساءلة الافتراضات وتوجيههم لتبنى بعض الحقائق كافكار صحيحة بصورة مطلقة- بالاضافة لطريقة وضع اسئلة الامتحان بصورة يتوقع معها إجابات محددة، يمكن الرجوع لمقالة الكاتب الانجليزى ألن بروان:
Alan Brown, "Examining Orwell: political and Literary Values in Education," in "Inside the Myth, ed. Christopher Norris: London, 1984"
صور أورويل الماركسية بانها مجرد "حلم" وذلك على لسان الحيوان العجوز ميجر (ماركس) الذى بدأ مخاطبته للحيوانات الاخرى عندما دعاها للقيام بالثورة بقوله " أيها الرفاق لا اعتقد انى سأكون معكم لعدة شهور أخرى، وقبل ان أموت أرى أنه من واجبى أن أورثكم حكمة اكتسبتها. فانا عشت حياة طويلة وكان لدى متسع من الوقت للتفكير حيث كنت اقبع وحيداً فى حظيرتى، وأعتقد أننى افهم طبيعة الحياة على هذه الأرض وكذلك الحيوانات التى تعيش الآن..... ايها الرفاق، لقد بلغكم نبا الحلم الغريب الذى حلمته الليلة السابقة.....والآن يا رفاقى ساحكى لكم حلمى ... لا استطيع أن اصف ذلك الحلم. أنه حلم يتعلق بالحالة التى ستكون عليها الارض بعد زوال الإنسان."
اتكاءً على فكرة أورويل أن الماركسية ليست أكثر من حلم، جاء فى دليل دراسة الرواية أن " الشيوعية تاثرت بافكار كارل ماركس الذى كان يعتقد بأن الحياة يمكن أن تفسر بمصطلحات إقتصادية وإجتماعية.....إن أغلب افكار ماركس توجد فى ثنايا خطبة ميجر" وان النظام الإشتراكى فى الإتحاد السوفيتى رمى لتوزيع "كل الملكيات والثروة والعمل بين الافراد بالتساوى."
أولاً، وصف الماركسية بانها تفسر الظاهرات الاجتماعية بالاقتصاد، هى مسالة متعمدة الغرض منها تقديمها فى تعريف بسيط يحجب جوهرها كمنهج ومذهب. وحتى دور الاقتصاد فى التاريخ تم عرضه بصورة مبتذلة. فالاقتصاد ( الانتاج وإعادته) هو العامل الرئيس فى تحديد المكونات السياسية والحقوقية لاى مجتمع عبر صراع الطبقات، ودائماً ما تتجلى نتيجة هذا الصراع فى تكُّون أيديولوجيات مختلفة فى روؤس الناس تؤثر بدورها (جدليا) فى تشكيل الاحداث. ولكن التاثير الايدولوجي هو (الشكل) لان مآل الصراع يحدده فى النهاية الإقتصاد (المضمون). اما فيما يتعلق بالإدعاء أن غاية الاشتراكية هى توزيع الممتلكات والثروة بالتساوى بين الناس فالهدف منه إضفاء صفة الطوبائية على الماركسية. وهذا يتناقض تماماً مع الماركسية كنظرية نقلت الإشتراكية من أضغاث احلام وخيال الى علم. الماركسية لا تدعى أن الإشتراكية تعنى توزيع الممتلكات بين الناس بالتساوى بل توصلت من خلال الدراسة النقدية للإقتصاد الراسمالى الى أن ملكية وسائل الإنتاج سوف تتطور لتتطابق مع طبيعة الإنتاج التى أصبحت إجتماعية تحت نظام الانتاج السلعى. وهذا يعنى أن الملكية سوف تكون لكل المجتمع وليس لجزء منه، وهذا لن يتم بين عشية وضحاها ولكن فى تدرج ادنى مرحلته يسودها مبدأ "من كل حسب مقدرته ولكل حسب عمله" وأعلاها تحكمها معادلة " من كل حسب مقدرته ولكل حسب حاجته."
تعمدت اوبالينسكا أن تعرف الإشتراكية بأنها توزيع الممتلكات بين الناس بالتساوى وعزو الفساد الذى ألمَّ بالاتحاد السوفيتى بعد قيام الثوره الى هذا التعريف الساذج؛ فالكاتبة تدرك أنه لا يوجد بين قرائها من لا يدرك حُمق فكرة التوزيع المتساوى للثروة.
إحتوى الدليل الدراسى على تقويم تاريخى للاتحاد السوفيتى حتى وفاة ستالين، عرضت فيه الاحداث الرئيسية فى هذا التاريخ ومضاهاتها بأحداث مزرعة الحيوان. وقد افرطت الكاتبة فى التشويه الفاضح لأحداث الثورة الروسية وايراد معلومات مزورة عن قادتها.
فى إطار نفى أى دور لستالين فى الثورة مالت الكاتبة لتضخيم دور تروتسكى فى الاحداث حيث تذكر أنه ولينين قادا الثورة وأرسيا أسس النظام الجديد. وفى موضع آخر جاء فى الدليل أنه " بعد وفاة لينين نشب صراع حول السلطة بين تروتسكى وستالين. ومع أن تروتسكى كان المفضل لدى لينين، الا أن ستالين تمكن من هزيمته ومن ثم نفيه خارج البلاد." كما أورد الدليل الدراسى أن ستالين " فى 1921 إعترض على خطط تروتسكى لتصنيع البلاد....فقط ليعود بعد إبعاد تروتسكى ويتبنى ذلك التوجه فى الخطط الخمسية. لقد كانت تلك الخطط الخمسية لدرجة كبيرة غير شعبية وإشتملت على تحديد أهداف عالية للانتاج بشكل غير واقعى." والخلاف بين ستالين وتروتسكى تم تصويره فى الرواية كمكايدة وخلاف شخصى بين الإثنين فى مسألة تشييد طاحونة هواء لتزويد المزرعة بالطاقة. ففى حين دعا سنوبول (تروتسكى) لقيام الطاحونة التى ترمز للتصنيع، أتخذ نابليون (ستالين) موقفاً معارضاً لقيامها.
ولكن الحقائق تقول بعكس هذا. فقد كان لينين وتروتسكى على خلاف عميق، قبل الثورة وبعدها، حول شتى المسائل كالبناء الإشتراكى وعمل النقابات. كتب لينين يصف تروتسكى قائلا " الاسم تروتسكى يدل على : إختيار الكلمات اليسارية والتكتل مع اليمين ضد مرامى اليسار " ويمضى ويقول " لا يمكن ان تناقش الأشياء الجوهرية مع تروتسكى، فهو ليس لديه رؤى...فهو لا يمكن النظر اليه الا كدبلوماسى بمعنى الدبلوماسية فى شكل ممارستها كنشاط مخادع. " كانت الافكار التى يطرحها تروتسكى معزولة عن الواقع ولا تدعمها حقائق ملموسة. فمثلاً كان تروتسكى لا يعترف بأى دور لفقراء الفلاحين فى مرحلة الإنتقال للإشتراكية فى الاتحاد السوفيتى. كما كان يدعو، إنطلاقا من نظرة إقتصادوية وإنكاراً لحقيقة أن السياسة تقود الإقتصاد، الى اللجوء للإجراءات البيروقراطية القسرية فى إدارة الإقتصاد بمعزل عن تطبيق الخط السياسى الصحيح، وفى قيادة الدولة للعمال بدون الإهتمام بتعليمهم.
وفيما يخص الخلاف بين ستالين وتروتسكى، فإن ستالين إعترض على دعوة تروتسكى للبدء فوراً فى تطبيق الزراعة الجماعية والتصنيع الإشتراكى. فبينما كان ستالين يرى أن التوقيت غير مناسب لأن التناقض بين أغنياء المزارعين (الرأسماليين) وفقرائهم لم يصل لمرحلة حاسمة لكى يُحل لمصلحة الاخيرين الذين يُعول عليهم فى إنجاح الثورة الزراعية. كما لم ير ستالين أى صواب فى فكرة تروتسكى أن مستقبل الثورة الروسية يعتمد على حث الشعوب فى الدول الغربية للقيام بالثورة. فقد كان ستالين يرى ضرورة التركيز على بناء الإشتراكية فى الاتحاد السوفيتى وعلى إقامة علاقات ايجابية مع الدول الاخرى تخدم مصلحة البلاد.
إن الإدعاء بفشل الخطط الخمسية بعد قيام الثورة يكذبه الانجاز التاريخي الذى حققه القادة السوفيت بنقل بلادهم خلال عقدين (الفترة منذ إنتهاء الحرب الاهلية فى روسيا وحتى قيام الحرب العالمية الثانية) لتصبح دولة متقدمة إقتصادياً مقارنة بمئات السنين التى إحتاجتها الدول المتقدمة الأخرى لبلوغ نفس الهدف. الخطط الخمسية مكنت الإتحاد السوفيتى رغم الحصار والحرب من بناء دولة إشتراكية إقتصادها لا يعرف الازمات التى هى صفة ملازمة ومتأصلة فى نظام الإنتاج الرأسمالى.
عندما كان أورويل يكتب رواية مزرعة الحيوان ( بلا فهم نظرى) كان الاتحاد السوفيتى لا يعانى من أزمة الكساد الكبير (great depression) الإقتصادية الطاحنة التى ضربت اقتصاديات الدول الغربية خلال ثلاثينيات القرن العشرين حتى مطلع الاربعينات منه؛ وكانت الدولة السوفيتية منارة مشرقة تهدي خطى الشعوب المتطلعة للتحرر ( في عشرينات القرن العشرين كانت الإمبراطورية البريطانية تسيطر على مساحة جغرافية من العالم عدد سكانها حوالى 500 مليون شخص!)
كما كان تروتسكى، فى نفس الفترة، يواجه هذه المكتسبات بالتنقل بين ألمانيا وفرنسا وتركيا لإحاكة المؤامرات مع أجهزتها الإستخبارية ضد الدولة السوفيتية.
ذكر مولوتوف فى كتاب " مولوتوف يتذكر، 1993" أن انجاز الزراعة الجماعية فى الإتحاد السوفيتى كان أعظم من الإنتصار على النازية فى الحرب العالمية الثانية.
ونستون تشرشل عَلَّقَ على تحويل ستالين لروسيا من قطر زراعى لحد كبير الى دولة صناعية قوية كان لها دوراً حاسما فى انتصار الحرب العالمية الثانية قائلا أن " ستالين أتى لروسيا بمحراث خشبى وتركها وهى تمتلك الاسلحة النووية. "
ويتواصل التمادى فى تزورير الاحداث فيورد الدليل الدراسى " .. ستالين وَقَّعَ مع الزعيم النازى معاهدة فى 1939. منح الحلف السوفيتى-الالمانى الاتحاد السوفيتى إمكانية بناء دفاعاته رغماً عن تعارض هذا مع ما كان ينادى به لينين وتروتسكى." هذا هراء لا يستفاد منه شيئاً (rigmarole) أُخذ من موقف ستالين من ألمانيا النازية كما عكسته الرواية فى واقعة تعامل نابليون (ستالين) مع صاحبى مزرعتين مجاورتين (فردريك صاحب مزرعة بنشفيلد وبلكنجتون ومزرعته فوكسوود) ابديا الرغبة فى شراء اخشاب من مزرعة الحيوان؛ فقد ظل نابولين مترددا بين الاثنين غير قادر على اتخاذ القرار المناسب: " إذ تلاحظ أنه كلما إقترب من عقد إتفاقية مع فردريك، تطلق أشاعة أن سنوبول (تروتسكى) يختبئ فى مزرعة فوكسوود، وعندما يميل للاتفاق مع بلكنجتون يُعلن عن وجود سنوبول بمزرعة بنشفيلد."
ولكن الاحداث الصحيحة التى سبقت الحرب العالمية الثانية تمثلت فى أن الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا تجاهلت محاولات ستالين إقناعها لتكوين حلف بينهم ليضطلع بالدفاع المشترك ضد ألمانيا لان تلك الدول كانت تنتظر إنقضاض ألمانيا الهتلرية على الدولة السوفيتية التى كانت تمثل هاجساً لهم منذ تأسيسها. بلغ تآمر القوى الغربية على الإتحاد السوفيتى اوجه بموافقة انجلترا وفرنسا وإيطاليا فى مؤتمر ميونخ 1938 على أن يضم هتلر أحد أقاليم تشيكوسلوفاكيا وبالتالى فتح شهيته الى التوسع شرقاً. وهذا ما دفع بستالين الى تكتيك عقد إتفاقية "مولوتوف-ريبنتروب" مع هتلر لدرء العدوان الالمانى الى حين.
هنرى كيسنجر فى كتابه "الدبلوماسية" ذكر أن ستالين كان خلافا لقادة الديمقراطيات الغربية " مستعداً للقيام بالدراسة الدقيقة لعلاقات القوة. وبالتدقيق فإن هذا يرجع الى أنه كان مقتنعاً بأن افكاره تحتوى على الحقيقة التاريخية؛ ستالين اتبع المصلحة السوفيتية بلا مساومة متحرراً من ما أسماه ثقل النفاق الاخلاقى و الإرتباط العاطفى.....بدون أن تدرك هذا، لجأت القوى الغربية الى تَخَيُّر القَدَر بالتعويل على تناقض لا حل له بين ستالين وهتلر، وبمكايدة ستالين بعزل الإتحاد السوفيتى عن مؤتمر ميونخ. إن أفكار ستالين الشيوعية جعلته يكون مرناً بشكل مدهش فيما يتعلق بالتكتيك......ستالين كان كالعالم الطبيعى الذى لا يخلق الظاهرة الطبيعية بل يحللها، فإن إدراكه لماذا تحدث هذه الظاهرات تمكنه من تعديلها ولكن إطلاقاً ليس إنطلاقاً من أى شىء غير قوانينها المحدِّده لوجودها."
رغماً عن إختلافهما العميق مع ستالين، الا أن شرشل بمعايشته للأحداث المتعلقة بالموضوع تحت النظر وكيسنجر بعمق معرفته بالتاريخ الدبلوماسى للعالم كانا افطن من أن يدلسا حقائق واضحة وضوح الشمس.
إن المغزى من وراء الترويج لأورويل هو أن الغرب أراد تصوير أن النقد للماركسية المضمن فى الرواية يجئ من إشتراكى توصل للحقيقة وبلغ قمة الإستقامة الاخلاقية والحكمة والموضوعية.
ذكر أورويل في مقدمة الترجمة الاوكرانية لرواية مزرعة الحيوان أن تاليفه لرواية مزرعة الحيوان فرضتها قناعته التى عبر عنها بقوله " أن نسف الخرافة السوفيتية لازم إذا ما شئنا إحياء الحركة الإشتراكية." ولكن إطلاقاً لم يقدم أورويل أى تصور نظرى للإشتراكية التى يريد إحياءها. فأورويل ليس لديه "رؤى" للتغيير وهذا ما جعل الغرب يجد فيه ضالته للهجوم على الإشتراكية فإستخدامه أجدى من الركون لغلاة اليمين الذين تعج بهم المؤسسات الثقافية والسياسية فى الغرب ، فهؤلاء مج الناس آراءهم بسبب الشطط فيها.
نختتم بالتوقف عند ما ذكره ألن براون حول توظيف تدريس رواية مزرعة الحيوان لتمرير الفكرة الإساسية للرواية وهى أن أحداث التاريخ تحركها الطبيعة البشرية الثابتة؛ فالكاتب يذكر فى مقالته المشار اليها أعلاه أن تعظيم دور الطبيعة البشرية الخالدة انجزه النقد الأدبى الذى " وضع أجندة المناقشة والتاكد من أن مفاهيمنا عن التاريخ وتقديراتنا الذاتية تحددها طبيعة بشرية أزلية والأخلاق والقدر. وثمن هذه الحكمة هو جهل مُحَقق بالاساليب نفسها التى يجرى بها تبنى الحقائق الواقعة خارج الزمن فى الثقافة السياسية."
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.