"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بمناسبة تحديث مكتبة جامعة الخرطوم: دوْجلاس نيوبوْلد: كوْلونيالِي نَبيْل ..
نشر في الراكوبة يوم 25 - 08 - 2014


أقرب إلى القلبِ:
(1)
كتب ك.د.د.هندرسون:
في صلاة الجنازة في كاتدرائية الخرطوم يوم 24 مارس وبعد ذلك في المقبرة، تجمّع عدد غفير من كل الطبقات والجاليات، سودانيون وأقباط، بريطانيون ويونانيون وسوريون وأرمن، ليقدموا عزاءهم وتقديرهم للراحل(أحد الأجانب وقد وصل الخرطوم عصر يوم وفاة نيوبولد علق على الظاهرة الاستثنائية: "مدينة تنتحب"). لقد أدركوا أنه ناضل من أجلهم ومن أجل السودان إلى أن انهارت قواه ولم يتمكن من مقاومة تسمم الدم. لقد ظن أطباء القاهرة أن سنه تربو على الستين، في الوقت الذي كان عمره خمسين فقط، كل ذلك بسبب الإجهاد من نشاطاته المتعددة..
( ص 335 من كتاب "كيف أعد السودان الحديث " تأليف وتحرير ك.د.د. هندرسون وترجمة محمود صالح عثمان صالح)
ما بالي أكتب هذه المرة عن كولونيالي بريطاني عاش قبل نحو سبعين عاماً في السودان، اسمه دوجلاس نيوبولد..؟
(2)
توليتُ إدارة الشئون القنصلية في رئاسة وزارة الخارجية، أواخر تسعينات القرن الماضي، وكان لافتاً أن الإدارة القنصلية، والتي لم تكن أبداً من الإدارات الجاذبة، هي في نظر قيادة الوزارة من الإدارات الهامشية التي لا يرى الكثير من الدبلوماسيين أن لها من الأهمية ما للإدارات السياسية، قلب الوزارة. تُوكل الإدارة القنصلية في أغلب حالاتها، لمن حلت بهم غضبة الوزارة فتقذف بهم إلى الأطراف البعيدة، معنىً وشكلا. وكنت وقتها ممن لحقت بهم لعنة مؤقتة من طرف قيادة تلك الوزارة.
شغلتْ إدارة الشئون القنصلية مبانٍ قديمة، شيّدت على النسق الكولونيالي العتيق. لكن بعد مرور هذه السنوات الطويلة، لا أحد يهتم جاداً بصيانة لها، فيما مبنى "بيت الحمام"، مقر الاتحاد الاشتراكي السابق على أيام حكم النميري (1969-1985)، والذي يقع في الطرف الشمالي، لحقته يد الصيانة، بل ويد التجديد وإعادة بناء معظم هياكله، ليصبح ذلك المبنى الكبير لوزارة الخارجية بشكلها الحالي، الذي نراه مُطلاً على بعد أمتار من شاطيء النيل الأزرق.
قليلون مَن كانوا يعرفون أن ذلك المبنى القديم، هو مسكن السكرتير الإداري البريطاني السابق لحكومة السودان السير دوجلاس نيوبولد، اليد اليمنى لحاكم عام السودان السير هدلستون، وذلك حتى تاريخ وفاة نيوبولد في مارس من عام 1945.. في تلك المكاتب التي احتلتها إدارتي في تسعينات القرن الماضي، عاش فيها ذات يوم كولونيالي نبيل، أحبّ السودان وقضى أكثر سنوات عمره متنقلاً بين مدنه وقراه وفيافيه ووديانه، إدارياً حاذقاً وهميماً، إلى أن تولى منصب الساعد الأيمن لحاكم عام السودان، سكرتيراً إدارياً له. والمدهش أن الرجل أدار في تلك الفترة ملفات العلاقات الخارجية وملف علاقات السودان مع مصر وشمال افريقيا واريتريا والحبشة (أنظر صفحة 322 من كتاب هندرسون المشار إليه أعلاه)، وله إشارات مهمة مثلا عن زيارة الملك فاروق إلى حلايب عام 1944. أعرف أن دكتور حسن عابدين وقت أن شغل منصب وكيل الوزارة، تردّد كثيراً في مسألة إزالة البيت الذي عاش فيه نيوبولد، ولكن في نهاية الأمر قبلت بهدمه الجهات التي تملك القرار، ثم شيدتْ وزارة الخارجية على أنقاضه وبعد عام 2005، البناية الجديدة التي تحتضن إدارات المراسم والشئون القنصلية والإعلام، والمطلة على شارع الجامعة.
(3)
لدوجلاس نيوبولد مهام متعددة، فكونه سكرتيراً إدارياً للحاكم العام جعل منه مستشاراً سياسياً وإعلامياً وتعليمياً له، ولقد عُرفت عن الرجل همته العالية، إذ لم يقتصر اهتمامه بهذه المجالات فحسب، بل أكثر اهتمامه كان على التمهيد للحكم الذاتي الذي يتيح لأهل البلاد إدارة شئونها بأنفسهم آخر الأمر، وقد جعل الرجل هذا الملف من أوكد مهامه كسكرتيرٍ إداري ومساعدٍ للحاكم العام. ولعل ملف التمهيد للاستقلال عبر كيان تجريبي مثل "المجلس الاستشاري لشمال السودان"، والعمل على تنفيذ سياسة السودنة، هي التي قادت نيوبولد للنظر في ملف التعليم بعين فاحصة وعقل متعاطف. لم تكن جولاته إلى القدس ليطلع على تجربة كليتها الجامعية، ولا رحلته إلى يوغندا لينظر في تجربة كلية "ماكريري" الجامعية، بغير هدفٍ، أو هي رحلات للترويح فحسب. كان طبيعياً أن ترتبط اهتمامات الرجل بتهيئة أهل البلاد لحكم أنفسهم بأنفسهم، برؤيته لموجبات العناية بالتعليم وبتنمية القدرات وترقيتها، والإفادة من التجارب الشبيهة.
تكشفت لصناع السياسة العاقلة في أوروبا، أن الحكم الكولونيالي مصيره إلى زوال تدريجي، ولم تعد الأخلاق السياسية التي سادت بعد انطواء ويلات سنوات الحرب العالمية الثانية، لتقبل بسياسات استعمارية كولونيالية. في لندن بدأت وزارة المستعمرات ووزارة الخارجية، تعملان بجدٍ على ترتيب الأمور لطيّ تلك الصفحة البغيضة مع الكثير من مستعمراتها فيما وراء البحار، وما كان لهما إلا الإذعان والقبول بحق الشعوب في إدارة شئونها. زاد الوعي وتعاظمت الحركات الوطنية، وطالبت الشعوب بالصوت الجهير بحقها في تقرير المصير والاستقلال وامتلاك والقرار والعيش بكرامة. أقرّت المواثيق الدولية التي توافق عليها المجتمع الدولي بعد أن وضعت الحرب أوزارها، على تلك الحقوق وأهمها ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان..
في مجال رفع القدرات وتطوير هياكل التعليم في السودان، كان طبيعياً أن يختار الحاكم العام مساعده الأول السير دوجلاس نيوبولد، ليكون رئيساً لأول مجلس لإدارة الكلية الجامعية التي تقرر إعلانها في الخرطوم عام 1945، وهو الرجل المناسب في نظره لإنجاز المهمة. جرى ربط الكلية بجامعة لندن، غير أن ظروفا طرأت- وربما بينها وفاة نيوبولد نفسه - أرجأت إعلان ترفيعها باسمها الجديد: كلية الخرطوم الجامعية إلى عام 1951، بعد ست سنوات من وفاة نيوبولد..
(4)
لنعد إلى ظروف اندلاع الحرب العالمية الثانية.. فقد استشعر خلالها الكولونيالي النبيل مساعد الحاكم العام "دوجلاس نيوبولد"، أهمية العمل الإعلامي، وضرورة إذكاء روح المقاومة لمجابهة الأطماع الألمانية والايطالية، خاصّة بعد أن اقتربت من السودان، إذ توغلت في شرقه قوات موسوليني إلى اثيوبيا واريتريا، وإلى غربه تنمّرَ الألمان الطامعون في صحارى ليبيا. يذكر التاريخ دوراً مهما للقوات السودانية التي شاركت في التصدي للقوات الإيطالية والألمانية في اثيوبيا واريتريا وفي ليبيا. تحفظ الذاكرة السودانية عبر التوثيق الفني، رحلات مطربين سودانيين مثل عائشة الفلاتية وأحمد المصطفى وحسن عطية، قاموا برحلات للترفيه ولتشجيع القوات السودانية وإذكاء روح المقاومة. كتب نيوبولد لاحقاً، أنها المشاركة السودانية هي الأكبر من بين كل المشاركات الأخرى من أي بلد آخر في "الشرق الأوسط". دأب نيوبولد- وفي اطار معالجته لملفات العلاقات الخارجية- يكتب لرؤسائه بفخر عن هذا الدور في أجواء المواجهات تلك، بل كانت مناشدته أن تعيد الخارجية البريطانية النظر في أن يتم اعتماد السودان ضمن منظومة بلدان الشرق الأوسط.
أثناء استعار الحرب العالمية الثانية، برزت فكرة الاهتمام بمخاطبة الرأي العام لأغراض التعبئة وقطع الطريق على الدعاية السياسية الألمانية. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء إذاعة تنقل صوت الحكومة وتنبيه الشعب للمخاطر المحدقة بالسودان. سهر دوجلاس نيوبولد ومعه مدير قلم المخابرات المستر "بيني" ومساعده اللبناني المكلف بالإعلام والعلاقات العامة "إدوارد عطية"، على إنجاز الفكرة وإخراجها مشروعاً مسموعاً في عام 1940، وكانت تلك بداية انطلاق الإذاعة السودانية: "هنا أم درمان". كان "دوجلاس نيوبولد" يكن تقديراً كبيراً لإدوارد عطية، وشجعه وحفزه لإنجاز المهمّة. لو نظرنا لما تحقّق في تلك الفترة والحرب العالمية الثانية في أوج اشتعالها، لأدركنا كيف عزَّزت الإذاعة السودانية من الرّوح المعنوية للقوات التي كانت تقاتل في الجبهتين، في شرق السودان وفي غربه.. تلك من منجزات نيوبولد المهمة..
(5)
لن ننصف نيوبولد إن لم نذكر دوره الفاعل في التمهيد للحكم الذاتي لسبب يتصل بقناعاته الأخلاقية والفكرية، وهو الكولونيالي الراسخ الذي جاء إلى السودان في عشرينات القرن العشرين، وفتح قنوات تواصل مع النخب المتعلمة، وأولئك الذين كانوا ينطقون باسم مؤتمر الخريجين. عمل الرجل حثيثاً على الاستعانة بالقيادات المحلية لتشارك في إدارة شئون البلاد، توطئة لمرحلة تنال فيها البلاد استقلالها بالكامل. ولن ننصف الرجل إن لم نذكر دوره في سنوات الأربعينات في تطوير كلية غوردون، لتصبح- فيما بعد وفاته- كلية الخرطوم الجامعية، والتي وهبها مكتبته الشخصية لتكون نواة لمكتبة جامعة الخرطوم التي شمخت بعد ذلك، في سنوات لم يشهدها نيوبولد، والتي صارت رمزاً لنهضة التعليم، وحملت العملة السودانية الورقية صورتها بافتخار. لم يقف اهتمام الرجل بالتعليم على إنشاء الكلية، بل مدّ اهتمامه إلى معهد بخت الرضا، وإلى تشجيع التعليم النسوي والتعليم قبل الجامعي، بصورة عامة، في جميع أقاليم السودان..
لن ننصف الرجل إن لم نشر إلى دوره في تشجيع المنتديات الثقافية، وفي ابتدار محاضرات عامة تقدم في دار الثقافة في الخرطوم لجمهور من البريطانيين والسودانيين، إضافة إلى مبادرته في الحوار مع المتعلمين خريجي الكلية الجامعية، وإن بدأ بصورة خجولة، لكن تشير الوثائق إلى مراسلات متبادلة تمت على نسق متواتر مع بعض قادة مؤتمر الخريجين، ومكاتبات عامة وشبه شخصية مع أبكار النخب السودانية المستنيرة أوانذاك ، مثل مكي عباس وسليمان أكرت وعبد الكريم محمد وأحمد عثمان القاضي (والأخيران يحملان وسام الامبراطورية البريطانية، وأبديا اهتماما بضرورة ابتعاث السودانيين لتلقي الدراسات العليا في بريطانيا). ذلك ما أثبته هندرسون في كتابه الذي حرره ونشره عام 1952، وضم بين دفتيه الأثار الفكرية والمراسلات الشخصية للسير نيوبولد.
عوداً إلى الكلية الجامعية في الخرطوم، لم يكتفِ نيوبولد بإدارة مجلسها فحسب، بل سعى لطلب اعتمادات مالية من لندن تصل إلى مليون جنيه استرليني، لتمويل مشروعات التعليم في السودان، وأولها بل وأهمها الكلية الجامعية في الخرطوم ولابتعاث سودانيين للدراسات العليا في بريطانيا. غير أن حسرته كانت كبيرة، إذ لم يتحمّس البرلمان في لندن لطلبات السكرتير الإداري في الخرطوم، ولا استجاب لها، برغم دعم الحاكم العام في الخرطوم لها. وبعد أن رحل الرجل في مارس من عام 1945، إذ شاء له القدر أن لا يشهد ترفيع كلية غوردون لتصبح كلية الخرطوم الجامعية في عام 1951، أجازت الحكومة البريطانية الدعم المطلوب بضعف ما اقترحه نيوبولد (نذكر أن عدداً من السودانيين ابتعثوا بعد ذلك للدراسات العليا في بريطانيا منتصف سنوات الاربعينيات، بينهم عبدالله الطيب وجمال محمد أحمد). مات الرجل بغصته قبل أن يدرك جليل ما قدم لبلد أحب أهله ودعم التعليم فيه. .
(6)
للتأكد من مقبرة السير دوجلاس نيوبولد في الخرطوم، دلفت في نهار خريفي في أغسطس هذا العام، لزيارة المقابر الانجليزية قبالة مدرسة القديس فرانسيس، وهي التي حفظت رفات ضحايا الحرب وكبار الإداريين من البريطانيين، فرأيتها هناك.
حين قمتُ بجولة خاطفة لجامعة الخرطوم منتصف أغسطس 2014، والجامعة لا زالت مقفلة الأبواب، لم أجد طلاباً يملأون طرقاتها وردهاتها، بل قردة تتقافز هنا وهناك. ولكن أثار دهشتي حين زرت مكتبة الجامعة وهي المكتبة التي أهداها السير دوجلاس نيوبولد جميع كتبه الشخصية ذلك التجديد الكبير الذي تقوم به الإدارة الحالية للمكتبة، بهدف تحديثها، وصيانة مبانيها وتجديد أثاثاتها وإثراء أرففها بالإصدارات الجديدة، وأيضا سعيها الموفق في مجال استخدام التقنيات، والتحوّل المضطرد إلى عوالم المعلومات الرقمية والفتوحات الإلكترونية. رأيت عملاً خارقاً ينجز بجهد حثيث، تشرف عليه إدارة المكتبة الحالية، من طرف الدكتور الكبير أحمد حسن الفحل، ومساعده مسجل المكتبة الأستاذ أحمد العوض.
ثمة أجنحة قامت على تشييدها وتنشيط فعالياتها، بعثات دبلوماسية أجنبية في الخرطوم، بثت من منابرها بعض ثقافاتها وفنونها المتميزة. يجري ذلك التحديث بموارد ذاتية وبعيداً عن نظر الإعلام، وإنه لعمل شاق ودقيق أنجزته أيدٍ صادقة العزم، وبمثابرة قوية الإرادة، حفظت لمكتبة جامعة الخرطوم مكانتها التاريخية، هرماً من اهرامات التعليم ومنارة شامخة، لنا أن نعتز بدورها في قيادة سفينة التعليم العالي والدراسات العليا، إلى آفاق النجاح المأمول. هذا عمل يحدث عن نفسه، لكن لنا أن نفخر بهذه الهمة العالية لنفرٍ حفظوا الجميل لصرحٍ تعليمي كان إحدى منارات أفريقيا الثقافية ..
(7)
برغم تلك المنجزات اللافتة، فقد استوقفني أمرٌ أثار حسرة أخفيتها عن صديقنا مسئول المكتبة الأستاذ أحمد العوض، فيما كان يرافقني في جولة على أركان مكتبة الجامعة، برغم مشغولياته الكثيرة. كان حرياً أن تعمل مكتبة الجامعة على التعبير عن قيمة الوفاء السامية، بإبراز اسم الرجل الذي أسهم مساهمة فعلية في تطوير الجامعة، وفي تأسيس مكتبتها الشامخة. كنت أحفظ في ذاكرتي الآفلة تمثالاً نصفياً لكولونيالي، نعم.. لكنه كولونيالي نبيل، أسس مكتبة جامعة الخرطوم الحالية، وكان أول رئيس لمجلس إدارة ما كان يعرف بكلية الخرطوم الجامعية. حتى على أيام دراستنا في جامعة الخرطوم في سبعينات القرن العشرين، كنت أعبر تلك الردهة التي كانت عليها منصة متواضعة، يقف ذلك التمثال النصفي للسير دوجلاس نيوبولد، على سطحها، إن لم تخني الذاكرة..
لعلي اقترح إلى ذلك، أن تبدي وزارة الخارجية بعض الوفاء لرجل كولونيالي نبيل، كان مهتماً بملفات السودان الخارجية، حتى قبل أن ينال البلد استقلاله، وكان سكنه في ذات الموقع الذي يشكل الآن المبنى (ب) للوزارة، فليس أقل من أن نثبت لوحة على واجهة المبنى تشير إلى بعض فضائل الرجل، أو أنه كان يسكن في ذات المكان.
وأكثر من ذلك، فقد كنت أتصور أن تحفظ مكتبة جامعة الخرطوم لوحة تقديرية، تحمل صورة الرجل ونبذة عما قام به، تكون في مدخل المكتبة، تثبت دوره، وتعكس إجلالنا لإسهامه في إنشاء وتطوير مكتبة جامعة الخرطوم. وإذ علمت من الأستاذ أحمد العوض مسجل المكتبة، أن العمل بسير حثيثاً لاستكمال متحف معتبر، يحوي قصة الجامعة وقصة مكتبتها وتوثيق مسيرة تطورها، فإن الوفاء لمن أسهم لن يغيب عن بال رجال أشرفوا بهمّة على عمل جليل يعيد للجامعة بريقها التاريخي، ولمكتبتها بث إشعاعها في الأنحاء، منارة للعلم وللثقافة. ليت إعلامنا وليت قنواتنا الفضائية تلتفت للذي رصدته بعينيّ في جامعة الخرطوم من جهد وعمل كبير، يستوجب الدعم والمساندة والترويج.
++++++
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.