وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    عبد الله يونس.. الصورة الناطقة..!!    الأهلي الأبيض يبدع ويمتع ويكسب الهلال بثلاثية    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإسلام هوية الأمة وطوق النجاة
نشر في الراكوبة يوم 06 - 07 - 2014

فإن "هوية" أي كيان "فردي أو جماعي" هي مجموعة الخصائص والصفات التي يُعرف بها هذا الكيانُ نفسُه، ويعرفه بها غيرُه، وتظلُّ حاضرةً في شعوره، وتمثِّل المرجعية العليا لعقيدته وخلُقه وسلوكه وتعامله، فالهوية-إذًا-بالنسبة لأي كيان هي جوهره الذي يميزه، ومحوره الذي يدور حوله، ومفتاح شخصيته الذي يتم به الدخول إلى كل جوانبه.
والإنسان الذي يحرص على أن يكون لذاته اعتبارٌ وقيمةٌ، ولحياته معنى وغايةٌ لا بدَّ له من هوية يتبنَّاها، ويعتزُّ بها وينتصر لها، ويوالي ويعادي على أساسها، وإلا فهو كيانٌ ضائعٌ، تافِهٌ تابعٌ، فارغُ المضمون، فاقدُ الوجهة.
والمجتمع "ككل" لا بد له من هوية، تكون أولاً بمثابة العقل الجمعي الذي يَعرف به المجتمع انتماءَه الأول، وولاءه الأكبر، ومرجعيته العليا، وتكون ثانيًا المنبع الذي يستقي منه المجتمعُ ملامحَ شخصيته المتميزة المستقلة التي تتأبَّى على الذوبان في غيره، أو حتى الاتباع له في العقيدة أو الفكر أو الثقافة أو النظام، وتكون ثالثًا الحصن الحصين الذي يحتمي فيه أبناء المجتمع، والرباط المتين الذي يضمُّهم، والدافع العظيم لبذل جهودهم واستخراج طاقاتهم وتسخير مواهبهم.
لكل أمة هويتها
لما كانت لهوية المجتمعات والأمم هذه الدرجة من الأهمية فلا عجبَ-إذًا-أن تحرص كلُّ أمة على تأكيد هويَّتها والاعتزاز بها والتصدي بحزمٍ لمحاولات مسخِها أو طمسِها:
- فهذه فرنسا أم التنوير والديمقراطية كما يقولون.. ترفض التوقيع على الجزء الثقافي من (اتفاقية الجات)، حتى تتمكَّنَ من تقييد دخول المواد الثقافية الأمريكية إليها، والتي تَعتبرها فرنسا تهديدًا صارخًا لهويتها القومية.
- وهذه الهند.. يمنع الهندوس فيها بيع الزهور في "يوم الحب"، بل ويحرقون المحلاَّت التي تتجرَّأ على بيعها؛ بزعم أن هذا يتنافَى مع الهندوسية والثقافة الهندية.
- وهذه دولة الكيان الصهيوني تبلغ المدى في التشبُّث بهويَّتها اليهودية، ويتضح ذلك من اسمها وكنيسها وعلَمها وتصرُّفات زعمائها.
الإسلام هو هوية الفرد والامه
فالفرد قد خلقه- الله عز وجل- بقدرته، وشقَّ سمعَه وبصرَه، ومنحَه سائرَ حواسِّه، وأودع فيه هذا العقلَ البديعَ، ومن ثَمَّ فإذا تُرك الإنسانُ لنفسِه دونما مؤثِّراتٍ خارجيةٍ مُفسِدة لنشأ مسلمًا مؤمنًا بربه عز وجل، محبًّا لمعرفته، راغبًا في امتثال أمره، ساعيًا في مرضاته.. إنه رصيدُ الفطرة التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30)، وقوله- صلى الله عليه وسلم-: "كل مولود يولد على فطرة الإسلام فأبواه يهوِّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
ربما يعتنق الإنسانُ عقيدةً غير التوحيد، أو يتبنَّى فكرةً غيرالاسلام، متأثرًا بوسائل العرض أو بزخرف القول، فإذا خَلاَ بنفسه وتفكَّر في حاله بهدوء وتعمُّق.. استطاع أن يلتقط هاتفَ الفطرة المنبعث من أعماقه، فيشعر بالصراع في داخله والحرج في صدره، فإذا تعرَّض هذا الإنسان لموقف شدة لا قِبَل له به انكشف الزَّيْفُ الذي طالما غطَّى فطرتَه، وهذا ما أشار إليه ربنا- عز وجل- في مثل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (يونس: 22).
والأمة قد اختار الله عز وجل لها الاسلام منهجًا لصلاحِها وخيرِها، ورضِيَه لها، وجعله عنوانًا عليها، استمعوا إلى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (78) (الحج)، وهذه الحقيقة الإيمانية قد انبثقت منها حقيقةٌ واقعيةٌ تاريخيةٌ، فما صارت هذه الأمة ذات كيان قائم الأركان متماسك البنيان إلا ب الإسلام، إنها لا تُعرف إلا بوضعِها "أمة الإسلام"، ولا تُذكَر إلا مرتبطةً باسمه، به قامت حضارتُها ونهضتُها، وتحقَّقت عزتُها وكرامتُها، وامتدَّ سلطانُها ونفوذُها.. ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾(الأنبياء: 10).
لقد ظلَّت الأمة المسلمة محتفظةً بهويتها، معتزَّةً بشخصيتها على مدار تاريخها، رغم موجات المدّ والجزر التي تعرَّضت لها، حتى كان التآمر على الخلافة، وهي شعار هويتها ورمز وحدتها، فظهر فيها قادة وزعماء يرفعون فيها أنواع الرايات، وينادونها بمختلف الدعوات.
- فمنهم من كان لبُّ دعوته وكل قضيته الوطن المحلِّي فحسب، لا يعنيه سواه، ولا يعمل لغيره، ومثل هذه الدعوة ستجد نفسها أمام خمسة وخمسين وطنًا إن اتفقت على أمرٍ اختلفت على أمور، وإن توحَّدت على قضية تفرَّقت على قضايا، بل وتنازعت وتصارعت.
- ومنهم من هتف في الأمة بالقومية العربية- فحسب- وحاوَل أن يقودها باسمها، ويدخل عليها من بابها، ومثل هذه الدعوة تثير- بلا شك- سائرَ النعرات القومية "كرديةً، وتركمانيةً، وفارسيةً، وحبشيةً، وبربريةً.. وغيرها"؛ حيث تتباين الوجهات وتتعارض المصالح.
-ومنهم من حاول أن يبثَّ فيها الأفكار المستوردة والدعوات الدخيلة، من شيوعية وليبرالية وعلمانية وغيرها، فازداد أبناؤها تشرذُمًا، وازدادت أحوالها تأزُّمًا، تصدَّع بنيانُها، وذهب ريحُها، وتمكَّن منها أعداؤها.
فإذا قام من ينادى الأمة باسم الله تعالى، ويقودها بكتابه وسنة حبيبه-صلى الله عليه وسلم-وجد التناغم والتجاوب والإقبال والالتفاف والارتفاع فوق مبرِّرات الفرقة والاختلاف. أرأيتم كيف انصهرت القوميات والثقافات في بوتقة الإسلام فارتبط صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي برباط الأخوَّة الإسلامية العظيمة؟! أرأيتم كذلك كيف أفسح الاسلام المجالَ أمام الأعراق والجنسيات المختلفة؛ ليكون فيهم القادة النابغون والأبطال القادرون، أمثال صلاح الدين الأيوبي "الكردي" وسيف الدين قطز "المملوكي- الأجنبي الأصل"؟!
ثمار الهوية الإسلامية
إن الهوية الإسلامية تحقق للأمة كلَّ خير وتدرَأُ عنها كلَّ شرٍّ، فهي بمثابة دائرة واسعة جامعة، تضمُّ داخلها سائرَ الدوائر وتنتقي منها الطيب وتنفي عنها الخبيث، والدُّعاة إلى الهوية الإسلامية هم أوسع الناس أفقًا وأرحبُهم صدرًا؛ لأنهم حين يتحركون في نطاق الدائرة الإسلامية فإنهم بالضرورة يمرُّون بسائر الدوائر، ولا يتحقَّق هذا لمن يقفون عند حدود تلك الدوائر الداخلية الضيقة ولا يتجاوزونها.
"فالوطنية إذا كانت تعني حب الإنسان لوطنه والحنين إليه والسعي لتحقيق حريته وعزَّته، ولالتئام شمل أبنائه ودفْع أسباب الفرقة والشقاق عنهم.. فهي بهذا المعنى من صميمِ السلام، ويحثُّ عليها الاسلام، كيف لا وقد قال- صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا مكة حين أخرجه أهلُها منها: "والله إنكِ لأحبُّ بلاد الله إلى الله وأحبُّ بلاد الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت"؟! وقال للشاعر "أصيل" وهو يذكر مكة في أبيات له: "يا أصيل. دع القلوب تقر".
والقومية إذا كانت تعني عمل الفرد لخير قومه وسعادتهم، والاعتزاز بمجد الأسلاف وعظمتهم، والسعي لاستعادة مجدهم وعزتهم. فهذا كله جميلٌ لا يأباه الاسلام بل يجعله من واجبات أتباعه.
والعروبة لها في الاسلام مكانٌ بارزٌ وحظٌّ وافرٌ، فالعرب هم أمة الإسلام الأولى، بدعوتهم عمَّ الإسلام وانتشر، وبجهادهم عزَّ وانتصر، وقد ارتبط حالُ الإسلام بحالهم، ومصيرُه بمصيرهم، واقرأوا في هذا قوله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا ذلَّت العرب ذلَّ الاسلام".
والرابطة الإنسانية لم تجد من ينادي بها ويرسى دعائمها مثل الإسلام كيف لا وقد أكد الاسلام نشأة الناس من أصل واحد؟! فهم يرتبطون بنسب الأخوَّة الإنسانية العامة. تدبَّروا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، ثم جعل الإسلام أساس التفاضل بين الناس التقوى والعمل الصالح وليس العِرق والجنس واللون واللسان، وهذا ما تدل عليه بقية الآية الكريمة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: من الآية 13).
وهي خير ضمان لحقوق المواطنة، فحين يتعامل الحاكم مع الرعية من منطلق الإسلام يؤدي حقوقها ويقيم العدل فيها، ويحفظ كرامتها، ولِمَ لا وهو يقرأ مثل قوله تعالى﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾(النساء: من الآية 58)؟! ويقرأ مثل قوله-صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته."؟! ويقرأ سيرة القدوات من سلفنا الصالح، من مثل قول الفاروق عمر رضي الله عنه: "لو عثُرت بغلة بشطِّ الفرات لخشيت أن يحاسب الله بها عمر لِمَ لم تمهد لها الطريق؟!".
وحين يتعامل المسلمون بمنهج الاسلام مع أهل الديانات الأخرى فإنهم يلتزمون معهم بالعدل والإنصاف والبر والإحسان؛ لأنهم يقرأون في كتاب الله تعالى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8)، ويقرأون فيه أيضًا إحدى عشرة آية نزلت في تبرئة ساحة زيد بن السمين اليهودي من تهمة سرقة درع ألصقَها به طعيمه بن أبيرق المسلم، وذلك بدءًا من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105).
ويقرأون قوله- صلى الله عليه وسلم-: "من آذى ذمِّيًّا فقد آذاني" ويعرفون مواقف الأسلاف المبهِرة في التعامل مع أهل الكتاب، ومن ذلك موقف عمر- رضي الله عنه- من ابن عمرو بن العاص الذي تجرَّأ وضرب قبطيًّا لمكانة أبيه الوالي، قائلاً له: "خذها وأنا ابن الأكرمين" فإذا بعمر يعطي الدرَّة للقبطي ليقتصَّ من ابن عمرو ويقول له "اضرب ابن الأكرمين"، ولا يكتفي بهذا بل يقول: "اجعلها على صلعة أبيه، فوالله ما ضربَك إلا بعزِّه".. الله أكبر ما هذا أيها الناس؟! أروني بالله عليكم عدلاً كهذا أو قريبًا منه في طول الدنيا وعرضها الآن!!
وهي خير دافع لإطلاق الطاقات، وتسخير الملكات، وتقويم التضحيات؛ ليصبَّ ذلك كله في تقدم الأمة ونهضتها ورفع شأنها ومكانتها؛ لأن أبناء الأمة إنما يفعلون هذا لوجه الله تعالى وطلبًا لمرضاته وإعلاءً لكلمته؛ وذلك لأنهم يقرأون قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105) وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" ويسمعون عن حرص أم المؤمنين السيدة عائشة- رضي الله عنها- على تعطير الدرهم قبل أن تضعه في يد المسكين، معلِّلةً ذلك بقولها: "إنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد المسكين".
وهي من أهم أسباب تحقيق الأمن والاستقرار في المجتمعات المسلمة وتعميق الانتماء والولاء، وذلك حين تتبنَّى الأنظمة الإسلام منهجًا للحياة ودستورًا للتشريع، فيحدث التوافق والانسجام بين الأنظمة والشعوب، وإلا لسادَ التوتر والاضطراب والتناقض والاغتراب.
محاولات طمس الهوية
لما كان لتأكيد الهوية الإسلامية كلُّ هذه الآثار والثِّمار فإن أعداء الأمة يحرصون بكل سبيل مستطاع على طمسِها وتغييبِها.. اسمعوا إلى ما قاله أبو إيبان في آخر سنة 1976م في جامعة برنستون الأمريكية: "يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبِه الإسلامي بعد الهزيمة، وفي ذلك الخطر الحقيقي على إسرائيل؛ ولذا كان من أول واجباتنا أن نُبقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي".
واقرأوا ما كتبته صحيفة يديعوت أحرونوت) بتاريخ 18/3/1978م ويجب أن يبقى الاسلام بعيدًا عن المعركة إلى الأبد؛ ولهذا يجب ألا نغفل لحظةً واحدةً عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية، بأي شكل وبأي أسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا".
واسمعوا إلى كلام نيكسون في كتابه (انتهِز الفرصة): "إننا لا نخشى الضربة النووية ولكن نخشى الإسلام والحرب العقائدية التي قد تقضي على الهوية الذاتية للغرب".
فهلاَّ فطنت الأمة- حكامًا ومحكومين- لهذا الكيد الخطير وهذا الشرّ المستطير، فازدادت تشبثًا بهويتها، وإصرارًا عليها، واعتزازًا بها، وترجمت ذلك في دساتيرها وتشريعاتها، وتعليمها وإعلامها، وآدابها وفنونها
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.